نظريّة العدد الفيثاغوريّة: بحثا عن “الانسجام” المفقود

يقتضي الحديث عن فيتاغورس Pythagore (حوالي 570 ق.م –495 ق.م) استحضار السّياق الثّقافيّ الّذي تبلور فيه فكره، فإضافة إلى المشاكل السّياسيّة الكثيرة الّتي عاصرها واضطرّته في أحيان كثيرة إلى هجرة موطنه نفيا أو هربا، منها على سبيل المثال لا الحصر الصّراع الدّاخلي بين طبقات مجتمع مدينة “ساموس Samos” مسقط رأس الفيلسوف، فضلا عن استبداديّة بوليقراطيس حاكمِ المدينة، ولأنّ الرّجل كان ناشطا سياسيا في وضع متأزم، وناصر الدّيمقراطيين في صراعهم ضدّ الأرستقراطيّة، فقد لوحقت جماعته وتعرّضت لهجمات كثيرة على الرّغم من أنّها كانت جماعة سريّة…

تهدف هذه الورقة إلى التّفكير في الأصول الثّقافيّة والأسس الفلسفيّة الّتي انبنت عليها الرّؤية الفيثاغوريّة للكون، وهي في ذلك تسعى إلى مقاربة مفهوم العدد مقاربة أنطولوجيّة حيث تبحث من خلاله عن المسارات الممكنة لتحقيق الانسجام بين الإله والكون والإنسان.

كان فيتاغورس ذا نزعة دينيّة استمدّها من تعاليم العقيدة الأورفيّة الّتي شكّلت عقلنةً للاهوت اليونانيّ القائم على تعدّد الآلهة والصّراع بينها، ويتمظهر ذلك فيما قدّمته من تصوّرات حول نشأة الكون وميلاد الإنسان، فعلى خلاف أغلب العقائد اليونانيّة الّتي كانت تنظر إلى “ديونيزوس” بوصفه إلها ملهما للبذخ والمجون والاحتفال بالجسد والإقبال على لذّة الحياة، قدّمت الأورفيّة تأويلا لأسطورته يسمح بتحقيق التّوازن داخل الإنسان، بحيث أصبحت تشير إلى تمازج جانبي الخير والشّر فيه، وتَعتبِر أنّ التّخلص من الشّر والوصول إلى الكمال لا يتمّ إلاّ من خلال تطهير النّفس وانعتاقها من سجن الجسم، وهو ما يعني أنّ ديونيزوس لم يعد رمزا للاحتفاء بالجسد بقدر ما أصبح يرمز إلى تقديس النّفس والارتقاء بها نحو الكمال وإنقاذها من دورة تناسخ الأرواح، وهكذا لم تعد الفضيلة الأرستقراطيّة مرتبطة بمظاهر البذخ والرّفاه، بل أصبحت نموذجا للسّيطرة على الذّات والتّحكم في شهواتها، نذكر هنا حديث جون بيير فرنان J. P. Vernant عن الفضيلة الأرستقراطيّة الجديدة: “كانت الفضيلة الأرستقراطيّة صفة طبيعيّة مرتبطة بتألق الولادة، وهي تظهر عبر الجدارة في المعركة وعبر السّعة في الحياة. وفي المجموعات الدّينيّة لم تقم الفضيلة فقط بنزع مظهرها الحربيّ التّقليديّ، ولكنّها تعرّف بتناقضها مع كلّ ما يمثّل مثال البذخ بصفته تصرّفا وشكلا من الحساسيّة: فالفضيلة هي ثمرة تدرّب طويل وشاقّ، ونظام قاس وصارم؛ وهي تضع موضع العمل رقابةً على التّراث وانتباها مستمرًّا للتّخلّص من إغراءات اللّذة ومن جاذبيّة الميوعة والشّهوانيّة، لكي تفضِّل عليها حياةً مكرَّسة بكاملها للجهود الشّاقة”[1].

