“نتملّك أو نكون”

مقاربة ثقافيّة في مواجهة وباء "كورونا" وما يليه

 مفارقة الإنسان الحديث والمعاصر:

يذكر “إريك فروم” في كتابه “نتملّك أو نكون” الّذي ترجم إلى العربيّة بعنوان “الإنسان بين الجوهر والمظهر” ترجمة سعد زهران، مراجعة وتقديم: لطفي فطيم سلسلة عالم المعرفة أغسطس /آب عام 1989/ الكويت. الحادثة التّاليّة:

في عام 1952، عندما قدم ألبرت شفايتـزر إلى أوسلو لتسلّم جائزة نوبل للسّلام، تحدّى العالم: “أن يجرؤ على مواجهة الموقف”. لقد أصبح الإنسان كائناً أعلى “سوبرمان”.  ولكن هذا الإنسان الأعلى الّذي يتملّك قوّة تفوق قوة الإنسان، لم يرتفع إلى مستوى عقلاني أعلى. بل إنّه ليزداد فقراً بقدر ما يزداد قوّة… وأحرى بضميرنا أن ينتابه القلق ونحن نشهد أنفسنا نزداد تجرّداً من إنسانيتنا، كلّما ازددنا اقتراباً من حالة السّوبرمان “الإنسان الأعلى”.

هذا في خمسينيات القرن العشرين، عندما كان العالم، وأوروبا منه خصوصا، خارجا للتوّ من حربين عالميتين كارثيتين خلّفتا ملايين القتلى والمشوّهين والجرحى عدا عن التّدمير الهائل  للمدن الكبيرة والبنى التّحتيّة للاقتصاد، فكيف هي الحال اليوم مع نهاية العقد الثّاني من الألفيّة الثّالثة ورغم التّعافي المديد نسبيا بشكل كبير من أثار كلّ ذلك مجتمعيا وسياسيا واقتصاديا، حيث يواجه العالم أجمع وبشكل مفاجئ وسريع تحديا غير مسبوق بمواجهة فيروس جديد خطير كـ”الكورونا” الّذي هو نسخة مستحدثة من سلالات فيروسات الأنفلونزا، اتّفق العلماء على تسميته بـ”الكورونا المستجد- كوفيد 19″.  لم يستطع تقدّم العلم في الطبّ التّوصل إلى مضادّ دوائي فعّال خاصّ له بعد.

لذلك نشهد اليوم خوفا وهلعا عالميا واحدا وكبيرا بشكل غير مسبوق لدرجة أنّ كلّ قادة وحكومات العالم يعلنون التّعبئة العامّة طبيّا، مدنيّا وأمنيّا عندما تفرض أغلب الحكومات، حتّى في البلدان الدّيمقراطيّة  الأكثر تقدّما حيث تنتشر عدوى الإصابات بشكل سريع وكبير، حظر التّجول ولزوم المنازل إلى أجل غير معروف، بما يعني ذلك من تعطيل للعمل والحياة ونشاط الحياة اليوميّة العاديّة للبشر، لمواجهة هذا الوباء الفيروسي الخطر للحدّ من سرعة انتشاره العالميّ الّذي بلغ حتّى كتابة هذه السّطور ما يقارب 183 بلدا حول العالم منذ بداية ظهوره وانتشاره أواخر شهر كانون الثّاني 2019 في مدينة “ووهان” الصّينيّة، وبلغت حصيلة ضحاياه في نفس المدّة حسب الإحصاءات العديدة المتوفّرة يوميا على الّنت حتّى كتابة هذه السّطور حوالي 27989 حالة وفاة من أصل 605010 ألف إصابة مرشّحة للازدياد يوميّا بشكل مثير.

لعلّها حالة أشبه بحرب عالميّة “ثالثة” جديدة، لكن ليست بين الإنسان والإنسان كما كان سابقا، بل بين حضارة الإنسان الحديث والمعاصر العظيمة من جهة، وبين كائن فيروسي بقدر ما هو دقيق وصغير وهشّ بقدر ما هو قوي وينتشر بسرعة عالميّة مخيفة، من جهة مقابلة؟!.

