علي زيعور وجورج قرم علمان داخل المدرسة العربيّة

في التّنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة بمناهجها الميدانيّة والنّظريّة

هذان باحثان داخل المدرسة العربيّة الرّاهنة في التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والثّقافيّة أو الفكريّة بل والنّفسيّة كما الذّاتيّة على وجهٍ خاصّ عند زيعور. هنا كان فهمُ وبحثُ الأزمة التّنمويّة في إشكالياتها الحضاريّة، وضرورة وضعها في إطارها  الصّحيح، وليس فقط  في الإطارالمؤسساتي. كانت لهما تجربة صعبة في عملهما في التّحليل والتّصميم. فالأوّل طُرِد بعد خلافٍ مع الوزير، والثّاني فضّل الاستقالة على البقاء في مؤسّسة يغلب عليها الطّابع البيروقراطي الجامد على العمل النّشط والفاعل. وانتقل كلاهما إلى التّدريس في الجامعات اللّبنانيّة حيث الحريّة أوسع والمكان الأرحب والأقدر على معالجة التّخلّف، وحيث البحث أعمق وانتشار الأفكار أوسع  وكأنّهما أدركا أنّ المعالجة تبدأ من البحثِ والاستثمار في العلم.  فانتقل الأوّل بحكم اختصاصه في الفلسفة والتّحليل النّفسيّ إلى التّدريس في كليّة الآداب، وتنقّل الثّاني بين معهد العلوم الاجتماعيّة والجامعات الأوروبيّة… وهكذا فقد تكرّس المعلّم علي لتدريس الفلسفة وعلم النّفس التّحليلي والصحّة النّفسيّة وتناولِ الجوانب الثّقافيّة الشّعبيّة ، وتعاون مع أطباء نفسانيّين في حقل العلاجات والتّربية(1) .

وبَحثَ الدّكتور جورج في الاقتصاد والتّنمية والسّياسة والأديان، وكان ناجحاً جدّا، ووطنيا معروفا بالاستقامة والحسّ بالمسؤوليّة تجاه الأمّة والتّقدم. عمل كلاهما  ضمن مشروعٍ حضاري يحيط بقضايا المجتمع من جوانب مختلفة، وكلاهما اتّخذ ميدان بحثه المجتمعَ العربيَّ ومجتمعات البلاد المتخلّفة. وكلاهما  أدرك أنّ مسألة التّخلف هي أعمق ممّا يُبحث فيها في الجامعات الأوروبيّة والأمريكيّة أو من الّذين جعلوا التّنمية ميدان اختصاصٍ ضيّق كفرعٍ من فروع الاقتصاد، وذلك انطلاقا ممّا وصلت إليه التّجربة الغربيّة في التّقدم والإزدهار والنّظر  إلى بلدان العالم الثّالث وبالأخصّ البلاد العربيّة الاسلاميّة على خلفيّة تفوّقٍ حضاري وعرقي بارز. توصّل الكاتبان إلى أنّ أزمة التّنمية هي أزمة حضاريّة بالدّرجة الأولى، وقد تناولها الكاتبان من زاوية أو ثقافة واختصاصِ كلّ منهما، فتناولها الدّكتور جورج قرم انطلاقا من البُعد الاقتصاديّ الاجتماعيّ. فكتب عن الاقتصاد العربيّ والتّحديات الّتي تواجهه والمأزق الّذي يقع فيه، ثمّ بحث في التّنمية المفقودة في سلسلة مقالات جمعها في كتاب “التّنميّة المفقودة “.بدأ كتابه بالقول أنّه كلّما رأى الفرص المؤاتيّة للنّهضة الاقتصاديّة تفلت من قادة العالم الثّالث كان  يشعر بالانزعاج من طبيعة إدراك  النّخب المثقّفة في العالم الثّالث لمشكلات التّخلف. وكان هذا الانزعاج يتّسع في رؤيته لصعود التّيارات الثّقافيّة والسّياسيّة الدّاعية إلى الأصالة والخصوصيّة كعقيدة للنّهضة، وكذلك أمام صوفيّة كتاباتِ المثقفين الماركسيين. فهو يقول، لا اللّعنة الموجهة ضدّ الإمبرياليّة، ولا الغنائيّة الثّوريّة قادرتان على تقديم أجوبة عمليّة للعقبات الألف الّتي تضعها عمليّة تحليل الواقع الحاليّ للتّخلف.(2)

