استخدام الخيال.. رواية رشيدة لمرابط تحصد جائزة المجتمع الفلاماني / فاتنة الغرة

منذ روايتها الأولى “بلد امرأة” التي صدرت عن دار ملينهوف 2007، وضعت الروائية البلجيكية المغربية الأصل رشيدة لمرابط حجر الأساس لمشروعها الروائي الذي لفت أنظار الوسط الثقافي الفلاماني حيث استطاعت في روايتها أن تغزل الثقافتين اللتين تنتمي إليهما، المغربية والفلامانية، لتقدم نسيجاً موحداً وشخصيات ثرية وأحداثاً جديدة لم يعهدها القارئ البلجيكي في أدبه المكتوب بالهولندية الأمر الذي جعلها لأول مرة تفوز بجائزة عن روايتها الأولى بعد عام على نشرها.
تستكمل لمرابط في روايتها الخامسة “أخبر شخصاً ما” الصادرة عن دار النشر العريقة “Polis” 2018 مشروعها الروائي عبر قصة شاب مغربي قاتل مع فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، حينما كان المغرب آنذاك مستعمرة لفرنسا، ويشهد في مذكراته على رعب الحرب والعنصرية، وعلى قصة رسّام أوروبي يقع في غرام امرأة ريفية هي أم هذا الشاب حيث تستعرض صاحبة “طفل الإله” (2008) من خلال هذه الحبكة تاريخ وحكايات هذه الفترة التاريخية التي أثرت في تاريخ وحاضر الشعب المغربي كما تسلط الضوء على مفاهيم إنسانية مثل الحرية وحقوق الإنسان وكيف تدوس الحرب بأقدامها كل هذه المفاهيم، لكنها أكدت في تصريحٍ لـ”ضفة ثالثة” أنها أرادت من خلال هذه الرواية “لفت الانتباه ليس فقط إلى مساهمة الجيوش الاستعمارية خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن أيضاً إلى الاعتراف بهذه المساهمة وتكريمها وخاصة تضحية الشباب من المستعمرات الفرنسية والبريطانية”. وترى لمرابط أنه من العار ألا يتم تسليط الضوء على مساهمة هؤلاء الرجال العرب والأفارقة والآسيويين في الحرب أثناء الاحتفال بمرور 100 عام على الحرب العالمية الأولى قبل بضع سنوات، لأن الأمر لا يتعلق بحفنة من الناس، بل بحوالي مليوني جندي من المستعمرات السابقة حاربوا تحت الأعلام البريطانية والفرنسية وكثيرا ما استخدموا كبش فداء لقادتهم.
“تخبرنا لمرابط عن روايتها الأخيرة “أخبر شخصاً ما” التي حازت مؤخراً على إحدى أهم الجوائز الأدبية في بلجيكا: “إنها قصة ذات محتوى مرير، جندي مغربي شاب يخاطر بحياته في الخنادق اللاإنسانية لكنه حكم عليه بالإعدام بسبب جملة محذوفة في مذكراته””
تخبرنا لمرابط عن روايتها الأخيرة “أخبر شخصاً ما” التي حازت مؤخراً على إحدى أهم الجوائز الأدبية في بلجيكا: “إنها قصة ذات محتوى مرير، جندي مغربي شاب يخاطر بحياته في الخنادق اللاإنسانية لكنه حكم عليه بالإعدام بسبب جملة محذوفة في مذكراته، حيث يكتب جملة في مذكراته انطلاقاً من خياله لتكون هذه الجملة سبباً في موته، وما أردت قوله هنا أنه من الخطر في بعض الأحيان استخدام خيالك، فالكتابة تحمل معها المخاطر غالباً، وكلنا يعتقد أن هذه الحرية التي لا حدود لها هي حق مكتسب في الغرب، ودعيني أقول أنه ولسوء الحظ ، ليس هذا هو الحال، ولا حتى في ما يسمى الغرب الحر”.
رشيدة لمرابط ولدت في المغرب عام 1970 وهاجرت مع والديها إلى بلجيكا حينما كانت في الثالثة من عمرها تقريباً، ونشأت في مدينة أنتويرب، ودرست القانون، وكان موضوع حقوق الإنسان هو شغلها الشاغل الذي دفعها للعمل كمحامية عام 2001 في مركز “تكافؤ الفرص ومعارضة العنصرية” لكنها لم تكتفِ بهذا النشاط في مناصرة القضايا الإنسانية العادلة ووجدت ضالتها في الرواية التي تستطيع من خلالها طرح قضاياها وقناعاتها من خلال قصص أشخاص من لحم ودم. وتعلق لمرابط على ذلك بأنها قادمة من عائلة بسيطة فوالدها “علم نفسه القراءة والكتابة، وعندما وصل إلى أوروبا تعلم الفرنسية وبعض الهولندية في حين أنهت والدتي المدرسة الابتدائية، ولذلك لم يكن تعليم أطفالهما على رأس أولوياتهما بل كان الأهم هو الحصول على تدريب مهني ثم الذهاب إلى العمل ولذلك أردت اتباع مسار مختلف عن ذلك الذي تصوره والداي ومعلميّ. كنت مدركًة تماماً أن تحرري لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعليم”.

