أفكار فيما وراء الكورونا (1)

محنة الدّولة ومحنة مفاهيم الاجتماع البشريّ

لأزمة الكورونا أوجه عديدة نأخذ منها هنا ما يتّصل بالدّولة كمفهوم وككيان ناظم للاجتماع البشريّ. ففي الأزمة، كما هي حاصلة وتتدحرج، أكثر من دلالة في هذا الباب ليس على مفهوم الدّولة فحسب بل على طبيعة الأنظمة الّتي فيها ومعنى الاجتماع البشريّ في هذه المرحلة من التّاريخ، أيضًا. ونحن منذ البداية نوضّح أنّنا نميّز بين الأزمة بوصفها وباء وبين “سياسات إدارة الأزمة” وهي المتغيّر الّذي يدلّنا على مبحثنا هنا.

الأزمة بوصفها وباءً عابرًا للحدود والقارّات عكست بشكل واضح عُمق نظام العولمة القائم في مستوى منه على كثافة تنقّل البشر بين الأمكنة وسرعة هذا التّنقّل. فإذا افترضنا أنّ الوباء بدأ من إقليم يوهان في الصّين، فقد انتشر في غضون شهور قليلة إلى مُعظم دول العالم. هذا يعني أنّ أمامنا عيّنة كافية من الدّول المتفاعلة مع الوباء لنستنتج منها عليها وعلى ما يتّصل بمفاهيم الاجتماع.

نستطيع أن نُلاحظ دون عناء من التّقارير المنشورة، الرّسميّة منها والنّقديّة غير الرّسميّة، أن معظم الدّول أخفقت في التّعاطي مع الأزمة. هكذا في إيطاليا وإسبانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة وإيران وإسرائيل ولبنان مثلا. ونستطيع أن نُلاحظ، أيضًا، أنّ منظمة الصّحّة الدّوليّة ارتبكت حدّ أنّها لم تعتمد مبدأ المساواة في التّعامل مع الأزمة ومع الدّول المنكوبة بالوباء ـ تايوان مثلًا. واتّضح، أيضًا، أنّ حكومات “مُحترمة” أقدمت على “سرقة” و”خطف” معدّات وتجهيزات طبّيّة وأحيانًا أساسيّة ـ الكمّامات مثلا ـ وهي في الطّريق إلى دول أخرى كي توفّر لنفسها ما يستر هشاشتها أمام الوباء وأمام مواطنيها.

وظائفيّة الدّولة في الاختبار

على العموم يُلاحظ أنّ مُعظم الدّول لم تكن مستعدّة في منظومتها الصّحيّة على ما تعنيه من بُنيّة تحتيّة مناسبة، مشافٍ ومراكز طبيّة وموارد بشريّة وملاكات وطواقم ومهارات وتجهيزات ومعدّات لسيناريو تفشّي وباء على شكل فيروس تلوّثيّ كالّذي نحن بصدده ـ COVID-19. من هنا فإنّ عشرات الدّول تعاني إلى اليوم من نقص حادّ في كلّ ما ذُكر وحتّى في الكمّامات الطّبيّة المناسبة والقدرة على إنتاجها. هذا عِلما بوجود أبحاث وتجارب سابقة تنبأت بحصول طفرات فيروسيّة بهذا الحجم حدّدتها المراكز البحثيّة والمطبوعات المتخصّصة. ونفترض أنّ بعض السّلطات الصّحيّة في بعض الدّول استشرفت سيناريوهات بهذا الاتّجاه. ومع هذا فإنّ مُعظم الدّول ضُبطت غير مستعدّة ولا في أي مستوى من المستويات. مع هذا نُشير إلى أنّ مجموعة من الدّول المقتدرة كألمانيا والسّويد والدّانمرك وإيسلندة مثلًا استطاعت أن تحدّد سياسة واضحة من الوباء في فترة زمنيّة قصيرة، اعتمادًا على معرفتها التّامّة بالقدرات العالية لجهازها الصّحيّ والمهارات والملاكات الكافيّة للتّعامل مع الوباء. وهو أمر لا يتأتّى من اليوم إلى الغد بل من سياسات مديدة ومن مفهوم الدّولة لذاتها ووظائفها تجاه مواطنيها. أو لنقل هي محصّلة لمدى إفلات الخدمات الصّحيّة في هذه الدّولة أو تلك من سيرورات التّاريخ والاقتصاد والاجتماع الفاعلة فعلها في تغيير وظائف الدّولة ومفهومها هي لهذه الوظائف. ونفترض أن تسارع سيرورة العولمة في العقود الأخيرة، على ما تعنيه من اندفاع لقوى السّوق وشيوع عقيدة خصخصة القطاعات العامّة في الاقتصادات الوطنيّة والكونيّة، قد ترك أثره بتفاوت في الدّول والمجتمعات.

