المسألة القرآنيّة (3)

1

إحدى سمات التّعبير الشّفاهي هي عطف الجمل بدلا من تداخلها، ولا يمكننا أن نهمل الإحصاءات التّاليّة الّتي تشير إلى سمات التّعبير الشّفهيّ في القرآن. ففي سورة البقرة ورد العطف بالواو (612) مرّة، وفي آل عمران (324)، وفي المائدة (293)، وفي الأنعام (316) وفي الأعراف (317)، وفي الأنفال (149)، وفي التّوبة (274)، وفي يونس (145)، وفي هود (165)، وفي يوسف (127)، وفي النّحل (189). هذه عينة فقط من إحصاء العطف بالواو في القرآن أجرته إحدى الباحثات. ولا بدّ من أن يظهر أثر هذا العدد الكبير من (واو) العطف.

لقد تحدّث النّحاة واللّغويون والأصوليون والبلاغيون والمفسّرون عن وظائف هذه (الواو)، وسألوا عن معنى أن تظهر في موضع وتختفي في موضع آخر، واستنبطوا قواعد في متى يكون العطف (بالواو) حقّا للجمل ومتى لا يكون حقّا لها. هناك متن كبير جدّا في كتب النّحويين والبلاغيين عن هذه (الواو) العاطفة الّتي يمكن فهمها في ضوء جعل الآيات مريحة وسلسة، وهي سمة أساسيّة من سمات التّعبير الشّفاهيّ يحلّ بعض مشكلات فهم بعض الآيات كما في سورة المائدة “يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيدكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين (6)؛ فالعطف في الآية جاء على أساس التّعبير الشّفاهيّ، ولا أعرف مدى دقّة النّقاشات عن وجوب ترتيب الوضوء أو جوازه من أجل سمة شفهيّة. الأمر نفسه ينطبق على آية في سورة البقرة ” إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله (158).  تكمن فائدة الإحصاء في أنّنا يمكن أن نخرج بنتائج مدهشة، اكتفينا بما يلفت النّظر إلى الخلفيّة الشّفاهيّة لنصّ القرآن.

هناك (واو) أخرى لا يوجد لها وظائف نحويّة هي (واو) الاستئناف. هذه عينة على ورودها في القرآن؛ فقد وردت في سورة البقرة (145) مرّة، وفي آل عمران (100)، وفي النّساء (43)، وفي المائدة (46)، وفي الأنعام (52)، وفي الأعراف (50)، وفي الأنفال (24)، وفي التّوبة (49). هذه الواو تسهّل قراءة الآيات لاسيّما الجمل الجديدة؛ أي جملة جديدة لا علاقة لها بالجملة الّتي قبلها. يمكن لهذا الفهم أن يجنبنا الجدل كما في هذه الآية من سورة آل عمران ” وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العالم يقولون آمنا به (6) حيث (الواو) استئنافيّة أو عاطفة أو حاليّة، وما ترتب عليها من استنتاجات تتعلّق بمعنى (الّراسخون) والوقف والوصل.

2

تشجّع الثّقافة الشفاهيّة الطّلاقة في التّعبير، وينعكس هذا التّشجيع في أسلوب التّعبير. إحدى عقبات الطّلاقة في أسلوب التّعبير الشّفهيّ هو غياب السّياق، ويتّضح هذا الغياب بالمقارنة مع الكتابة حيث يمكن أن يسترجع القارئ السّياق متى ما أراد. أمّا في الثّقافة الشّفاهيّة فالحاجة ملحّة إلى الاحتفاظ ببؤرة فيما قاله من قبل. وفي التّراث هناك متن كبير يؤول التّكرار في القرآن لكن من وجهة نظر المعنى أو البلاغة، وعلى حدّ علمي لا أحد تحدّث عن التّكرار من حيث هو حيلة أسلوبيّة للاحتفاظ بالسّياق في الكلام الشّفهيّ. من وجهة النّظر هذه فالتّكرار في القرآن حيلة أسلوبيّة حتّى يستعيد المتحدّث السّياق، وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم تكرار “فبأي آلاء ربّكما تكذبان (الرّحمن، 13)، و “إنّ مع العسر يسرا (الشّرح، 5/6)، و “كلاّ سوف تعلمون (التّكاثر2/3)، و” إنّ ربّك لهو العزيز الرّحيم (الشعراء، 6)، و ” ويل يومئذ للمكذّبين (المرسلات، 11).