فبالرّغم من التّقدم الكبير والدّائم في علوم الإنسان ومعارفه وكلّ ثوراته العلميّة المذهلة في حال السّلم. وكلّ جبروت أسلحته الفتّاكة القادرة على تدمير الأرض عدّة مرّات، والّتي يستخدم بعضها في حروبه المستمرّة حتّى اليوم. وبالرّغم من محاولاته الدّائمة في خرق مجال الجاذبيّة الأرضيّة وسبر واكتشاف مجاهل الفضاء الكونيّ المحيط للأرض.

يهزمه اليوم فيروس صغير لا يرى بالعين المجرّدة ويجعله يغلق كلّ شيء، المعابد والنّوادي اللّيليّة وكلّ أماكن التّجمع، والأسواق التّجاريّة والدّوائر الحكوميّة والمدارس والجامعات. ممّا يعني إفراغ الشّوارع والسّاحات، وإيقاف حركة الملاحة الجويّة والبحريّة، مع إغلاق الدّول لكافّة حدودها البريّة فيما بينها ممّا يؤدّي لتراجع أداء ودورة الاقتصاد العالميّ في الصّناعة والتّبادل التّجاري وحركة الأسواق الدّاخليّة.

وهكذا فالإنسان الكائن الأعلى “السّوبرمان” كما شخصه (ألبرت شفايتـزر) محقّا عام 1952م، حين لم يرتفع بتجسيد قيمه الإنسانيّة والأخلاقيّة في مستوى أعلى، يناظر فيه مستوى السّوبرمان العلميّ تقنيا، يتحوّل في شهرين فقط إلى كائن ضعيف هشّ يهجر الشّوارع والسّاحات والنّوادي والمعابد والمخازن التّجاريّة الكبرى والمعارض ليختبئ  في البيت في عزلة قسريّة كي يحمي نفسه من الإصابة لأجل غير معروف .. لحين اكتشاف الدّواء المضادّ.

مفارقة الإنسان الأعلى “السّوبرمان” إذا تتجلّى اليوم بأوضح صورها بمعادلة القوّة بلا حدود، والضّعف لدرجة الهشاشة، في آن معا!!.

مفارقة عبثيّة تكشف عن حقيقة هذا الكائن العقلانيّ-العبثيّ، القويّ والضّعيف، الواثق بنفسه لدرجة الخيلاء والتّعالي، والخائف المضطرب بنفس الوقت. المفارقة الّتي تشكّله باستمرار عبر تاريخه، بالرّغم من النّجاحات العديدة والكبيرة الّتي حقّقها الجانب العقلاني في شخصه عبر التّاريخ..

نتملّك أو نكون:

لكن أين يكمن الجذر التّاريخي، الاقتصادي والاجتماعي، لهذه المفارقة العبثيّة والّتي تشكّله باستمرار فيزيولوجيا وسيكولوجيا، فأنتجت فيه شخصيّة مضطربة على الدّوام.

يبدو لي، أنّ جذر المشكلة الحقيقيّة يكمن في ظاهرة “الاغتراب الإنسانيّ” الّتي عالجها وحلّلها العديد من المفكّرين والفلاسفة عبر التّاريخ، لاسيّما في الفلسفة الحديثة  بدءا من هيجل فماركس.

لكنّ ظاهرة “الاغتراب”، كما أفترض هنا، وجدت مع الإنسان في لحظة تطوّره البيولوجيّ النّوعيّ الأرقى، والأولى، منذ أن بدأ يلحظ تميّزه ككائن مختلف عن بقيّة الكائنات الحيوانيّة الأخرى في محيط طبيعي فيزيائي هائل الاتّساع غنيّ الموارد، بقدر ما هو جميل هو مخيف ومرعب، ولا يعرف عنه شيئا.

