بيان الجنس في لبنان / روجيه عوطة

منذ فترة، صار من الممكن ملاحظة أن عدداً من المؤسسات في لبنان، ولكي تستمر في نكران أزماتها، لا تجد مناصاً من التَّبَورُن (pornographisation). وبهذا، تصير البورنوغرافيا مؤسستها الأعلى، ساعيةً إلى تحقيق الرغبة، التي تسكنها، وتشتد فيها كلما أوشكت على الإرتطام بفراغها. وهي الرغبة في أن تكون موضوع جذب للجمهور. فالصحافة عندما تعتمد على الإنباء عن الجنس، والفيلم على مشهَدَته، والمسرح على التلفظ به، والإعلان على استدعائه، والرواية على وصفه، والتلفزيون على برمجته، فلكي تصير كل هذه المؤسسات، أي انتاجها، ذلك الموضوع، بحيث تظن أن هذا سبيلها إلى الإبقاء على اشتغالها. على أنها، وحين تقدم على ذلك، تبدو أنها تؤلف مجموعاً صورياً، أي مِصورة خاصة بالجنس، الذي يتسم بكونه ليس حاضراً فيها.

قد تصح الإشارة إلى سمة المِصورة هذه بالإنطلاق من خبر يشيع في الصحف، وغالباً ما يحمل عنواناً من قبيل “يمارسان الجنس في الشارع بلا حسيب أو رقيب”، وقد يضيف محرره إليه، وبين قوسين، عبارة “بالصور”. إلا أن النقر على هذا الخبر، أو على رابطه، إلتزاماً بالأمر الذي يرافق نشره في مواقع التواصل الاجتماعي، لا يؤدي سوى إلى الإطلاع على حادثة ٍ، لا تمت لعنوانها بصلة، إذ تدور حول مشاهدة المارة لسيارة متوقفة في الطريق تحت المطر، وقد جلس فيها إثنان لفترة طويلة، وبالتالي، حسب هؤلاء أنهما يتضاجعان. أما الصور، التي يَعِد الخبر بها، فتظهر فيها سيارة شبيهة بكل السيارات التي من المتاح مصادفتها في أي مكان. هكذا، وحتى لو كان الجنس عنوان خبره، إلا أنه لا يحضر فيه.

سحب تركيب الخبر هذا على كل ما تتشكل مصورة الجنس منه سانحاً. فالجنس هو سابقة المشهد، والحوار على الخشبة، والبرنامج، والوقيعة، لكنه، ولا، في أي شكل من هذه الأشكال، يحضر. وهذا، لأنه السابقة، التي تخدم هذه الأشكال في تحقيق رغبتها، أي أن تجذب جمهورها، وما أن تعينها على ذلك، حتى تتخلص منها. فالخبر إياه، وعندما يُعنوَن بالجنس، ويجر إلى النقر عليه، سرعان ما يمحوه، بحيث لا يتحمل أن يكون حاضراً فيه، ومردّ عجزه عن هذا التحمل، هو محافظة مؤسسته، الصحافة، وما محافظتها هذه سوى رديف حسبانها أنها، ومن بعد تحويلها البورنوغرافيا إلى مؤسستها الأعلى، لا يتوجب عليها أن تكونها، ففي حال فعلت، فقدت وجهتها، ووجهتها الأخيرة أيضاً.

لكن حسبان هذه المؤسسة، ومعها كل المؤسسات المذكورة آنفاً، ليس دقيقاً البتة، بحيث أنها، وعندما تقع قبل البورنوغرافيا، تسجل، وبالمصورة التي تؤلفها للجنس، خالصها: لا حضور للجنس في التمثيلية المفرطة للجنس. فتركيب الخبر ذاته ينسحب على الشريط البورنوغرافي أيضاً، بحيث يستمد إثارته من كون الجنس، وعلى الرغم من كثرة ظهوره خلاله، لا يحضر فيه، بل أن ظهوره الكثير هذا يشير إلى هوس التقاطه، هوس التأكيد على احضاره، لكنه، وككل هوس، لا يودي سوى إلى المزيد من اضمحلاله. على هذا النحو، لا انفصال بين مصورة الجنس التي تؤلفها تلك المؤسسات، من جهة، والبورنوغرافيا من جهة أخرى. فأن يكون الجنس بلا ممارسته كما في الأولى، أو أن يكون على فيض ممارسته كما في الثانية، فهذا لا يغير شيئاً في انعدام حضوره، إذ إن وضعه هذا، يعرب عنه انستاره مثلما يعرب عنه انجلاؤه، لا بل أن انستاره هو ذروة انجلائه. فالمؤسسات عينها، وبعد تَبَورُنها، صار تَواري الجنس من مصورتها، علامةً على كونه بلغ أوج ظهوره، على كونه تممه.

