جذور خطاب الكراهيّة وأصول التّطرف الدّينيّ نقد وتوثيق

يدشّن الدّين –غالبا- مسار كونه وتكوينه خالصا مجرّدا من آثار الأرض وملابسات الحياة الجماعيّة للإنسان، لكن بمجرّد ما يبدأ في الإحتكاك بحياة الإنسان محاولا التّدخل فيها بالتّوجيه أو بهدف التّغيير، يحدث له التّأثّر حيث تتلبّس به الكثير من معطيات حياة الإنسان ويتلبّس بها.

ويزداد التّلبس كلّما ازداد توغّل الدّين في البيئة الإجتمّاعيّة لظهوره ونشأته، وكلّما تطوّر الزّمان وتحوّل الدّين إلى جزء من التّاريخ. بفعل التّفاعل مع محيط النّشأة يتشّرب الدّين وتتسرّب إليه الكثير من القيم الأرضيّة، الإيجابيّة والسّلبيّة على حدّ سواء.

ويتعمّق التّشرب والتّسرب إلى درجة تصبح فيها تلك القيم “الأرضيّة” جزءا من بنية الدّين وحقيقته. والخطورة هنا تكمن في أنّ من يتدينّون به في هذه الحالة والوضعيّة يعتقدون أنّ ما في الدّين من قيم والّتي هي نتاج تفاعله بمحيط النّشأة أو النّزول، أنّها قيم دينيّة  لا تقلّ في دينيتها عن القيم الدّينيّة الخالصة، ويلتمّسون من خلال الإجتهاد في تفعيلها والعمل بها التّقرب إلى الله. وهذا ما يفسر أن قتل الآخر المخالف الّذي يمارس من المتطرّفين، يمارس من منطلق أنّه قربة إلى الله رغم أنّه يمارس بوحشيّة مقزّزة، لكنّ المتطرّف يجد فيه لذّة ومتعة.

وهكذا يصبح القتل والتمّييز بين النّاس على أساس الجنس أو الدّين أو المذهب أو القوميّة أو اللّون(…)، مساويا للصّلاة أو غيرها من القيم الدّينيّة الخالصة في لزومها، لأنّها كلّها تعاليم “دينيّة” في نظره واعتقاده. هذا الإشتباك بالمحيط والبيئة يحوّل جزءا من تعاليم الدّين إلى “أصل” ومنبع للكثير من السّلوكات المتطرّفة، والتّصوّرات المشبعة بقيم الكراهيّة ورفض الآخر.

وإلى جانب هذا البعد الأرضيّ للدّين، والّذي غالبا ما يساء فهمه فيصبح منبعا لذلك كلّه، توجد أصول أخرى يتغذّى منّها فكر التّطرف وتذكي ثقافة الكراهيّة بين النّاس، وتتمّثل في الرّواية والحديث والسّلفيّة الّتي تمّ تديينّها كما سيتمّ بيانه وتوثيقه.هي إذن ثلاثة أصول عليها تأسّس ويتأسّس خطاب الكراهيّة، ومنها تتمّ شرعنة التّطرف والإرهاب.

تأثير بيئة ومحيط النّشاة في الدّين، كما سبقت الإشارة إليه، وثقه الأدب الدّينيّ والتّاريخيّ الموروث، من تفسير وحديث وتاريخ وفقه(…) ونظرا لقوّة التّأثّر الحاصل بين الدّين وبيئة النّشأة، اشترط الكثير من رجال الدّين والفقهاء ضرورة مراعاة واستحضار السّياق في فهم الأحكام الدّينيّة(أسباب النّزول)، وارتقى بعضهم بالمسألة إلى مستوى ضرورة استحضار-ليس فقط السّياق اللّحظي، بل السّياق الثّقافي والقيمي لمحيط النّشأة، بأعرافها وتقاليدها وجعل ذلك بمثابة الشّرط المنهجيّ للفهم “السّليم” للدّين.

ومن الّذين اشترطوا لفهم تعاليم الدّين، تحكيم ثقافة العرب، رجلان من رجال الدّين كان ولايزال لفكرهما أثر وتأثير قوي في التّراث الدّيني الموروث، وهما محمّد بن إدريس الشّافعي في كتابه: “الرّسالة “وإبراهيم بن موسى الشّاطبي في كتابه: “الموافقات في أصول الشّريعة”. يقول الشّاطبي: “لابدّ في فهم الشّريعة من اتّباع معهود العرب الأميين(…) فلا يصحّ العدول عنه في فهم الشّريعة”1“.

