المسألة القرآنيّة (2)

1

أوقع شكل القرآن الأدبيّ العرب في حيرة، وحاول القرشيون أن يتلقوه في ضوء ما يعرفون من أنواع أدبيّة كالشّعر والرّجز ونثر الكهّان. وعلى أيّ حال فإنّ اللّوم لا محل له هنا، فلكي يفهموا القرآن كان عليهم أن يضعوها تحت نوع أدبي؛ ذلك أنّ معرفة النّوع الّذي ينتمي إليه النّص أساسي لكي يفهمه السّامع أو القارئ، ونحن نرى أنّ أحد أسباب سوء تلقيهم القرآن هو تلقيهم القرآن في ضوء أنواع لا يخضع لها القرآن لأنّه شكل جديد. يمكن أن نقول أنّهم اقتربوا حين قالوا شعرا لأنّ الشّعر يلعب دورا تشكيليا مهمّا في شكل القرآن، لكنّه ليس شعرا. أكثر من ذلك اقتربوا حين قالوا عنه سجعا، لأنّ السّجع ساعد شكل القرآن على أن يكون على تلك الصّورة، لكنّه ليس سجعا. القرآن هو هذا وذاك وأكثر منهما، لذلك سنصفه بأنّه نوع عابر لكلّ الأنواع.

كوْن القرآن نوعا عابرا للأنواع الأدبيّة، نعيده إلى الحراك الاجتماعيّ في تلك المرحلة التّاريخيّة، وأهمّ حراك هو دعوة محمّد؛ أي أنّ خلفيّة شكل القرآن خلفيّة اجتماعيّة واقعة بين نظام اجتماعي ينهار وبين نظام آخر ينشأ. مرحلة ما لم يحدث بعد وما لن يبقى، حين تُزاح قيم قديمة لصالح قيم جديدة. الاجتماعي حقّا هو الشّكل. الشّكل لا يعبّر عن التّجربة فحسب؛ إنّما أيضا تقولبه الحياة الاجتماعيّة. كتب المفكّر الإيراني داريوش شايقان عن المرحلة الّتي تقع بين نظام اجتماعي ينهار وبين نظام اجتماعي ينشأ كمرحلة دعوة محمّد ” إنّ كلّ موقف وكلّ فكر وكلّ تعرّف يكون حاضنا لإمكانات غير مفعّلة لأشكال هي بصدد التّكون، ولا يمكن التّكهن بشكل بناها النّهائي. فمثل تلك المواقف والسّلوكيات عبارة عن مادّة سالبة قابلة للتّلاعب بها، وفريسة سهلة لأولئك القنّاصين النّشطين، أعني بذلك “الإديولوجيات” الّتي تغزو هذه الميادين البكر في شكل أفكار جاهزة، وتجد فيها مكانا ملائما لنمو ما لذّ وطاب من الأفكار [1]“.

لم تذكر المصادر أي محاولات أوليّة لبحث محمّد عن شكل. بدأ الشّكل كاملا؛ الأمر فيما نرى له علاقة بالإلهام لكن ليس بمعنى أنّ أحدا ألهمه الشّكل؛ إنّما بمعنى داخلي حين يعرف ذو الموهبة العالية الأشكال الأدبيّة في زمنه بعمق، ثمّ يفكّر في أنّها لم تعد قادرة على أن تتحمّل رؤاه وأفكاره.  ثمّ يطفو الشّكل من دون أن يبحث عنه. إنّنا لا نوافق على أنّ محمّدا فكّر في الشّكل ثمّ اختار شكلا وسطا بين الشّعر والنّثر[2]؛ لأنّ شكل القرآن نشاط يتضمّن وجها يتعذّر التّعبير عنه. ففي مقدورنا أن نتحدّث عن شكل القرآن، وما إذا كان أقرب إلى الشّعر أو إلى النّثر أو ما إذا كان وسطا بينهما. بمقدورنا أن نصف شكل القرآن في ضوء البلاغة العربيّة أو صياغة النّصوص العربيّة، غير أنّ هذا لا علاقة له بكيفيّة تأليف القرآن، فضلا أنّه لن يعلم أحدا كيف يؤلّف نصّا كالقرآن.

