العزلة عافية متوحشة / ماري طوق

اتصل بي خالي فجأة بعد غياب طويل، سألني بإصرار أن أترجم له كتاباً عن متاحف آيا صوفيا

(*) أحبّ العزلات كلّها، أعرفها وتعرفني، عزلة ظلال الشتاء، الجبال، الموسيقى، الكتب، الأغاني، الذكريات. عزلات تكرارية وارفة أدخلها وأظلّ أعيدها كأغنية يصعب عليّ الارتواء منها، إلى أن تتعب مني وأتعب منها، إلى أن أحظى بعزلة جديدة تطهّرني من سابقتها.

لكنّ هذه العزلة بالذات، رغم وجوه شبهها أحياناً بالأخريات الوارفات، مليئة أفخاخاً وتشعرني بالضيق. نعم، “قلبي في ضيق” ضيق فيزيائي أفقد معه أنفاسي، وأحصي ما تبقّى منها. أستيقظ في الليل الذي طال أو من غفوة اختطفتني وأنا اصرخ من غسق كابوسي: “خلوني إتنفس رح إختنق”، وذراعاي لا تزالان تصارعان هؤلاء الذين لا وجه لهم أذكره ويصرّون على إزهاق أنفاسي. هل أنا مصابة بهذا الوباء دون علم مني، وهذا قانونه على أية حال؟ أمضي أوقاتاً وانا أحاول ان أستعيد نفساً قديماً: شهيق، زفير… أشهق ولا أستطيع ان أزفر، يظلّ هوائي متعثّراً: أجدني في كهف طويل وسقفه الصخريّ يرتطم برأسي. بالطبع أنا مريضة، مريضة بما حولي، بمن حولي. نقطة ضعفي رئتاي وستمزّقهما براثن الفيروس وسأموت خنقاً مثل والدي لا محالة. أسمع حشرجاته من جديد محتضراً، ومن لم يرَ احتضاراً فاته الكثير من ضيق الأنفاس.

أخرج إلى الشرفة لأعبّ بعض الهواء. تحضرني ذكرى صديقة راحت تغنّي الأوبرا على شرفة بيروتية في الليل الساكن بعدما أعياه القصف. أخرج إلى الشرفة لأرى المشهد المقزّز نفسه مذ ضاقت الخطى: ذرق يملأ المكان! يا لهذا الحمام الذي يتمادى في وقاحة عزّزها انهزامنا. منذ خمس عشرة سنة وأنا أسكن هذا البيت ولم يزعجني فيه أي جناح، فقط عصفوران آنس إلى نقرهما العذب، عصفوران اعتادا على حياكة عشهما في رفراف النافذة. ولكن هذا الذرق يتكاثر دوماً في سهو مني، مهما تحيّنت مرور محدثه لتجفيله. أدخل الى غرفتي من جديد وأغرق في الترجمة: كتاب عن الطبخ فأتشهّى وأدخل إلى المطبخ. أنا بحاجة لطعمات قوية: ثوم كثير، بصل كثير، سأظلّ آكل الثوم حتى أمرض وأستنكف عنه ولكن إلى حين.

أصعد إلى الجبل. أفتح منزلي ويغمرني فرح لا عهد لي به: ما زال المنزل محتفظاً بنضارته المحتبسة داخله، نضارة ما قبل الوباء. كل ما فيه ينتمي إلى زمن لم يمس: الأشياء، الأكياس، المونة، الأثاث، كل ما فيه كما ترك في اواخر أيلول، وصنع في عزلته براءته الشتائية التي تهمّ لاستقبال برودة الربيع. آتي بكرسي وأضعه في الخارج وسط الضباب الكثيف مهما يكن متخيّلاً، أمام أشجار الخوخ البري التي أزهرت مستبقة الربيع دوماً بعافيتها المتوحّشة، غير آبهة بيأسنا. ملتحفة بملابس كثيرة أريد أن ينتهي العالم، عالمي، يوماً ما في عزلة الضباب الوارف ثم يسقط نيزك خلف الجبل عند انقشاعه.

اتصل بي خالي فجأة بعد غياب طويل، سألني بإصرار أن أترجم له كتاباً عن متاحف آيا صوفيا، هكذا وبلا مقدّمات. بدا لي أن كوروناه هي سقوط القسطنطينية. سألته عن أحوال البلدة، عدد المصابين، أحوال الأقارب، لكنّه لم يرد على أي من أسئلتي. نزع الامبراطور قسطنطين رداءه الأرجواني وانقض مهاجماً الأعداء مزهقاً أنفاسه في زحمة الأجساد المهاجمة. قسطنطين يخرّ صريعاً وانا أضحك في سرّي من “الميتافور” السريّة التي حاكها خالي للوباء. أعادت له الجائحة حسراته على شرق ظنّه ملكاً له إلى الأبد.

(*) شهادة كتبتها المترجمة اللبنانية ماري طوق لـ”المدن” عن يوميات كورونا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This