إيروتيكيا بروليتارية
بين المصورة الجنسية التي ألّفتها تلك المؤسسات والبورنوغرافيا، بين هبوط الجنس وبذخه، بين تفتته وتمثله المفرط، يقع كمُّ من الفيديوهات التي أنتجها ممارسوه أو متلقوه لتكوِّن بيانه. ليس الجنس في هذا البيان هو ذاته الجنس الذي تقدمه المصورة إياها، ومركزها، أي البورنو، بحيث أنه، بدايةً، ليس جنساً تشابهياً، بل إنه تفارقي، وسمته هذه، لا تتعلق بكون بيانه مبعثراً، أو بالأحرى مترامياً، ولا يمكن حدّه أو ضبطه في إطار بعينه، بل لأنه هو بنفسه، ومن فيديو إلى ثانٍ، يتبدل، ويتحول، لا لكي يتشبه بمثال عنه، ذاهباً من إظهاره إلى إخفائه، بل لكي يفترق، ومن تلقائه، عنه. إذ إن قوام بيانه هو حضوره، أو، بالأحرى اقترابه من حضوره، وبهذا، يدنو مما هو في واقعه، في تحققه، وليس في تفعيل مثال عنه، وفي تطبيقه.

بالتالي، بيان الجنس، الذي تكونه الفيديوهات تلك، هو بيان حضوره، الذي طُرد، في الماضي، بكبته، ولاحقاً، بإسفاره، وعندها، تحول الكبت إلى ذروة السفور بعدما صار بمثابة احتجاب. فالمطرود يعود ويبرز في البيان، وبديهي القول إنه لا يفعل ذلك مجرداً من أي تمثيل، بل إنه، وفي فعله هذا، يكون ممثلاً، لكن، ليس عبر تمثيلية متضخمة، وليس عبر نتف منها تفيد بتلاشيها، إنما عبر تمثيل محايث له.

فيحضر الجنس في بيانه على تمثيل يوازيه، يسيره، وغالباً، ما يتشكل في أثنائه، خلال دورانه، وحينها، لا يكون مقيداً له، بل، وعلى العكس، يفلته نتيجة انعقاد صلة متوترة بينهما. يتزاحم حضور الجنس في بيانه مع تمثيله على الشدة، بحيث، مرة، يكون الحضور أشد من تمثيله، ومرة، يكون التمثيل أشد من حضوره، من دون أن يؤدي هذا إلى غلبة واحد منهما على غيره.

إلى بيانه، يفلت الجنس من المصورة ومن البورنوغرافيا، من إرادتهما الطاحنة، ومن خطابهما عنه: الذي يحدد العلاقة معه، العلاقة بما هي اجتماع مع حدوثه بين الأجساد، وفيها، بما هي اجتماع مع اجساده. ينطلق بيانه من قلبهما وخارجهما على حد سواء، فيبرز به بين كتمه وإظهاره.

إنه افلات يُبِّينه جنساً آخراً، يبينه كما هو: إيروتيكيا بروليتارية.

كل فيديوهات البيان تتحدث عن افلات الجنس هذا، وعن محاولة اقترابه من حضوره فيها. بهذا، من الممكن لحديثها أن يشكل تاريخاً له، لا ليكون التاريخ الصوري، البصري، التمثيلي على العموم، للجنس، بل تاريخ مقاومته لطرد حضوره، لطرده من هذا التاريخ تحديداً، أي تاريخ عودته في تاريخه الذي صار، ومنذ مدة طويلة، يجري من دونه. كما أنه تاريخ استئنافه لتاريخه، تاريخ محاولته القبض على تاريخه.

جنس مع النجوم
تنطوي الرغبة في ممارسة الجنس مع النجوم على بغيتين. الأولى، بغية ما يمكن تسميته بالـstaroclasm، نظراً إلى أن النجوم، وبوصفهم تطبيقاً للذات التي ينتجها نظام الإعلام، يعنفون بإطلالاتهم المتفرجين عليهم، دافعين إياهم إلى الاعتقاد بأن متعة الظهور على نحوهم تنقصهم، وأن حياة بأكملها لا يمكنهم تحقيقها سوى بالتماهي معهم. وعلى إثر هذا، يمضي المتفرجون إلى الهجس في ممارسة الجنس مع النجوم كأنها ممارسة للحرب عليهم، وكتأكيد على كونهم ليسوا من مرتبة أعلى، بالإضافة إلى أن منال عالمهم ليس بالمنال البعيد.