وقد لاحظنا، أيضا، أنّ الدّول ذات الأنظمة المختلفة أدّت في الأزمة أداءً مختلفًا. ونورد فيما يلي نماذج نعتبرها دالّة على مفهوم الدّولة وطبيعة أنظمتها وعقائدها وعلى مفهوم الاجتماع فيها كما كشفتها الأزمة.

الدّول النيولبراليّة ـ إذا أخذنا الولايات المتّحدة مثلا باعتبارها الدّولة الأكثر اقترانًا بالعولمة والسّوق الحرّة وعقيدة “يد الله الخفيّة” الّتي تحرّك الاقتصاد وتنظّم الاجتماع ومع الانسحاب شبه الكامل من الخدمات العامّة لصالح خصخصتها، سنرى أنّها رغم “عظمتها” المتخيّلة أو الواقعيّة كدولة، إلَا أنّها بدت في ذروة هشاشتها فيما يتّصل بمعالجة الأزمة أو اعتماد سياسات واضحة مبنيّة على أساس عقيدة أو فرضيات عمل. وهو ما جعل دالّة الموتى في ارتفاع مضطرد من يوم ليوم. بل رأينا أنّها عجزت عن توفير الخدمات اللاّزمة في الوقت المناسب سوى في الحالات الّتي استطاع فيها المريض دفع ثمن كلفة علاجه! أو بكلام آخر ـ عجزت قوى السّوق السّاعية إلى الرّبح عن وضع سياسة تصدّ الوباء وتكبحه. لقد كشف الوباء طبيعة الدّولة الأمريكيّة في راهنها والإيديولوجيا الّتي تحكم الاجتماع وتُديره. إنّ غياب الدّولة عن توجيه الاقتصاد وإدارته بشكل مباشر وحصرها ذلك في “الأدوات الماليّة” كالبنك الفيدراليّ والبورصة ومعدّلات الفائدة وسياسة الاعتمادات تُرجم إلى غياب أو شبه غياب في مواجهة الأزمة بشكل فعّال. بل عكست تصريحات الرّئيس الأمريكيّ بخصوص الأزمة ارتباك الدّولة ومنظومتها الإداريّة. ولعلّ أوضح ما نُشر في هذا الباب هو تلك الأحاديث المشتقّة من الخطاب النيوليبراليّ أو قُل الرأسماليّة المتوحّشة والقائلة بضرورة التّضحيّة بكبار السّن أو بمئتين ألف مريض بالاحتمال لغرض حماية الاقتصاد وعمليّة الإنتاج ـ إقرأ عمليّة تكديس الأرباح. أي تفضيل استمرار الإنتاج على رصد ما ينبغي من موارد للتّعامل مع الأزمة. أو إخضاع الأزمة، أيضا، للمبدأ القائل بـ”يد الله الخفيّة” الّتي من شأنها أن تتدبّر الفيروس وانتشاره وضحاياه وكلّ شيء، وعليه ينبغي ترك ألأمور كما هي رهنا لـ”مِزاج” الفيروس وتحوّلاته أو للوضع الصّحيّ لكلّ مواطن. إلى حدّ مّا، قالت الدّولة لمواطنيها تدبّروا مع الوباء كما تتدبّرون أحوالكم الأخرى، فأنا لست قادرة ولا معنيّة بسياسات غير إصدار جملة من التّعليمات والأوامر الّتي تحدّد تنقلات النّاس وسلوكها اليوميّ. أمّا التّحويلات الماليّة الّتي أجرتها الدّولة للمواطنين فهي تؤكّد هذا المنحى ولا تنفيه لأنّه جاء ليُغطّي عن فشل الدّولة في توفير خدمات صحيّة للجميع لأنّ مبنى جهازها الصّحيّ غير مؤهّل لذلك ويقوم على أساس بيع الخدمات لمَن يستطيع شراؤها فقط وأنّ الدّولة ليست طرفًا في التّعاقد بين مقدّم الخدمة وبين مُقتنيها!