لقد استلهم فيتاغورس نموذج حياته من هذه التّعاليم نفسها حيث اتّخذ من الزّهد سبيلا للعيش وامتنع عن تناول الكثير من الأطعمة نظرا لما تمّ إضفاؤها عليها من طابع قداسي؛ إلاّ أنّ الأمر هنا لا يتوقّف عند حدود التّأثر فقط، بل تجاوزه إلى درجة التّأثير، فبقدر ما تشكّل العقيدة الأورفيّة عقلنةً للاّهوت اليونانيّ، بقدر ما عملت الفيتاغوريّة نفسُها على عقلنة هذه العقيدة، فلمّا كان تطهُّر النّفس وسموها حسب الأروفيّة مرتبطا بالزّهد والإعراض عن المتع الحسيّة، فإنّ الفيثاغوريّة جعلت الوصول إلى الكمال المطلق وانعتاق النّفس من دولاب الولادة والتّوحد بالذّات الإلهيّة، رهينا باتّباع مدارج الحكمة والتّأمل وإنتاج المعرفة والعلم، وتحقيق الانسجام بين الذّات والكون من خلال البحث عن المعرفة إن على مستوى التّأمل العقليّ المجرّد أو على مستوى الممارسة المعيشة اليوميّة.

تشترك الحكمة الفيثاغوريّة مع غيرها من المذاهب الطّبيعيّة في البحث عن أصل الكون ووضع خطاب عقلاني حوله يستهدف العثور على المبدأ الأول بوصفه لا يشكل فقط بداية زمنيّة بل علّة جوهريّة كليّة تتجاوز الزّمن والتّغير وتحتويهما في الآن ذاته، إلاّ أنّ ما يميّزها هو كونها حصيلة اشتغال نظري وعملي هاجسُه الأساس هو العثور على نقط التّلاقي بين ما هو طبيعي حسّي وما هو عقلي مجردٌ، لذلك سوف ترفض الفيثاغوريّة إرجاع أصل الكون إلى أحد العناصر الطبيعيّة الماديّة، فالعنصر المادي موجود في الطّبيعة لكنّه غير موجود في العقل، كما أنّ ظواهر الطّبيعة مركّبة، والمفترَض أن ترَكَّب من عناصر بسيطة، ولكي تكون كذلك لا بدّ لها أن تكون غير مجسَّمة، في حين أنّ كلّ العناصر الماديّة هي عبارة عن مجسَّمات ذات طول وعرض وكتلة، فإلى ماذا يمكن إرجاع الطّول والعرض والكتلة بما هي مقاييس رياضيّة بسيطة؟ إنّها تُرجعُ إلى العدد، وبالتّالي فإنّ أصل الكون هو العدد، لكن ما هو العدد؟ وبأي معنى يمكن اعتباره أصلا وعلّة جوهريّة؟ وهل يعني ذلك أنّه ذا وجود موضوعي أنطولوجي قائم بذاته؟

عندما يتحدّث فيتاغورس عن العدد فإنّه يشير من خلاله إلى الوسيلة الّتي يتمّ بواسطتها توحيد كلّ أشياء الكون في تجلّياته الكبرى (الأفلاك، النّجوم، الكواكب…) كما في تجلّياته الصّغرى (الجزيئات،الذرّات…)، إنّه وسيلة إضفاء النّظام والتّرتيب على كلّ شيء، وفضلا عن ذلك يشكّل العدد واصلة بين ملكة التّعقل والفكر من جهة، وبنيّة الكون وظواهره من جهة ثانية، ذلك أنّه يمكن تعقّل الموجودات بإرجاعها إلى بنائها الهندسيّ، عبر تجريد الظّواهر من كلّ خصائص جسمها الطّبيعيّ (المادّة، الكون، الفساد، الزّمان…)، بهدف النّفاذ إلى عمقها الأنطولوجي، لهذا كانت العبقريّة الفيثاغوريّة تكمن في قدرتها على التّغلغل في الجسم الرّياضي للكون (الكمال، الثّبات، القانون…) وذلك من خلال الغوص في البنيّة الصّوريّة للأشكال، بغاية الوصول إلى درجة من الصّفاء الهندسيّ. من هنا اعتبر فيثاغورس أنّه يمكن إرجاع كلّ شيء إلى بنيته الرّياضيّة المنسجمة والمتناغمة، على اعتبار أنّ كلّ شيء عبارة عن “عدد Nombre”، فنحن نقول بأنّ هناك ثلاثة مقاعد وقاعة واحدة وثلاثمائة شخص، ويظلّ الرّابط بين كلّ هذه الأشياء على اختلاف تعدادها واختلاف ماهيتها وشكلها يظلّ الرّابط الأساسي بينها هو العدد. إلاّ أنّ القول بأنّ أصل كلِّ شيء هو عدد يطرح إشكاليّة طبيعة العدد ذاته: هل يعني ذلك أنّه عبارة عن كيان موضوعي مادي، منه تتكوّن الأشياء؟ هل هو كيان مستقلّ ومفارق للموجودات أم أنّه محايث لها؟

