الارتجال الموسيقي عند العرب (ج2)

 فنّ الارتجال وثقافة الإلهام:

تحت مظلّة الثّقافة العربية الإسلاميّة، وفي خلفيّة “فنّ الارتجال الموسيقي” وغيره من الفنون، ثقافةٌ تُلقي بظلالها على نمط الممارسات الفنيّة وأساليب تداولها ومُعالجاتها، هي ثقافة “الإلهام”؛ “فالله يُملي على القُلوبِ بالإلهام جميع ما يسطره العالمُ في الوجود فإنّ العالم كتاب مسطورٍ إلهيّ”[1]. هي ثقافة تستند إلى “جهلنا” بما ينبغي بنا فعله، حيث تركنا “ترتيبات” الله، فلا رأي لنا نُسديه، ولا عقل نُعمله. “… وإنّ جهلنا نحن صورة ما ينبغي في ذلك فالله تعالى رتّب على يدنا هذا التّرتيب فتركناه ولم ندخل فيه برأينا ولا بعقولنا”[2]

هل علينا أن نستنتج من ظلال “ثقافة الإلهام” هذه أن ليس هناك ما يقبل التّفسير أو الفهم البُنيويّ لفنّ الارتجال الموسيقيّ عند العرب؟

هل نحن أمام نموذجٍ من العازفين والموسيقيّين الّذين يرون إلى أنفسهم بوصفهم أنواتٍ خالصةً ومتلقّيةً كونيّةً لا حيلةَ لها في الاختيار والبناء والسّرد الموسيقيّ وِفقاً لشروطٍ عينيّةٍ وسيكولوجيّاتٍ مُحدّدةٍ، بل تتّبع الشَّرطَ الإنسانيّ بوصفه شرطًا أنطولوجيًّا يسمو على الظّروف؟ أو، وبلغةٍ تنهل من الأدبيّاتِ الأقرب عهدًا، الّتي تتحدّث عن “موت المؤلّف” بحسب رولان بارت مثلًا، وكذلك كما جاء في “مناقشة سؤال ما هو المؤلِّف” لميشيل فوكو، نتساءل إن كنّا أمام نماذج من الموسيقيّين أفرغوا أنفسَهم من كلّ معرفةٍ مُسْبَقَةٍ في توجُّهٍ مُنعتقٍ نحو إصغاءٍ إلى “الأصوات” الآتية من خزائن الصّمت الكونيّة الّتي لا يستوعبها عقلٌ في تقييداته وأنساقه؟

للوهلة الأولى، يبدو وكأنّنا أمام ممارسةٍ لاقصديّة تتّجه، لا نحو الرّابط المنطقيّ التّالي في سرديّة محبوكةٍ، بل تتّجه نحو الأصل الصّامت المحتَجب. لكنّنا، وفي تأمُّلٍ أكثر عُمقًا للظّاهرة، نزعم أنّ غيابَ المؤلِّفِ أو تواري الشّكّ المنهجيّ لا يعني بالضّرورة غياب الرّوابط الّتي “تُنظّم” ما يُؤلِّفه الموسيقيّ المُرتجلُ. ففي حين يبدو هذا النّوعُ من “التّأليف” الارتجاليّ غير خاضعٍ لمقولاتِ العقل القَصْديّة ومنطقه، بل يخضع لما يستطيع “أهل الكَشِفِ” على التقاطه بالفطرة والبداهةِ والحَدْسِ، فإنّنا، وبحُكم مراقبتنا وممارستنا الذّاتيّة لهذا النّوع من الفنّ، نفضّل الحديث عن شيءٍ سنُطلقُ عليه اسم “التّوليف المُرتَحل”.