وبعد الإرتقاء بالمعهود العربيّ وثقافة العرب إلى مستوى الشّرط المنهجيّ لفهم للشريعة، عرض أمثلة كثيرة لما احتضنه الدّين من ذلك المعهود وأعرافه وتقاليده وسننه يقول: “كما في الأشياء الّتي كانت في أول الإسلام على حكم الإقرار(…) فإنّها كانت معتادة الإستعمال في الجاهليّة، ثمّ جاء الإسلام فتركت على حالها”2، منّها: الزّواج والطّلاق والحجّ، والقراض والإرث ” ويقطعون السّارق، ويصلبون قاطع الطّريق”(…).

ويقول: “فكانوا على ذلك إلى أن جاء الإسلام، فبقوا على حكمه حتّى أحكم الإسلام منه ما أحكم، ونسخ ما خالفه”3. ومن المؤرّخين الّذين وثقوا لآثار البيئة في الدّين، المؤرّخ العباسي في كتبه التّاريخيّة ومنّها كتاب: “المحبر” الّذي ساق فيه الأحكام و”السّنن” العربيّة الّتي أمضى الإسلام العمل بها فأصبحت جزءا من أحكامه وقيمه، يقول: “من حكم في الجاهليّة حكما فوافق حكم الإسلام، ومن صنع صنيعا في الجاهليّة فجعله الله سنة في الإسلام”4، وذكر منها: توريث الأولاد بالحكم المعروف، وهو المفاضلة بين الذّكور والإناث يقول إنّ العرب لا يورثون النّساء والبنات والصّبيان فلا: “يورثون إلّا من حاز الغنيمة وقاتل على ظهور الخيل، فأوّل من ورث البنات في الجاهليّة، فأعطى البنت سهما والإبن سهمين ذو المجاسد اليشكري”(5)

وتحت عنوان: “السّنن الّتي كانت الجاهليّة سنتها، فأبقي الإسلام بعضها وأسقط بعضها”(6).أورد نماذج كثيرة منها عادات الزّواج والطّلاق والإغتسال من الجنابة والسّواك وغسل الموتى والوفاء بالعقود الّتي: “مازادها الإسلام إلاّ شدّة”(…)

فهذه “الأحكام” و”السّنن” الجاهليّة بتعبير ابن حبيب الّتي أقرّها أو تسرّبت إلى الدّين من بيئة النّشأة هي أصول للكثير من الرّؤى والتّصورات الّتي ينطلق منها المتطرّفون ويشرعنون لسلوكهم في القتل والإرهاب، ويؤصلون لموقف كراهية الآخر ورفضه. والسّبب لا يرجع إلى الأحكام والسّنن في ذاتها، بل مرجعه وسببه هو إهدار السّياق، السّياق الخاصّ وهو ما يسمّى في أدبيات العلوم الدّينيّة بـ: “أساب النّزول”، والسّياق العامّ(شروط التّنزيل) وهو ما يسمّيه الشّاطبي “معهود العرب” كما سبقت الإشارة. وسنرجع إلى هذه النّقطة لمزيد من التّوضيح.

الأصل الثّاني الّذي يستقي منه خطاب الكراهيّة والتّطرف هو: “الرّواية والحديث”، والحديث لم يدخل على خطّ تاريخ الدّين إلّا بعد زمن النّشأة والظّهور وبفارق تاريخي يقدّر بقرن من الزّمن أو أقلّ بقليل، وفي ظروف طبعها ووسمها الصّراع على السّلطة بين فتيان قريش بتعبير عبد بن عمر(7).

ميلاد الحديث في مناخ الصّراع السّياسيّ هذا هو ما يفسّر انخراط “الحديث” منذ البداية في الصّراعات السّياسيّة والإنقسامات الدّينيّة الفكريّة والمذهبيّة، فضلا عن الإختلافات الإجتمّاعيّة والعرقيّة(…)، حيث كان أداة وسلاحا للدّفاع والهجوم في آن واحد. الدّفاع عن الذّات الفرديّة أو المذهبيّة أوالطّائفيّة، والدّفاع عن السّلطة القائمة وسياساتها. كما أنّه أداة وسلاح للهجوم على الآخر المخالف والمعارض وللسّلطة كذلك.