فتميّزه هذا آنذاك كان يعني اغترابه وبالتّالي بداية إحساسه العفويّ بالاغتراب. إلاّ أنّ غريزة البقاء لديه كأي كائن آخر، كانت تدفعه إلى تحد محيطه المجهول والمخيف ومواجهته ممسكا بإمكاناته النّوعيّة الجديدة المتفوّقة، الذّهنيّة والفيزيولوجيّة ككائن منتصب القامة له يدان، الأمر الّذي يعني فِعلُ تجاوزٍ لاغترابه، هذا الفعل الّذي كانت تتناوب فيه باستمرار حالات الخوف والقوّة والضّعف. وفعل التّحدي هذا قاده إلى محاوّلات التّغلب على الطّبيعة بكلّ ظواهرها المخيفة وبالتّالي استثمارها لصالحه وبقدر ما كان يتغلّب على محيطه الطّبيعيّ المجهول وهو يكتشفه ويستثمره، بقدر ما كانت تظهر أمامه مجاهل جديدة فيه. لكن لم تتبدّد غربته تلك  لصالح مصالحة بيئيّة متوازنة مع الطّبيعة رغم إنجازاته الكبيرة في مجال الفضاء الكونيّ، ربّما لأنّه كانت تحكمه فكرة كسر الطّبيعة وتطويعها ليس بقصد التّغلب على جهله ومخاوفه منها فحسب، وإنّما أيضا والأهمّ بقصد الاستثمار غير المحدود لها الأمر الّذي ولّدَ نهم الامتلاك لديه.

وفي السّياق التّاريخيّ الطّويل لذلك كانت تتشكّل نماذج مجتمعيّة جديدة، الأسرة والمزارع والملكيات والدّول والإمبراطوريات، حيث كان يظهر فيها ويتجدّد تنوّع جديد لأشكال الاغتراب الإنساني لسببين رئيسين:

1- ظهور الأساطير الأولى ثمّ الأديان الّلتان تأسستا على خوف وجهل بظواهر الطّبيعة المخيفة والمرعبة، حيث أقامت الأديان علاقة ميتافيزيقيّة بين الإنسان ومحيطه الطبيعيّ – الكونيّ عمّقت من اغترابه النّفسي والمعرفي عنه بداية.

2- شكل ومستويات العلاقات الّتي كانت تظهر أثناء سعي الإنسان لاستثمار الطّبيعة وامتلاكها، بين الإنسان والإنسان، حيث بدأ البشر الأوائل يتمايزون عن بعضهم لأسباب تعود لتفاوت المقدرة بين القّوة والضّعف، والحيلة والذّكاء والمكان ..إلخ، غني وفقير، سيّد وعبد، مالك إقطاعي وقن. ممّا يعني نشوء وتعميم ظاهرة التّملك الفرديّ الاستثماريّ الواسع  للطّبيعة والإنسان معا دون رادع أخلاقي قيمي، تلك الظّاهرة الّتي بنيت على أساسها كلّ الحضارات اللاّحقة بكلّ سلبها وإيجابها وكانت وسيلتها الأساسيّة شنّ الحروب بقصد التّوسع والامتلاك.

وصولا إلى الزّمن الحديث مع نشوء العلاقات الرأسماليّة، عندما بدأت تظهر غربة الإنسان الجديدة عن عمله وإنتاجه اليوميّ بشكل يصير فيه عبدا للآلة أو أداة ميكانيكيّة طيّعة من أدواتها محروم ممّا ينتجه، كما شخّصها ماركس. ثمّ تحوّلت إلى غربة عن محيطه الطبيعيّ والاجتماعيّ كما شخّصها العديد من المفكّرين والفلاسفة  في القرن العشرين، فتراجعت مكانته وتقلّص دوره  في زمن النّمط الاستهلاكيّ للمجتمع الحديث والمعاصر مع ذروة الرأسماليّة وتمكّنها ليصير عبدا لصنم السّلعة الّتي تنتجها يداه بحيث لم يعد الإنسان مركز العالم كما كان مشروع عصور التّنوير والعقل الحداثيين. فتعمّقت بذلك أيضا غربة الإنسان عن ذاته عندما حوّلته الحضارة المعاصرة بإنتاجها السّلعي اللاّمحدود، بتنوّعها ومغرياتها وتجديداتها إلى شيء كباقي الأشياء الّتي يحلم ويسعى لاقتنائها، وهو ما اتّفق على تسميته بحالة ” تشيؤ” الإنسان كتجسيد لغربة الإنسان عن ذاته.