نعم، لا نبحث، في “التّوليف (الارتجاليّ) المُرتحل” سوى عن انتهاكاتٍ لقواعد هذا الفنّ؛ القواعد الّتي تعوّد عليها “العقل الاجتراريّ”. وفي هذا الانتهاك خروجٌ عن الدّوائر المُغلقة الّتي لا تُفضي أبوابها إلّا إلى ذواتها في حركةٍ اتّباعيّةٍ أفضل ما تُنتجه هو بعض التّنويعات أو لحظات زخميّة (momentum) إبداعيّة صُدَفِيَّةً لا تعي ذاتَها ولا تُصغي إليها، فتمرُّ مُرورًا عابرًا كالسَّهْوِ. وفي هذا الانتهاك “توليفٌ” يرتحل بين أفكارٍ موسيقيّةٍ قد لا تربط بينها علاقاتٌ منطقيّةٌ متسلسلةٌ واضحةٌ من النّاحيةِ العقليّةِ، لكن ثمّة بينها نِسَبٌ وخُيوطٌ خفيّةٌ على السّمَعِ، قد تبدو مُشتَّتَةً داخل النّسيج الزّمنيّ السّرديّ الخطّيّ المُفترض، فتضيع الرّوابط وتخفَى العَلاقاتُ دون أن نشعر باختلالٍ، وكأنّ قد وقع في “القلبِ” الصّائِتِ ما “سُطِّرَ” في الوجود الصّامت. وفي هذا الانتهاك تخلٍّ عن عاداتٍ ألفناها في نسجِ خُيوط الارتجال لحسابِ علاقاتٍ جديدة، واكتشافاتٍ تُفضي إلى رُتُجٍ مُغلقةٍ لم تُفتح من قبل أمام سَمَعنا.

ما يُساهم في إساءة فهم أو صعوبة فهم ما يحكم العلاقات النّغميّة والزّمنيّة داخل “التّوليف المُرتحل” هو تماماً هذا التّوليف المتناسق والمُحكم للمومنتومات (الأفكار الموسيقيّة الموضعيّة اللّحظيّة) من جهة، لكنّه المُرتحل دومًا غير مُستَوْقَفٍ من فكرةٍ بعينها أو بُنيةً بذاتها، فلا “تتطوّر” مواده ضمن خوارزمياتٍ يُمكن ضبطها خلال الاستماع، ولا يتوخّى صورةً شكلانيّة مُسبقة متكاملة ومُحكمة أو خُطّةً مِعماريّة ذات طابعٍ هندسيّ قابل للضّبط والفهم العقليّ.

في القرن العشرين، يُمكن أن نجد نماذج من المؤلّفات الموسيقيّة المُدوّنة الّتي تستفيد من جمالية الارتجال بهذا المعنى، كما فعل المؤلّف الموسيقي اللّبناني عبدالله المصري في ثلاثيّته للكمان والتشيللو والبيانو بعنوان “مرثيّة” (موسكو 1989)، حيث تتواشج الخطوط اللّحنيّة بين الآلات الّثلاث على نحوٍ يُحاكي الارتجال، لكنّه مكتوبٌ ومضبوطٌ وقابلٌ للاستعادة الدّقيقة. (يُمكن أن نجد مثل هذا الاستخدام في مؤلّفه الغنائيّ الأوركستراليّ “مطر” كذلك، على نحوٍ جليّ). مثل هذه النّماذج تساعدنا على فهم أحد أشكال توظيف جماليات التّوليف الموسيقي الارتجاليّ في عمليّة التّأليف الموسيقيّ.

يُمكننا القول بأنّ بوصلةَ العازفين والموسيقيين التّقليديين الّذين يشكّلون في عمومهم متن هذه الظّاهرة الموروثة، تقوم على بضعة مُرتكزاتٍ من النّاحية السّرديّة العامّة:

أوّلًا: البدايات. حيث تحوم الجُملُ الموسيقيّةُ حول درجة الارتكاز والرّكون الأولى في السُّلّم الموسيقي المعنى به في الارتجال (التّقاسيم).

ثانيًا: التّسلسُلات المقاميّة المألوفة والمُتناقلة الّتي تستسيغُها الأذن التّقليديّة في كلّ مكان ومكان داخل العالم العربيّ، حيث هناك فوارق بسيطة في أولويّة الاختيارات وسُبلها بين الأقطار المختلفة بدءًا من العراق وصولًا الى المغرب العربيّ.

ثالثًا: القَفَلات الّتي تمكّن العازف/ الموسيقيّ من إغلاق دائرةٍ، عبورًا إلى دائرةٍ أخرى وصولًا الى القفلة الأخيرة الّتي عادةً ما ترمو إلى قطف ثمار المسار التّطريبيّ الطّويل عبر الإدهاش التّقني وإثارة الحماس وإظهار البراعة في انتظار التّصفيق والإطراء.