أما البغية الثانية، فهي فعلياً، قد تطغى على الأولى. فمع أنها تشكل أثراً منها، إلا أنها تجعل وطأتها خفيفة، فتحولها إليها، وتبتلعها. هذه البغية هي بغية الشهرة، التي لطالما صوب الإعلام الرغبة صوبها، ولطالما أبدى تحقيقها بمثابة تحقيق للإمكان الوحيد للحضور. ونتيجة هذا، تصير ممارسة الجنس مع النجوم التزاماً بتصويب الإعلام، وبالتالي، سبيل إلى التمتع بشهرتهم.

هذا، من ناحية ممارسة الجنس مع النجوم. أما من ناحية التفرج على ممارستهم هذه، فهو، ولأنه ابتغاء لإنهاء لعبة المجاذبة(*) معهم، يتمحور حولهم، كمشاهير، وليس حول جنسهم. فممارسة النجوم للجنس بمثابة اضمحلاله، الذي كانت الطبقة البرجوازية في التسعينات قد واظبت -منذ حكاية نيكول بلان ومروان كيروز حتى حكاية منار- على تقديمه كأنه تحول في نظامها الآدابي، وتخطٍّ لقانونها، وانتهاء من سلطتها التقليدية. طبعاً، كل الجنس في فيديوهات النجوم، وبالتوازي مع تقديمه على هذا النحو من قبل الطبقة تلك، لم يكن سوى سبيل إلى إنتاج ذلك النظام، إلى إعادة إحيائه.

لكن، في حال كان الجنس في فيديوهات النجوم يضمحل لصالحهم، واضمحلاله هذا هو نفسه الذي جعله الإعلام أوج إظهاره، فكيف من الممكن مشاهدة تلك الفيديوهات من دون ان يكون التفرج على نجومها داخل اللعبة معهم؟

لا بد من جعل الجنس فيها جنساً لا يمت لهم بصلة، بجعله جنساً مفكوكاً عن أسمائهم، ليدور على اجسادهم وبينها. لكن، هل للنجوم أجساد؟ اجسادهم، إذا لم تلتهمها العيون، لا تكون لهم، بالتالي، وفي المشاهدة بما هي ليست التهاماً، لا تبرز اجسادهم، ما يعني ان الجنس لن يدور عليها وبينها. أين يدور اذاً؟ فعلياً، ما أن يظهروا به، حتى لا يعود دورانه سانحاً، بحيث انه يصير استمراراً لظهورهم قبله، لظهورهم، الذي يستدخله.

النجوم لا يتعرون من ذواتهم، التي ينتجها نظام ظهورهم، في الجنس، يبقون على ارتدائها، وعليه، يمارسونه بها، فيغدو مد لها على غيرها ليصير مماثلاً لأصحابها. وهكذا، يكون جنس النجم، في هذا السياق، انبساطاً لذاته، وهذا، لا يجعله يدور طبعاً، لكنه، لا يجعله إستمناء أيضاً. فالإستمناء هو إستدعاء لغير في حين غيابه، ولكي يبقى غائباً، أما، في ذلك الجنس، فهو قبض على هذا الغير، ومنع لغيابه.

ربما تتطلب مشاهدة جنس النجوم ان لا يظهروا فيه، لكنه عندها لا يعود دائراً البتة. وعندها، يصير أي فعل من أفعال النظر حياله، بمثابة سبيل إلى الوقوع على اضمحلاله، الذي سرعان ما يحيل إلى حضوره في مكان لا صلة له بشاكلة الإعلام ودولتها، ولا بلعبة المجاذبة بين النجوم وجمهورهم: في بيانه.

نظرية الممحونة
في حال كانت شخصية بعينها تبدي الجنس على ارتباط كامل ببنيته، باللعب، فهي شخصية الممحونة. إذ انها، وعندما “تنمحن” على غيرها، أي تبين له محنها، تتظاهر بكونها مارست الجنس من قبل، وبالتالي، مارسته من دونه. على هذا النحو، تخبره أنه تأخر عن الجنس، الذي كان قد حدث، وفي النتيجة، فاته. هنا، يصير كل الجنس، كل حدوثه، ملعوباً، يصير محل شك، أو بالأحرى محل التباس، وهذا، ما يحمل ذلك الغير على التوجه نحوه لكي يحسم في أمره.

