ماذا لو تساءلَّت الفلسفةُ حول المرضِ؟

لو افتراضاً أنَّ فيلسوفاً يتساءل عن الأمراض (الأوبئة، العلَّل الجسميّة)، فالاستفهام بصدد أوضاعنا الصحيّةِ سؤالٌّ جديدٌ في دائرة الفلسفة:( كيف أنتَ صحيَّاً؟ هل تعاني من علّةٍ مّا؟ ولماذا أنت مريضٌ؟ هل أصابتك الأوبئةُ؟). التّفلسفُ عادة يتحدّثُ من موقع صحّةٍ، موقع قوّة وسلطةٍ، موقع أيديولوجيا، ولا يفترض عقلاً معتَّلاً أو جسداً متداعياً. فالعقل كان يتفلسف بكامل طاقته دون نقصان، والأجساد تخترع لها الفلسفةُ سياسات عقلانيّة في الحياة العامّة ارتهاناً بالإنسان. ربّما سيكون حال المرْضى غامضاً إلاَّ بما اشتُهر عن بعض الفلاسفة من أمراضٍ: كجنون نيتشه وألتوسير وربو كارل ماركس وانتفاخات وآلام المعدة عند القدّيس أوغسطين.

سؤال المرض الجسديّ لم يعترض الفلاسفة إلاَّ لماماً، أهملته الفلسفة منذ اعتقاد افلاطون أنَّ أهل مدينته الفاضلة لابدّ أنْ يكونوا أصحّاء، أشداءً لا يعتورهم نقص عضوي أو بدني. وأنَّه بالضّرورة يجب استبعاد المرضي وأصحاب العلل الجسميّة والنّفسيّة. وليس شرطاً أن يكون الاستبعاد ملموساً، بل قد يظهر بطريقة التّعامل والتّصنيف الخطأ بين النّاس، كما ناقش ميشل فوكو تلك المسألة حين تعاملت الثّقافة الغربيّة مع الجنون كمسّ أو حالة غير عقلانيّة. مساحة شاذّة على هامش الكوجيتو، أي هي فجوة غياب “الأنا أفكر” في حقب التّاريخ. حيث خضع هؤلاء المجانين إلى عمليات من العزل الفيزيائيّ والاجتماعيّ كالمجذومين وأصحاب الأوبئة. على غرار أمثولة “سفينة المجانين” في القرن الخامس عشر، حيث كانت تحمل المجانين دون قبطان وتجوب أنهار أوروبا لقذفهم بعيداً عن المدن على مسافات نائية.

قد يكون السّبب في ذلك أنَّ المرض يرتهن بالفرد عيناً والجانب الشّخصيّ لم تعبأ به الفلسفة كثيراً، لأنّه شأن خاصّ لا يمسّ الآخرين، كما أنَّ المرض حال ارتباطه بالأفراد يأخذهم إلى مصير خاصّ(موت أو نهاية مّا). والفلسفةُ لا تقول شيئاً إزاء المصير الخاطف الّذي يأتي كالبرق والرّعد، لكونِّها ليست ديناً يعدُّ أتباعه بالثّواب أو بالعقاب. فالفلسفة هي لياقة التّعامل مع آفاق العقل لسعادة الإنسانيّة في شخص الأفراد. أي أنَّ الفلسفة عكس أمور المرض، تبحث داخلنا عمّا هو إنساني مشترك وعابر للحدود. ولا تحدّد المآل البعيد (النبوئي) الّذي نصل إليه إلّا جمعاً. والجمع ليس قدراً تحت سقف واحد على غرار الكوارث والأسكاتولوجيا (الأخرويات).

وحتّى بصدد الحياة وصراعاتّها، فلم تمنح الطّبيعةُ- بالنّسبة للتّراث الغربيّ- هؤلاء المرضى قوى مطلوبةً من جهة البأس والكمال. ولذلك كان لأفلاطون أيضاً أنْ يتخلّص من المرضى والعاجزين بأقرب فرصةٍ ممكنةٍ. فقد كان فيلسوف المُثل يُوصي بوضع الأطفال غير الأصحاء في العراء حتّى تلتهمهم الوحوش أو تأكلهم الكواسر على رؤوس الجبال. فهم عندما يكبرون سيصبحون عبئاً على الآخرين ولن يكونا أفراداً أقوياء تحتفي بهم الحياة. والأغرب أن يواصل فعل التّفلسف هذا العمل حتّى الآن، وكأنَّ كلام أفلاطون ظلّ وصية نافذة في موروثات الفكر الغربيّ منذ ذلك الوقت.

