فقه الديمقراطيّة

 الديمقراطيّة منهج سياسي له أصوله وفلسفته، وله أئمةٌ مُنظِّرون يُعلِّمون النّاس أبجديَّتَه ويُبصِّرونهم بمَرامِيه. ولعلَّ أقصر الطُّرق إلى فهم الديمقراطيّة هو أن نتَّجِه مُباشرة إلى هؤلاء، فنكون كمن يَرِد المنابع فيَغْنى بها عن سقاياتٍ شحيحةٍ لا تَشفيه ولا تَرويه، ولا يدري كم تداوَلتْها من أيدٍ وكم خالَطتْها من أوشاب.

تقوم الفكرة الديمقراطيّة، في شطرٍ كبير منها، على مذهب المنفعة العامّة utilitarianism، وبخاصَّة في صياغة الفيلسوف التجريبي الإنجليزي جون ستوارت مِل J. S. Mill (١٨٠٦–١٨٧٣م)، يُعرِّف مل مذهب المنفعة بأنّه تلك الوجهة من الرّأي القائلة بأنّ «الأفعال هي خيرٌ بقدْر ما تنزِع إلى أن تُعزِّز السعادة، وهي شرٌّ بقدْر ما تنزِع إلى أن تُورِث الشّقاء.» وقال: إنَّ على الفاعل وهو بصدَدِ تقدير المشروعيّة الأخلاقيّة لفِعله أن يتقصَّى نتائجه لا مِن حيث تأثيرها عليه فحسب، بل من حيث تأثيرها على أي شخصٍ تمسُّه هذه النّتائج. ولعلَّ من أكبر نقاط القوّة في مذهب المنفعة كرؤية أخلاقيّة تقدُّمية هي التزامه بفِكرة المُساواة بين الأفراد، فليست لذَّاتي وآلامي بأهمَّ ولا بأهْوَنَ من لذَّاتِ أيِّ إنسانٍ آخَر وآلامِه. ربّما يُمتِّعني أن أستمِع إلى مِذياعي في حافلةٍ مُزدحِمة، ولكنِّي قد أُعرِض عن هذا لأنّه يُؤذي الآخرين. ملكية اللَّذَّات والآلام إذن هي شيء خارج عن الموضوع من الوجهة الخُلقية، إنّما الاعتبار كلُّه هو ﻟ «تحقيق أكبر قدرٍ من السعادة لأكبر عددٍ من النّاس.»

 

وقد دفع كارل بوبر فيما بعدُ بصيغةٍ جديدة لمذهب المنفعة العامَّة تُمثِّل إضافةً للمذهب لا نقضًا له، وهي صيغة تعكِس التّوجُّه التّكذيبي في المعرفة العلميّة عند بوبر بقدْر ما تعكس توجُّهَه العِلمي في الفكر السّياسي. ويطلق على هذه الصّيغة «مذهب المنفعة السّلبي» negative utilitarianism. في هذا المذهب يأخُذ بوبر، كعادته، طريقًا عكسيًّا via negativa، ويُلحُّ على «أقلِّ قدرٍ مُمكنٍ من المُعاناة للجميع.» يتميَّز مبدأ بوبر بأنه يلفِتُ الأنظار مُباشرة إلى المشكلات، ويحفِّزُ على الفِعل العاجِل لإصلاح ما يتكشَّف من العيوب. إنّنا لا نعرف كيف نجعل النّاس سُعداء، ولكنَّنا نعرِف جيدًا وسائل لتقليل شقائهم! إنّه مبدأ سياسي عملي، إن لم يكن مبدأ أخلاقيًّا أساسيًّا، ومُصاداة للمبدأ الإسلامي «دفع الضَّرَر مُقدَّم على جلْبِ المنفعة.» وهو فضلًا عن ذلك مبدأ يُكرِّس نفسه للتّغيير. إنّه ينطلق من الحِرص على مصلحة البشر ويشتمِل على رغبةٍ في إعادة تشكيل المؤسَّسات.

 

ولا يعدم المرء أُسُسًا ميتافيزيقيّة يقوم عليها كلُّ نظامٍ يُعامِل الفرد كغايةٍ، ويضع الذّات الفرديّة في الصَّدارة من اهتمامه. الذّات الفردة هي الكيان الميتافيزيقي الفعلي، والحقيقة الأنطولوجيّة النهائيّة. الكائن الحقُّ هو الفرد. الّذي «يُوجَد» و«يسعد» و«يشقى» هو الفرد. وما «الجماعة» و«الدّولة» و«العُصبة» — على حتميَّتِها وواقعيَّتِها وحقيقة ما ينبثِق عن مُستوياتها من قوانين جديدة تنعكِس على الذّوات بالضّرورة — إلاّ كائنات اعتباريّة (أو قُل إنّها أنساق systems على مُستوًى وجودي أعلى تنبثِق لها خصائص جديدةٌ اجتماعيّة ليس منها اللَّذَّة والألم أو السّعادة والشّقاء). «الدّولة» لا تأكُل ولا تشرَب، ولا تجوع ولا تعرى، ولا تموت ولا تُبعَث، ولا تفرَح ولا تحزن، ولا تجزع ولا تَدْمى ولا ينفطِر قلبها، إنّما يفعل ذلك الأفراد الجُزئيُّون. وحين نضمُّ أفراد البشر معًا فإنّهم يبقَون بشرًا أيضًا ولا يَتحوَّلون إلى صنفٍ آخر من «الجوهر»، على حدِّ تعبير جون ستيوارت مِل J. S. Mill. ومن ثَمَّ فالغاية الحقيقيّة هي سعادة الأفراد بما هم أفراد؛ إذ ليس هناك، ببساطة، أي كائنات حقيقيّة أُخرى لكي نُسبِغ عليها شيئًا! ونحن إذا كنَّا نهتمُّ بقوّة المجتمع وصلاح أمره فإن غايتنا القصوى هي أن ينعكس ذلك على الذّات الفردة ويعود بالخير والصّلاح. ولعلَّ هذا التّصوُّر، وإن كان مُشربًا بالنَّزعة السيكولوجيّة عند مِل، هو من أجدى التَّصوُّرات وأكثرها سدادًا؛ إذ يعصِمُنا من أوهام المذهب الجمعيّ collectivism والنّزعة الكليّة holism، ومن التّورُّط في المفاهيم الرومانسيّة لروسُّو وهيجل، من مثل «الإرادة العامّة»، أو «الرُّوح القومي»، أو «عقل الجماعة»، وما إليها من تصوُّراتٍ ينبغي ألاّ نأخُذها بأكثر من قِيمتها المَجازية أو الاستِعاريّة، وألَّا نَنسِب إليها وضعًا ميتافيزيقيًّا أو كيانًا أنطولوجيًّا.