البعد الصّراعي للحديث ولنشأته تؤكّده وتدلّ عليه نصوص حديثيّة كثيرة، منها قول المحدّث سفيان الثّوريّ: “الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأيّ شيء يقاتل”.(8)وقول ابن سيرين: “لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتّى وقعت الفتنة، فلمّا وقعت الفتنة قالوا سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السّنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم”.(9)

تحوّل الحديث في الثّقافة الدّينيّة والإجتمّاعيّة إلى “نصّ” ديني، جعل الأحاديث ذات الأبعاد الصّراعيّة والخلافيّة وهي كثيرة جدّا، وخاصّة الأحاديث الّتي تصطلح عليها المدوّنات الحديثيّة بـ: “أحاديث الفتن” أصولا لفكر التّطرف وثقافة الكراهيّة القائمين على رفض الآخر المخالف، سواء داخل الدّين أو خارجه من اتّباع الأديان الأخرى وهي الأحاديث الّتي يؤطّرها حديث: “الفرقة النّاجية” إذ هو بمثابة عنوانها العامّ(10.)، نذكر منها على سبيل المثال فقط حديث يقول: “من قال في ديننا برأيه فاقتلوه”(11)

والمحدّثون هم أوّل من انعكست آثار تلك الأحاديث على سلوكهم ومواقفهم وفتاوى مَن سلم بمرجعيّة رواياتهم، وهي المواقف والفتاوى والسّلوكات الّتي تحوّلت هي الأخرى بعدهم إلى أصول تغذّى ويتغذّى منها فكر العنف والتّطرف وخطاب الكراهيّة.

ولامتلاء كتب هؤلاء بالشّواهد الدّالة على تلك المواقف، نكتفي هنا بما يسمح به مقام البحث.(12)فالمحدّث ابن خزيمة-على سبيل المثال- يقول: “من لم يقر بأنّ الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربّه، يستتاب فإن تاب وإلاّ ضربت عنقه وألقي على المزابل حيث لا يتأدّى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين”(13)

ويقول أيضا: “القرآن كلّام الله، ومن قال إنّه مخلوق فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل ولا يدفن في مقابر المسلمين”.(14)وفي سياق التّأسيس لخطاب الكراهيّة ضدّ المخالف، تندرج أقوال كلّ من مالك بن أنس والشّافعي والشّاطبي كما وردت في كتاب: “الإعتصام” لهذا الأخير.

فمالك يقول عن المخالف: “إنّه يوجع ضربا ويسجن حتّى الموت“.(15)ويقول عنه الشّاطبي: “حكي عن مالك أنّه قال: لا تجالس القدري ولا تكلّمه إلّا أن تجلس إليه فتغلظ عليه“.(16)وحكم الشّافعي: “في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرائد، ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسّنة وأخذ في الكلام، يعني أهل البدع”.(17)

ويقول الشّاطبي مؤيّدا لخطاب الكراهيّة ضدّ المخالف: “ووجه ذلك ظاهر لأنّ المشي إليه والتّوقير له تعظيم له لأجل بدعته، وقد علمنا أنّ الشّرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشدّ من هذا كالضّرب والقتل”.(18)

وإذا كان كلام هؤلاء نموذجا لخطاب الكراهيّة في الماضي، وأصلا لإعادة إنتاجه في عصرنا، فإنّ ما وثقه الحاكم النّيسابوري في كتاب: “معرفة علوم الحديث”، والذّهبي في: “تذكرة الحفاظ” هو نموذج لسلوك الكراهيّة والعمل المتطرّف، وضحاياه ليسوا من المخالفين داخل الدّين، بل مجرّد مختلفين داخل المذهب.

ففي الكتاب الأوّل ورد: سئل النّسائي(من كبار المحدثين) عند قدومه دمشق عما روي من فضائل معاوية فقال: “لا يرضى معاوية رأسا برأس حتّى يفضل. قال الرّاوي: فما زالوا يدفعون في حضنيه حتّى أخرج من المسجد، ثمّ حمل إلى الرّملة (نفي إلى فلسطين) ومات بها سنة 303ه“.(19)

وفي الكتاب الثّاني تأريخ لعنف وإرهاب الحنابلة ضدّ ابن جرير الطّبري، عندما حاصروه في منزله حتّى الموت بعد رجمه بالحجارة يقول على لسان المحدّث حسينك الحافظ: “كانت الحنابلة تمنع من الدّخول عليه. قال: بئسما صنعت”.(20)