يمكن مقاربة ماهيّة العدد الفيتاغوري من خلال تأويلين أساسيين: يدّعي الأوّل أنّ العدد عبارة عن كيان جوهري، أي أنّ الأشياء من حيث كينونتها وماهيتها هي عبارة عن أعداد، وهنا يصبح وجود العدد وجودا محايثا للأشياء أنطولوجيا، بينما يدَعي القول الثّاني أنّه عبارة عن وجود موضوعي مستقلّ ومفارق للموجودات الّتي لا تربطه بها سوى علاقة المحاكاة والمشابهة  من خلال قابليتها للتّشكُّل وفق بنيّة صوريّة رياضيّة هندسيّة؛ إلاّ أنّ كلا القولين يحملان مشاكل ميتافيزيقيّة عصيّة.

في حديثه عن النّظريّة الفيثاغوريّة يعتبر ch. Mounier أنّ القول بإمكانيّة إرجاع أشياء الكون إلى مفاهيم رياضيّة معناه أنّ كلّ شيء يستمدّ بنيته الهندسيّة من تناسبات متناغمة يمكن حسابها من خلال الرّجوع بها إلى مقاديرها الكميّة والتّعبير عن هذه المقادير بمجموعة من الرّموز العدديّة، فمثلما أنّه يمكن تفكيك الخطاب إلى جمله، وتفكيك الجمل إلى كلماتها، والكلمات إلى حروفها، والحروف إلى مخارجها الصّوتيّة، كذلك أيضا يمكن إرجاع الأشياء إلى مجسَّمها الهندسي، ثمّ إرجاع المجسم إلى مساحته والمساحة إلى خطوطها، والخطوط إلى نقطها، وهكذا نرى أنّ المساحات والخطوط والنّقط كلّها عبارة عن تناسبات هندسيّة وفق مقاييس رياضيّة دقيقة[2]، وبالتّالي فإنّ الكون في كلّ عناصره المتعدّدة والمتغيّرة إنّما يحكمه تناغم عددي رياضي ثابت يمكن الوصول إليه من خلال التّأمل الرّياضيّ. ومن ثمّة تصبح المادّة -الّتي كانت تعتبر مع روّاد المدرسة الأيونيّة عنصرا فاعلا- مجرَّد مادة منفعلة بواسطة العدد الّذي هو المبدع الأصلي لكلّ الموجودات، لنقرأ النّص التّالي الّذي يشرح كيف صدرت الموجودات عن الأعداد: “إنّ الوحدة (Monade, unité) هي مبدأ كلّ شيء صدرت عنه الثّنائيّة (Dyade, Dualité) وهي لانهائيّة، ومن الوحدة الكاملة ومن الثّنائيّة اللاّنهائيّة صدرت الأعداد، ومن الأعداد صدرت النّقاط، ومن النّقاط الخطوط، ومن الخطوط المسطَّحات، ومن المسطَّحات المجسَّمات، ومن المجسَّمات الأجسام المحسوسة وعناصرها الأربعة وهي النّار والماء والأرض والهواء…”[3]، ونفهم من ذلك أنّه في البدء كانت الوحدة اللاّمتناهيّة والمطلقة غير القابلة للتّحديد الماهويّ والّتي تصدر عنها كلّ الأعداد، كما أنّ هذه الأعداد نفسها ترجع إلى صنفين: صنف الأعداد الفرديّة، وصنف الأعداد الزّوجيّة، وعن هذين الصّنفين تنشأ ثنائيّة كلّ الموجودات المتضادّة: (الحدّ/اللاّحد؛ الواحد/الكثير؛ الأيمن/الأيسر؛ المذكّر/المؤنّث؛ الثّابت/المتحرّك؛ المستقيم/المنحني؛ النّور/الظّلمة…)، كما أنّ كلّ هذه الموجودات على الرّغم من تعارضها الظّاهر إلّا أنّها ترجع إلى شكل صوري رياضي هندسي.