فإذا كانت الممحونة تتظاهر بانها مارست الجنس، فغيرها، وعلى اثر محنها، يتظاهر بأنه يريد التأكد من ذلك، وفي الغالب من الأحيان، تأخذ إرادته هذه شكل الهيج، اي يتظاهر بأنه مهتاج. بالتالي، يتحول الجنس بينهما لعبة تظاهرات، تحملهما على إحداثه، بحيث أن هذه التظاهرات تسير رغباتهما، وتقرب أجسادهما.

على أن الممحونة لا تقول لغيرها أنها مارست الجنس من قبل فحسب، بل تقول له إنها مارسته مع غيره أيضاً. تالياً، هو، حين يتوجه متظاهراً بهيجه نحو الجنس، يريد التأكد من وقوعه، وفي الوقت نفسه، الاستفهام عن ذلك الغير، “من هو هذا الغير؟”. وهذا، قبل أن يجيب، وفي أثناء ممارستهما، بأنه هو، “انا هو هذا الغير”، الغير، الذي يتصف، وفي الاساس، بأنه متخيل، وبعد أن يصيره، يبقى واياه كذلك.

بالإضافة الى هذا، تتظاهر الممحونة بالمتعة، وبانفرادها بها على وجه الدقة، أي بكونها تستحوذ عليها من الجنس الذي مارسته من قبل. وبهذا، لا تحض غيرها على هذه المتعة سوى عبر القول له أن يتقاسم معها الانتهاء منها، “لنتخلص منها سويةً”. من هنا، يستوي الجنس على معنى المحن، كعطاء لهذه المتعة، وكبسط لها، وبالطبع، كإخراج لها أيضاً. فيدور الجنس من أجل مَحنها، للتخلص منها وتخليصها، وبهذه الطريقة، تكون المتعة، التي يولدها هي هذه المتعة المتظاهر بها، وفي الوقت نفسه، عقبها. بعبارة أخرى، يدور الجنس لمحن المتعة بمتعته، التي تتطابق معها، والتطابق -في هذه الجهة، قريب من الحلول- وبالفعل نفسه، توصلها إلى نهايتها.

يثبت المحن ان الجنس قرين التظاهر، الذي يشكل، وعلى اقل، محركه. فالرغبة لا تسير سوى بالانطلاق منه، وبه، وهي، حين تُمارَس بالأجساد، فلكي تفلتها من متعة تتظاهر بكونها فيها. مع العلم ان التظاهر بهذه المتعة ليس مجرد ادعاء بها، باستحواذها، إنما هو مطلع ذلك الافلات منها. فحتى حين لا تنوجد كمحصلة حدوث سابق للجنس، تنوجد، وهذا، لأن الأجساد تقوم بها، ولأنها تؤلفها. نتيجة ذلك، الجنس هو، في ممارسته، نزع الأجساد منها، ونزع لها من الأجساد، أما، التظاهر، الذي يحركه، فهو يجعلها على هذه الأجساد، كما يجعل هذه الأجساد عليها.

فعندما تقول الممحونة “ثمة متعة في جسدي”، عندما تتظاهر بها، تكون هذه المتعة على جسدها، ويكون جسدها عليها، قبل أن يلاقي غيره، فيمحنها: يعطيه اياها بوصفه عليه، ويخرج منها باعتباره عليها. فبجسدها هذا، تبين الممحونة معنى الحضور على إثر الاحداث، وتطرح معادلته: صرف المتعة منه وانصرافه منها، وهذا، طبعا، قبل أن يبلغ غيرها، فهو يحضر، وعلى الدوام، بينهما، الذي، ولكي يستمر في حضوره، عليه أن يواصله. هذه المواصلة، وفي نتيجتها، محالة، ولكن، الحضور، لانه سبيل الى المحال، أي أنه سبيل ضروري، هو السبيل، وأوله التظاهر.

ماذا تقول الممحونة بتظاهرها؟

قبل أن يكون الجنس استمتاعاً، هو تخلص من المتعة، انصراف منها وصرف لها، وبهذا بالتحديد، يغدو مكان ممارسته بمثابة مكان لحضور الجسد، بمثابة مَحْضره.

