حوار مع ألبرتو مورافيا: عن الفنان والجنس والموت

“هناك طرق عديدة، ليصبح المرء إنساناً، … أو دودة” 

وصفك أحدهم بأنّك أخلاقي دون أخلاق. هل لديك مبادئ تحيا عليها؟

مورافيا: لديّ مبادئ طبعاً، وأحتاجها، فأنا شخص عاطفي. أنا على سبيل المثال، لا أقتل أحداً، بالرّغم من رغبتي بفعل ذلك أحياناً. إن كان عليّ أن أختار بين أن أقتل أو أُقتل، أُفضّل أن أُقتل. ليست حياتي مهمّة جدّاً، على النّحو الّذي يدفعني لقتل شخص آخر لأجلها، حتّى أنّني أكره قتل الحيوانات، وأنا ضدّ الصّيد، لذلك أجد شخصاً مثل همنغواي، رجلاً وضيعاً. أعرف أفريقيا، زرتها خمس عشرة مرّة، ولكنّي لم أقم ولو لمرّة واحدة، برحلة صيد سفاري. لم أقتل حتّى ذبابة.

هل يمكنك أن تكره؟

مورافيا: أعرف الكراهية، إنّها كرائحة عفنة، ليس كمثلها يبعث على الملل. تراودني أفكار القتل دوماً، ولكنّي أفضّل الكتابة، على أن أقتل فعلاً. هناك الكثير من الجرائم في كتبي، فالكتابة طريقة جيّدة لتجنب القتل على أرض الواقع، لذلك تجد أنّ الكُتّاب هم أُناس متّزنون. بإمكاني أن أتخيّل، أنّه من المسلّي أن يكافح الرّجل في الحرب، ولكن ذلك لا يتحقّق للأسف دون أن يقتل أحدهم.

هل راودتك فكرة الانتحار؟

مورافيا: نعم، غالباً ما تراودني بشكل يومي. أعتقد أنّ كلّ شخص يفكّر في إنهاء حياته، مرّة واحدة على الأقلّ في اليوم. أفكّر في الانتحار، ولا أفعله. ليس مهمّاً أن نحيا، ولكن ليس مهمّاً أيضاً أن نموت، بمعنى، أن لا شيء مهمّ أبداً. أقصد أنّه من الأهميّة بمكان، أن يملأ الإنسان وقته، ويشغل نفسه. أحياناً أفكّر أنّني أعيش، كي أعرف لماذا أعيش، وأكتب، كي أعرف لماذا أكتب. ولكنّي لم أصل إلى ذلك بعد.

قلتَ بعد كتابك الأخير “ Desideria“، بأنّك لن تكتب بعده أبداَ.

مورافيا: لقد قلت ذلك حقاً، لأنّه أنهكني، إذ بقيت سبع سنوات أكتب فيه، حتّى أصابني التّعب والسّأم. وقلت أنّني لن أكتب، ولكنّي عدت مجدّداً للكتابة، وأنا بصدد كتاب عن الانتحار.

هل هي حكاية من حياتك؟

مورافيا: لا، إذ لو صح ذلك لكنت في عداد الأموات.

في مقابلة أجريت معك، قلتَ أنّه ما من خبرة في الحياة، يمكن أن تحدّث تغييراً، مثل خبرة الموت.

مورافيا: صحيح، لأنّني عايشت تجربة موت لم يتحقّق، وكان ذلك عن طريق الخطأ. قيل لي أنّ عليّ أن أجري عمليّة جراحيّة بسبب مشكلة في المعدة، يمكن أن تكون سرطاناً. تلك هي بداية حكاية مثيرة للفضول، لأنّه عندما قرّرت أن أخضع لعمل جراحي، بحثت عن جرّاح بعينه، ولكنّه قال لي، أنّ زوجته خانته، وبسبب حزنه، ربّما لن يقدر على الحفاظ على ثبات يديه. وحتّى أتجنّب هذه المخاطرة، ذهبتُ إلى جراح مشهور جدّاً، أراد أن يجري لي العمليّة فوراً. طلبت منه ألاّ أنتظر في غرفة الانتظار، حتّى لا يثير وجودي الانتباه. وقد وعدني بذلك. ولكنّي عندما وصلت إلى العيادة، وجدتها مليئة بالمرضى. فذهبت إلى جرّاح آخر، أنقذني، عندما قال لي، بعد أن فحص عيّنة من دم إصبعي، إنّ العملية ليست ضروريّة. اعتقدت أنّني مريض على وشك الموت، ولكنّ ذلك لم يكن صحيحاً.

