سيرة “البئر الأولى” والعثور على معنى الحياة 

تحمل سيرة “البئر الأولى” للروائي والمترجم الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا قيمة خاصة.
ويعود سبب ذلك إلى أن سيرة القصص التي تسكنها تحمل بكل ما تعنيه الكلمة القيمة الجوانية لمعنى الحياة، عبر مفردات جذرية تجمعت فيها أولى تجارب الكاتب ورؤاه، أولى أفراحه وأحزانه، وأشواقه ومخاوفه. كاتب يتقصى مساحات الكينونة الشاسعة، وهي تتنامى مع الأيام وعياً ومعرفة.
هذه الكينونة التي يتحدث عنها الكاتب عبر قصصه الـ 21 إنما هي جزء من محيطها، إنها بعض بيوت تلك البلدة الفلسطينية الصغيرة، بيت لحم، في العشرينيات من القرن الماضي، هذه القصص هي بعض تلك الأشجار، والوديان، والتلال، بعض الشموس، والأمطار، والوجوه، التي بها نحيا، وبها نكتشف القيم، والجمال، والفرح، والبؤس، وبالتالي نكتشف ونعثر على معنى الحياة.
يقول جبرا الذي قضى جُلّ سنوات حياته في استقصاء معنى تجربة الإنسان عن طريق القصة، والرواية، والنقد، والشعر، والرسم، والترجمة: “قررت أخيرا الاكتفاء بالسنين الاثنتي عشرة الأولى من حياتي ـ أو بالأحرى بسبع أو ثماني سنوات منهاـ منتهياً بانتقالي مع والدّي من بيت لحم إلى القدس عام 1932. وكان هذا حدثا حاسما بالنسبة لما جرى لي فيما بعد”.

“يمتزج التاريخ بالذكريات من خلال مشاهد سطرها الكاتب بأسلوب جليل رشيق، محملاً بمشاعر فيّاضة تجاه المكان الذي يُشيده لَبَنَة.. لَبَنَة من معمار ثقافته الشاسع”

يكاد يكون هذا الكتاب، الذي جاءت عبارة الإهداء فيه: “إلى الذين لقنوني سحر الكلمة فملأت بئري من عذب مياههم”، كاميرا سينمائية تنقل حيثيات وجزئيات المكان بصورة مشهدية جمالية عز نظيرها، بدءاً من الطبيعة الخلابة، البيوت، المسارح، الشوارع، الكنائس، الأديرة، والرهبان، في مدينة بيت لحم، مسلطا الضوء على الحياة الدينية بأعيادها، وصيامها، وصلاتها، وجمالها الأخاذ. يقول جبرا: “في أوائل العشرينيات من هذا القرن، كانت الأديرة التي تعطي بيت لحم الكثير من شخصيتها العمرانية والإجتماعية هي أديرة الروح الأرثوذكس، المتمثلة لشكل رئيسي في القسم الأصلي من كنيسة المهد التي شيدها الإمبراطور قسطنطين عام 326 م فوق المغارة التي فيها السيد المسيح، وأديرة الفرنسيسكان، المتمثلة في دير نجمة الشرق (وكان الأهلون يسمونه “دير شرفا”)، وهو كنيسة القديسة كاترين اللاصقة بكنيسة المهد، وفيها المغارة التي عاش فيها القديس جيروم حين أكبّ على ترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية في أواخر القرن الرابع الميلادي، وأديرة السالزيان، وأكبرها بُني في القرن الماضي على مرتفع يبعد قليلا عن كنيسة المهد، يدعى دير دون بوسك، ولكن الأهلين يعرفونه باسم “دير أبونا أنطوان””.
على الرغم من إشارة جبرا الواضحة في مقدمته للكتاب: “أنا لا أكتب هنا تاريخا لأسرتي، ثمة من هم أعلم، وأجدر، وأبرع مني في سلسلة ووصف أحداث العشرينيات، وأوائل الثلاثينيات في فلسطين. ولا أنا أكتب هنا تاريخا لأسرتي، لأن ذلك هو شأن آخر، ولا أزعم أن لديّ القدرة عليه”، فإن تأريخية المكان تمتزج بحركة جبرا ورؤيته المتجذرة للمكان كهوية واضحة لا لبسَ فيها، سواء وهو يتحدث عن بيت لحم، والأحياء التي عاش فيها، والكنائس التي صلى فيها، أو حديثه الموسع عن التعليم في ذلك الوقت، وتفاصيل ليلة العيد.. كل هذه التفاصيل المحكية هي التي تضفي على المكان قيمة إنسانيته وحركتها، وكذلك الحال حين يتحدث عن القدس حيث انتقل مع والديه من بيت لحم إلى القدس عام 1932 وكان هذا حدثا حاسما لما جرى له فيما بعد.

“جبرا إبراهيم جبرا قضى جُلّ سنوات حياته في استقصاء معنى تجربة الإنسان عن طريق القصة، والرواية، والنقد، والشعر، والرسم، والترجمة”
يمتزج التاريخ بالذكريات من خلال مشاهد سطرها الكاتب بأسلوب جليل رشيق، محملاً بمشاعر فيّاضة تجاه المكان الذي يُشيده لَبَنَة.. لَبَنَة من معمار ثقافته الشاسع والذي يروى تكويناته الأولى في الفصلين الرابع عشر والثاني عشر حيث يتحدث عن تأثير مكتبة شقيقه يوسف عليه، وتداعيات تأصيل ثقافته الشمولية.
كما يتحدث في الفصل العاشر عن مدينة نابلس تحديدا وعن الزلزال الذي كان أشده فيها، حيث سقطت من جرّائه بيوت كثيرة، وراح العديد من الضحايا، وبيت لحم كذلك تهدمت فيها منازل لا تحصى كما يقول، وكان لهذا الزلزال أثره القوي على جبرا حيث يعود للحديث عنه في الفصل السادس من روايته “البحث عن وليد مسعود”.

يحمل هذا الكتاب الذي جاء في 270 من الحجم المتوسط، وصدر عام 1993، نظرية نقدية مفادها أن الإنسان بئر طفولته التي لا تنضب، هذه النظرية قدمها جبرا وما يزال ينهل من موردها العَذب الزُلال الكثير من الأدباء في عصرنا الحديث.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This