لا يؤدّي التّأليف الواعي أيّ دور في تأليف القرآن. ولا أغرف مدى دقّة كلمات (طفوّ، تجلّ، فجأة، بغتة) لتحلّ محلّ الوعي في الوضع الّذي يكون عليه محمّد حين تتلبسه حالة الإنشاء. حين يظنّ أنّ نفسه ستفيض، وحين يتفصّد عرقا في اليوم الشّديد البرد. لقد قيل أنّ محمّدا مريض وهو في هذه الحالة نتيجة نوبة صرعيّة أو حالة اهتياج نفسي شديد. وأيّا كان الأمر فالمهمّ ليس في مرض محمّد فكلّ الاستثنائيين مرضى، والمهمّ في تجاوز محمّد مرضه والتّغلب عليه. في المعاناة الهائلة الّتي شعر بها محمّد وهو يتصدّى لمرضه الداخليّ وأمراض العصر الخارجيّة.

وكما يقول لوسياف فيفر في لحظة من لحظات التّاريخ تعرف الشّخصيات الاستثنائيّة الرّبط بين هذين المرضين. لكن قبل أن تتوصّل إلى لحظة الرّبط هذه، قبل أن تجد الحلقة المفقودة الضّائعة تعاني معاناة قاتلة، وتشرف على الهلاك مرّات عديدة. ومن هذا الباب يمكن ” اعتبار الوحي بهذا المعنى بمثابة انحلال العقدة المتأصّلة داخليا. يجيء الوحي بالمعنى الواسع من الدّاخل وليس من الخارج، من تحت وليس من فوق، من الماضي لا من المستقبل. الوحي انكشاف الماضي المعتم في لحظة خارقة، لحظة اللّحظات. الوحي يشبه الانفجار الذّري الوهّاج الّذي يشعّ من الدّاخل قبل أن يلقي أنواره إلى الخارج[3].

2

هناك فكرة ثابتة وراء ما سنتبّناه هنا؛ وهي أنّ القرآن نشأ في إطار ثقافة شفهيّة أوليّة؛ أي في إطار ثقافة لا تعرف القراءة والكتابة مثله مثل أي إنتاج أدبي آنذاك. لذلك يمكّننا أن نقترح أنّ سمات القرآن الصنفيّة والتّكوينيّة في النّسخة الدّستور الّتي اعتمدت عليها نسخة القرآن الحديثة ترجع إلى الاقتصاد المفروض على الشّكل والمضمون بسبب طرق التّعبير الشّفهيّة في إنتاج النّصوص السّجعيّة؛ هذه الطّرق يمكن اكتشافها بدراسة القرآن نفسه دراسة دقيقة.

ليس قدحا في القرآن أن نرى أنّ خلفيته ثقافة شفهيّة، إنّما المقصود هو وجود نمطين من المجتمعات يترتّب عليهما طريقتان في تنظيم المجتمع وإدراك العالم والتّعبير عنه. ونودّ أن ننبّه هنا إلى أنّ وجود نمطين لا يعني أنّهما منفصلان، بقدر ما هما متقاطعتان ومتفاعلتان، وما سيبدو أنّه فصل بينهما هو فقط فصل منهجي من أجل النّقاش والتّحليل.

كما أنّنا لا نستخدم مفهوم أمّي؛ أي الّذي لا يقرأ ولا يكتب بمعنى سلبي؛ كأن يكون أقلّ معرفة من شخص آخر يقرأ ويكتب. الشّفهيّة كما نستعملها هنا هي ما يمكن أن نعبّر عنه بالتّواصل عن طريق السّمع[4]. إن كوننا الآن نقرأ ونكتب لا يعني أنّنا مجتمعا كتابيا محضا؛ فعلى صعيد التّواصل مازلنا نتواصل باللّهجات المحليّة غير المكتوبة، ولغتنا المكتوبة لا نستعملها إلاّ في مناسبات خاصّة. وعلى المستوى الثّقافي مازال المؤلّفون العرب يكتبون قال فلان بدلا من كتب فلان.

يعتبر الجاحظ أوّل من انتبه إلى أنّ إنتاج العرب الأدبي ينتمي إلى ثقافة شفهيّة أوليّة. يهمّنا مّما قال الجاحظ أنّ إنتاج العرب الأدبي يشبه الإلهام؛ فالعربي يصرف همّه إلى ما يقصد ” فتأتيه المعاني أرسالا (أفواجا)، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا (…) وكانوا أمّيين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلّفون[5]“. وكما نرى فإنّ هناك أهميّة كبرى في عبارة الجاحظ لـ(أفواج المعاني) و(انثيال الألفاظ)؛ لأنّنا سنفهم السّمة التّجميعيّة الّتي تأتي على شكل عناقيد في الثّقافة الشّفهيّة من قول الجاحظ (أفواج المعاني) ونفهم التّعبير بالصّيغ في الثّقافة الشّفهيّة من قوله الآخر (انثيال الألفاظ) والتّجميعيّة والتّعبير بالصّيغ من أهمّ خصائص الثّقافة الشّفاهيّة.