رابعًا: الأسلوب الّذي يتراوح بين عنصرين أساسيّين هما: الإطراب اللّحني المقاميّ الّذي يستدعي الأمزجةَ والمشاعر، والإدهاش التّقنيّ الّذي يعبّر عن نفسه من خلال بعض المهارات التّقنيّة وإظهار البراعة المتعلّقة بالعناصر الّتي تُشير إلى القُدرة على العزف (أو تلك الّتي تشير إلى براعة الغناء في الإرتجالات الغنائيّة).

ولننظر الآن في مكامن النّقص المُمكنة لفهم مكوّنات المعماريّة الموسيقيّة الأمثل الّتي نبحث عنها. فلا قوانين ثابتة تمّ ضبطها مُسبقاً والسّير على منوالها، لكنّنا، وفي استشعارنا لمكامن الخلل الّتي نحدس بها بالفطرة أو بالخبرة، يُمكننا الاهتداءُ إلى بعض خيوط هذه القوانين.

فيما يتعلّق بالبدايات، حيث ينسج الموسيقيُّ أفكاره وجُمَلَهُ اللّحنيّةَ مُحَوِّماً حول درجة الرّكون/ الارتكاز الأولى في السُّلّم الموسيقيّ عادةً، نجد أنّ مُعظم الإشكالات المتعلّقة في هذه الجُزئيّة تعود إلى أمرين اثنين أساسيّين، الأوّل يكمن في كيفيّة الخُروج عن درجة الرّكون الأولى والعودة إليها مُجدّدًا، والثّاني، وهو تداعي منطقيّ للخلل الأوّل، وهو في التّناسق الزّمني بين الجُمل الموسيقيّة ونِسَبها إلى بعضها البعض، بحيث يقع الموسيقيّ في تلكُّؤاتٍ واتّباع طرقٍ إلتّفافيّة نافلةٍ وإطالاتٍ تُفقد البُنيَةَ الموسيقيّة من متانتها وتوازنها. فالهيكلُ الزّمنيّ لأيّ مُؤلَّفٍ موسيقيٍّ هو بمثابة هيكل القُوّة الحديديّ في العمارة.

وفيما يرتبط بالجزئيّة الثّانية، فإنّ التّشوّش في اختيار المسارات المُثلى للانتقال من درجة ارتكازٍ الى أخرى لبلوغ التّحوّلات المقاميّة الّتي هي في صُلب التّصوّر الجماليّ لفنّ الارتجال الموسيقيّ، قد يُحدث، هذا التّشوّش، اضطراباتٍ في الخطّ السرديّ اللحنيّ كما تستسيغه الأذن القويمة بحكم العادة والفطرة والخبرة، وقد يؤدّي إلى مساراتِ بحثٍ ملتويةٍ عن مخرج مناسب يُعيد الموسيقيّ إلى المسار المُرتجى في كلّ محطّةٍ ومحطّة في سرديّة المؤلَّف الارتجالي.

من الجدير التّأكيد، في هذه الجزئيّة، على وظيفة هامّة تؤدّيها هذه التّحوّلات المقاميّة في بُنية المِعماريّة الموسيقيّة على امتدادها. فإن أمكننا الحديث عن “تطوّر” ممكن في المواد الموسيقيّة، أو في “الحُبكة السرديّة” أو في “التّصعيدات الدراميّة” أو المسارات الشّعوريّة والمزاجيّة على طول الارتجال، فلا يكون هذا الحديث ممكناً خارج توظيفات المقامات وتحوّلاتها الّتي تشكّل عصب الخطّ السرديّ الموسيقيّ. فلكلّ مقامٍ وظيفته الشّعوريّة “المُعتادة”، واستخداماته المزاجيّة المألوفة، وحين نتحدّث عن “المومنتوم” (momentum) بوصفه زخمًا حركيًّا وطاقةً مُوجّهة في المسارات الموسيقيّة، فلا يكون استخدام مقامٍ بعينيه أو التّحوّل نحو آخر خارج فهم تداعيات هذه الطّاقة وكيفيّة استخدامها وتوظيفها لإحداث “تطوّرٍ مّا” أو “تصعيد مّا” يُساهم في بناء مشهدٍ بعينه داخل مجمل المعماريّة. وحينُ يُساء هذا الاستخدام أو يفتقد لفاعليّته المرجوّة منه، يحدث خللٌ موضعيٍّ في البناء العام، أو هشاشة تُضعفُ من التّصميم ووحدته الهندسيّة وتماسكه البُنيويّ.

