عندما تحلّق بومة مينيرفا سريعاً أو الكورونا والنّفعيّة

«(…) يكفي أن تتنهّد الطّبيعة حتّى يفنى الكون وتموت الحيوانات الذّكيّة»

نيتشه

«حينما يحاول رجل تحدّي قاعدة المنفعة فإنّه، من دون وعي منه، يتحدّاها بأسباب مأخوذة عنها»

بنتام

يقال إنّ الفلسفة كبومة مينيرفا لا تحلّق إلاّ متأخّرةً، بمعنى؛ أنّ الحدث عندما يقع، فإنّ الفلسفة لا تفكّر فيه بسرعة، بل تتركه حتّى يكتمل ثمّ تفكّر فيه. لكن يبدو أنّ بومة مينيرفا حلّقت بسرعة مع حدث وباء كوفيد 19، ربّما لأنّ الحدث خطيرٌ جدّاً، ولا يمكن التّفكير فيه ببطء، أو ربّما لأنّ الفلاسفة المعاصرون لا يتّفقون مع الرّأي القائل بالتّمهل الفلسفيّ في التّفكير؛ وإنّما على العكس من ذلك، نجد أنّهم ناقشوا وفكّروا في الوباء المالئ الدّنيا وشاغل النّاس منذ ظهوره أوّل الأمر في مدينة ووهان الصّينيّة.

صحيح أنّ أقوال الفلاسفة وتحليلاتهم لن تكون مفيدة في الظّرف الرّاهن، فلا أهميّة لأن نناقش اليوم مدى رجاحة تصوّراتنا عن الحداثة، وفكرة التّقدم، والسّيطرة على الطّبيعة، أو أن نلوم العولمة والأنظمة الرّأسماليّة .. وهلمّ جرّاً؛ الأهمّ اليوم هو أن يجد الأطباء العلاج، ونخرج من حالة الاستثناء والطّوارئ الّتي تعرفها البلدان المتضرّرة من الوباء.

صحيح أيضاً أنّ وباء كوفيد 19 ليس بأوّل وباء تواجهه البشريّة، فقد سبقه الوباء الّذي عرف بالموت الأسود في القرون الوسطى، والإنفلوانزا الإسبانيّة [1] في القرن العشرين. بيد أنّ ما يميّز هذا الوباء الجديد هو أنّه ظهر في قرننا، أي في قرن وسائل التّواصل الاجتماعيّ والتّكنولوجيا والعولمة والإعلام ..إلخ، ممّا جعل منه وباءً كونياً، أسال مداد الكثير من المتخصّصين ليكتبوا عنه وعن آثاره الاقتصاديّة والقانونيّة والبيولوجيّة ..إلخ.

والفلاسفة بدورهم أدلوا بدلوهم في موضوع وباء كوفيد 19، الّذي قيل عنه أنّه أعاد الاعتبار للإنسان من حيث أنّه إنسان، فالملاحظ أنّ معظم حكومات العالم سعت إلى إيقاف انتشار الوباء بكلّ الطّرق الممكنة، وإن أثّرت هذه الطّرق على الاقتصاد. وهكذا انتصر صوت الإنسانيّة على صوت أسواق البورصات… هذا ما يبدو في الظّاهر، لكن كيف يمكن أن نفسّر هذا الانتصار؟ سبق وأن شاهدنا حروباً وجرائماً ضدّ الإنسانيّة ترتكب من أجل أطماع اقتصاديّة؛ فكيف يمكن أن نفهم هذه المرّة وقوف الجميع في صفّ واحد ضدّ هذا الوباء؟ هل لأنّنا على أعتاب تغيير جذري للنّظام العالميّ؟ أم أنّ الإنسان اكتشف ضعفه أمام الطّبيعة وتخلّى عن نرجسيته؟ أم أنّ المنفعة تقتضي تغليب الإنسانيّة؟

إنّ الأجوبة على هذه الأسئلة ستتّضح لنا من خلال سرد الأفكار الّتي تناولها بعض الفلاسفة العرب والغربيين عن موضوع وباء كوفيد 19. أمّا السّؤال الأخير عن المنفعة، فسنجيب عنه في خاتمة هذا المقال، حيث سنبيّن أنّ النّفعيّة تقتضي أن تنسى الشّعوب خلافاتها وأن تقف جميعها متّحدة في وجه هذا الوباء.