وفي كتاب: “الإعتصام” خلاصة للأحكام الّتي صدرت ضد المخالف باسم الدّين وهي: الهجران وعدم السّلام عليه، التّغريب والنّفي، السّجن، التّشنيع به والتّحذير منه، القتال إذا ثار، القتل إذا أظهر “البدعة” أي رأيه المخالف للمذهب الرّسمي وللسّلطة ولم يرجع إذا استتيب، إذا أخفى رأيه وكان ممّا يكفره الفقيه الرّسمي يقتل بلا استتابة، الكفر وينبني عليه: منع التّوارث وعدم الغسل جسده الميّت ولا يدفن في المقبرة الرّسميّة، ولا يصلى عليه، منعه من الزّواج، عدم قبول شهادته، منعه من الوظيفة فلا يسمح له بالقضاء والولاية (أن يكون واليا على منطقة أو إقليم) والإمامة والخطابة، تحريم زيارة مرضاه، عدم حضور جنازته، الضّرب.(21)

الضّلع الثّالث لأصول التّطرف وخطاب الكراهيّة باسم الدّين، يتمّثل في “السّلفيّة” بما هي أفهام وآراء ومواقف الأجيال الأولى من المسلمين، وما أضيف من أفهام وآراء ومواقف الأتباع وأهل الحديث بصفة خاصّة (مقابلهم في الدّيانات الأخرى: الحواريون)، يقول عمر ابن عبد العزيز: “سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله(…) ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النّظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد(…) ومن خالفها اتّبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولّى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرا”(22).

فالسّلفيّة بالمعنى السّابق تمّ تديينها في ظروف تاريخيّة –لا يتّسع حيّز هذا البحث لابرازها وتحليلها- فأصبحت هي الأخرى جزءا من “الدّين” أو مصدرا من مصادره. يقول المحدّث صالح ابن كيسان: “اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم، فاجتمعنا على أن نكتب السّنن فكتبنا كلّ شيء سمعنا عن النّبي صلى الله عليه وسلّم، ثمّ قال: نكتب ما جاء عن الصّحابة.فقلت: لا ليس بسنة. فقال: بلى هو سنة. قال: فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت”(23).

تموضع “السّلفيّة” ضمن خريطة الدّين والثّقافة الدّينيّة، حول انقسامات السّلف العشائريّة وصراعاتهم السّياسيّة وسلوكهم في الحرب وأساليبهم في القتل(…) إلى أصول لتأسيس الفتاوى وشرعنة المواقف والقتل البشع  وجميع السّلوكات الإرهابيّة الّتي تتنافى وذوق الحياة المعاصرة، وتصنّفها تطرّفا وإرهابا، وخطابها خطاب كراهيّة(…). من ذلك أنّ “السّلف” مارسوا في صراعاتهم على السّلطة جميع أنواع القتل والتّعذيب المعتادة في الحياة في عصرهم وزمنهم، من جزّ الرّؤوس وفصلها عن الأجساد وبتر الأعضاء وسمل العيون وقطع الألسن.(24)

وبالعودة إلى الأصل الأول يتّضح الفرق بين الدّين الخالص، وما كان من أثر و رواسب بيئة النّشأة، نعود إلى الشّاطبي في كتاب: “الموافقات” فقد ميّز الرّجل بين نوعين من دلالات ألفاظ القرآن باعتبارها ألفاظ اللّغة العربيّة، نوع مطلق وعام ونوع مقيّد وخاصّ يقول عن الأولى: “هي الّتي تشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلّمين ولا تختصّ بأمّة دون أخرى”. ويقول عن النّوع الثّاني: “وأمّا الجهة الثّانية فهي الّتي يختصّ بها لسان العرب”.(25)ويمثّل للنّوع الأوّل بـ: العدل والإحسان، والوفاء بالعهد والإستقامة، والحكم بالحقّ، واتّباع الأحسن(…) وتحريم الظّلم والطّغيان(…).

ولايجاد مخرج-يؤكّد الفارق- لعلاقة العامّ(الدّين الخالص) بالخاصّ(دين أثر البيئة)، قرّر قاعدة هامة فيقول: “وإذا اعتبرت الجهة الثّانية مع الأولى وجدت كوصف من أوصافها، لأنّها كالتّكملة للعبارة والمعنى من حيث الوضع للإفهام”.(26)

وفي سياق الحديث عن انقسام ما ورد في النّص الدّيني من مضامين عامّة وخاصّة يقول: “فدلّ على أنّ المشروعات في هذا الباب جاءت متمّمة لجريان التّفاصيل في العادات (أي الحياة المدنيّة) على أصولها المعهودات، ومن هنا أقرّت هذه الشّريعة جملة من الأحكام الّتي جرت في الجاهليّة”.(27)