من هما المخاطبان في (فبأي آلاء ربّكما)؟ يقول الطّبري في تفسيره الآية إنّه خاطب اثنين لأنّه عاد بالخطاب إلى الإنسان والجانّ، لكنّه يضيف أنّه ثنّى على عادة العرب في مخاطبة الواحد بفعل الاثنين. هذه المخاطبة هي ما نعبّر عنها بالصّيغة، وهو ما يساعدنا على فهم الفعل (ألقيا) في سورة ق ” ألقيا في جهنم (24) من حيث هي صيغة من صيغ الشّفاهيّة.

تكتسب الكلمات معناها في الثّقافات الشّفاهيّة “بالتّصديق الدّلاليّ المباشر” والمعنى أنّ الكلمات في الشّفاهيّة تكتسب معناها في موطنها الفعليّ الدّائم، وفي الموقف الوجوديّ الّذي تجد فيه الكلمة المنطوقة نفسها، ولأنّ الثّقافة الشّفاهيّة تعيش في الحاضر وليس الماضي فمعنى الكلمة القديم قد يستمرّ لكن كظلال للمعنى الحاضر.

يمكن أن نوضّح هذه السّمة بالتّوقف عند آية في سورة البقرة هي “ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة (195)؛ ذلك أنّ معنى (التّهلكة) في الآية هو ترك النّفقة في سبيل الله وليس الموت. وكما نلاحظ هناك معنى قديم لكلمة (التّهلكة) وهو الموت يظهر مثلا في سور أخرى كسورة النّساء ” إن امرؤ هلك (176)، وفي سورة غافر (حتّى إذا هلك (34). هذا المعنى بقي كما هو معنى ينتمي إلى الماضي لكن شاركه معنى ينتمي إلى الحاضر وهو أنّ عدم انخراط المرء في السّبل الجديدة لإنفاق ماله هو هلاك لنفسه بنفسه، وهو معنى يتلاءم مع متلقين جدد (المسلون) ومع قضيّة جديدة (الجهاد في سبيل الله).

لست متأكّدا ما إذا هذا ينطبق على كلمات أخرى في القرآن يتبادر إلى ذهن القارئ معنى ليس هو المعنى، ومع ما في ذلك من مجازفة سأفترض ذلك في سورة آل عمران “إذ تحسّونه (152) بمعنى القتل وليس من الحسّ، وفي الفجر ” فقدر عليه (16) أي ضيق وقلل وليس من القدرة والمقدرة، وفي آل عمران “إذ تصعدون (153) أي تركضون على الأرض وليس صعود الجبل، وفي النّساء ” ألقوا إليكم السّلم (90) وكذلك (النّحل، 87) أي استسلموا وليس ألقوا التّحيّة كما في آية أخرى في سورة النّساء ” لمن ألقى إليكم السّلام (94). هذه مجرّد أمثلة على كلمات أخرى؛ مثلا (البقرة، 49، 143)، و(آل عمران، 143، 153)، وفي (النّساء، 100). هذا النّوع من الكلمات يحتاج إلى دراسة خاصّة؛ وكما ذكرنا سابقا فإنّني سأكتفي بما يشير إلى الاتّجاه.