هل كنتَ خائفاً من الموت؟

مورافيا: لا. لم أكترث له، فأنا لا أحبّ الحياة، على النّحو الّذي يجعلني أخشى الموت. لقد واجهته مراراً، حتّى بات أمراً مألوفاً. قبل عامين أُجريت لي عمليّة جراحيّة في الورك، كدت أموت منها. إنّه لا يخيفني. وليس لفكرة الموت من معنى كبير في حياتي. الموت هو غياب الحياة، وكفى. أنا لا أشغل نفسي بمثل هذه الأفكار. عندما يحب الإنسان الحياة، تراه يخشى الموت، وأمّا من تثقله أعبائها، كحالي منذ طفولتي، فيا مرحباً بالموت. كنت في مدينة كالكوتا، وتحدّثت مع الأمّ تيريزا، الّتي نالت وقتها جائزة نوبل للّسلام. كان لديها ما يشبه المشفى، تستقبل فيه [المرضى الميؤوس من شفائهم]، ممّن يريدون لأنفسهم موتاً هادئاً، هانئاً، مكفّنين بكفن نظيف. أُناس ليس لديهم أي خوف من الموت، وهم مسرورون لإتمامه.

هل تقارن نفسك بهؤلاء المرضى؟

مورافيا: كان الأمر مشابهاً لذلك، عندما كنت مريضاً، لأنّ آلامي كانت لا تحتمل. وكنت لأكون سعيداً لو متّ. مرّة كنتُ مع بازوليني في تنزانيا، في طائرة صغيرة، كانت تحطّ على الأرض بسرعة كبيرة، لدرجة أنّها لم تستطع الهبوط. حاول الطيّار أن يعيد الكرّة بالهبوط مجدّداً، ولكن كان هناك تلّ، ورأيته يقترب منّا، واعتقدت أنّها النّهاية. ولكنّي لم أشعر بشيء. رأيت أبقاراً وأشجاراً، وظننت أنّها ستختفي في اللّحظة التّالية. لم يكن الموت صدمة بالنّسبة لي. لقد رأيت الحيوانات وهي تموت، وأعتقد أنّ المرء يموت مثلها. إنّها تبحث لنفسها عن مكان. الكلب يزحف تحت السّرير ويموت. أنا أعلم أنّنا بشر، ولكن ربّما بنسبة خمسة بالمائة أو ربّما أقلّ، والباقي حيوان. الحيوانات تعيش بالشّكل الصّحيح، وتموت أيضاً بالشّكل الصّحيح. فالكلب يقوم بثلاثة أشياء في حياته: يصطاد، يلعب وينام. الإنسان يفعل ذات الشّيء. اللّعب يعني الكتابة أو الرّسم أو عشق امرأة مّا، والصّيد يعني العمل وكسب المال، والنّوم هو النّوم. لا فرق بين البشر والحيوانات، سوى أنّ الأخيرة، تلعب أكثر من البشر.

يقول كيركغارد أنّ الفرق بين الإنسان والحيوان في اليأس، فالحيوان لا ييأس أبداً.

مورافيا: أعرف كيركغارد، وقد قرأت جميع أعماله، وأتّفق معه تماماً. اليأس هو الوضع الطّبيعي للإنسان. نظرياً، يجب أن يتوقّف الإنسان عن اليأس. ولكنّه ولحسن الحظّ، حيوان بنسبة خمس وتسعين بالمائة. وفي هذا نجاته، لأنّه لولا ذلك، لقتلت الإنسانيّة نفسها، بدافع اليأس، منذ زمن بعيد. لا أودّ القول هنا، أنّني أتّفق مع عدم استمرار الجنس البشريّ، بل أقول فقط، أنّه سيكون عالماً خالياً من البشر.

هل أنت رجل مؤمن؟

مورافيا: أنا مؤمن، وملحد في نفس الوقت، هل تفهمني؟ أنا لا أحتاج إلهاً كي أؤمن.