رأى الدّكتور علي أنّ مسار الفكرالقويم المتعقّب ليس حكراً على بلد أو أمّة أو منطقة جغرافيّة، بل هو مسار شاركت فيه جميع الشّعوب، وبالأخصّ الشّعب العربي الّذي حمل الرّاية أقلّ من ألف سنة، ولم تنقطع مساهمته في الفلسفة وغيرها من العلوم في جميع الأزمنة، حتّى في الحقبة الّتي صُنّفت بالانحطاط وما تبعها من عصرٍ للنّهضة، والعصرِ الرّاهن، ممّا مكّنه من القول  بمدرسة عربيّة في التّنمية وفي حقول علم الاجتماع وغير ذلك. لقد غذّى الفكر العربي فلاسفة عصر النّهضة في أوروبا،  ولولا هم  لما عرفَ الغربُ أرسطو والفلسفة اليونانيّة،  وليست هذه هي الشّواهد الوحيدة الّتي تدين فيها أوروبا إلى المفكّرين المسلمين.  وفي عصرنا الحاليّ، لا تقلّ مساهماتُ المفكّرين العرب والمسلمين في الذمّة العالميّة للفلسفة عن غيرهم من الشّعوب. وهذه مقالات الدّكتور جورج قرم، على سبيل المثال، تنتشر في الجامعات والمجلّات الأوروبيّة، وفي الصّحف الفرنسيّة والإنجليزيّة.

***

يرى الدّكتور جورج أنّ معضلة التّنمية تكمن قبل كلّ شيء في التّحكم بتغيير الإنتاجيّة العائدة لمجتمع مّا، أمّا كميّة رأس المال المخصّصة للتّوظيف فتبقى موضوعا ثانويا. ثمّ يتابع فيقول: إنّ التّخلف ينتج عنه عدم قدرة مجتمعٍ مّا على التّحرك حيال التّغيرات البيئويّة الأساسيّة  الّتي تُحيط به. وهو يرى أنّ النّظريات الدّائرة حول التّبادل غير المتكافئ أو “تنمية التّخلف” لها في الواقع مظهر أسطوري مضلّل لأنّها تُلقي ستارا كثيفا على اشتغال الآليات الدّاخليّة للتّخلف  (3). وهنا يلتقي مع مالك بن نبي الّذي قال بالقابليّة للاستعمار. وقد أدرك هو ومالك بن نبي من الدّاخل عمق وتشعّب مشكلة التّخلف، فقال الدّكتور جورج بآلاف المشاكل الّتي يجب حلّها، وقال مالك بن نبي إنّه لطريق طويل طريق الحضارة الاسلاميّة. ويلتقي مع أستاذنا علي زيعور الباحثِ في العوامل اللّاواعية أو المطمورة والمقنّعة، وفي مقاوِمات التّقدم النّفسيّة وعادِماتِ الصّحة الثّقافيّة – الحضاريّة  أو أمراض التّخلف الفكريّ أو معيقاتِ التّقدم …

ويلتقي قرم أيضا مع زيعور الّذي لا يخلو مؤلّفٌ من مؤلّفاته عمّا يُسمّى بسوء توزيع الدّخل والفقر، وانجراح الحريّة والعدالة، واستضعافِ الفقراء والمستغلّين. وكلاهما يرى في الآليات الدّاخليّة للتّخلف أنّها تمتدّ لتشمل العلاقات الاجتماعيّة والأُسريّة، وفَهْم الدّين والألوهيّة وما ينتج عن الإختلاف في وجهات النّظر في هذه المسائل من عصبيّات عائليّة ومناطقيّة، وطائفيّة ودينيّة. وهذا غيضٌ من فيض مّما تتّصف به البلدان العربيّة والاسلاميّة وما يعيق بناء مجتمعاتها على نحو أفضل.