لكن جاء نيتشه – رغم اعتلال صحّته وأمراضه الجسميّة والنّفسيّة- ليُمجد إرادة القوّة، فاقد الشّيء (نيتشه) يريد تعويضاً لما يفتقد (القوّة). أي فاقد الشّيء يعطيه هذه المرّة عكس المثل الشّائع، وأفرزت الفلسفة النيتشويّة فكرة السّوبرمان الّتي وجدت ترجمتها على صعيد الزّعماء (هتلر-بوش الابن– ترامب) ولدى الأيديولوجيات المتعاقبة (الماركسيّة– الرأسماليّة– الليبراليّة). دوماً تُشرِّع الفلسفة للعقل في حالة قدراته القصوى والمذهلة، ولعلَّ ذلك ما جعلها في المقابل مزرعة خصيبة لبكتريا الأنساق الكبرى الّتي أفرزت مركزيات حداثيّة أبادت شعوباً خارج أوروبا(الاستعمال) وسببت حروباً عالميّة (الأولى والثّانية).

أي أنَّ الفيروسات ليست غريبة على الفلسفة، لكنّها استأثرت بنوع خاصّ منها وهي فيروسات الأنساق والمذاهب والأيديولوجيات، الفلسفة تاريخياً هي المسؤولة عن بذر هذه الأصناف (الفسائل) النّادرة وتصنيعها وترك جيناتها عبر اللّغة والثّقافة. وجه الطّرافة أنَّ الفلسفة تشكّل في ذاتها جسداً فكرياً قويّاً، أي أنّ المفاهيم والأفكار والتّنظيرات والأطر العقليّة والمذاهب والتّحليلات توجد بالنسبة لقوّة الفكر الّذي ينتجها. ورغم قول هيجل إنَّ بومة الحكمة لا تنعق إلاَّ وقت الغسق، إلاَّ أنَّ الفلسفة مازالت تتجاهل الأمراض الجسميّة وتتعقّب فقط أمراض الرّوح والوهن العقليّ.

الملاحظ أنَّ العزل الصّحي كما في حالة كورونا بات خوفاً على النّفس وعلى الآخرين معاً، ليس ينفصل وجودنا إلاَّ توطئة للالتئام مرّة ثانيةً. المشاهد بها كم مهول من الشّفقة والاهتمام بما ليس أنا. وهذا في الحقيقة اضطرار يصل لحدّ التّفهم الإنساني الحميم. وهو طرح في ماهيّة الحفاظ والعناية بالعالم، أنْ يكون أفضل، ألاَّ نكون جزءاً من مشاكله ومعاناته. والشّعار الفلسفي: أن تصبح شريكاً للآخر أفضل من تكون لنفسك فقط. وفي هذا الوضع عندما تبتعد، فأنت تقترب رويداً، وتصل بكلّ إنسانيتك إلى الآخر.

وبمناسبة كورونا من المرّات القليلة جداً أنْ يجد الإنسانُ نفسّه (داخل) الآخرين مهما تباينت أحوالُّهم. الإيجاد والوجود للإنسان كنوعين من التّعاطف والاحتمال والمصير معاً، ثلاثُ حالات عبر حالةٍ واحدةٍ. حيث أخذ يراقب ويتعرّف على العالم المتداعي حولهم، حتّى ولو عبر التّلفاز ووسائل التّواصل. يبدو أنَّ المريض لا ينزوي على ناصية الحياة وإنْ خضع للعزل الصّحي، لأنَّ مشاعرنا أخذت تلاحقه أينما ذهب. نودُّ أنْ نقول له: نحن نتابع ما يحدث لحظة بلحظة والأهمّ أنّنا نتألّم لألمك، وأنّنا سنُبقي على ما بيننا رغم الوهم بأنّنا بمنأى عنك. لأنَّ تجربة المرض واحدةٌ، تكرّر نفسها وسط عدوى الفيروسات(كرونا). وأنَّ هناك تشابها عجيباً بيننا نحن البشر لا يسمح -رغم المسافات- من الانفكاك عنك وجودياً. هي متلازمة الحياة القصوى الّتي تقع بيننا بأكثر من شكل.

