كورونا الربيع.. خطّ رجعة للفرح / بشير البكر

نحن في أول أيام الربيع. هناك شمس حميمة رغم أن دفأها لم يكتمل بعد، هي تشبه حبة لوز حليبية ذات زغب. الطيور مسرعة جداً نحو الشمال، وتطير على ارتفاع منخفض من سطح البحر. طيور عائدة من الجنوب بعدما أمضت الشتاء هناك. هي أشكال ألوان وأحجام مختلفة، ولكل منها سربه الخاص. أقرأ في سرعة طيرانها أنها متلهفة جداً للعودة الى الربيع الوشيك هناك في أوروبا البعيدة ما وراء البحار. هذه الطيور تأتي في الخريف من أقاصي الكرة الأرضية، الطرف الشمالي، وتذهب نحو الجنوب، إلى بلدان الخليج وشط العرب في العراق، هرباً من البرد والصقيع الأوروبي. لكن ما أن تصلها إشارات الربيع، تبدأ رحلة العودة من أجل الاحتفالات الكبرى. أعراس الطيور في أول الربيع، وبناء الأعشاش بانتظار التفريخ والزغب والريش.

أول الربيع، وها هي الأشجار في محيط البيت بدأت تزهر وكأنها في سباق. كل واحدة تريد أن تزهو أمام جارتها بحسن الثوب الجديد، كما يتباهي الأطفال بثياب العيد. وهناك بعض الأشجار تتبجح بألوانها التي تحمل فائضاً من الجمال لا طاقة للعين به. اللوز غير كل الأشجار، ويسبقها جميعها حين يبدأ الزهر الأبيض في عز برد شباط/فبراير. زهر الرمان لا يشبه زهر الخوخ والليمون والمشمش. تشكيلة من الأبيض والزهري والوردي تجعل من شمس هذا النهار هدية لي، أنا الذي ينتظر عاماً كاملاً، ليترك لمزاجه أن يسترخي وسط هذه الكائنات اللونية ذات الإشراق الذي لا حدود له.

أول أيام الربيع، صفحة البحر ملساء هادئة، لا رياح ولا أمواج. سكون تام، كما في لوحة لهنري ماتيس، يزيد منه أن السماء خالية من الطيران، ما خلا طائرتين، واحدة تستعد للهبوط في مطار اسطنبول، والثانية أقلعت منه. وكلاهما لا تثير ضجة اعتادها سكان حي فلوريا الذي يمر فوقه الطيران الهابط إلى اسطنبول. هدوء يكسر إيقاعه متنزهون يخرجون في الصباح الباكر للقيام بتمرين المسير اليومي في كل فصول العام. وحين يحل الربيع، تتزايد أعداد رواد الكورنيش، ليس حباً بالرياضة، بل من أجل متعة المشي بجوار هذا الأزرق الساحر. لكن رواد الكورنيش هذا الصباح يسيرون والشاطئ على غير عادته. ثمة ما هو ناقص في المشهد العام. المقاهي البحرية التي تكون عامرة بزبائن الافطار الصباحي المتميز الذي يبدأ باكراً، ويستمر حتى ما بعد الظهيرة، كلها مغلقة بسبب إجراءات مواجهة كورونا، وسفن الصيد الصغيرة التي تبحر ليلاً وتعود في الصباح لا أثر لها.

أول أيام الربيع، ولا تبدو وجوه رواد المسير الصباحي على ما كانت عليه قبل أيام. الملامح تتغير يوماً بعد آخر. هناك قلق لا يرقى إلى الهلع. هو توجس الخائف غير المذعور الذي يترك خط الرجعة إلى لحظة الفرح. حسرات في العيون التي تكتظ بالأسئلة والحيرة. وما يجعل الأمر مؤلماً هو أن أحداً لا يمكنه أن يشفي الغليل ويقدم وصفة تجعل الناس تتنفس الصعداء. يسير المتنزهون بسرعة وببطء، يحيّون بعضهم، أو يعرضون. سيان. لا شيء في الملامح يوحي براحة البال. انهم ينتظرون، كما هو حال المريض الذي يتمتع بصحة جيدة، ومن ثم اكتشف أنه على طريق مرض عضال، نسبة الشفاء منه ليست مضمونة.

أول أيام الربيع، حزن يطفو فوق الأرواح، وكأن هذه الجموع في اللحظات الأخيرة من الحياة تنتظر عدواً، لا تعرف كيف تتعامل معه. عدو قد يباغت في أي لحظة. غير مرئي، وموجود في كل مكان. يشبه اللغم المدفون في الرمل. يتربص بكل منا في لحظات الضعف والقلق، في أول أيام الربيع التي لا يليق بها سوى الاحتفالات والأعراس.

(*) شهادة كتبها الشاعر السوري بشير البكر لـ”المدن” عن يوميات كورونا.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This