إحدى طرق الاقتصاد في القرآن هي أنّ اختيار الكلمات يخضع لمناسبتها لأسلوب السّجع؛ أي أنّ الضّرورة السّجعيّة هي الّتي تقرّر بطريقة أو بأخرى اختيار الكلمات في القرآن. لن نهتمّ هنا بالاختلافات الجوهريّة بشأن وجود السّجع أو عدم وجوده في القرآن، يكفي للمهمّة الّتي حدّدناها لموضوعنا أن نعرض ما نراه مناسبا لفكرتنا عن ديناميات الشّفاهيّة المشكلة لأسلوب القرآن.

لقد وجد أحد الباحثين أنّ 85,9 في المائة تقريبا من آيات القرآن مسجوعة، وأنّ هناك فقط سورتين تخلوان من السّجع هما سورتا قريش والنّصر، وأنّ ثلاثا وثلاثين سورة من سور القرآن كلّها مسجوعة[6]. لا يجب أن نتجاهل هذه الإحصائيات حين ندرس القرآن؛ فالسّجع أسلوب عربي أصيل؛ ثمّ إنّه شعر العربيّة الثّاني عند أمير الشّعراء[7]. و”في التّراث العروضي العربي هناك وعي بالطّبيعة الشّعريّة الأعمق في السّجع، تلك الطّبيعة الّتي كان من الصّعب على كثير من النّقاد أن يعترفوا بها صراحة؛ وذلك بسبب ضغط التّقاليد المتحكّمة من مثل إعجاز القرآن[8]“.

ومع هذا الضّغط إلّا أنّ هناك إشارات إلى تحسّس القدماء لأهميّة السّجع في بناء القرآن الشّكلي كقولهم إنّ موسى أفضل من هارون ومن أجل السّجع قدّم هارون في سورة طه “هارون وموسى (70) ولم يقدّمه في سورة الشّعراء ” موسى وهارون (48) حين السّجع بالواو والنّون.

3

يمكن أن نمثّل على اختيار الكلمة المناسبة لأسلوب السّجع بآيتين من سورة الحاقّة هما: “وانشقّت السّماء فهي يومئذ واهية(16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربّك فوقهم ثمانية”(17).  تشتمل السّجعة الأولى على خمس كلمات. قد يقول قائل إنّ السّجعة الثّانية تشتمل على ثمان كلمات، ومن ثمّ فهناك سجعة أطول من أخرى مّما يؤثّر في وزن وإيقاع السّجعتين. يكمن حلّ هذه الزّيادة في الكلمات في البحث عمّا سمّاه ستيوارت في دراسته عن السّجع في القرآن بالعبارة المطلعيّة؛ ويعني بها عبارة تمهيديّة لا تدخل في بناء السّجع، وتبدأ السّجعة اللّفظيّة بعد تلك العبارة.[9] لذلك فلو اعتبرنا (والملك على أرجائها) عبارة مطلعيّة فستبدأ السّجعة الثّانية بكلمة (ويحمل) وبذلك تتكوّن من خمس كلمات ليتحقّق الأسلوب الموزون والموقّع.

من جهة أخرى؛ لو لاحظنا كلمة (فوقهم) فسنجدها متضمّنة في كلمة (يحملون) ولا ضرورة لوجودها لأنّها لا تبيّن موضع الحمل. يمكن أن تكون ضروريّة فيما لو قال: فوق رؤوسهم كما في سورة يوسف “أراني أحمل فوق رأسي (36) تمييزا عن الحمل فوق الكتف أو باليد. ولأنّ (فوق) في آيتنا ليست كذلك فالمعنى يكتمل من دونها (ويحمل عرش ربّك ثمانية) لكنّ عدم وجودها سيخلّ بتوازن السّجعتين؛ لذلك فرض إيقاع السّجع وجودها حتّى ولو أنّها لا تضيف شيئا للمعنى. أمّا كلمة (ثمانية) فقد ذكر الطّبري في تفسرها رأيين؛ أولاهما ثمانية صفوف من الملائكة، والآخر هو ثمانية ملوك. هل هم ثمانية؟ إنّ قلّة العدد الّذي يحمل عرشا ضخما كعرش اللّه دفع المفّسرين إلى يأتوا بالعجيب والغريب كضخامة هؤلاء وهيئتهم من أجل أن يكون العدد معقولا. ونحن نرى أنّ اختيار كلمة (ثمانية) اختيار ليس لبيان العدد إنّما من أجل ضرورة السّجع.