إمتلاك الرأسماليّة لكوكب الأرض:

فالبرجوازيّة، بالرّغم من كلّ إنجازاتها الحضاريّة الثّوريّة في التّاريخ الحديث اجتماعيا وسياسيا وعلميا ومعرفيا، إلاّ أنّها بامتلاكها لأسس ومقوّمات تشجيع البحث العلميّ منذ أواخر القرن التّاسع عشر، وحتّى اليوم. وامتلاكها بالتّالي نتيجة لذلك، قوّة عمل العلماء الذّهنيّة، في هذا البحث، تمكّنت من احتواء العالم عن طريق الثّورات العلميّة التّقنيّة والمتتابعة، سواء بالتّهديد “تكنولوجيا السّلاح والرّعب النّووي”، أو بالتّرغيب “اقتصاد السّوق وتقنياته المتطوّرة”. وتمكّنت أيضاً من كسر كل محاولات التّمرد عليها وكلّ أشكال الإيديولوجيا المضادّة لها حتّى الآن ولم تترك للإنسان أي مجال حيوي يتحرّك فيه إلاّ مجال السّوق، فأحكمت الإغلاق عليه في دائرة السّوق والمنافسة في البيع والشّراء، والتّسابق المحموم من أجل الإثراء والتّملك بمختلف الوسائل والسّبل وصار مفهوم الزّمن بالنّسبة للفرد المعاصر، يعني الحركة من أجل الوصول إلى هذه الأهداف كمستقبل فردي خاصّ. أمّا مستقبل البشريّة فتحدّده البرجوازيّة على مقاس ملكيتها للعالم. لأنّ أيّة حركة فيه تكون غير مضبوطة من قبلها تعني نهاية تحكّمها بالعالم، إذا لم يتمّ تطويقها قبل فوات الأوان. خصوصاً بعد أن انهارت كلّ أشكال الحكم، وخبت كلّ المحاولات، الّتي كان ينظر إليها، أو يفترض، أنّها تعمل على مواجهة أسلوب التّملك الرأسماليّ للعالم وتحرّض عليه، كونها انغلقت هي الأخرى ومنذ البداية، على دوائر التّملك الأصغر والأضيق على شعوبها، نموذج الدّولة الشّموليّة المستبدّة بأيديولوجيتها الرّسميّة الحاكمة أحاديّة الجانب، ومصالح بيروقراطيتها الفاسدة.

أيضا يمكن القول أنّ أسلوب التّملك الخاصّ، كما يديره النّظام الرأسمالي العالمي منذ نشؤه، لا سيّما بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة عندما مكّنت ثورة تقنيات وسائل الاتّصال الحديثة من خلال الشّبكة العنكبوتيّة، تعميق غربة الإنسان بمفارقة جديدة في شخصيته المعاصرة تتلخّص بفردانيّة مطلقة تتواصل افتراضيا، في عزلتها الفرديّة، مع مجموع العالم، الّذي صار قرية صغيرة فعلا، بسرعة مذهلة من خلال الشّاشة الملوّنة.  فالعالم الافتراضي بدأ يحلّ محلّ العالم الواقعي في كلّ شيء وعلى كافّة المستويات. ومع أنّ هذا الأمر يعتبر منجزا ثوريا حضاريا بكلّ المقاييس إلاّ أنّ الاستغراق شبه التّام فيه، يضع الفرد في حالة تلقي سلبي بعلاقته مع الحياة والطّبيعة بشكل يفقده بالتّدريج العديد من طاقاته وإمكاناته الحيويّة في العمل وطرائق التّفكير وطاقة الحلم والتّخيل الملهمتان للإنسان عبر التّاريخ، لدرجة يصير فيها الإنسان اليوم، حاكما ومحكوما، مهزوما مختبئا في بيته أمام فيروس وبائي صغير لا يرى حتّى بالعين المجرّدة..

وربّما تكون هذه المعادلة السّائدة عالميا اليوم، بجذرها العميق في الاغتراب الانسانيّ كما زعمت في السّطور السّابقة، هي الّتي ستدفع الوضع الدّولي يوماً مّا. إلى وضع الانفجار المجتمعي الكبير، وربّما الكارثة البيئيّة الأخطر.

 

على ما تقدّم أفترض أنّ هذا الوباء وكلّ الأوبئة الّتي سبقته في التّاريخ القديم والحديث مضافا إليها كلّ الحروب والمجازر، وكلّ المجاعات وكلّ الكوارث البشريّة أو الطّبيعيّة الّتي حدثت وتحدث باستمرار… إلخ.