تؤثّر القفلات المتوالية للجمل أو سلاسل الجمل الموسيقيّة على بُنية الارتجالات وتشكيلاتها الزّمنيّة على نحو واضحٍ وقاطع. فإنّ الخاصيّة الأهمّ في هذه القفلات تكمن في كونها تمثّلُ “حُلولًا” للجمل الموسيقيّة الّتي خرجت عن مكامن الاطمئنان والرّكون إلى الدّرجة النغميّة الأولى في المقام الأساسيّ المُفترض للارتجال، أو عودة مّا إلى المقام الأول بعد تحوُّلٍ، أو سلسلة تحوّلات مقاميّة، بحيث تشكّل هذه العودة خواتم مُقنعة ومُرضية للأذن المُرتحلة مع الالتواءات اللّحنيّة والمقاميّة المتنوّعة. هذه المرافئ الآمنة في نهاية كلّ مطاف، تأتي قاطعةً حاسمة، لتَتْبَعَها لحظاتٌ من الصّمت والتّأهب نحو مطافٍ جديد.

ما معنى هذه القفلات من النّاحية البُنيويّة؟ كيف تفعل وتؤثّر في صورة السرديّات الارتجالية المُرتحلة؟ وكيف نرى إليها من النّاحية الجماليّة والفلسفيّة؟

لنتوقّف قليلاً عند هذه الجزئيّة ونبحث عن مُقارباتٍ تُجيب على هذه الأسئلة الهامّة لأيّ محاولة فهم وتحديثٍ مُستقبليّة، وتفتح الباب أمام تطوير معالجاتٍ جديدة على أساسها.

إنّ أوّل تأثيرٍ هامٍّ لطبيعة هذه القَفَلات يأتي من “الحاجة” إلى إقفال الجمل الموسيقيّة إقفالًا مُريحًا للأذن التّقليديّة، لا يترك الجملةَ الموسيقيّة في حالةِ سؤالٍ مفتوح ومُعلّق. هذه ما يُبقي هذه القَفَلات ضمن دوائر المُتوقّع في السّيرورات اللّحنيّة. هذا العَوْدُ الدّائم إلى المرتكزات النّغميّة المُطَمْئِنَة يُعيقُ، للوهلة الأولى، تطوير سيروراتٍ لحنيّة مُركّبة ومُتصاعدة ومتواترة كالّتي نعرفها في موسيقى ريتشارد فاجنر مثلاً، حيث لا تنتهي عبارةٌ إلّا وتُجدَلُ في عبارةٍ تليها عبر سلسلةٍ مفتوحةٍ من الجمل الموسيقيّة الّتي لا تركن إلى حلٍّ نهائيّ وارتكازٍ مُطمئنٍّ إلّا بعد مطافٍ طويل. وهذه القفلات الّتي تُلحّ على الموسيقي العربيّ في ارتجالاته بعد كلّ عبارة و”مومنتوم” تقف، على نحو أو آخر، عائقًا أمام تشكيلاتٍ لحنيّةٍ تترك المُستمع حائرًا أو متسائلًا أو متشوّقًا ولو إلى حين. بل، ما يُوجّه التّأليف الارتجاليّ عند هؤلاء الموسيقيين هو أولًا وأخيرًا “التّطريب” و”التّجاوب الاسترضائيّ” مع توقّعات المُستمعين وإبقائهم عند شاطئ الأمان بهذا المعنى الحصريّ.