إنّ إحداث الاتّصال بين منظومة العقل وأشياء العالم الخارجي يتمّ عبر رفع هذه الأخيرة إلى درجة عليا من التّجريد تسمح بالكشف عن قانونها الرّياضي المتحكّم فيها، لذلك دأب الفيتاغوريون على الانشغال بالقضايا الرّياضيّة، والعمل على ترييض كلّ أشكال ظواهر الطّبيعة بدءًا من الصّوت الّذي قدّمت الفيتاغوريّة بصدده اكتشافات كثيرة، حين تمكّنت من التّعبير عن الدّرجات المختلفة للأصوات من خلال حساب التّوتّرات والمسافات الفاصلة بين كلّ صوت، نذكر هنا على الخصوص اكتشافاتها في الموسيقى حيث انتبهت -من بين ما انتبهت إليه- إلى أنّ ” الوتر المشدود عنه الصّوت الثّامن، الأوكتاف، إذا قُسِّم طوله إلى النّصف، والمِثل إذا أُنْقِص إلى الثّلثين حصلنا على الخامس، والصّوتان الرّابع والخامس يولِّدان معا الصّوت الثّامن، الأوكتاف”[4] . ثُمَّ إنّها أضفت على بعض الأعداد صفة القداسة كالعدد (4) الّذي تعتبره رمزا للعدالة، والعدد (10) الّذي جعلته العدد الأكمل من بين كلّ الأعداد، نظرا لكونه يتَّسم بثلاث سمات، أوّلها أنّه يشمل من الأعداد الأوليّة نفس المقدار الّذي يشمله من الأعداد غير الأوليّة، وثانيها أنّه يتضمّن من الأعداد الزّوجيّة ما يتساوى بالأعداد الفرديّة، وثالثّها أنَّ جمْع الأعداد الأربعة الأولى يساوي العدد (10)[5]؛ ولئن كان من مقصِدٍ للفيثاغوريين من وراء ذلك، فإنّه لا يخرج عن نسق الرّوح اليونانيّة العامّة الّتي تسعى إلى العثور على تجلّيات “الانسجام”، فالتّأويل العقلاني للكون بواسطة الرّياضيات، إنّما يرجع لما تتيحه الهندسة والحساب من إمكانيات لإضفاء الطّابع المنسجم على الظّواهر الطّبيعيّة، لدرجة يمكن القول معها أنّ قول الفيثاغوريين بالعدد كأصل للكون يعني في جوهره أنّه محكوم بالانسجام بين عناصره، ولعلّ اهتمامهم بالرّياضيات والموسيقى إنّما يرجع إلى هذا السّبب بالذّات.

غير أنّ القول بإمكانيّة معرفة الأشياء من خلال النّظر في بنيتها الهندسيّة، يطرح إشكاليّة طبيعة العلاقة الّتي تربط بين العدد والشّيء، ذلك أنّه يمكن قبول أنّ كلّ الأشياء ترجع إلى بنيتها الصّوريّة العدديّة (نقط، خطوط، أشكال…)، لكن ما يصعب تحديده هو طبيعة هذا الجسر الّذي يسمح بالانتقال من الطاّبع الحسّي للأشياء، إلى طابعها التّعقلي والمجرّد، بتعبير آخر: هل الأعداد محايثة للأشياء أم أنّها مفارقة لها؟ فضلا عن ذلك إنّ اعتبار أصل الكون “عددا” يطرح مشكلة التّعدد، بمعنى هل تتكاثر الأعداد بتكاثر الأشياء، أم أنّ هناك وحدة أنطولوجيّة تصدر عنها كلّ الموجودات؟ باختصار: كيف يمكن إحداث المطابقة بين الأعداد والمعدودات وفي نفس الوقت الحفاظ على مبدأ الوحدة؟