هل لديك أطفال؟

مورافيا: لا

ولماذا؟

مورافيا: ليس هناك من سبب، سوى أنّني أعتقد، أنّه ليس بالأمر المفيد، للفنّان أن ينجب أطفالاً، فهو يعبّر عن نفسه، على النّحو الملائم، من خلال عمله. الأطفال هم تعبير عن الذّات، كما هي الكتابة، أو الرّسم. ولكن لماذا تسأل؟ أنا أحبّ الأطفال، وقد كتبت العديد من الحكايات للأطفال.

هل كنت حريصاً على عدم إنجاب الأطفال؟

لم يدر في حسباني ذلك. كانت زوجتي الأولى، (Elsa Morante)، كاتبة، ولم ترد إنجاب الأطفال بسبب الكتابة. وأمّا زوجتي الثّانية (Dacia Maraini)، فهي أصغر منّي بتسعة وعشرين عاماً، ولا تريد أيضاً إنجاب الأطفال.

هل تريد أن تكون أصغر سنّاً؟

مورافيا: لا أشعر أنّي عجوز. يقول طبيبي، أنّي أصغر بعشرين عاماً من عمري الحقيقيّ. أي أنّ عمري، تبعاً لحيويتي، إثنان وخمسون عاماً. هناك علامتان مميّزتان لعمر الإنسان: الأولى، هي فقدانه لقدرته الجنسيّة. والثّانية، هي عدم قدرته على عمل أشياء معيّنة، هو يريدها. الشّيخوخة، هي حالة من العجز في العلاقة الجنسيّة. وأنا لست بعد عاجزاً من هذه النّاحية، وأنا أفعل الأشياء، الّتي أقوم بها منذ خمسين عاماً.

هل تخاف أن تفقد قدرتك الجنسيّة؟

لا، على الإطلاق. أقصد أنّ الجنس جميل جدّاً، ولكن في النّهاية عندما يصبح المرء عجوزاً، يصبح الجنس دون جدوى، كما لو أنّه طفل. الطّفل يستخدم عضوه للتّبول. عدا عن ذلك يبدو غير مفيد على الإطلاق. أثار الجنس اهتمامي عندما كنت في التّاسعة.

ولكنّها سن مبكرة؟

مورافيا: الأمر مرتبط بالمناخ، فأنا من بلد جنوبي. والفتيان في إيطاليا يبدأون مبكّراً جدّاً. هل تودّ منّي أن أقصّ عليك شيئاً ما حول الجنس؟ يدرك الفتى أو الفتاة أعضائه الجنسيّة، في سنّ الخامسة أو السّادسة من عمره. ولكنّه لا يبدأ حقاً، حتّى سنّ العاشرة أو الحادية عشرة، ولربّما بعد ذلك.

أي نوع من الجنس يمكن أن يمارسه الفتى في سنّ التّاسعة؟

مورافيا: حسنا، لم أكن في التّاسعة، بل كان عمري أحد عشرة سنة. وكانت هناك فتاة من صديقات أمّي، أتت لزيارتنا وكانت في التّاسعة عشرة من عمرها.

ماذا فعلت معها؟

مورافيا: لم أفعل معها شيئاً على الإطلاق، سوى أنّني أحببتها.

هل مارست الاستمناء؟

مورافيا: ربّما، ولكنّي لا أتذكّر ذلك تماماً … لم أمارس الجنس مع فتاة بشكل حقيقي، إلاّ عندما صرت في السّابعة عشرة من عمري. كما ترى، لستُ استثنائياً. لستُ بالشّخص الشّغوف بالجنس بشكل خاصّ. لقد وقعت في حبّ بعض الفتيات عندما كنت صغيراً، ولكّنه كان حباًّ أفلاطونياً.