“ما تفهمه لمرابط جيداً هو كيف تتداخل القصص الشخصية مع تاريخ العالم”..
تضيف لمرابط: “استطعت من خلال كتبي أن أتحدث عن الآلام المتزايدة لمجتمع متغير ومتنوع للغاية حيث لا يكافح الوافد الجديد فقط للحصول على مكان دون أن يفقد نفسه أو هويته، ولكن المجتمع المُضيف يكافح أيضاً للبقاء وسط عالم يتغير بسرعة مذهلة، بحيث يصبح من الصعب التعرف عليه”. وتردف قائلة: “بالطبع لا تفيد فكرة أسطرتنا من قِبَل بعض السياسيين وأنه يمكننا العودة إلى المجتمع القديم عندما لم يكن هناك “آخر” يمكن أن نراه، والسؤال الذي أطرحه على نفسي بصدق هو: هل هناك من يعتقد حقاً أنه كان هناك وقت في التاريخ عندما كنا بمفردنا، ولم نُلوّث من قبل الآخرين؟ أليست هذه أسطورة بحجم عالم الجحيم؟”.

“وضعت الروائية البلجيكية المغربية الأصل رشيدة لمرابط حجر الأساس لمشروعها الروائي الذي لفت أنظار الوسط الثقافي الفلاماني حيث استطاعت في روايتها أن تغزل الثقافتين اللتين تنتمي إليهما، المغربية والفلامانية، لتقدم نسيجاً موحداً وشخصيات ثرية وأحداثاً جديدة لم يعهدها القارئ البلجيكي في أدبه المكتوب بالهولندية”
وتواصل لمرابط انتقاد السياسيين وأنه من العبث مواصلة إخبار “السكّان الأصليين” لهذا المكان أنه لن يتغير شيء عليهم وأن كل شيء سيعود مثلما كان، لأنك تقوم بالغش كسياسي وتعتمد على خوف الناس الذين يستصعبون تصديق فكرة أن لا شيء يجب أن يتغير في حياتهم بوجود كل هؤلاء “الآخرين” فهم لن ينقذونا ببيعنا قصصا مليئة بالكراهية والعداء، ثم ما الذي يجب أن ننقذ أنفسنا منه بالمناسبة؟ من شابة تبحث عن عمل بالحجاب؟ من الرجل أسود البشرة الذي جاء للعيش في الحي؟ من حفنة من اللاجئين الذين وصلوا إلى هنا بعد رحلة بائسة واجهوا فيها الموت وفقدوا خلالها أحبة لهم؟ بالطبع لا، ما يجب أن ننجو منه هو الفقر والعنصرية، تلك هي التهديدات الحقيقية التي نحتاج جميعاً إلى النجاة منها، دون تمييز، ولو كنا فعلا نسعى إلى تحقيق لذلك فهذا لن يحدث إلا من خلال العمل معاً ومعالجة التحديات الكبيرة التي نواجهها اليوم”.
رواية “أخبر شخصاً ما” قالت عنها لجنة تحكيم الجائزة: “إنها كتاب عن التجاوزات الضارة للاستعمار، وعن البحث عن هوية في عالم ممزق”
حصلت لمرابط على جائزة (Ultima der Letteren 2020، جائزة المجتمع الفلاماني) عن روايتها “أخبر شخصاً ما” التي قالت عنها لجنة تحكيم الجائزة “إنها كتاب عن التجاوزات الضارة للاستعمار، وعن البحث عن هوية في عالم ممزق، وأخيرا عن البحث عن الذات”، وهذه موضوعات قريبة من قلب لمرابط والتي حددت شكل كتابتها منذ البداية، ومنذ البداية كانت في بؤرة اهتمام الناشرين.
كما جاء في الكلمة أيضاً “من المعروف لنا من خلال هذه الجائزة أن رشيدة لمرابط هي مؤلفة فلامانية من القرن الحادي والعشرين تقدم عدداً من الموضوعات التي نسيناها تماماً، مثل المساهمة الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال. كل كاتب يتحدث عن موضوع الهوية وعن نفسه، وهذا في حد ذاته ليس بالأمر الفريد أو النادر لكن ما يجعل رشيدة خاصة، هو أنها تبحث عن الموضوعات الاجتماعية التي تعبر عن عدم استقرار تلك الهوية”. وتضيف اللجنة “إن ما تفهمه لمرابط جيداً هو كيف تتداخل القصص الشخصية مع تاريخ العالم، إنها تذهب دائماً إلى النهج الإنساني بقصة كبيرة في الخلفية، وتختار الشخصيات والموضوعات التي قد يفضل الآخرون عدم لمسها للبحث عن نمط وصوت فريد تماماً. تروي القصص التي تريد أن ترويها دون أن يرّف لها جفنٌ، وهي سمة مهمة لفنان عظيم كما نرى. إنها راديكالية في ذلك”.
من أجواء الرواية: “غادرت بعد بضعة أيام إلى فاس آملاً في الشفاء من الحمى التي شعرت بها كلما فكرت بها، لن أعود إلى القرية إلا بعد مرور عام، وبالطبع تمنيت معرفة ما حدث لها، لكنني لم أستطع السؤال عنها دون إهانة الرجال، فمن غير اللائق في الثقافة البربرية أن تسأل كرجلٍ عن تجربة المرأة، لم يكن أمامي غير الصبي الصغير الذي كنت أرسله دائماً ليحضر لها هدية فهو من أخبرني أن “فتاة الشمس” طُردت من القرية لأنها كانت تنتظر طفلاً، وأنه يُشتبه في أن الشاب الذي سافر من قرية إلى أخرى للمساعدة في الأرض هو الأب، كما أخبرني الصبي أن خالة “فتاة الشمس” قد عادت إلى المنزل قبل بضعة أشهر من دونها ولكن مع طفلٍ، فتاة، وعندما كان الصبي يقف في غرفتي، ظننت أنني لم أتذكر جيداً، ما لم أكن أعرفه هو أن فتاة الشمس أنجبت توأمين، صبي وفتاة”.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This