يمكن أن يكون عدد الملائكة الّذين يحملون العرش مائة أو ألف أكثر أو أقلّ، لكنّ ميزة (ثمانية) تكمن في موقعها السّجعي حتّى لو لم يكن العدد صحيحا. وما يجب أن ننبّه إليه هنا هو أنّ مجال الحكم بحقيقة العدد أو بعدم حقيقته مجال معلّق، ولا فائدة له من ناحية جماليّة. والمسألة كما نرى أنّنا نقرأ الكلمة (ثمانية) نفسها لكنّ (قراءة الإيمان) هي الّتي تجعل القارئ يصدّق أي كلمة في القرآن، و(قراءة الشّك) هي الّتي تقرأ القرآن في ضوء نور العقل كما نفعل نحن هنا[10].

كذلك يمكن أن نفهم العدد في سورة المدّثر ” لوّاحة للبشر (19) عليها تسعة عشر (20). يورد الطبري في تفسيره الآية أنّ أبا جهل رجّح كفّة قريش في أن تنتصر عليهم حتّى لو عشرة قرشيين مقابل ملك واحد من هؤلاء التّسعة عشر. إنّ التّمييز بين الحقيقة الحرفيّة إن صحّ التّعبير وبين الحقيقة الأدبيّة مهمّ من ناحية وصعب من ناحية أخرى. والعدد في هذه الآية وإن كان خضع لضرورة السّجع إلاّ أنّ القراءة الأدبيّة يمكن أن تعلّق صحّة هذا الرّقم أو خطئة من أجل أن نفهم أنّ العوالم الخاصّة باللّه يمكن تقريبها مع ما نعرفه كي تبدو لنا عوالم مألوفة ومبرّرة.

لقد حيّرت كلمة (أبا) في سورة عبس ” وفاكهة وأبَّا (31) أبا بكر إلى حدّ فضل فيه الصّمت قائلا: ” أي سماء تظلّني، وأي أرض تقلّني، إن أنا قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم[11]“. ثمّ بعد ذلك شرّق المفسّرون وغرّبوا في معناها. معضلة معنى هذه الكلمة يمكن أن تحلّها ضرورة السّجع الّتي يمكن أن تحضر كلمة لا معنى لها سوى أنّها تكمل السّجع وتوازنه. ليس هذا عيبا إلّا من وجهة نظر الكتابيين؛ أعني من خلفيتهم ثقافة كتابة، أمّا الخلفيّة الشّفهيّة فهي تقبل مثل هذه الكلمات الّتي لا معنى لها إلّا الضّرورة الجماليّة. فإذا كانت الكلمة الّتي تدلّ على أي شيء لا تدلّ على شيء فإنّ الكلمة الّتي لا تدلّ على شيء كـ(أبّا) يمكن لقراءة القرآن الأدبيّة أن تجعلها تدلّ.

إنّ التّعقيد الّذي شاب الوحدة السّجعيّة التّالية في سورة عبس “كلاّ إنّها تَذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهّره (14) بأيدي سَفرة (15) كرام بَرَرَة (16) كعودة الضّمير في (إنّها) على الموعظة وربّما السّورة أو الآية أو الآيات أو الدّعوى الّتي تضمّنتها (فأنت له تصدى) ومعنى (سَفرة) الّتي قيل إنّها تعني كتّاب الوحي من الصّحابة، وربّما قرّاء الوحي أو الملائكة أو الملائكة الّذي يحصون الأعمال أو الملائكة سفراء الوحي. نقول: هذه الآراء يمكن تجنّبها فيما لو فهمنا ذلك في ضوء الكلام تحت ضغط أسلوب السّجع، وقد أشار ابن عاشور في تفسيره من ضمن آراء متعدّدة إلى أنّ الصّياغة اتبّعت مراعاة الفواصل.

إذا أردت أن أواصل الحديث عن الضّرورة السّجعيّة في القرآن فمن المناسب أن نتوقّف عند آيتين في سورة المَسَد هما: ” ما أغنى عنه ماله وما كسب(2) سيصلى نارا ذات لهب (3) وعند آيتين أخريين في سورة القارعة هما: ” ما أدراك ماهيَة (10) نار حاميَة (11). فوصف النّار بأنّها ذات لهب تحصيل حاصل يُفهم من كلمة النّار لكنّها وردت للضّرورة السّجع. فالهاء دخلت على (ما هي) السّجع مع كلمة (هاوية) في الآية الّتي قبلها ثمّ (حامية) للسّجع مع (ماهية).