إنّ الأشكال الصّوريّة الرّياضيّة غير متناهيّة لذلك تكون قابلة لاحتواء كلّ المواضيع الماديّة كما وكيفا، وإذا أمكن تصوّر عدد لا نهائي من المثلّثات وحساب قياساتها وأبعادها، فإنّ تصوّر المثلث من حيث هو مثلث في شكله الصّوري الخالص مسألة تطرح إشكالات عديدة تختلف بصددها التّأويلات الفلسفيّة، إذ يصعب تحديد ما إذا كان لهذه الأشكال وجود مستقلّ موضوعي خارج عن الذّات، أم أنّها كيانات عقليّة تتّخذ وجودها من العقل ذاته، وفي كلتا الحالتّين يُطرح سؤال العلاقة الرّابطة بين العدد والمعدود، فإذا قيل بأنّ العلاقة بينهما هي علاقة محاكاة Simulacre أصبحت الأعداد تتمتّع بوجود أنطولوجي مستقلّ، ويستتبع ذلك أنّها تتعدّد بتعدّد أشياء العالم الخارجيّ، وبالتّالي يستحيل الانتقال من مبدأ التّعدّد إلى مبدأ الوحدة، وإذا قيل إن الأشياء في وجودها الموضوعي بوصفها معدودات، تتطابق مع نظام العدد نفسه، نتج عن ذلك إحداث التّماهي بين بنيّة العقل الرّياضيّة ومختلف عناصر الطّبيعة، ولعلّ هذا القول يعدّ أكثر اتّساقا مع طبيعة النّظريّة الفيتاغوريّة القائمة على وضع التّناهي كعلامة دالّة على الكمال، بمعنى أنّ الأشياء المتناهية والّتي يمكن وضعها داخل تعريفات محدّدة هي ذاتها الأشياء الكاملة، والعدد نفسه هو أصل كلّ الكمالات، لأنّه متناه وقابل للتّأطير داخل تعريف رياضي محدّد، لهذا ارتبط الانسجام لدى الفيتاغوريّة بما هو متناهٍ وكامل. وبذلك تصبح العلاقة بين العدد والمعدود قائمة على التّطابق بين البنية العقليّة المجرّدة وأشياء الطّبيعة وعناصرها الماديّة، بحيث يصبح “الكون أعدادا وأنغاما”…

إلاّ أنّ هذا الانسجام الّذي توصّلت إليه الفيتاغوريّة ومكّنها من إحداث الوحدة الأنطولوجيّة بين الإنسان والكون والإله، لن يستمرّ طويلا، فالممارسة الرّياضيّة النّظريّة الّتي دأب الفيتاغوريون من خلالها على حلّ المشاكل الحسابيّة والهندسيّة بواسطة العمليات الاستدلاليّة والبرهانيّة، قادتهم نحو اكتشاف المبرهنة الشّهيرة القائلة بأنّ مجموع طول المربعَين القائمَين على الضّلعين المحاذيين للزّاوية القائمة في مثلّث، يساوي طول مربع الوتر المقابل للزاوية القائمة، والّتي يعبَّر عنها في صيغتها المباشرة على النّحو التّالي (a² + b² = c²).

وبقدر ما يشكّل هذا الاكتشاف عملا مبهرا يدين به تاريخ الرّياضيات في تطوّره إلى الفيثاغوريّة، فإنّه أيضا حمل معه أزمة عجز العقل الفيتاغوري عن استيعابها، لدرجة أنّها هدّدت النّظريّة في كليّتها بالانهيار، ذلك أنّ الممارسة الحسابيّة لهذه المبرهنة سوف تعلن عن إحداث التّصدع في هذه الوحدة المنسجمة الّتي انشغل فيتاغورس طيلة حياته بتأسيسها وجعلها متناغمة مع ما يتمثّله عقله من معارف وعلوم، وما تجتنيه ممارسته اليوميّة من أفعال وسلوك، داخل تصوّر للحكمة يزاوج بين النّظريّ والعمليّ..إنّ المشكلة هنا تكمن في أزمة اكتشاف العدد النّسبيّ، فالخاصيّة الأساسيّة للعدد الفيثاغوري هي “التّناهي”، فالعدد (1) مثلا هو عدد كامل ومطلق لأنّه متناهٍ، لكن أن يصير هذا العدد نفسه قابلا للقسمة على (2)ـ فتلك هي الأزمة بعينها، أكثر من ذلك هناك أعداد لا تتوقّف نتيجة قسمتها نهائيا، من بينها أنّ نتيجة حساب الجذر التّربيعيّ للعدد (2) في وتر  مثلّث قائم الزّاوية تساوي …1.41423562 وهو عدد غير قابل للتّوقف، أي أنّه لامتناهٍ.