الدّول ذات الاقتصاد المخطّط ـ لنأخذ سنغافورة مثلا الّتي تلعب الدّولة فيها دورًا حاسمًا ليس في الاقتصاد وعملياته بل في إدارة مباشرة للاجتماع البشريّ وتحديد المسموح والممنوع في الحياة اليوميّة في الحيّز العامّ والتّشدّد في توفير سلّة خدمات تقصد تحقيق الرفاهيّة للمواطنين وليس فقط الخدمات بمستوى معقول. هنا، رأينا نجاعة أكبر في تحديد سياسة مواجهة الوباء لجِهة سرعة وضعها ووضوحها وفاعليتها، أيضا. وهكذا كان في الصّين العظيمة الّتي لجأت بسرعة ونجاعة إلى سلسلة من الإجراءات المشتقّة من عقيدة نظريّة وفرضيات عمل مكّنتها من محاصرة الوباء وتطويق آثاره. ومثلها كوريا الجنوبيّة وتايوان. وقد حقّقت الأخيرة ـ عدد سكانها نحو 22 مليون نسمة ـ إنجازًا في صدّ الوباء. ففي كلّ هذه الدّول وفي اليابان أيضا لوحظ الدّور المركزي للدّولة في التّصدّي للوباء في مستوى توفير الخدمات الطبيّة اللاّزمة وفي مستوى الإجراءات الإداريّة الّتي نصّت على إحداث توازنات بين الإبقاء على الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالحدّ المعقول وبين عزل مسبّبات انتشار الوباء وحماية الفئات المتضرّرة أكثر من غيرها بالاحتمال من خلال فرض قيود على حريّة التّنقّل. علاوة على ذلك اهتمّت هذه الدّول برصد نسبة معقولة من ناتجها القومي لدعم المواطنين والاقتصاد في محنته. الدّولة هي الّتي حضرت بكلّ هيبتها وقدراتها في المواجهة. عمليًا وقفت حاجزًا بين الوباء وبين المواطنين المعرّضين له. عكس ما رأينا في النّموذج الأمريكيّ.

دول الرفاه و”الحياة الطيّبة” ـ هي الدّول الأوروبيّة الّتي لا تزال ملتزمة بمبادئ دولة الرّفاه والخدمات في أعلى ما يكون. السّويد وألمانيا والدّانمرك والنّرويج وهولندا وآيسلندا ـ هنا رأينا الدّولة تسارع في اعتماد سياسات واضحة ذات عقيدة وفرضيات واضحة في مركزها المراهنة على قُدرات الأجهزة الطبيّة ومستوى الخدمات والمهارات البشريّة في الجهاز وعلى الصّحة العامّة والوضع الصّحي المتين للمواطنين في صدّ الموجة الأولى للوباء ريثما تعدّ الدّولة نفسها للموجة الثّانية. كما راهنت على ثقافة النّاس ومسؤوليتها الذّاتيّة في الوقاية والتزام التّعليمات. هنا برز التزام الدّولة للمجتمع وأفراده وقُدرة المؤسّسات على توفير ما يلزم في وقت قصير نسبيّا وعلى اعتماد النّظريات العلميّة الّتي تطوّرت في البلد لغرض وضع السّياسات المناسبة في مواجهة الأزمة.