هل أحببت أمّك؟

مورافيا: أمي كانت امرأة بسيطة جدّاً. لا، أنا لا أحبّها، كانت مزاجيّة جدّاً، وعقلها قليل. بمعنى أنّها كانت أمّاً جيّدة جدّاً، ولكنّها غير معنيّة أبداً بالنّواحي الفكريّة. يمكن للمرء أن يختار أصدقائه، ولكن ليس أهله. وكان والدي مهندساً معمارياً. كان أهلي أناساً عاديين تماماً. كنتُ أنا الشّخص المميّز الوحيد في العائلة، لأنّني كنت حسّاساً. لقد بدأت في سنّ مبكرة جدّاً بقراءة أعمال دوستويفسكي، وبدأت الكتابة في سنّ الثّامنة. في البداية كتبت أشعاراً، أشعاراً سيئة. أرادت أمّي أن أعمل في السّلك الديبلوماسيّ، ولذلك كانت لديّ مربيات باللّغات، الألمانيّة، الإنكليزيّة والفرنسيّة. ولكنّي كنت أريد أن أكون كاتباً.

كان بطل روايتك “أنا وهو” يريد أن يصبح فنّاناً أيضاً، ولكن عضوه، وقف دوماً في طريقه.

مورافيا: لست معنيّاً بهذه الرّواية على الإطلاق. دافعي الجنسي لم يكن بارزاً بشكل خاصّ. أتيت إلى العالم كراوي حكايات. لا أريد أن أتسامى بأي شيء. وأعتقد أنّ ما يسمّيه فرويد بالتّسامي، هو هبة من الطّبيعة، حتّى يولد الإنسان. بعض النّاس لديهم هذه الهبة، وآخرون لا يملكونها. عدا عن ذلك وُجد في العالم فنّانون. فكر بذلك: كم حاول الكثير من النّاس التّسامي، ولكنّ الغالبية منهم صاروا عُصابيين. أخبرني أحد معارفي عن صديق له، يدعى ماريو، أحبَّ [امرأة]، فشلَ في ممارسة الجنس معها. فكان يتحدّث إلى عضوه، كما لو أنّه يتحدّث إلى إنسان آخر: لماذا تفعل ذلك؟ لماذا تفضحني على هذا النّحو؟ فجعل من نفسه، ومن عضوه اثنين. وهنا جائتني فكرة كتابة هذه الرّواية. في البداية اأردت أن أكتب عن حالة سريريّة، كما في كتاب “دكتور جيكل ومستر هايد”، ولكنّي كتبت شيئاً طريفاً. هل وجدته موفّقاً؟

أجده محفّزاً من نواحي عديدة

مورافيا: إذن؟

هل يمكنني أن اقتبس منه؟

مورافياً: تفضّل.

“يقومُ “هو”، من بطني، ضخماً، متصلّباً، محتقناً، بشكل عمودي، كشجرة وحيدة في السّهل، تحت سماء حارّة وعميقة، ويرتفع الشّرشف”

مورافيا: نعم ولكن هذا طريف. أنا أرى أنّ الأدب الأيروتيكي عندما يكون ذا قيمة فنيّة، يجب أن يكون طريفاً. الكتب الإباحيّة مرهقة، لأنّها تنظر إلى الجنس بجديّة مميتة.

تمّ الإبلاغ عنك عدّة مرّات بسبب الإباحيّة، واسمك موجود على قائمة الكتب الممنوعة من قبل الفاتيكان.

مورافيا: يجب أن أعيش مع ذلك. يوجد في إيطاليا قانون، ينصّ على أنّ أيّ كتاب ينتهك خصوصيّة المواطن، هو من قبيل الإباحيّة. يختلف الشّعور بالحشمة في لومباردي، تماماً عنه في صقليّة. لهذا السّبب تجد أنّ هذا القانون سخيف. هناك نوعان من الكتب، الّتي تنشغل بالجنس، فهناك على سبيل المثال رواية “Fanny Hill”، الّتي تحكي قصّة عاهرة، ولا تعالج سوى الجنس. وهناك كتب أخرى، يكون الجنس فيها، كما في الأدب، من قبيل المجاز. لذلك يتمّ الحديث عن الجنس، ولكن يتمّ توظيف الجنسانيّة كرمز لسلوكيات محدّدة. في روايتي “أنا وهو” أردت أن أصف رجلاً، يكافح ضدّ غريزته، بسبب من تربيته المسيحيّة. وهذا ليس بالأمر الجديد، لأنّ له تقليد. اعتبرت الأخلاق المسيحيّة، كما هو الأمر دوماً، الجنس على أنّه أمر سيء للغاية. ولكن دعني أوضّح ذلك من خلال كتابي الأخير، والّذي حمل في ألمانيا عنوان “Desideria”، وهو أمر غبي تماماً، لأنّ العنوان يجب أن يكون “الحياة الدّاخليّة”. في هذا الكتاب من المفترض أن يجري الحديث عن الجنس، الشّرجيّ، الفمويّ، ولكنّه ليس كتاباً عن الجنسانيّة، ولكنّه يستخدم الجنس كي يصف الأشخاص، كأن يوصف الرّجل العصبي مثلاً، بأنّه يدخن دون توقّف. هل قرأت ثيوفراتس (1)؟ أم هل قرأت كتاب ” Les Caractères ” الّذي ألّفه “La Bruyere” (2)؟  في الماضي استخدم المرء رموزاً أخرى لوصف إنسان مّا، ولأنّ الجنس كان من المحرّمات، لم يكن ممكناً الكتابة عنه. مع فرويد صار الجنس، مثله، مثل الطّعام والشّراب، أو الذّهاب إلى السينما.