3

نودّ أن نوضّح أكثر الخلفيّة الشّفاهيّة للقرآن بالتّوقف عند لهجة المخاصمة وهي سمة من سمات التّعبير ذي الخلفيّة الشّفاهيّة. تشمل لهجة المخاصمة في القرآن سلق الخصوم بالكلام كما في سورة (المنافقون) ” كأنّهم خشب مسنّدة (4)، وفي سورة الجمعة ” كمثل الحمار يحمل أسفارا (5)، وفي سورة المدّثر “كأنّهم حمُر مستنفرة (50)، وفي المسد “تبّت يدا أبي لهب وتب (1)، وفي الأعراف ” أولئك كالأنعام بل هم أضلّ (179)، وفي مقابل سلق الخصوم يأتي المدح المفرط في سياق الثّقافة الشّفاهيّة، وسنكتفي بآية من سورة التّوبة ” التّائبون العابدون الحامدون السّائحون الرّاكعون السّاجدون الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر والحافظون حدود الله (112.

ممّا ينتمي إلى لهجة المخاصمة الاحتفال بالوصف الحماسيّ للعنف الجسمانيّ، وسنكتفي بعيّنة  كما في سورة النّساء ” كلّما نضجت جلودهم بدلّناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب (56)، وفي سورة الحاقّة “خذوه فغلّوه (30) ثمّ الجحيم صلّوه (31) ثمّ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32)، وفي إبراهيم ” وترى المجرمين يومئذ مقرّنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى وجههم النّار (50)، وفي الحجّ ” فالذّين كفروا قطّعت لهم ثياب من نار يصبّ فوق رؤوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامح من حديد (21)، وفي الدّخان “خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثمّ صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48)

من زاوية أخرى يدرج الأسلوب الشّفاهي المعرفة في المخاصمة. لقد تحدّث إبراهام عن المعركة اللّفظيّة والذّهنيّة في سياق الثّقافة الشّفاهيّة مستندا إلى الأمثال والألغاز في الثّقافة الشّفاهيّة؛ حيث تحدّي المستمعين في أن يأتوا بأفضل منها أو ما يناقضها. تكمن فائدة هذه السّمة في أنّنا يمكن أن نفهم في ضوئها تحدّي القرآن الإنس والجنّ بأن يأتوا بمثله (الإسراء، 88) أو بعشر سور من مثله (هود، 13) أو بسورة واحدة مثله (يونس، 38) والمعنى أنّ هذا التّحدي لا علاقة له بكون القرآن معجزا؛ إنّما له علاقة بالجذب إلى معركة لفظيّة، ومفاخرة بالقدرة الشّخصيّة.

لا تتطلّب الأشياء في الثّقافة الشّفاهيّة تحديدا دقيقا، ولا فائدة من تحديدها حين يكون تحديد الحياة الواقعيّة مرضيا. وإذا ما اقتضى السّياق تحديده فلن يكون التّحديد جامعا ولا مانعا. على سبيل المثال: ما الأهلّة؟ سنورد إجابتين؛ الأولى من (ويكيبيديا) الأهلةّ جمع هلال، والهلال وجه من الأوجه المتعدّدة للقمر؛ يظهر أوائل الشّهر العربيّ ويسمّى الهلال الجديد، وفي أواخر الشّهر العربي ويسمّى الهلال القديم، ويمكن رصد الهلال الجديد في الأفق الشّرقيّ قبيل شروق الشّمس. سنلاحظ أنّ التّعريف محدّد: ما هو؟ وأين يقع؟ متى يظهر؟ وماذا يسمّى حين يظهر في أوائل الشّهر العربي أو في آخره؟ متى يمكن رصده؟ أمّا الإجابة الثّانية فمن سورة البقرة ” قل هي مواقيت للنّاس (189). يفترض الطّبري في تفسيره الآية سؤالين هما: لم جُعلت هذه الأهلّة؟ ولم خُلقت الأهلّة؟ وكما هو واضح فالسّؤالان نتجا عن الإجابة وليس العكس. وما نراه هو أنّ السّؤال هو ما الأهلّة؟ وأنّ الإجابة جاءت في ضوء ثقافة شفاهيّة ترى في أنّ تحديد الحياة اليوميّة تحديد مرض؛ فهذه الشّهور مواقيت لعبادات النّاس؛ لذلك لا مجال لسؤال أي الإجابتين أدقّ؟ لأنّ كلّ إجابة تنتمي إلى نمط؛ فـ(ويكيبديا) تنتمي للثّقافة الكتابيّة، والقرآن إلى الثّقافة الشّفاهيّة. تتوضّح هذه السّمة فيما لو توقّفنا عند آية أخرى من سورة البقرة “يسألونك ماذا ينفقون قل العفو (219)، العفو بمعنى الفضل والزّيادة في الأشياء كالشّعير أو الزّبيب أو غيرهما ممّا يزيد عن الاستعمال، وهو تحديد مرض في الحياة اليوميّة أفضل ممّا لو حدّد بالشّعير أو الزّبيب أو غيرهما. وكذلك هي الإجابة في آيّ قبل هذه الآية (215)، وفي الأعراف(178) وفي الأنفال (1).