إنّ ما يحدث هنا هو انهيار الأطروحة الفيثاغوريّة القائلة بأنّ كلّ أشياء العالم الخارجيّ قابلة للتّكميم الرّياضيّ، فما كان يعتبر قبلَ حينٍ متطابقا أصبح الآن متباعدا، وما كان يُحسَب أنّه متناهٍ أضحى لا متناهيا، وما كان يُرمَز من خلاله إلى المقدّس صارَ الآن مدنَّسا، فالشّكل الهندسي كما هو في الواقع لمساحة زراعيّة يتمتّع بحدود واضحة وجليّة، ويبدو بالفعل أنّه شكل متناه لدرجة أنّه يمكن رفعه إلى مستوى أعلى من التّجريد عبر تكميمه في علاقات رياضيّة صوريّة، لكن لماذا لا نجد عددا متناهيا بالضّرورة يعبِّر عن التّناهي الفعليّ لهذا الشّكل؟ كيف أمكن له أن يكون متناهيا ضمن ما هو مرئي ومنظور، وأن يكون هو نفسه لا متناهيا ضمن ما هو تجريدي ومعقول؟ كيف أمكن حدوث هذه الفجوة الغائرة بين عالم التّعقل وعالم المحسوس؟ وكيف يمكن رأبُها مرّة أخرى وإعادة الانسجام من جديد بين الإله والطّبيعة والإنسان؟

والواقع أنّ أزمة العدد الفيثاغوريّة سوف تشكّل مفترق طرق لمسار الحكمة الطّبيعيّة بين مُناصرٍ لمبدإ الواقع في أبعاده الحسيّة الماديّة المتّسمة بالتّغير والحركيّة، ومنتصر لمبدإ الفكر في ثباته وسكونه وراديكاليّة التّعقل الصّوريّ المطلق للوجود، وبهذا سوف تتوجّه الحكمة الطّبيعيّة في مسارين متعارضين: مسار التّغير الهراقليطي، ومسار الثّبات البارمنيدي، كما أنّ أفلاطون سوف يجعل من المهام الأساسيّة لأكاديميته أن يجد حلّا لهذه الأزمة الموروثة عن فيثاغورس، وسيشترط على كّل ما أراد الانخراط فيها ضرورة الضّلوع في علم الرّياضيات، بل إنّ الفيثاغوريّة نفسها سوف تشكّل أحد أهمّ المنابع الّتي انبنى عليها النّسق الأفلاطوني، فالتّمييز بين عالم المثل وعالم الدّوݣسا إنّما يرجع إلى هذا التّمايز الّذي أحدثه فيثاغورس بين العدد والمعدود، بين كمال العدد في العقل، ونسبيّة المعدود في الواقع الفعليّ الخاضع لثنائيّة الكون والفساد، أضف إلى ذلك أنّ فكرة تناسخ الأرواح الفيثاغوريّة والاعتقاد بخلود النّفس سوف يجعل أفلاطون ينتبه إلى مكانة الإنسان ضمن هذه الثّنائيّة الأنطولوجيّة بين الكامل المثاليّ والنّسبيّ المتغيّر، فالنّفس خالدّة في عالم المثل، لكنَّها مسجونةٌ في الجسد المنتمي إلى عالم الدّوݣسا، وتحرُّرها من هذا السّجن مرهون بمدى قدرتها على تذكّر المعارف والصّعود جدلا نحو مستوى الكمالات العقليّة…