الدّول الفاشلة ـ من ضمنها دول متقدّمة وأخرى من العالم الثّالث والعالم العربي. فإيطاليا قصّة فشل في مواجهة الأزمة مثلها مثل دول العالم الثّالث المنكوبة الّتي تعدم جهازا طبيًّا وبُنيّة تحتيّة في حدّها الأدنى. إيطاليا في تراجع اقتصادي وإداري وسياسي من سنوات طويلة وهي مرشّحة وفق معطيات الاتّحاد الأوروبيّ للوقوع في أزمة اقتصاديّة حدّ الهاوية والتّشظّي. وقد كشفت الأزمة هشاشة الدّولة الإيطاليّة وعجزها. وقد عكست دموع رئيس الحكومة على الشّاشة هذه الهشاشة ووصول الدّولة إلى حالة العجز في إغاثة مواطنيها المنكوبين. ومثلها كلّ الدّول الفاشلة في العالم الثّالث الّتي لا تجرؤ على نشر معطيات الوباء في أراضيها. وإذا أخذنا لبنان مثلا لرأينا أنّ الدّولة عاجزة عن إغلاق حدودها ومعابر الدّخول والخروج منها لا في البرّ ولا الجوّ ولا البحر. هذا ناهيك عن أنّ الدّولة تعدم أي بنيّة تحتيّة أو ضمانات تأمينيّة لتوفير الخدمات لكافةّ المواطنين على قدم المساواة. أمّا الصّراع الدّائر حول معدّات وتجهيزات مواجهة الوباء فيترك هذه الدّول في المؤخّرة لأنّها لن تستطيع أن تصمد في صراع كهذا في مركزه القوّة والمال. هذا يعني أن يظلّ مواطنوها تحت رحمة قلّة الحيلة ونقص الموارد وبؤس السّياسات.

رأسماليّة الأزمات

في كتاب الأستاذة الأمريكيّة نوعمي كلاين بعنوان “عقيدة الصّدمة ـ صعود رأسماليّة الكارثة” (The Shock Doctrine: the rise of disaster capitalism)، نظريّة متكاملة تسرد قصّة انقضاض الرّأسماليّة على الأزمات واستثمارها في تكديس الأرباح. وتُشير إلى صناعة الأزمة والتّهويل والمبالغة في توصيفاتها لغرض شلّ ردّ فعل النّاس وكيّ وعيهم بأن لا حلّ للأزمات إلّا بما تقترحه المؤسّسات الرّأسماليّة ـ وغالبًا ما تفعل برعاية الدّولة ومن خلال بُنيتها القانونيّة والإجرائيّة. وتُشير كلاين إلى أنّ مثل هذا الأمر حصل مرّات عديدة في الماضي داخل الولايات المتّحدة نفسها ـ أزمة هوريكان كترينا في نيو ـ أورليانز مثلا ـ وخارجها من خلال حروب مدروسة مثل الحرب على العراق وتحويل أمر معالجة الإرهاب إلى شركات خارجيّة “بلاكووتر مثلا، بعد حوادث 11 سبتمبر! بمعنى أنّ “الصّدمة” الّتي تُستثمر من رّأسمال هي تلك النّاتجة عن حدث طبيعي كوباء الكورونا مثلًا، أو تلك النّاتجة عن سياسات محدّدة للدّولة كإشعال حروب أو تدخّل في أزمات. وفق هذه القراءة السّريعة يُمكننا أن نرى أنّ هذا النّموذج من الدّول ـ وإن بتفاوت ـ ينكشف في مثل هذه الأزمات متنكّرا للمجتمع وإدارته ملتزما بالعقيدة النيوليبراليّة ومُقتضياتها وأوّلها حماية مصالح “الأقوياء” وتجيير الأزمات في صالحهم واعتماد التّدابير اللاّزمة لوصول السّيولة النّقديّة المخصّصة لمعالجة الأزمات إلى جيوبهم. وقد تبدو هذه الحالة هي الأكثر تطرّفا وفق نظريّة كلاين لكنّها تحصل هنا وهناك بتفاوت في الدّول ذات العقيدة النيوليبراليّة (في إسرائيل أيضا، يطبقون السّياسات الأمريكيّة بشكل يفوق النّموذج الأمريكي نفسه لجهة توحّشه). لكن حتّى وفق نماذج أقلّ تطرّفا نرى بوضوح ضمور الدّولة كمفهوم ولاعب في إدارة شؤون المجتمع وفي الالتزام بحمايته وإدارته إدارة معقولة أو متساوية في كلذ الأوقات لا سيّما وقت الأزمات كما هو الوضع الآن مع وباء كورونا.