هناك شيء آخر غير ضرورة السّجع؛ وهو أنّ الجماعة الشّفاهيّة مثلا تردّد عبارة (اللّه جّل جلاله) بدلا من (اللّه) و(بيت اللّه الحرام) بدلا من (بيت اللّه)  (الكعبة المشرفة) بدلا من (الكعبة) والمعنى أنّ طريقة التّعبير الشّفهيّة تحمل فائضا من النّعوت. على أنّ هذا لا يعني عدم وجود صفات أخرى للنّار إنّما يعني أنّ (ذات لهب) و(حامية) نعتان أصبحا جزءا من الذّخيرة الشّفهيّة؛ أي ما إن تبلورت الصّفة مع الموصوف حتّى حُفظت، وجيء بها لترسيخ معنى النّار.

يمكن أن نفهم في ضوء هذه السّمة “ثاني اثنين (التّوبة، 40) زوجين اثنين (هود، 40، الرّعد، 3، المؤمنون، 27) وإلهين اثنين (النحل، 51) وجنّات النّعيم (المائدة، 65، يونس، 9، الحج، 59، لقمان، 8، الصّافات، 43، الواقعة، 12، والقلم، 34) و” بئس المصير (آل عمران، 162، الأنفال، 16، التّوبة، 73، الحجّ، 72، الحديد، 15، التّغابن 10، التّحريم، 9، الملك، 6).

تكمن الميزة العمليّة للصّيغ في أنّها تعطي فرصه ليتدفق النّص كما في سورة المائدة “أحلّت لكم بهيمة الأنعام (1). كلمة (بهيمة) لا ترد في سورة الحجّ ” وأحلّت لكم الأنعام (30).  ولكي يجد لها الطبري محلّا لأّنها تبدو زائدة يرى أنّ معنى (بهيمة) هو أجنّة الأنعام وسخالها وكبارها. ورأى أحد خبراء المخطوطات القرآنيّة أنّ أصلها هو (نسيمة: من النّسمة) لكنّ كتابتها من دون نقط، وبطريقة غير ملائمة في رسم الأحرف قُرئت (بهيمة)[12]. يبدو لنا هذا افتراضا وليس حلاّ، فلو لاحظنا الآيّة فسنلاحظ أنّ هناك زيادة في عدد كلمات النّص (كلمتان: بهيمة الأنعام) بينما هناك دلالة وحيدة (الأنعام). وما نراه هو أنّ أسلوب الصّيغ (بهيمة الأنعام) جعل النّص يتدفّق، وسيشعر القارئ بهذا التّدفق حين يقرأ الآيتين حيث آيّة الحجّ بطيئة بينما آيّة المائدة متدفّقة.

******

[1]  – شايقان، داريوش: ما الثّورة الدينيّة؟ الحضارات التّقليديّة في مواجهة الحداثة، ترجمة وتقديم: محمد الرحموني، مراجعة مروان الداية، (بيروت، دار الساقي، الطبعة الأولى 2004)، ص 43.

[2] – الرّصافي، ص 551 وما بعدها.

[3]  –  نقلا عن: صالح هاشم: الانسداد التّاريخي، لماذا فشل مشروع التّنوير العربي؟ (بيروت، دار الساقي) ص9.

[4]  – أونج، والترج: الشّفاهيّة والكتابيّة، ترجمة: حسن البنا عز الدين، مراجعة: محمد عصفور (الكويت، عالم المعرفة، العدد 182) .

[5] – الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين، تحقيق: عبد السّلام هارون (بيروت، دار الفكر) جـ3/ 28.

[6]  – ستيوارت، ديفين ج: السّجع في القرآن، ترجمة: إبراهيم عوض (القاهرة، شركة الأهرام للدعاية والنشر، ط1، 1995) ص 26.

[7] – شوقي، أحمد: أسواق الذّهب (القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثّقافة، 2012) ص 127.

[8] – ستيوارت: ص 95.

[9] – ستيوارت، ص 49، وبشكل عام عن العبارة المطلعية في أسلوب السجع، انظر ص 47 وما بعدها.

[10] – عن قراءة الشّك وقراءة الإيمان، انظر: جاسبر، ص 24 وما بعدها.

[11] – الدّرر السنيّة https://dorar.net/hadith

[12] – المسيح، ص 132.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This