لا من توثيقٍ أو دليل تاريخيٍّ يُشير إلى تأثير التّلاوة القرآنيّة على فنّ الارتجال الموسيقيّ أو العكس، ولا نعرف على وجه الدقّة أيّ من الفنّين سابق للآخر، لكن، في تأمّل انطباعيٍّ عامّ، نجد تقاطعاتٍ لا يُستهان بها بين الممارستين رُغم ما يفصل بينهما في الذّهنيّة الفقهيّة والثّقافيّة السّائدة عمومًا.  وفي باب القَفلات، وبسبب غياب البُنية السرديّة المتسلسلة منطقيًّا داخل السُّور القرآنيّة، واستقلاليّة آيها وموضوعاتها المتنوّعة عن بعضها البعض داخل السّورة الواحدة، فإنّ البُنيةَ النصّيّةَ قد استدعت، على ما يبدو، معالجاتٍ موسيقيّةٍ (تجويديّةٍ) محكومةٍ بنظام السّور والآيات بما فيها من تشتُّتٍ موضوعيّ، وقفزاتٍ لا تسلسليّة في التتابع الزمنيّ للآيات وإغلاقٍ متكرّرٍ مقطوعٍ في المعنى والشّكل. أليس هذا ما يُفسّر، في أحد أبعاده، وُجوبَ الصّمت الفاصل بين الآيات والجمل، ويمنح للسَّكتاتِ وظيفةً يُحتّمها غياب آليات التّطوير اللحنيّ الجَدْليِّ المتسلسل؟ ولكن، هل ثمّة نظام ثاوٍ خلف تجاورِ الجُمل الموسيقيّة، أم أنّ هناك غياب لأيّ وحدةٍ نسقيّة في ظلّ عدم التقيُّد بنظامٍ دقيقٍ وتداعي الأفكار الموسيقيّة بحريّةٍ تفتقد فيه إلى التّرابطات الجليّة والعلاقات التّواشجيّة البُنيويّة؟ هل نحن أمام فنٍّ له طابعٌ عرفانيّ شَطحيّ لا يُعنى بالأنساق الهندسيّة، بل ربّما لا ينبغي تقييمه على هذا الأساس، ولا يُعنى بتطوير خطّيٍّ سرديٍّ يَعي أفكاره الموسيقيّة ويرى أبعادها وتداعياتها الممكنة وطرق معالجتها وتوظيفها في مِعماريّةٍ متماسكةٍ مُدرِكَةٍ لصورتها الكاملة منذ لحظة ولادتها الأولى على نحوٍ أو آخر؟  ألا تُفسّر جدليّة الذّاكرة والنّسيان هذه المسألة في بعضٍ أو كثيرٍ من جوانبها؟

ثمّ، وما نزال في الجزئيّة الثّالثة، تأتي القفلةُ الأخيرةُ الّتي نحبُّ أن نُسمّيها “قفلةُ التّصفيق”.

هنا ما يُذكّرنا بالخاتمات العُنفوانيّة الصّارخة والبطوليّة الّتي نعهدها في المؤلّفات الموسيقيّة الملحميّة في الموسيقى الكلاسيكيّة الأوروبيّة، حيث تتكاتف الأوركسترا وتُثير حماسة الجمهور المتلقي بعددٍ من الضّربات الّتي تستعرض فيها قُوّتها وبراعتها، مع فارقٍ هام أساسيّ، هو غياب علاقة الحُبكة البُنيويّة بين هذه القفلات وما سبقها من ارتجالاتٍ، لتأتي مُنفصلةً، للوهلة الأولى، عن جسدها الكامل، وكأنّها تؤدّي وظيفةً محدّدةً لم تأتِ إلاّ من أجلها، هي “الخاتمة” الحماسيّة البارعة.

هذا ما يقودنا إلى الجزئيّة الأخيرة المتعلّقة بالأسلوب الّذي يتراوح بين التّطريب اللّحني المقاميّ وبين الإدهاش التّقنيّ.