هي في النّهاية نتاج فعل بشري يؤسّس تدخّله الفاعل في الحياة وفي الطّبيعة على قياس واحد لا غير هو إشباع غريزة التّملك الجشع وما يرافق ذلك من عبوديّة الإنسان للإنسان من جهة، وإخضاع الطبّيعة بحساب كميّ استثماريّ بحت يجعل من الاستئثار الفرديّ في التّملك وفتح شهيّة الاستهلاك الجماعيّ اليوميّ للبشر هدفين رئيسين له، بشكل لا يقيم وزنا للحساب البيئويّ الصّحيح، أو الأخلاقيّ والإنسانيّ السّليم، هذه الغريزة الّتي لا يمكن إشباعها أو وضع حدود لها بالتّقدم العلميّ وحده إن لم يرافقه تقدّم موازي في تبيئه عالميّة واسعة للمعارف الأخلاقيّة والفلسفيّة الكبرى  وتنمية الذّائقة الفنيّة الرّهيفة، في ظلّ مناخ ديمقراطي عالمي سليم وكبير. لأنّه بالرّغم من التّقدم الهائل أيضا في مجال العلوم الإنسانيّة والفلسفة والأفكار عبر التّاريخ، لاسيّما منذ مفتتح عصور النّهضة والحداثة في القرن الخامس عشر إلّا أنّ طفرات التّقدم الحاصل أيضا في مجالات العلوم الاخرى بأنساقها وتخصّصاتها المختلفة في الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء بثورات مذهلة، لكن على خلفيّة الامتلاك الرأسماليّ للعالم  كما أسلفت، ربّما كان أحد الأسباب التّي همّشت دور العلوم الإنسانيّة في التّوجيه الأخلاقيّ والقيميّ لتقدّم هذه العلوم في خدمة الإنسان والطّبيعة بآن واحد معا.

فالسّؤال الأهمّ، كما أزعم هنا، أليس لمخّلفات نواتج مراكز الصّناعات الكبرى لا سيّما الكيميائيّة والنّوويّة منها والتّخريب الحاصل للبيئة الطّبيعة بحرائق غابات كبيرة وانبعاث غازات سامّة  ودفن نفايات كيميائيّة ونوويّة عدا عن اختبارات التّفجير النّوويّ في باطن الأرض وأعماق أعالي البحار، وكلّ ذلك لصالح المنافسة في التّحكم والامتلاك بين مراكز القوى الكبرى،  دورا كبيرا في ظهور العديد من الاضطرابات العديدة في بنيّة الأرض وسطحها ومناخها وبيئتها الطّبيعيّة، ممّا يولّد الكثير من المخاطر والأوبئة  وأخرها هذا الفيروس، ومساعدة السّلالات المستجدة منه، ذات المنشأ الحيوانيّ كما تقول عنه الأبحاث العلميّة، على تطوير نفسه ليصيب الانسان؟!.

وممّا يؤكّد هذا الزّعم هو التّقارير الّتي نشرت مؤخّرا من قبل وكالة الفضاء الأمريكيّة “ناسا” بعد تحليل وقراءة صور لسطح الأرض بثّتها الأقمار الصّناعيّة عن تراجع معدّلات التّلوث البيئيّ العالميّ في الشّهرين المنصرمين بنسبة كبيرة 48% نتيجة توقف أو تباطؤ العمل في المنشآت الصّناعيّة الّتي تنبعث منها غازات التّلوث البيئيّ وشلل دورة الحياة الاقتصاديّة بشكل عامّ على مستوى العالم. ولعلّ الطّبيعة  تردّ هذا التّعدِ اليوم لتصيب فيه الإنسان نفسه ككائن.