بحسب الباحثين في سمات الثّقافة الشّفهيّة فإنّ هذه الثّقافة تميل إلى المشاركة الوجدانيّة ، فالفرد في الثّقافة الشّفاهيّة لا يعبّر عن ردّة فعله بصفة فرديّة أو ذاتيّة؛ إنّما يعبّر بروح الجماعة، ويمكن أن نفهم في ضوء هذه السّمة الآيات الّتي فيها (نون) المعظّم لنفسه كأنزلنا وأرسلنا ونحن.

تصوغ الثّقافة الشّفهيّة معارفها بشكل يجعلها وثيقة الصّلة بالعلاقات الإنسانيّة اليوميّة. ويمكننا أن نفهم عروض القرآن المتعلّقة بالجنّة في ضوء هذه السّمة؛ أي تصوير المؤمنين في الجنّة بما يجعلها قريبة إلى عالم الحياة اليوميّة لكي لا تبدو العروض غريبة وغير مألوفة؛ لذلك نجدهم في سورة “ص” متكئين (51)، وفي الواقعة ” على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقابلين (16).

لا تكمن أصالة السّرد في الثّقافة الشّفهيّة في تأليف قصص جديدة، بل في القدرة على التّفاعل مع جمهور وحفزه حتّى ولو بإدخال عناصر جديدة إلى قصص قديمة . ونحن نرى أنّنا يمكن أن نفهم توسيع القصص وتكرارها في القرآن في ضوء هذه السّمة.

*****

أونج، والترج: الشفاهية والكتابية، ترجمة: حسن البنا عزّ الدّين، مراجعة: محمد عصفور، (الكويت، عالم المعرفة، العدد 182).
حردان، صفاء عبد الله: الواو والفاء وثمّ في القرآن، دراسة نحويّة دلاليّة إحصائيّة (أطروحة ماجستير غير منشورة، فلسطين، نابلس، جامعة النّجاح).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. علي الشدوي

    تحية وتقدير.
    لم تظهر المصادر والمراجع، وأعتذر من القارئ الكريم على ذل، وإن أمكن للموقع أن يعدل ذلك فسيكون أفضل فالأصل يحوي الهوامش.
    على أي حال مصادر ومراجع هذا الجزء
    – أونج، والترج، الشفاهية والكتابية، ترجمة: حسن البنا عز الدين، مراجعة: محمد عصفور (الكويت، عالم المعرفة، العدد 182)
    – حردان، صفاء عبد الله، الواو والفاء وثم في القرآن، دراسة نحوية دلالية إحصائية (أطروحة ماجستير غير منشورة، فلسطين، نابلس، جامعة النجاح).

      1. علي الشدوي

        العفو أ. شيماء.
        أثمن عاليا، وأقدر ما تبذلونه من جهد؛ لكي يكون الموقع بهذه الحُلة الجميلة والدقيقة.

        1. عمر

          أ. علي الشدوي بعض من الأسئلة بسيط ؟
          لماذا تكررت آيات وسورة متشابه ومختلفه في المعنى ؟و لماذا أختيرت أسماء القرآن أم هي وضع جديد؟ الأهم ذكر النبي محمد قليل بنظيره موسى وعيسى عليهما السلام ؟

أضف تعليق

Share This