    فتحي المسكيني: الجسد مجرّد مساحة فيروسيّة

في مقاله ” الفلسفة والكورونا: من معارك الجماعة إلى حرب المناعة” [2]، تطرّق فتحي المسكيني لتحوّل رؤية الإنسانيّة للحياة بعد اكتشاف الفيروسات سنة 1892، لقد أصبحنا بعد هذا الاكتشاف أمام عصر جديد يكتبه العلماء، عصر فيه مساحة طبيعيّة للاّمرئي الّذي كانت مساحته الخيال والعقل كما تصوّره أفلاطون. يعلن فتحي المسكيني أنّ اكتشاف الفيروسات تزامن مع طرح نيتشه أطروحته المقلقة حول موت الإله، فأصبح إنسان العصر الجديد مجرّد “مساحة بكتيريّة أو فيروسيّة عابرة للأجسام الحيوانيّة، وليس صورة إلهيّة مطبوعة على صلصال مقدّس” [3]. إنّ الفيروس، حسب فتحي، لا يميّز بين الإنسان والحيوان والنّبات، ممّا يجعل وضعيّة الإنسان محرجة، فليس الإنسان وحده يمرض، وليس جسده مختلف عن جسد المخلوقات الأخرى الّتي ” أقامت الإنسانيّة التّقليديّة لفترات متطاولة انفصالها الأخلاقي أو الميتافيزيقيّ عنها” [4]. يتوسّع فتحي المسكيني في مناقشة فوكو وموضوع الصّحة والفلسفة في مقاله، مستحضراً نيتشه وفكرته عن المرض. وفي رأينا أنّ ملاحظة فتحي المسكيني عن كون اكتشاف الفيروسات، تزامن مع حدث فلسفي خطير هو إعلان موت الإله، ملاحظة دقيقة. فلا شكّ أنّ هناك علاقة بين الحدثين، علاقة أدّت إلى تغيير نظرتنا للحياة وللوجود الإنسانيّ. فأصبح الوباء مفهوماً علمياَ، ولا يحتاج إلى تفسير ميتافيزيقي.

إيمانويل كوتشا: الفيروس يحرّرنا

يقترب إيمانويل كوتشا Emmanuel Kotcha [5] من فكرة فتحي المسكيني فيرى أنّ الفيروس دليل على أنّ حياتنا ليست ملكا لنا، بل إنّها قد تصبح حياة كائن آخر إذا تمكّن من التّسلل إلى جسدنا. ثمّ إنّه يرى أنّ هذا الفيروس كسر نرجسيّة الإنسان الّذي ظنّ في وقت ما أنّه سيطر على الطّبيعة وغيرها وأثر فيها. كشف لنا الفيروس، حسب إيمانويل كوتشا، أنّ الحياة تربط بين الجميع، فلا فرق بين الأجناس والكيانات السّياسيّة. وهكذا، بمعنى أو بآخر، فإنّ الفيروس حرّرنا.

جيجيك: التّغيير الجذري هو الّذي سينقذنا

أمّا الفيلسوف جيجيك Zizek [6] فيشبه وباء كورونا بتقنية القتل الصّينيّة الشّهيرة الّتي تقوم على تفجير القلب من خلال ضرب خمس نقاط في الجسد بشكل سريع. هذه التّقنية اليوم تستهدف النّظام الرّأسمالي العالمي، على عكس ما كان متوقّعاً في بداية انتشار كوفيد 19، ممّا يجعل الوباء إشارة إلى ضرورة التّفكير في نظام جديد، ومجتمع يقوم على التّضامن والتّعاون العالميين. ويبدو أنّه لتحقيق هذا المجتمع، حسب جيجيك، نحتاج إلى كارثة. فالكوارث الخارجة عن الإرادة الإنسانيّة تجعل الجميع يشتغلون معاً من أجل إيجاد حلول تخلّصهم من المصائب. وهكذا، وفقاً لجيجيك، فإنّ وباء كورونا ينبغي أن يجعلنا نفكّر في التّغيير الجذريّ للنّظام العالميّ، لأنّ هذا التّغيير هو الّذي سينقذنا.