هل تطمح أن تصبح خالداً من خلال كتبك؟

مورافيا: لا، فما من شيء خالد. ففي غضون ثلاثة آلاف عام لن تكون هناك لغة إيطاليّة، ولا لغة فرنسيّة أو إنكليزيّة أو ألمانيّة. ستنتنهي اللّغات. الخلود هو أمنية النّاس البدائيين، الّذين قادوا الحروب، وأقاموا النّصب التذكاريّة لأنفسهم. من المفترض أن يكون هتلر خالداً، أكثر منّي، أو نيرون الّذي قتل أمّه.

تحت أي نوع من الجنس يمكنك أن تصف هتلر؟

مورافيا: لا أعرف. ولكن ما هو معروف تماماً، أنّ نابليون كان يمتلك قضيباً صغيراً جدّاً. وتبعاً لتقرير طبيبه، فإنّ عضوه كان أصغر من عضو طفل، وما أثار استغرابي، أنّه عندما كان نابليون وحيداً مع ماري لويز، في غرونوبل للمرّة الأولى، قام باغتصابها فوراً في عربته. وأتساءل كيف فعل ذلك؟. من المرجح أنّ هتلر، لم يكن مميزاً من النّاحية الجنسيّة. لقد حلم بالحجم الكبير، ولكنّي لا أعتقد، بأنّه كان كبيراً. لقد حظي بقوّة فيزيولوجيّة، ولكنّها كانت قليلة من ناحية الرّأس. يمكن القول، أنّه كان كمثل محرّك طائرة في سيّارة صغيرة جدّاً، فما الّذي يحدث؟ جعجعة دون طحن.

بماذا اختلف هتلر عن موسوليني؟

مورافيا: موسوليني كان أقلّ دمويّة، إنّه من النّمط المتوسطيّ، الّذي يحبّ التّواصل مع النّاس. ولكنّه لم يكن كبيراً أيضاً. هناك الكثير من الرّجال في هذا القرن [العشرين]، ممّن يرون أنّه يجب تغيير العالم. على السّياسيّ أن ينظّم العالم، وعلى الفنّان أن يرسمه، وعلى العالم أن يبحث فيه.

أي حزب ستنتخب؟

مورافيا: الشّيوعيين.

حقّاً

مورافيا: بلى. وهل تعلم لماذا؟ سأقول لك، ما قلته لإدوارد كينيدي. لقد سألني عن موقفي السّياسيّ، فقلت له: اليسار المعتدل. وسألني: من ستنتخب؟ قلت له: سأنتخب الشّيوعيين. وهو أمر لم يفهمه. أوضحت له، أنّه في إيطاليا اليوم [عقد السّبعينات]، هناك الكثير من الشّيوعيين الّذين ينتخبون، رغم أنهّم لا يصطفّون مع اليسار. اهتماماتي السّياسيّة كانت دوماً واقعيّة، فأنا لست منظّراً، بل أحاول أن أعمل. عندما سافرت في عام 1934، من باريس إلى روما، طلب منّي الفرنسيون المعادون للفاشيّة، أن أحمل معي رسالة. سألتهم: هل هذا عمل خطر؟ فقالوا: نعم، ويمكن أن تُسجن. عندها، فعلت كما فعل الرّجل في قصّة إغار آلان بو “الرّسالة المسروقة”، أخفيت الرّسالة في جيب معطفي، وعلقته بشكل ظاهر، أمام عربة النّوم. وعندما أتت الشّرطة، فتّشت في كلّ زاوية، ولكنّها لم تفتش المعطف. مرّة أخرى، في عام 1936، قمت بتهريب خارطة لهيئة الأركان، كانت توضّح خطة موسوليني احتلال تايوان، من هونغ كونغ إلى كانتون. كنت رجلاً عملياً دائماً. الحزب الشّيوعي الإيطالي هو الحزب الإصلاحي الوحيد الّذي لدينا اليوم. ولذلك أنتخبه.

