جيل دولوز الفيلسوف المُنظِّر لمجتمعات الرّقابة

أوليفيي بيروني Olivier Pironet

ليس المدهش هو إقدام بعض النّاس على النّهب وغيرهم على الإضراب، بل المدهش  بالأحرى هو كون الجياع لا ينهبون باستمرار والمستغَلّين لا يقومون دائما بالإضراب.” فيلهايم رايش

يُنبِّهنا دولوز في نصوصه الأخيرة إلى “عمليّة إرساء نظام للهيمنة، على الأفراد والشّعوب، على نحو تدريجي وبشكل متفرّق أطلق عليها اسم “مجتمع الرّقابة”. وإذا صحّ القول على أنّ دولوز هو مَن استعار لفظة “الرّقابة” من الكاتب “وليام بوروغس “، فالحقّ أنّه هو مَن اعتمد أيضا، في صياغته لهذه الفكرة، على أعمال ميشال فوكو المتعلّقة أساسا بـ”المجتمعات التّأديبيّة”. لقد ظلّ الفرد في نظير هذه المجتمعات الّتي ظهرت بحسب فوكو ما بين القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر قبل أن تبلغ أوجَها في مستهلّ القرن العشرين، ينتقل من فضاء للحجز إلى آخر: ذلك أنّ المؤسّسات من قبيل العائلة، المدرسة، الجيش، المعمل، المستشفى والسّجن …والّتي استفرد  فيها السّجن والمعمل بالأولويّة ،باعتبارهما النّموذجين المُفَضلَين، كلُّها أجهزة مرصودة لأن تلعب دور الرّقابة والحصر والتّحكّم في الأشخاص الّذين صاروا عبارة عن “أجساد” (ديمغرافيّة، سياسيّة، مأجورة) مطواعة ومسبوكة في “قوالب”. الحاصل أنّ نمو المجتمعات التّأديبيّة إن كان يدلّ على شيء فإنّما يدلّ على ازدهار الرأسماليّة الصّناعيّة الّتي يعتبرها دولوز بمثابة رأسماليّة  بقدر ما “تعتمد على الحجز بغاية الإنتاج والتّملك” بقدرما تحرص كلّ الحرص على “تشييد المعمل وسط السّجن”.

لكنّ الملاحظ بنظر دولوز، أنّ فضاءات الحجز هاته، سرعان ما بدأت تعيش أزمة عامّة، لاسيّما بعدما شرعت الرأسماليّة الصّناعيّة في التحوُّل  إلى رأسماليّة ممتدّة الأطراف “dispérsif ” بل و”فائقة الإنتاجيّة”؛ أي إلى “رأسماليّة محكومة بمنطق البيع ومُوجَّهة وفق منطق السّوق” بشكل يجعل “المقاولة  في خضمّ هذا التّحوُّل، تحُلُّ  محلّ المعمل”. لعلّ هذا النّموذج الجديد، مِن التّنظيم، الّذي يقوم على التّطور التّقنيّ ويعتمد على التّقدّم الحاصل في تكنولوجيا الإعلام والتّواصل، لا يعدو أن يكون في الحقيقة سوى خدعة، بالرّغم ممّا يُبديه من مزاعم تضليليّة ما فتئت تُوهم النّاس على أنّه هو ما يضمن للأفراد ليس فحسب فرصا كبيرة للعمل وأوقات فراغ رحبة ومناسبة بل  أيضا، حريّة أكبر في التّنقل. لا عجب إذن أن تغدو حريّة التّنقل وتَيسير حركة السّير، من الآن فصاعدا، بمثابة الشّرطين الرّئيسيين لممارسة السّلطة والتّحكم في النّاس سواء عبر “المراقبة الدّائمة” لكلّ أنماط العيش أو عبر “تقنية التّواصل الفوريّ” خلافا بطبيعة الحال للنّظام التّأديبيّ الّذي كان ينهض على الاعتقال وحبس الأجساد.

وإذا صارت المقاولة الّتي  تقوم على إيديولوجيّة خاصّة وطريقة في الاشتغال معيّنة -“الصّراع الحادّ باعتباره منافسة شريفة”- هي الّتي  استفردت بدور الرّيادة  في هذا الشّأن، فالدّعاية le marketing  الّتي تؤثّر على المستهلكين وتتحكّم في سلوكاتهم عبر تدجينها للعقول بواسطة سلسلة من التّقنيات في غاية الدّقة باستمرار، هي ” أداة المراقبة الاجتماعيّة” الأكثر نجاعة.

لكن يلزمنا مع كلّ ذلك أن نعلم على حدّ توكيد دولوز، على أنّ هذه المجتمعات على اختلافها، أقصد مجتمعات الحواسيب وأجهزة المعلوميات الخاصّة بالمراقبة عن بعد والضّبط السبرنطيقي، مجتمعات مازالت لم تقْض بعد، وبصفة نهائيّة على نظيراتها السّالفة الذّكر، بحيث أنّها اكتفت بالزّحف متقدّمة على أنقاض المؤسّسات التّأديبيّة الآيلة للتّفكّك؛ وذلك وفق نهج استعبادي ناعم وماكر في ذات الوقت؛ هكذا غدت عمليات الحجز الأشدّ قساوة، تبدو لنا ، بالمقارنة مع  “مختلف أشكال الرّقابة الدّائمة الّتي تسود الفضاء المنفتح،  ضربا من ضروب ماض ممتع وأكثر رفقا”.

******

الرّابط:

https://www.monde-diplomatique.fr/mav/96/PIRONET/16548

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This