جورجيو أغامبين: لماذا نضحّي بالحريّة؟

لطالما حذر أغامبين Agamben  [7] من استغلال الدّول لحالات الاستثناء لتعطيل القوانين، وهذا الاستغلال هو ما انتقده في مقال له حول الوباء الّذي لم يراه إلاّ مجرّد إنفلونزا عاديّة، غير أنّه وضّح في مقال آخر أنّ الحياة لم تعد عاديّة مع الوباء، وأنّ الإيطاليين ضحّوا بكلّ شيء لتجنّب خطر الإصابة بالمرض. أكثر من هذا أصبحت حالة الاستثناء حالة طبيعيّة، وأنّ المجتمع ضحّى بالحريّة من أجل الأمان، وهذه التّضحيّة قد تستمرّ حتّى بعد توقف الوباء، ومن هنا يحذر أغامبين من استمرار حالة الاستثناء وتعطيل القوانين.

إنّنا إذا تأمّلنا تحليلات هؤلاء الفلاسفة حول الوباء، سنجد أنّهم ينطلقون من همومهم الفلسفيّة دائماً. فمهما حاولوا التّفلسف، فإنّهم لا يبتعدون عن تصوّراتهم حول الأنظمة السّياسيّة والتّأمّلات الميتافيزيقيّة… فحقّاً أنّ أكثر جدالات الفلاسفة الميتافيزيقيين، إن جاز الوصف،  تدور حول الوجود الإلهي والعناية الإلهيّة… فهل كان ينبغي أن ننتظر الوباء لنتذكّر ضعفنا ويتمنا في هذا الوجود، فنتخلّى عن نرجسيتنا؟ أو هل كان ينبغي أن ننتظر الوباء حتّى نؤكّد أنّ النّظام العالمي لا يصلح، وأنّ الحلّ في “الشّيوعيّة الجيجيكيّة”؟[8] أو أنّ حالة الاستثناء تهدّد الحريّة وقد تستغلّها الأنظمة لبسط سيطرتها وتعطيل القوانين؟

نشر شادي لويس مقالة نقديّة لطيفة تحت عنوان ” الحماقة وظيفة وحيدة للفلسفة؟ ” تطرّق فيها لنقاشات الفلاسفة حول الوباء، وانتهى إلى القول ” من حسن الحظّ أنّ أحداً لا يأتمن الفلاسفة على اتّخاذ القرارات المصيريّة، وأنّ عادة الحكم عليهم بالموت بتجرّع السّم توقّفت منذ زمن”. ينتقد لويس في مقاله فكرة محاولة الفلاسفة لفت الانتباه والتّشكيك في ما هو بدهي، وبالتّالي؛ معارضة المتّفق عليه. وسواء اتّفقنا مع هذا الموقف أو اختلفنا معه، فإنّه من المؤكّد أنّ الجدل حول وباء كورونا أضحى جدلاً فلسفياً.

لهذا نأتي في الختام لنفكّر في تفسير اجماع البشريّة على الوقوف صفاً واحداً في وجه هذا الوباء. ويظهر لنا أنّ الدّافع هو دافع نفعي في الجوهر. كيف ذلك؟ تقوم الفلسفة النّفعيّة UTilitarianism كما طرحها جرمي بنثام  Jeremy Bentham على تحقيق أكبر سعادة لأكبر قدر من النّاس. ويمكن أن نوضّح فكرته على الشّكل التّالي:

حيث أنّ الإنسان بطبعه يسعى إلى تحصيل اللّذة وتجنب الألم.

وحيث أنّ السّعادة هي تحصيل أكبر قدر من اللّذات، وتجنب أكبر قدر من الآلام.

تبعاً لذلك، فإنّ “معيار الأفعال الخيرة هو أن تؤدّي إلى زيادة الجموع الكلّي للّذة، ومعيار الأفعال الشّريرة هو أن تؤدي إلى الإقلال من اللّذات”[9]، ومن هنا كانت المنفعة هي تحقيق أكبر قدر من السّعادة وتجنب الألم.