في بعض النّماذج انحسرت الدّولة وبانت هشاشتها وعجز نظامها النّيوليبرالي عن إسناد المجتمع والأفراد. في هذه الحالة بان النّظام الاقتصادي المعتمد فيها على حقيقته لجِهة سلّم أولوياته وأهدافه المتمحورة في تحقيق مصالح الرّأسمال ومؤسّساته والهروب بخدع لفظيّة أو إجراءات وهميّة أو بائسة من تحمّل مسؤوليّة الأزمة واستحقاقات مواجهتها. في بعضها لم تصل الدّولة إلى مستوى توفير الحدّ الأدنى من هذه الخدمات الصّحيّة لا في الحالة العاديّة ولا في حالة الوباء! من هنا رأينا أنّ “الدّول العاجزة” بسبب عقيدتها الاقتصاديّة أو بؤس نظامها في الأصل بإلقاء مسؤوليّة مواجهة الوباء على مواطنيها ـ “افعلوا كذا ولا تفعلوا، التزموا بيوتكم أو قلّلوا من اختلاطكم، أو تدبّروا أمركم بأنفسكم لا شأن لي ولا دخل أو لا قُدرة لي على شيء”.

صور الأزمة في حقول الاجتماع

سياسات مواجهة الأزمة كشفت الفارق في مفهوم الدّولة من منطقة لأخرى ومفهوم الاجتماع البشريّ في حدودها. فالرّأسماليّة بصيغتها النّيوليبراليّة غيّرت من هذا المفهوم لجِهة “تَرقيقيه” حدّ الهشاشة وانسحاب الدّولة من الحيز العامّ الّذي تقتصر وظائفها فيه على حفظ الأمن العام. أمّا ما عدا ذلك فهو للسّوق وقواها الفاعلة. دول مثل الولايات المتّحدة قادرة على مواجهة الوباء لو أرادت ذلك في سياساته وسلّم أولوياتها وإرادتها، لكنّها لا تُريد وليس في عقيدتها ـ الرّأسماليّة المتوّحشة ما يُجعلها تفعل. بمعنى أنّ “يد الله الخفيّة” لا تشتغل هنا قطعًا. أو أنّ هذه السّياسات في بعض الأماكن كشفت تراجع مفهوم الدّولة إلى كيان هشّ عاجز عن إغاثة مواطنيه ولو أراد بسبب من عدم نضوجه أو شحّ الموارد وغياب المعرفة الإداريّة والعلميّة. أمّا النّموذج الّذي نجح في التّعامل مع الأزمة حتّى الآن فهو الّذي يضمّ نوعين من الدّول، تلك الّتي لا تزال ملتزمة بمبادئ دولة الرفاه على ما تعنيه من اقتناع الدّولة بواجبها حماية المجتمع وتوفير حقوق اجتماعيّة واقتصاديّة إضافة إلى حقوقه السّياسيّة (السّويد والدّانمرك وآيسلندا ونيوزيلندا). أو تلك الدّول الّتي تصرّ على الحضور في الاقتصاد/المجتمع (الصّين وتايوان وسنغافورة) وتحمّل مسؤوليّة تحقيق مصالحه العامّة من خلال توفير سلّة خدمات عامّة ناجعة وفي مستوى عالٍ وتوزيع الموارد العامّة بشكل عادل نسبيا لما فيه سعادة النّاس ورفاهيتهم.