لقد قدّمت الفيتاغوريّة إرثا ضخما للفكر الإنسانيّ بمختلف تلويناته علميا وفلسفيا وأخلاقيا، بل ودينيا أيضا، وعلى الرّغم من وجود اتّجاهات كثيرة داخلها وانتحال كثير من الشّخصيات صفة الانتساب إليها، إلاّ أنّ فضلها على الإنسانيّة عموما والفلسفة على الخصوص لا يمكن بأيّ حال تحجيمه أو التّغاضي عنه، بل إنّ لفظ الفلسفة في حدّ ذاته إنّما يرجع إلى هذا الرّجل الّذي يدعى فيثاغورس باعتباره أحد المؤسّسين لأخلاق التّواضع عندما خاطب ليون Leon حاكم مدينة فليوس Phlius قائلا: “الله وحده حكيم، والإنسان محبّ للحكمة فقط، وهدف الإنسان المحبّ للحكمة هو النّظر في ترتيب cosmos الموجودات وأحكامها، ليس من أجل نفع يجنيه، أو لذّة يتمتّع بها، بل من أجل المعرفة المجرّدة أو العلم الصّحيحEpistême “[6]، ومعنى ذلك أنّ المركَّب اللّفظي Philo-sophos في استعمالاته الأولى ينبع من أرضيّة متعدّدة المشارب: فهناك من جهة أولى النّزعة الدّينيّة التّقوية الّتي تشبّعت بها الفيثاغوريّة وجعلت هاجسها الأساس هو السّعي نحو الكمال من خلال تقمّص الذّات الإلهيّة والتّوحد بها؛ ومن جهة ثانية هناك أخلاق التّواضع الّتي تشمل في جانبها الأوّل عدم ادّعاء امتلاك المعرفة المطلقة وتحيل في جانبها الآخر على جعل الأفكار المعياريّة مطابِقة للسّلوك الإجرائيّ داخل متغيِّرات الخبرة المعيشيّة اليوميّة؛ ومن جهة ثالثّة هناك التّأسيس الأوَلِي لمفهوم الإبستيميّة Epistêmé أي طلب المعرفة لذاتها وليس بهدف تحقيق منافع ظرفيّة.

ولعلّ المتأمِّل في هذه النّتائج سوف ينتبه لا محالة إلى الأثر الفيثاغوري في تشكيل الشّخصيّة الفلسفيّة السّقراطيّة إن من النّاحية القيميّة في التّشبث بأخلاقيات التّواضع عندما يتّخذ سقراط من عبارة “كلّ ما أعرف، هو أنّني لا أعرف” شعارا لكلّ ممارسته السّجاليّة مع السّوفسطائيّة؛ أو من النّاحية اللاّهوتيّة عندما يقرّ بأنّ مصدر المعرفة موجود داخل النّفس باعتبارها نفَسا إلهيا خالدّا، وبالتّالي يعلن بكلّ قوّة أنّ النّفس هي مصدر كلّ معرفة ممكنة: “أيّها الإنسان ! اِعرِف نفسًك بنفسك”؛ وكذلك من النّاحية الإبستمولوجيّة عندما تهدف طريقته التّوليديّة في محاورة خصومه إلى وضع التّحديدات الأنطولوجيّة للقضايا في استقلال عن كلّ الأغراض النّسبيّة والرّهينة بالمصالح الطبقيّة أو الفرديّة للمجتمع اليونانيّ.

والواقع أنّ فيثاغورس يعدُّ شخصيّة كاريزميّة وأسطوريّة نُسجت حولها كثير من القصص، وفضلا عن تعاليمه الكثيرة في مجالات الفلك والجغرافيا والموسيقى والرّياضيات، فإنّه أقام أسلوبا في العيش اعتمده أتباعه من الفيثاغوريين في الثّقافة اليونانيّة كما في الثّقافة الإسلاميّة، نشير هنا نموذجًا إلى إخوان الصّفا، تلك الجماعة الدّينيّة والعلميّة والفلسفيّة الّتي ألزمت نفسها بالسّريّة والزّهد على غرار التّعاليم الفيثاغوريّة، وكانت رؤيتها في الوجود متأثّرة إلى حدّ بعيد بالرّؤية الفيثاغوريّة، نستحضر على الخصوص اتّخاذها من العدد ركنا أساسا انبنى عليه طرحها حول الوحدة بين النّفس والكون والعقل، نقرأ في الموسوعة الفلسفيّة العربيّة: ” [وقد رأوا أنَّ] دراسة ماهيّة العدد وكمِّيَّته وخواصَّه ترمي إلى بيان أنّ صورة العدد في النّفوس مطابقة لصور الموجودات. […]والهندسة عندهم تقال على نوعين: حسيّة وعقليّة؛ وأنّ النّظر في الأبعاد مجرّدة عن الأجسام هو من صناعة المحقّقين الّذين يهدفون إلى تخريج المتعلّمين من المحسوسات إلى المعقولات وترقيتهم تلاميذهم من الأمور الجسمانيّة إلى الأمور الرّوحانيّة والذّوات المفردة العلويّة الّتي لا تدرك بالعيان، وفوق الزّمان والمكان”[7].