تبدو بعض الارتجالات النّموذجيّة أقرب إلى دَغْلٍ من الأدغال الكثيفةِ والمتراصّةِ لكثرةِ ما تحتويه من الموضوعات الموسيقيّة وابتذال البراعة في الأسلوب وتشتّت الصُور والأُخَيْلاتِ وازدحام التّحوّلاتِ المقاميّة وتراكض الزّمن الّذي يُثقل على أنفاس المستمِع المأسورِ بدهشةِ اللّحظة لا غير. نعم، لا نتحدّث عن فنٍّ تدوينيٍّ، لكن، ومنذ أن توفّرت لنا إمكانيّة التوثيق والاستماع مرّةً ثانية إلى ارتجالاتٍ اعتادت أن تتبخّر داخل لحظة الولادة عينها، فقد بات الأمر، خارج اللّحظةِ عينها، مفضوحًا غير قابلٍ للحياة خارج لحظة الولادة عينها.

أوّلا يستدعي تطورٌ تكنولوجيٌّ كهذا استدراكًا موضوعيًّا وأسلوبيًّا لهذا النّوع من الفنّ؟ ألا يضعه موضع تساؤلاتٍ وإعادة نظر تُحتّمها ضرورات الاستماع الثّاني والثّالث لهذه “المؤلّفات”؟ أم أنّها تظلّ في مرتبة “الوثيقة” بكلّ عذريّتها وعفويّتها وأخطائها وتفكّكها وزلّاتها، فلا ترقى إلى موضع “المؤلَّف” الّذي يطمح إلى حدٍّ معقولٍ من الاتّساق والنُّضج؟

وعلينا أن ننوّه هنا بأنّه ليس من الصّعب، وبعد تحليلٍ موسيقيٍّ للكثير من الارتجالات المُوثّقة، أن نتأكّد من أنّ هذا النّهج المُفكّكُ والمُبعثَرُ ليس فنًّا يقوم عن سابق عَمْدٍ وتصميم، بل يُمارَسُ تحت الإملاء لا الاختيار، كما يحبّ أن يعبّر بعض المُتصوّفة. وأنّ لهذه الملاحظة أهميّة بمكان، لما تُشير إليه من تأثير في العُمق على مُجمل مكوّنات هذا النّوع من الفنّ، حيث لا مانع في نظرنا، ومن حيث المبدأ، أن نُقيم مِعماريّةً لا تخضع لنسقٍ هندسيٍّ صارمٍ ومعهودٍ وخاضعٍ للمنطق العقليّ القابل للضّبط والحساب، لكن ثمّة فارق جوهريّ بين “التشتُّت” و”التّفكّك” و”الشّطح التّأمُّلي” بوصفهم قراراً، وبين أن يحصل هذا كلّه خارج الوعي والمعالجات الفنيّة القَصْديّة.

لا نتغافل عن التّناسُبات الخفيّة المُمكنة في أجزاء كبيرة من الارتجالات القَيِّمَة المُوثّقة، بل هناك ما يُثير انتباهنا ويحثّنا على سبر أغوار هذه المحجوباتِ واستكشاف خيوطها المُستترة إن وُجدت. وإن كان العلاّمة شودكيفيتش قد سخّر حياته في تتبُّعِ مثل هذه الرّوابط الخفيّة في فكر ابن عربيّ ومنهجه الفكريّ، فإنّ فنّ الارتجال الموسيقي العربي لا يقلّ استحقاقًا لجهدٍ يغوص في خزائنه ويُسائل ما بان منه وظهر لاستشراف ما لم يُفصح عنه بعد من احتمالاتِ الصّمت المُمكنة.

إنّ قوّة تأثير هذا الفّن على مُتلقّيه ومُمارسيه على حدٍّ سواء يدفعُنا إلى إقرارٍ أوّليٍّ بضرورة الكشف عن خبايا هذا التّناسُق الخفيّ بين شتات العبارات الموسيقيّة ومساراتها غير المترابطة والسّابحة “دون انضباطٍ” إيقاعيّ داخل نسيج الزّمن. كما يدفعنا ذلك إلى التّساؤل عن وجود ميزانٍ منطقيّ ما نقيس عليه أحكامنا ونستخلص منه استنتاجاتنا.

********

[1] ابن عربي، الفتوحاتِ المكيّة، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، الجزء 2، الباب 88، “في معرفة أسرار أصول أحكام الشّرع”، ص 160.

[2] ابن عربي، الفتوحاتِ المكيّة، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، الجزء 2، الباب 88، “في معرفة أسرار أصول أحكام الشّرع”، ص 160.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This