وما دمنا في هذا الباب نُشير إلى دلالات تركتها أزمة الكورونا في أرض مفاهيم دولانيّة ومجتمعيّة أخرى مثل مفهوم “الاتّحاد الأوربي” ككيان سياسي ـ اقتصادي ـ اجتماعي يتجاوز الدّولة إلى كيان متعدّد الدّول/الكيانات ويُحاول أن يتوسّع وينتشر ويتعمّق. فالأزمة بأشهرها القليلة كشفت ضعف اللّحمة والتّضامن بين الدّول وتملّص الكيانات الكبيرة مثل ألمانيا من مسؤولياتها نحو مجتمعات خارج ألمانيا ـ  كإيطاليا الجارة، مثلا! أمّا انشغال كلّ حكومة بمواطنيها وعزوف الواحدة عن شؤون الأخرى “فكّك” “الاتّحاد من جديد إلى مركبّاته الأساسيّة وهو الدّولة القُطريّة الّتي اكتشفت أنّ عليها وحدها مسؤوليّة مواجهة الأزمة وأن لا شفيع لها في “الاتحّاد”! واللاّفت أنّه في حين غاب “الاتّحاد” في الحالة الإيطاليّة مثلًا حضرت مساعدات كوبا بالأطبّاء ومساعدات الصّين بالتّجهيزات! وأرجّح أنّ أزمة الكورونا ستترك أثرها على “الاتّحاد الأوروبيّ” والعلاقات بين مكوّناته في نظرة الدّول الأعضاء إليه ونظرة الدّول والمجتمعات إلى ذاتها. شيء مّا تضعضع في هذه “العمارة”ّ!

أرض أخرى ينبغي أن نرى إلى أزمة الكورونا فيها وهي المجتمع المعولم. فإذا كانت العولمة في سيرورتها الأساس دكّ الحدود وفتحها أمام حركة المال والبضائع وتنقّل النّاس وخطوط الإنتاج فإنّ الأزمة اضطرّت غالبية الدّول إلى إغلاق الحدود والعودة إلى أنظمة حماية تُبطئ إلى حدّ غير مسبوق حركة التّنقل الآنفة الذّكر. وكما حصل في أرض الاتّحاد الأوروبيّ، هنا أيضًا أذكت الأزمة المشاعر القوميّة الوطنيّة وأعلت من شأن الجماعة بوصفها الأهمّ والأعلى الّتي ينبغي أن تشمّر الدّولة عن سواعدها لإغاثتها. بمعنى أنّ الأزمة في انتشارها وخطرها أعادت تعمير نقاط العبور ورسم حدود الدّول القوميّة من جديد. كأنّ الأزمة أحدثت منعطفًا في سير التّاريخ من الدّول إلى خارج وجعلته يسير من خارج الدّول عودة إلى داخلها، من تفكيك المجتمعات داخلها بفعل العولمة وسيروراتها إلى إعادة البناء. وفي كلّ هذه الحركات الهائلة القوّة لا شيء يظلّ مكانه خاصّة مواقع الجماعات الّتي تشكّل المجتمعات في داخل الدّول. وقد رأينا سعيًا على مدار العالم للمجموعات المهيمنة داخل الدّول على الاستئثار بكلّ شيء في إطار عمليتيْ التّفكيك والبناء الجاريتيْن. وهذا ما يقودنا إلى حقل آخر من الحقول الّتي قد تؤثّر عليها الأزمة أو الدّق تكشف الأزمة ما يحصل في أرضها. وهو حقل الفكرة الليبراليّة الّتي جاءت الأزمة وكشفت انحسارها الشّديد بفعل العمليتيْن المذكورتيْن الحاصلتين منذ سنوات طويلة قبل الأزمة. وجاءت الأزمة لتفتح باب “حالة الطوارئ” كحالة عاديّة لن تنتهي وفق تقديراتنا بانتهاء أزمة الكورونا بل سيكون في كلّ المجتمعات المأزومة مَن يسعى إلى إطالة أمدها بدعوى معالجة آثار الأزمة على الاقتصاد والمجتمع.