ثمّ إنّ منزلة الرّياضيات في الفلسفة كمنزلة العروق الّتي تسري في شجرة المعرفة من أكثر جذورها عمقا إلى أكثَفِ أغصانها أوراقا، ولئن كان للفيثاغوريّة قصب السّبق في جعلها وسيلة مثمرة من وسائل المعرفة فإنّ هذه المكانة سوف تظلّ مستمرّة حتّى في الأزمنة المعاصرة، باعتبارها العلم الصّوري الّذي يجعل من كلّ موضوع قابلا للدّراسة، لدرجة يمكن القول معها أنّ ميادين المعرفة المختلفة لا تكتسب صفة العلميّة إلّا إذا تمّ وضع محتواها المعرفي ضمن علاقات رياضيّة، يقول ديكارت مؤسّس العلم الحديث في هذا السّياق: “وهكذا نرى أنَّه لا بدَّ من وجود علم عام يشرح كلّ ما نستطيع البحث عنه بشأن النّظام والقِيَسِ دون أن نطبِّقهما على موضوع معيّن، وأنّ هذا العلم لا نصطلح عليه باسم مستعار، بل باسم قديم مُتداوَل في الاستعمال هو الرّيَّاضيَّات الكليّة لاحتوائها على كلّ ما يجعل العلوم الأخرى تعدُّ أجزاء منها”[8].

غير أنّ السّؤال الّذي ما يزال عالقا منذ زمن فيثاغورس إلى يومنا هذا هو التّالي: “كيف يمكن إعادة إحداث الانسجام بين الطّبيعة والإنسان؟”. لقد عمَّق التّقدم العلمي الفجوة الفاصلة بينهما لدرجة أنّ العلم –سواء علوم الطّبيعة أو علوم الإنسان- قد “اغترب” عن مصدره الأصلي، وتاه عن غاياته الأصيلة، فسقطت الذّات في نسيان الوجود، وسلبَتها التّقنيّة من جوهر كينونتها، فصار الإنسان غريبا عن ذاته وصار العالم غريبا عنه..

ما أحوجنا إذن في هذه الظّروف العالميّة إلى استرجاع الرّوح الفيثاغوريّة من جديد، عسى أن نجد مسلكا للعبور من تعدّد الموجودات وصراعها إلى وحدة الوجود وانسجامه، ذلك الانسجام الّذي ظلّ دوما أفقا منشودا، وإن كان أقرب إلى الاستحالة منه إلى الإمكان.

*********

[1]  جان بيير فرنان (J. P. Venrant): أصول الفكر اليوناني، ترجمة: سليم حداد، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنّشر والتّوزيع، ص72.

[2] Renouvier : Manuel de philosophie ancienne, tome I, Paris, Paulin, Libraire-éditeur, 1844, P190.

[3]  فاروق عبد المعطي: فيتاغورس فيلسوف علم الرّياضيات، دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1414هــ- 1994م ص31.

[4]  الموسوعة العربيّة للفلسفة، الجزء الثّالثّ، ص1051.

[5]  عبد الرّحمان بدوي: موسوعة الفلسفة، الجزء الثّاني، ص165.

[6]  ماجد فخري: تاريخ الفلسفة اليونانيّة، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى مارس 1991، ص27.

[7]  الموسوعة الفلسفيّة العربيّة: المجلد الثّاني، المداراس والمذاهب والاتجاهات والتّيارات، القسم الأول: أ-ش، معهد الإنماء العربي، الطّبعة الأولى، 1988م،  ص49.

[8]  ديكارت: قواعد لتوجيه الفكر، تر: سفيان سعد الله، دار سيراس للنشر، 2001، ص45.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This