التكلم القذر
قبل أن يتعرى صوت الجنس، ويغدو تأوهاً، يستقر على كونه تكلم، وهو، بذلك، يوصف بأنه قذر، وهذا، نتيجة دورانه ببذاءة من المفترض انه لا يدور بها سوى في وضع المضاجعة. لكن قذارة هذا التكلم فعلياً تفلته من كل ما قد يقبض على الجنس، تخلصه من المآتي، التي منها انتقلت الأجساد اليه، أو إلى إحداثه، لتصير فيه، أو في موطنه. كما أن هذه القذارة، وفي السياق عينه، تسوي الكلام على كونه آلة جماع، تعمل من فم إلى أذن، لكي تترك أثرها في العلاقة بين الأجساد، فتحثها على التلاقي بشهواتها أكثر فأكثر. في الواقع، كل تكلم هو تكلم قذر-أو هكذا يجب أن يكون بدايةً لكي يغدو تكلماً-لكن، أثره في تلك العلاقة لا يبرز مباشرة لأنها لا تكون في مكانها، في مكان تلاقيها.

طبعاً، يقدم الكلام على تحريك الجنس في صورته، وهو، فعلياً، حين يبرز فيها، يكون وسطها، لتصير لأجله، وفي الوقت نفسه، تحاول الإطباق عليه. فحين ينطلق الكلام في أي فيديو من فيديوات البيان، لا بد من ملاحظة تبدل في صورته، وفي كون هذه الصورة تسعى إلى تنظيفه بالكامل، يعني قلبه اسكاتاً. من الممكن القول أن ذلك الكلام يظهر في لحظة تطابق صوت الجنس مع صورته، ولكن، بعد هذا التطابق، هناك نزاع بينهما، نزاع من طرف واحد، وهو طرف الصورة، التي تريد إعادة وطأتها في الجنس وعليه.

في فيديو قصير للغاية، يظهر خلال مقدمته الشريك مصوراً شريكته في حين تكلمها معه عن صلتها بالقضيب على العموم بالتوازي مع تحركها صوب قضيبه، ماضيةً في لعقه. بعد لحظات، تقطع التكلم واللعق، تنظر اليه، وتخبره انها تستحي، طالبةً منه التوقف عن التصوير. ما هو هذا الاستحياء هنا؟ إنه سبيل الدفاع عن التكلم، وبالتالي، عن اللعق الذي حض عليه، في مواجهة تصويرهما، في مواجهة الصورة، التي تحاول ابتلاعهما، لكيلا يدوران سوى في حدودها. بالتالي، هو سبيل تخليصهما من هذه الحدود، وضمان استمرارهما، وفي نحو قصده هذا، يتقاطع معه سبيل ثاني، وهو التأوه، الذي يعين على عبور تلك الحدود، أو على شقها أقله.

تكرر العشيقة سلوك سبيلي الاستحياء والتأوه، لكن، العشيق لا يتوقف عن التصوير، وعندها، تطلب منه أن يضع الكاميرا جانباً، فيتركها تصور من دون أن يحملها هو. في هذا المطاف، تبغي العشيقة ان يدخل عشيقها إلى الصورة معها، أن يجاورها داخلها، وبالتالي، أن يتحملا أو يعبرا حدودها سويةً. غير أن العشيق لا يرد على عشيقته لأنه يريد الابقاء على موقعه من الصورة، كقوام عليها، ولذلك، تقرر العشيقة ان تسلك سبيلاً ثالثاً إلى جانب الاستحياء والتأوه، وهو سبيل المواظبة على رغبتها، التي تمسك بها، وتذهب فيها، إلى أن تستلم الكاميرا، وتديرها صوب عشيقها، وتدخله في الصورة، التي كانت وحيدة فيها.

في هذه الناحية، يصير الجنس، المواظبة عليه، كما قدمته تلك العشيقة، كناية عن خطة في مواجهة صورته، لكيلا تعود تضيق بالرغبة فيه، أو تعمد إلى حبسها، أو تجعلها شهوة موحشة، بل ان حدودها تصير بمثابة معابر منها إلى خارجها، الذي تنطلق تلك الرغبة، بالإضافة الى كلامها، صوبه بشدة. فمواجهة الصورة بالمواظبة على الرغبة، وعندما يحول الأولى إلى منفذ الثانية، يحررها من نزوع غالباً ما يحتلها بعد اكتمالها، وهو أن تتراكم فوق مَن فيها كعلامة على القوة، على كونها تقوى عليه، وعندها تعرقله، أو تسحب منه حركته. على أن السبل، التي سلكتها العشيقة، سكنت ذلك النزوع في الصورة، ودبرتها على نحوٍ، تصير فيه مركبة لتلاقي رغبتها مع رغبة عشيقها.