 

في ضوء هذه الاعتبارات الأخلاقيّة والميتافيزيقيّة يُمكننا أن نرى بوضوحٍ أن الشّكل السّياسي ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق الغايات القابِعة في النّطاق العريض للعلاقات البشريّة وللارتقاء بالشّخصية الإنسانيّة. يقول الفيلسوف الأمريكي الكبير جون ديوي J. Dewey (١٨٥٩–١٩٥٢م) إنَّ حقَّ الاقتراع العامّ، والانتخابات المُتكرِّرة، ومسؤوليّة أصحاب السّلطة السّياسيّة أمام النّاخبين، ما هي إلاّ «وسائل» قد ثبتَ نفعُها في تجسيم الديمقراطيّة كطريقةٍ إنسانيّةٍ حقَّة للعَيش. إنّها وسائل وليست غايات، ويتعيَّن الحُكم عليها على أساس قُدرتها على تحقيق غاياتها. ونحن إذا وضعْنا الوسائل مَوضِع الغايات الّتي تخدُمها هذه الوسائل ستكون فعلَتُنا ضربًا من الوثنيّة وعبادة الأصنام. تستنِد هذه الأشكال السّياسيّة الديمقراطيّة إلى فكرة أنّه ليس هناك فردٌ بلَغَ من الحِكمة أن يعرِف للآخرين مصالِحَهم ووسائل سعادتهم وخيرهم أكثر منهم، وأن يفرضها عليهم بِغَير رضاهم. كلّ فردٍ يتأثَّر في فعله ومُتعته بحالته المُترتِّبة على النظام السياسي الذي يعيش في ظله، ومن ثَمَّ فإن له حقًّا في تحديد هذا النظام.

 

تقوم الفكرة الديمقراطيّة على أنّ النّاس سواسية قانونيًّا وسياسيًّا. صحيح أنّهم خُلِقوا غير سواسية في المواهِب الطبيعيّة، إلَّا أنّ هذا التّفاوُت ليس حُجَّةً ضِدَّ المساواة وإنّما هو حجةٌ لها؛ فالمساواة أمام القانون ليست «واقعة» موضوعيّة ولا قانونًا طبيعيًّا، إنّما هي «مطلب» سياسي قائم على قرارٍ أخلاقي، ولا علاقة له البتَّة بالنظريّة القائلة بأنَّ النّاس وُلِدوا سواسية بالطّبيعة، بل إنَّ المُساواة (تُساوي الفرصة) هي الّتي تضمَن وترعى التّفاوُت العقلي بين بني البشر؛ لأنَّ مُساواة الفُرصة تضمَن للمواهِب الفردية حقَّ التميُّز والنموِّ وتَحمي أصحاب المواهِب من أن ينالَهم اضطهادٌ ممن يقلُّون عنهم مَوهبة.

 

وتقوم الفكرة الديمقراطيّة أيضًا على أنّ الحريّة الإنسانيّة هي حُريّة العقل بالدّرجة الأساس؛ حُريّة الإيمان والضّمير، حُريّة الرّأي والاجتماع لتبادُل الرّأي، حُريّة الصّحافة كوسيطٍ للاتّصال. وبِغَير هذه الحقوق لن يعود الأفراد أحرارًا للارتقاء، وسيُحرَم المجتمع من جُهدهم ومواهبهم وأفضل إسهاماتهم. وأنت حين تسلُب الإنسان حُريّة عقله وتتولَّى عنه مهمَّةَ القرار فأنت تُعفيه أيضًا من المسؤوليّة وتسلُبه الإحساس بالصّالح العامّ، وتبثُّ فيه رُوح السلبيّة والاكتفاء من العمل بأقلِّ القليل. إنّك تَحمِّله على أن يتبنَّى أسلوب العمل «الدّفاعي» الّذي لا يهدُف إلَّا إلى أن يَقيَهُ من عِقاب التّقصير، والّذي يتجنَّب المُبادأة والمُغامَرة والإبداع.

 

*****

المصدر:

عادل مصطفى: صوت الأعماق: قراءات ودراسات في الفلسفة والنّفس،  مؤسسة هنداوي.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This