وأخيرا، من الجدير أن ننظر إلى حضور أزمة الكورونا في مساحة العلاقات بين الصّين وبين الولايات المتّحدة الأمريكيّة كقُطبيْن اقتصادييْن مركزيْن يتصارعان على المكشوف أو بالوكالة وعلى كلّ المستويات لتحقيق الحدّ الأقصى من المصالح في عالم مأزوم بالكورونا وقبل الكورونا بألف عمليّة تفكيك وبناء في مواقع لا نهائيّة من الكرة الأرضيّة. تتأثّر علاقاتهما بالأزمة وتتأثّر سياسات الأزمة بالعلاقات في عمليّة معقّدة تسعى الصّين خلالها إلى الخروج من الأزمة على أنّها الطّرف الأقوى في هذا الثّنائي ـ أقوى في تصريف الأزمة وإدارتها وأقوى في مدّ يد العون لمجتمعات منكوبة أبدت عجزا في التّعامل مع الأزمة ومضاعفاتها. وهي تبدو إلى الآن على الأقلّ وقد “انتصرت” في سباق التّعاطي مع الأزمة، في مستوى أداء الدّولة وتطبيق السّياسات ومساندة المواطنين وتوفير الخدمات الطبيّة الضّروريّة والتّجهيزات اللاّزمة. بمعنى أنّ العالم في أزمة الكورونا، أيضا، لا يتوقّف عن السّياسة ولا عن الصّراع ولا عن السّعي المحموم لتحقيق مصالحه وتسجيل التّفوّق.