الدولة والظهور
تخلص تأدية ميا خليفة الى تعليق الجنس لإرجائه، وتأدية جوليا تحمل على إحداثه من الذات، ولها، اي احداثه من أجل تأخيره. وفي التأديتين، ثمة استعاضة عن الفراغ بالظهور، بما هو علاقة مع الكاميرا التي تغلب فيها، أو بما هو علاقة مع الجسد، الذي يخبئ رغبته فيه، ولا يستطيع تسريحها. وهذا، في حين انه مع غيره، الذي يلاحق رغبته الغائرة داخله، متعاركاً مع نفسه. وفي التأديتين أيضاً، لا افلات من الظهور، بل ثبات فيه، ولاحقاً، مفاقمة له.

على هذا النحو، تتعرض خطة الشابة من الطبقة الوسطى، التي ذاع خبرها في العام 2015، إلى الإبطال، بحيث أن الظهور، الذي ذهبت فيه، وقد ابتغت، بتأديتها، الانصراف منه، يحتل مكان الفراغ، يضغطه. وعندها، لا يكون الجنس في معرضه تشكيلا لشيء، أو إطلاقاً لشيء. بالتالي، وباحتلال مكان الفراغ، يتقاطع مع الدولة، التي، ومن ناحيتها، تحبس الفراغ خلفها، كما أنه يتلاقى معها في توقيف الجنس عن إحداثه، في حين انها تعلق حدوثه. مع الاشارة الى الصلة بين الدولة والظهور، ليست فقط تقاطعية، إنما تعاونية أيضاً، فيقدمها قوية، وتصونه كقانون، وبقوتها، تحققه بالكامل. فحين تحجب، توصل الظهور إلى مقصده، وتحافظ على هذا الظهور.

في هذا السياق، في سياق العلاقة بين الدولة والظهور، بديهي القول إن الأولى تعاقب هؤلاء الذين لم يجدوا إلى الثاني سبيلهم بعد، وفي الوقت نفسه، تمنعهم عنه لكي يصيروا موضوعه. ومنعها، هنا، يساوي تقديمه لهم بعيد المنال، وبلوغهم له عويص للغاية. أما، وبعد أن يتسربوا إليه، وفي هذه الحالة، لا يكونوا موضوعه، بل يكون وجهتهم، فتسعى الى سحبهم منه، وعندها، قد يكثرون في الذهاب فيه. وهنا، يتداخل اكثارهم مع ارادتها، بحيث تبدو قد سحبتهم منه لكي يفرطوا فيه، وهذا يعني صونها له.

في المقابل، يتيح الظهور للدولة ان لا تكون على مرأى، فتحرض على المطالبة بها انطلاقا من كونها ليست موجودة البتة، وبهذا، تمضي الى مرآها على طريقة معينة، اي بالقوة. فلا يمكن لهذه الدولة، لدولة الظهور، دولة التبورن، سوى أن تكون قوية، وهذا، لكي تؤكد، وعندما تكون على مرأى، انها ليست عليه فقط، بل أكثر من ذلك، اي لتؤكد أنها ليست جثة، بل انها حية. فعليا، قانون الظهور هو الذي يقتضي من دولته هذه، وكعلامة على التزامها به، أن تستوي على هذا النحو: فكلما ظهرت، تكون من دون أن تكون، بالتالي، تفرط في ظهورها، لتكون اكثر، وخلال افراطها هذا، تصير على قوتها.

على إثر هذه العلاقة بين الدولة والظهور، لا حدوث للجنس سوى مسرب من خلف الأولى، ومستندا إلى الثاني كوجهة، أنتجها مساره الإقتداري، وليس كقانون يشكل موضوعه. أما، إن لم يكن على هذا الوضع، فلا يحدث ولا يحضر، بل يكون معلقا أو مؤخرا، لا سيما ان الظهور، كما دولته، يرتكز إلى إلغاء الفراغ، الذي، في الاساس، يعمد الجنس إلى تشكيله، مثلما يعمد إلى اطلاقه.

(*) مقتطفات من كتاب يصدر قريباً.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This