هذا التّزامن الوجودي لون من الاحتمال المؤقّت بكيان المتابع حساً وعقلاً. لأنّ الأوبئة تكشف كم أنّنا كأناس عاطلون عن التّواصل بمعناه الفعلي، وأنّه ليس يجدي اصطناع حواجز المكان والثّقافة. فجأة تسقط كلّ الأقنعة والإكسسوارات الّتي تفرّق الأفراد والطّبقات ويصبح العالم كرة مطاطيّة تتقاذفها الأرجل بين القارّات. هناك من يعود من مرحلة الإنسان كمفهوم متطوّر إلى مكانة الأدمي– البشري، لأنَّ جسده هو التّربة الّتي تشدّ الفيروسات إليه، هو مزرعة الحياة داخله.

وجود الحسّ الآدميّ– البشريّ تُرجِم مباشرة في مظاهر التّمريض ووجوه المرضى الشّاحبة والخفيّة، فهناك الكمامات والأجهزة الطبيّة المعقّدة وغرف العناية الفائقة ونصائح الأطباء وسيّارات الإسعافات والطّوارئ ونقل المرضى وحركة الأفراد الحذرين. وقد يأتي من هنا وهناك أشكال الموتى وأطياف المعزولين في الحجر الصّحيّ. وصحيح هذه الأشياء هي رحلة التّطور الطبّيّ والمعرفيّ للإنسانيّة، لكنّها إزاء الموت والأوبئة القاتلة بمثابة التّراب الأكثر نقاء وفاعلية. كلّ ما نملك تقديمه لحالات المرضى الّتي تتواتر هو مجرّد مشاهد تنكأ الألم كلّما مرّت بعيون المتابعين. ليس التّراب مادة مفكّكة أو طينيّة لصيقة بالأرض، لكنّه دورات من الحياة تعلو وتتخلّق وتنتج وجودَّها من جديد مع الأزمنة وتطوّر الحياة الإنسانيّة.

والفيروس اللّعين (كورونا) جعل إيطاليا على سبيل المثال تمارس طقوساً للدّفن غير معتادة لمن سقطوا ضحاياه، أخذ الجنود الجثث في مواكب مهيبة ومصوّرة نحو محارق كبرى. كأنّ الشّوارع الّتي يمرّون بها تحوّلت إلى طقوس عزاء متلفزة ومرئيّة من قبل البشر جميعا. أين التراب أنّه العنصر الرّابع من تكوين الكون (النّار والتراب والهواء والماء). إذن سيكون مصير تراب البشر- الجسم هو الحرق. وهذا يضيف ألماً فوق آلامنا المتابعة للضّحايا الإيطاليين بصيغة (هُم نحن)!! صور مرعبة من وطأة عدم احتمال الأرض لأجسام أصابها الوباء، ولم تعدْ الحياةُ إلاَّ عدوى بين بعيد وقريب!!

إنَّ الفلسفة لا تصطاد الفيروسات ولا تملك، لكنّها تهيئ قدرات أوسع للفهم والتّساؤل واختراع نمط من الحياة الحُرة الّتي تكفل العيش السّعيد. وهذا هو أساس أن تعيش الفلسفة بين بشر أصحاء بملء الكلمة، إنَّها الفكرة غير المباشرة لمقاومة الأمراض وخلق بيئة إنسانيّة صالحة للسّكنى. وهكذا تُترجم الفكرة بيولوجيا:(كائنات صحيحة البدن) وفكرياً في: عقول ناجعة التّفكير والاستفهام بكلّ جدةٍ ممكنة (العقل السّليم في الجسم السّليم). لأنَّ التّفلسف أداة معنى وطاقة لاحتمال وجودنا المشترك الّذي ينال أكبر مساحةً من حياتنا. وفي حالة لو أُضيرت تلك المساحة، فالفلسفة معنيَّة بتطهيرها تحت عنوان:” لنفكر معاً بشكل يحتضن كلَّ إنسان مهما يكُن”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This