ومن المؤكّد أنّ العالم لو استمرّ بنفس العقليّة الّتي كانت تحكمه قبل ظهور الوباء، فإنّه لن يحقّق المنفعة، بل سيؤذي الأمر إلى حصول الألم، أو الشّر المطلق. ومن المسلم به، كما تقدّم، أنّ الإنسان يحبّ اللّذة ويعاف الألم أو الشّر، وعليه؛ فإنّ السّعي نحو تحقيق سعادة الإنسان يستوجب تعظيم المنفعة. يقول بنتام: “حين يحاول رجل تحدّي قاعدة المنفعة فإنّه، من دون وعي منه، يتحدّاها بأسباب مأخوذة عنها”. ويسأل: ” هل بإمكان إنسان أن يحرّك الأرض؟ نعم، لكن عليه أوّلاً أن يجد أرضاً أخرى ليقف عليها”، وهذه الأرض، بالنسبة لبنتام، هي: قاعدة المنفعة[10]

إذن، فإنّ المنفعة تفرض على البشر التّعاون في هذا الظّرف العصيب من أجل الحفاظ على النّوع البشريّ. ولهذا كان ينبغي أن توضع حدود للحريّات الفرديّة، لأنّ رضا الجماعة وسعادتها يستلزم ذلك.  وهذا ما جعل بعض الدّول المدافعة عن الحريّة تقف متردّدة أمام اتّخاذ أي موقف يهدّد اقتصادها أو حريّة أفرادها، ممّا جعل الوباء ينتشر فيها بشكل فظيع وخطير.

وحيث أن لا أرض غير أرض المنفعة كما ذكر بنتام، فإنّه بعد انحصار الوباء علينا أن نفكّر من خلال قاعة المنفعة نفسها أيضاً في كيفيّة التّغلب على الأضرار الاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي سببها الوباء، فلا ريب أنّ هذه الأضرار ستكون أخطر من الوباء نفسه. لهذا سيظلّ سؤال المنفعة قائماً: كيف يمكن أن نقلّل من ألم من تضرّروا من الوباء؟ وكيف يمكن تحقيق أكبر قدر من السّعادة لهم؟

*****

الهوامش والحواشي:

1 ـ عرفت البشريّة في تاريخها الكثير من الأوبئة الخطيرة كالموت الأسود في العصور الوسطى، وتبقى الإنفلونزا الإسبانيّة من أخطر الأوبئة الّتي عرفتها البشريّة، وسمّيت بهذا الاسم لأنّ الصّحافة الإسبانيّة كتبت عنها كثيراً في حينها.

2 ـ فتحي المسكيني: الفلسفة والكورونا: من معارك الجماعة إلى حروب المناعة، موقع مؤمنون بلا حدود، بتاريخ: 24 فبراير2020.

3 ـ نفسه.

4 ـ  نفسه.

5 ـ سونيا فور وأناستاسيا فيكران، إيمانويل كوتشا: الفيروس يحرّرنا بشكل كبير، ترجمة: نجيب مبارك، موقع ضفّة ثالثة، بتاريخ:27 مارس2020.

6 ـ نشر المقال على موقع RT:

Slavoj Zizek, Coronavirus is Kill Bill-esque blow to capitalism and could lead  to reinvention of communism, RT. 27 Feb,2020

7 ـ جورج أغامبين يردّ على منتقدي مقالته اختراع وباء، ترجمة: كارول خوري، موقع فسحة، بتاريخ: 29 مارس 2020.

8 ـ دائماً ما يدافع جيجيك عن الشّيوعيّة الّتي يحمل تصوّراً خاصّاً عنها.

9 ـ عبد الرّحمن بدوي: الموسوعة الفلسفيّة، الجزء الأوّل، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط:1، ص: 365.

10 ـ مايكل ج. ساندل: العدالة ما الجدير أن يُعمل به؟ ت: مروان الرّشيد، جداول، مؤمنون بلا حدود، الطّبعة الأولى، 2015، ص ص: 48، 49.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This