ألا تخشى أن يجرّدك الشّيوعيون من ممتلكاتك؟

مورافيا: أقولها بصراحة، لا أعلم. ربّما يفعلون ذلك، ولكنّ ذلك لن يقلقني. إنّ الشّيء الوحيد الّذي أحتاجه هو طاولة وغرفة. الفنّانون ليست لديهم ممتلكات. ومعظم المثقّفين فقراء. والأثرياء ليسوا على درجة عالية من الثّقافة. من ناحيتي، أنا أفضل من النّاس، الفقراء والمثقفين. قال ستاندال، يفكّر الفقير المعدم في النّقود، والثّري جدّاً يفكّر أيضاً في النّقود.

هل تنتمي أنت للفئة الثّانية؟

مورافيا: عمري اليوم إثنان وسبعون عاماً. إنّها مرحلة عمريّة جميلة جدّاً. هناك من الكتّاب ممن كانوا في شبابهم أكثر ثراء. مارسيل بروست كان يملك أسهماً في السّفن. تولستوي ثري منذ ولادته. تورغينيف من كبار ملاّكي الأراضي. مانتسوني (3) كان دوقاً. ولم يعاني توماس مان من مشاكل ماليّة طوال حياته. هؤلاء لا يقارنون بالوضع السّيء الّذي عشته في شبابي. فحياتي حتّى سنّ الأربعين كانت مؤلمة جدّاً وغير مستقرّة أبداً. بعد ذلك تغيّرت وصارت جيّدة جدّاً من النّاحية الماليّة. ولكن حتّى ذلك التّغيير، كانت حياتي رهيبة، ولا يوجد في مرحلة شبابي سوى الألم. وكوني أذكر لك ذلك بشيء من الابتسام، فلأنّه قد مضى وولّى. لقد عانيت منذ سنّ التّاسعة من مرض تدرن العظام، ما أبقاني لمدّة عام كامل رهين الفراش لا أغادره، لأنّ الحركة تسبّب لي آلاماً مبرحة. ما كان بإمكاني النّهوض، كنت شبه ميّت.

ألم يكن بإمكانك الكتابة؟

مورافيا: لا

فقط كنت تفكّر؟

مورافيا: نعم. ولكن ما التّفكير؟ التّفكير له معنى واحد، أن تتقاسم مع شخص آخر، ما تفكّر به. كنت معزولاً تماماً، الأمر الّذي جعل التّفكير دون معنى. لا يستقيم الأمر بالتّفكير لوحده، دون أن يعبّر المرء عن نفسه.

أمر يدفع المرء للجنون.

مورافيا: بالضّبط. لذلك أتجنب التّفكير فيه كمنقذ للحياة. كنت أُصفِّر أحياناً، أو أنصت للأصوات، الآتية من الخارج. بمقدور المرء أن يُنوّم نفسه في حالة انعدام التّفكير، عندها يصبح غائباً ومتبلّداً. لقد تعلّمت أن أفصل نفسي عن الواقع، ولا أزال حتّى اليوم قادراً على أن أتوقّف، فلا أفكر، ولا أشعر بأيّ شيء.

تصف في روايتك “La Noia“، وهي من أعمالك الرئيسيّة، هذه الحالة من التّبلد، حين يفقد الرّسام، من لحظة لأخرى كلّ شعور بالواقع، يحطم اللّوحة على حامل اللّوحات، ويستبدلها بقماشة خالية. 