إدراك ـ ضمور الدّولة حضور المجتمع

لجأت بعض الدّول، كما في إيطاليا، إلى إلقاء كامل مسؤوليّة المواجهة على المواطنين وحمّلتهم المسؤوليّة الأولى في جهود المواجهة مع الوباء بأن عزلتهم عن الحياة في بيوتهم (هذا بعد أن شعرت أنّها تأخّرت في اعتماد إجراءات وتدابير تطويق الأزمة في الشّهرين الأولين) لتجنيبهم التقاء الفيروس اللّعين. وعلى النّهج ذاته، النّاتج من عجز الدّولة، زجّت بالطّواقم الطبّيّة غير المجهّزة ولا المدرّبة لمثل هذه الأزمات في خط ّالمواجهة الأوّل والأخير للوباء وهو ما أدّى في كثير من المواقع إمّا إلى تحييد هذه الطّواقم بسبب إصابتها بالعدوى واضطرارها للانعزال الصّحيّ أو إلى موتها كمصابة مباشرة طريق المرضى الّذين غصّت بهم المشافي وردهاتها وساحاتها وأقبيتها فيما برز النّقص الّشديد في التّجهيزات والموارد اللاّزمة. أمّا في الإكوادور أو الولايات المتّحدة فقد تحوّلت الدّولة إلى شركة دفن للموتى، تجمع جثثهم من الشّوارع والبيوت بالشّاحنات المبرّدة أو تجمّعها في مراكز كانت تجاريّة أو في أماكن خاصّة ريثما يزول الوباء ويتراجع فيتسنى إجراء مراسم دفن لائقة. بمعنى، أنّه في ساعة الحشر انسحبت الدّولة بوصفها “الملاك الحارس” من المعركة خاسرة أو أنّها لم تدخلها لمعرفتها المسبقة بالهزيمة فيما الضّحايا هم الأفراد الّذين يحملون الدّولة على أكتافهم ويموّلونها من جيوبهم ويحفظون عقدها الاجتماعي. وها هم خرجوا منه الشّريك المخذول. هذا هو الموضع في تاريخ الدّولة الحديثة الّذي يعود فيه الفرد ليبحث عن المجتمع بديلا للدّولة في حال خذلانها له أو في حال تعطيلها بالكامل لسبب مّا. وفي العديد من المواقع في العالم ظهرت قُدرات المجتمع المدنيّ في إعادة الأمل للفرد ولعموم النّاس ـ يكفي أن ترى الإيطاليين على شرفاتهم وشبابيكهم ينشدون للأمل والحياة كتعبير عن إدراكهم الحاجة إلى تعاضد وتضامن وتكافل ونظام جديد فتّته الدّولة النيوليبراليّة. أو هو تعبير عن التّطلّع إلى دولة تخدم المجتمع لا العكس. ومثل التّجربة الإيطاليّة الّتي أتت من انكسار، جاءت مبادرات على طول العالم وعرضه تعبّر عن كلّ مفاهيم الُلحمة والتّعاضد والمسؤوليّة والتّكافل ـ تطوّع ومتطوّعون وتبرعات بالمال والمواد والمؤن وبكلّ شيء أملا في البقاء والحضور عندما غابت الدّولة. لقد كشفت أزمة الكورونا أسوأ ما في الاجتماع البشريّ ـ الرّأسماليّة المتوحّشة الدّاروينيّة وأفكارها وفلسفتها و”أخلاقها”، وأجمل ما في الاجتماع البشريّ في الوقت ذاته، قيم الإيثار والتّضامن والرّأفة والسّؤال الأخلاقي فيما يتّصل بالحياة والموت وواجب المجتمعات نحو أعضائها لا سيّما في الأوقات العصيبة.

يطيب للبعض أن يُنظّر لانتهاء صلاحيّة الدّولة الحديثة كما عرفناها بدلالة أنّها عجزت أو غابت في المواجهة مع أزمة بهذا الحجم. أو هي تقلّصت وضمُرت لصالح قوى خارج مؤسّساتها وسيادتها هي قوى السّوق المُعوْلَمة والشّركات القادرة على ابتلاع دول بكلّ الأحجام. وقد تكون أحيانًا مجرّد كيانات تشتغل في خدمة هذه القوى وتحقيق مصالحها الّتي تشابكت حدّ عدم القدرة على تبيان أوّلها من تاليها أو رأسها من ذنبها. وهي قوى سترصد كذا مليون يورو في الشّهر للاعب كرة قدم لكنّها ستُبقي على العالم وباحث المختبر فقيرا أو على قدر حاله. وهي القوى ذاتها المستعدّة لأن تدفع كذا مليون لعارضة أزياء يتبعها الغاوون عبر الإنستغرام وغير مستعدّة لتوفير خدمات صحيّة بمستوى لائق لمواطني الدّولة. إنّه موضع الكسر الّذي تكون فيها المجتمعات ملزمة بإنتاج ذاتها من جديد. وقد كشفت أزمة الكورونا أنّنا قد بدأنا هذه الحقبة التّاريخيّة الّتي لا يُمكن أن نكون واثقين بنتائجها. فهي مثل الحبّ الّذي ندخله بإرادة دون أن نعرف كيف سيتدحرج وبأي اتّجاه.

(نيسان 2020)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This