***

لا عَجَب أنّ المفكّريْن قد وصلا بين الباحثين إلى مكانةٍ مرموقة حيث فرضَ أستاذنا زيعور خبرته وأبحاثه في مجال التّحليل النّفسيّ على الأطبّاء. ففي هذا المجال رأى هؤلاء أنّهم هم المحتاجون لقاموس الرّموز والانجراحات الحضاريّة،  وأنّه  لا غنى عن كتبه في المجال التّفسيريّ والعلاجيّ، النّظريّ والممارسة.

ولا عجب في أن يتوصّل الدّكتور جورج إلى أن يُختار وزيرا للماليّة في إحدى الحكومات اللّبنانيّة الّتي اختيرت  لمواجهة أزمةٍ في مجال الإدارة الماليّة، والشّؤونِ الاقتصاديّة العامّة.

أخيرا إنّنا نظلم الرّجلين إنْ قلنا أنّهما باحثان في علم اجتماع التّنمية، فكما أشرنا في المقدّمة إلى اختصاص كلّ منهما نشير إلى أنّهما لم يتوقّفا عن البحث في اختصاصهما الدّقيقِ فقط.

فقد امتدّ عمل الدّكتور علي وتوسّع إلى الاقتصاد العولميّ والتّربية والصّحة النّفسيّة والعقليّة وحقّق قليلاً  من المخطوطات السيناويّة وقدّم للقانون في الطبّ لابن سينا، وتوجّه في أبحاثه ليس فقط إلى المجتمع العربيّ والإسلاميّ ولكن إلى العالم أيضا في مشروعٍ للفلسفة الصراطيّة المسكونيّة  في العالم رعاه مع زملاء له في الجامعة  اللّبنانيّة (5).كما أنّ الدّكتور جورج كتب في الاقتصاد والتّنمية والسّياسة، وقدّم كتابه حول الأديان وأنظمة الحكم ومسألة الجانب الزمنيّ في العقيدة الدّينيّة. وتوجّه بأبحاثه إلى مثقفي العالم الثّالث والمثقّفين الأوروبيين المهتمّين بهذه القضايا(6) .

*********

 (1) راجع علي زيعور: علم نفس النّمو الحضاري، علم نفس التّفسير والتّغيير، وأيضاً: الصّحة النّفسيّة الحضاريّة عند المُقيم والمُهاجر، أو القاطن والرّاحل إلى مجتمعات صناعيّة فائقة التّقننة.

(2) التّنميّة المفقودة، ص 10.

(3) المرجع نفسه، ص 11.

(4) كان أحد الموظّفين في الطّابق الرّابع من وزارة التّصميم يلاحظ أنّ مكتب ج . قرم يبقى مفتوحاً – مغلقا (أي مواربا). فسّر له المعلّم زيعور أنّ الرّجل قادم حديثا من فرنسا (لحماً ودما، وأيديولوجيّة لبنانويّة) حائر متردّد. فهو لم يقرّر بعد الخروج من ذلك الفضاء أو الاستمرار فيه مع معاداة لِما كان يقال أنّه وطني (وعروبويّ).

(5) طرد الوزير (ع . د) الطّالب علي زيعور لأنّه انتقد الفكر السّياسي الاقتصادي الّذي يؤسّس النّظريّة والمناهج الميدانيّة والإمبيريقِيّة في علم الاجتماع العامّ، وفي التّنمويات على وجه محدّد.

(6) عقدة الحطيئة وأبي العتاهية ، في عالم الانجراحات النّفسيّة والعُقد داخل الحضارة العربيّة، حالةٌ عُصابيّة يكون فيها الصّابر (الزّبون، العميل والمستشير) كارهاً نفسه أو حاقدا عليها، ومؤثّما مجرِّما تراثه (والده) ومعاقبا له (التّراث هو الأب الحامي بحسب علي زيعور).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This