مورافيا: صحيح. ولكنّي لست رسّاماً. لقد قرأت رسائل كاندينسكي، وفيها كتب أنّ أفضل لوحاته، هي لوحة بيضاء. من هنا أتتني فكرة هذه الرّواية. هذا اختلاق تامّ، لقد كنت دوماً كذّاباً موهوباً. أسمع لحناً محدّداً، هو ما يدعوه المرء بالإلهام، وبعده أكتب. أنا لست مارسيل بروست، الّذي قليلاً ما اختلق. كان يكتب ما يعايش. بمقدوري أنا أيضاً أن أعيش على نحو جيّد، دون أن أكتب، فالكتابة ليست بالشّيء الهين. إنّها تُمرض المرء. عندما أفتح عيوني في الصّباح الباكر، أودّ ألّا أعيش أكثر. ولكنّي بعدها أنهض، أستحمّ وأحلق ذقني، ثم ّأذهب إلى المطبخ، أشرب الشّاي، وأتناول الخبز مع العسل. أُعدّ القهوة. الشّاي أوّلاً ثمّ القهوة. وبعدها أكتب حتّى السّاعة الثّانية عشرة. وبعد ذلك لا أفعل أيّ شيء حتّى ينقضي النّهار. هذه عادتي في الكتابة. أنا كاتب منذ خمسين عام تقريباً. كتبت روايتي الأولى، وكان عمري تسعة عشرة عاماً تقريباً. عندما أقول أنّني أكتب، فهذا يشبه تماماً قول شخص آخر أنّه ذاهب للتّنزه. ببساطة شديدة، أضع الورقة في الآلة الكاتبة، ثمّ أبدأ الكتابة.

هل يدعم الحبّ الكتابة؟

مورافيا: لا، بل على العكس، يستنفذ الطّاقة. ولكنّ المقامرة أو حضور سباق الخيل، يحمل نفس المخاطرة. خضت في حياتي بعض المغامرات الّتي لم تكن مهمّة. يذهب المرء إلى الفندق ويصعد إلى الطّابق العلويّ بالمصعد، ثمّ ينزل على الطّابق السفليّ. يمكن له أن يكون لديه العديد من النّساء، إن كان قوياً، ولكنّه لا يحبّ سوى بعضهنّ. الكاتب الجيد هو رجل وإمرأة في ذات الوقت. هذا ما قاله فلوبير، الّذي يزعم أنّه مدام بوفاري. حتّى يكون المرء كاتباً جيّداً، يجب أن يكون فصامياً. لقد تماهى جيمس جويس مع بطله بلوم، ولكنّه لم يكن بلوم، بل كان شاعراً عظيماً.

كتب سارتر أنّ الحياة الجنسيّة عند فلوبير كانت تقتصر على الاستمناء.

مورافيا: صحيح. لأنّ خياله كان خصباً جداً. وهو أمر مألوف بالنّسبة للفنّانين، فالاستمناء، هو الفعل الجنسي الوحيد الّذي يرتبط بالثّقافة، لأنّه يأتي كلّياً من الخيال. هاينريش فون كلايست كان يستمني أيضاً. هل لديك اعتراض على ذلك؟

لا، أبداً

مورافيا: على المرء أن يعمل، ما يبعث السّرور في نفسه. بهذا المعنى لست ضدّ أحد، بل مع الجميع. هناك طرق عديدة ليصبح المرء إنساناً … أو دودة.

 

نشر الحوار في مجلّة “Playboy“، شهر أيلول من عام 1980

المصدر: (http://elfriedejelinek.com/andremuller/interview)

*****

هوامش المترجم:

(1) Theophrast: فيلسوف وعالم نباتات يوناني، مشهور، تتلمذ على يد أرسطو. اشتهر بكتابيه “تاريخ النبات” و”رسالة في علل النّبات”.

(2) Jean de La Bruyère: كاتب فرنسي عاش بين عامي (1645-1696)، له كتاب مشهور هو “طبائع وعادات هذا القرن”، وهو بمثابة تعليق على ترجمته لكتاب “الطّبائع” لثيوفراتيس.

(3)  Alessandro Manzoni شاعر وكاتب إيطالي، عاش بين عامي (1785 – 1873).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    مقال جميل وترجمة ممتازة – بانتظار ترجماتك عن الالمانية والانكليزية وشكرا لموقع الاوان

أضف تعليق

Share This