أخلص إلى القول: أنّ غريزة أو شهيّة التّملك تعتبر واحدة من خصائص الإنسان الّتي تميّزه عن الحيوان، إلّا أنّ عدم تعقّل فعل التّملك أخلاقيا وإنسانيا في إشباعها ورسم حدودا واضحة لها،  يعتبر مؤشّرا كبيرا على أنّ الإنسان ككائن، ورغم تقدّم علومه ومعارفه المذهلة، مازالت تسيطر عليه حالة غريزيّة حيوانيّة هي أخطر بكثير من حالة الافتراس عند جميع الحيوانات المفترسة والشّرسة، كونها تصيب بالخطر مجمل الحياة البشريّة والبيئة الطّبيعيّة على سطح الأرض. وربّما تسقط حضارته العظيمة في فراغ الثّقب الأسود الكونيّ يوما مّا.

لذلك ليس لنا إلاّ أن نردّد مع إريك فروم: “نتملّك أو نكون”.

طبعاً لا أقصد هنا، الخلط بين أسلوب التّملك الفرديّ الرأسماليّ الاحتكاريّ الواسع كأرضيّة للتّحكم بموارد الطّبيعة والأرض، واستغلال البشر. وبين أشكال التّملك الأخرى للمؤسّسات والشّركات الصّناعيّة الإنتاجيّة الأصغر اللاّزمة لدورة الحياة الاقتصاديّة بتكامل وتنافس مشروع دون احتكارات كبيرة. أو شكل التّملك الشّخصي الضّروريّ الّذي يحتاجه المرء بيولوجياً وثقافياً ليسدّ حاجاته الأساسيّة ويدعم كينونته وكرامته الشّخصيّة كإنسان.

فـ”الكورونا” كما أفترض هنا، بخلاف ادّعاءات وفرضيات أصحاب نظريّة المؤامرة بتصنيعه وإطلاقه عالميا، هو فيروس طبيعي وبائي سريع الانتشار لذلك فهو خطر جدّا على صحّة وسلامة الإنسان، ظهر ككائن فيروسي جديد  ضمن سلسلة فيروسات ضارّة وخطيرة وجدت قبله، وكلّها ناتج خلل سلبي في علاقة الإنسان مع الطّبيعة كما بين الإنسان والإنسان.

طبعا سينتصر الإنسان من خلال العلم على هذا الوباء، الإنذار، الّذي لا سابق له في سرعة انتشاره العالميّ، في النّهاية كما انتصر سابقا على غيره. لكن لن يمرّ ذلك دون ترك ندوب قويّة على البشريّة قد ينشأ عنها تغيّرات عميقة سلبا وإيجابا على كلّ المستويات. والفرضيّة الأقوى أنّ تناسل الفيروسات الخطرة سوف يستمرّ وهو يهّدد حياة البشر على الأرض، ولا أمل إلاّ بتغيير أسس هذه المعادلة جذريا.

وربّما تكون البداية في التّفكير بترسيخ دور مؤسّسات مدنيّة ديمقراطيّة عالميّة تتفاعل فيها كفاءات جميع الاختصاصات العلميّة والتّوجهات الثّقافيّة والفكريّة – الفلسفيّة والفنيّة، عابرة لجميع الحكومات والأنظمة السّياسيّة الحاكمة، ويكون لها بتفويض من هيئة الأمم المتّحدة بعد إصلاحها وتأهيل دورها بشكل قوى من جديد، حقّ الرّقابة والتّوجيه والمسائلة الجديّة. بقصد إعادة تأهيل دور الإنسان من جديد في استثمار الطّبيعة بشكل يحافظ فيه على التّوازن البيئيّ المطلوب، بشكل يمنحها مثلما يأخذ منها، والتّوازن العقلانيّ في علاقة الإنسان مع ذاته أيضا.

وبما أنّ هذه الفكرة ليست أكثر من زفرة حلم  أحبّ أن أختم باقتباس ملفت للفيلسوف الألمانيّ (فريدريك نيتشة 1844- 1900م) المعروف بتبصره العدميّ عندما يقول في أحد تأملاته:

“في ركن بعيد من الكون

حيث تترامى آلاف النّجوم والمجرّات

جاءت على أحد الكواكب حيوانات ذكيّة اسمها البشر، واخترعت المعرفة

وكانت لحظة الاختراع هذه هي أكبر ما شهده التّاريخ الكوني من زيف، وتبجّح.

غير أنّها ليست سوى لحظة، إذ يكفي أن تتنهّد الطّبيعة حتّى يفنى الكون

وتموت الحيوانات الذّكيّة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This