السّؤال الّذي يفرض نفسه بعد تشخيص أصول التّطرف وجذور خطاب الكراهيّة، هو كيف تتأتي مواجهة الفكر المتطرّف والتّصدي له؟ وبأي منهج؟

بصمة البيئة-الدّلالة العربيّة

تمييزنا في الموروث الدّينيّ، بين صيغة الدّين المجرّد الخالص، وهي الّتي سمّاها الشّاطبي بالدّلالة المطلقة والعامّة، والّتي تعكس المشترك الإنساني، وبين صيغة الدّين الّذي بصمته بيئة النّشأة بخصائص قيمها وأعرافها ومعهودها ونمط حياتها في السّلم والحرب هي الّتي يختصّ بها لسان العرب كما يرى الشّاطبي.

كيف تتأتّى مقاربة العنف وخطاب الكراهيّة المستندين إلى الدّين بالنّظر إلى الصّيغتين؟ والجواب يتوقّف على سؤال آخر مفاده أي واحدة من الصّيغتين- العامّة أو الخاصّة هي الّتي تعبّر عن أصالة الدّين؟ وما العلاقة بينهما؟

الإنطلاق من القاعدة الأساس الّتي يقوم عليها الدّين، وهي التّسليم بإله للكون وخالق له وللإنسان هو من يتحدّث الدّين باسمه وعلى لسانه، وهذا الإله عام وليس إلاها خاصّا، أو هكذا يفترض في الكثير من التّجارب الدّينيّة، باستثناء اليهوديّة الّتي تتحدّث عن إله خاصّ باليهود، أو أنّها تجعل الإله حكرا على اليهود وحدهم.

وعموميّة الإله للنّاس جميعا، تقتضي منطقيا وأخلاقيا كذلك أن يراعي فيما يضع من تعاليم ويدعو إليه من قيم ما يعمّ النّاس بمختلف تجاربهم الإجتمّاعيّة وتنوّع أعرافهم وثقافاتهم. ولا مانع بعد ذلك أن يقرّ كلّ جماعة بشريّة أو تجربة اجتمّاعيّة على قيمها الخاصّة وأعرافها التّنظيميّة، فيأمر بما هو مباح وينهى عمّا هو ممنوع لديها، فتصبح بذلك جزءا من تعاليمه الّتي تحتضنّها نصوصه.

والعلاقة بين هذين المكوّنين العامّ والخاصّ في الدّين، هي أنّ التّعاليم الخاصّة ما هي إلّا صيغة محتملة واحدة، من مجموعة من الصّيغ المحتملة الّتي يمكن أن يتجسّد فيها “العامّ الدّيني”، فهي مجرّد وصف من أوصافها بعبارة الشّاطبي. فالعامّ هو الأصل والخاصّ هو مجرّد صيغة مبدّؤها هو شرط المناسبة للإنسان حسب مرحلته التّاريخيّة، والإنسجام مع العامّ الدّيني وعدم التّناقض معه. لأنّه كما يقول الشّاطبي: “القصد الخاصّ لا يعارض القصد العامّ، فإن صار التّابع غالبا في القصد، وسابقا في عرف بعض الأزمنة، حتّى يعود ما كان بالأصالة كالمعدوم المطرح، فحينئذ ينقلب الحكم”(28)

وإذا لم يراعَ مبدأ المناسبة بشرطيه ينتج عنه، بعد زمن مؤسّس التّجربة الدّينيّة، إمّا قلب العلاقة الطّبيعيّة بين المكونيين العامّ والخاصّ، بفرض الصّيغة الخاصّة وتكريسها على أنّها هي الّتي تمّثل أصالة الدّين. وهذا الخيار الّذي يؤدّي إلى فرض الجمود على الحياة، وينتج العنف تجاه الآخر المخالف في الرّأي أو الدّين. وإمّا الحيرة الّتي يوقع  فيها التّناقض بين التّعاليم العامّة والتّعاليم الخاصّة.

والمخرج هو تصحيح العلاقة بوضع المشروعات الخاصّة في موقعها المناسب، وهو كونّها مجرّد وصف محتمّل للمشروعات العامة، وعندما يحصل التّعارض بينهما فلا بدّ من إعادة النّظر في النّوع الخاصّ لأنّه مجرّد إجراء عملي خاصّ بزمنه.

والتّعارض لا يحدث اعتباطا، وإنّما يدلّ على تحوّل وقع في موضوع العامّ الدّيني وهو الواقع أي واقع الإنسان وحياته، وهذا التّحول يقتضي تجاوز الخاصّ الدّيني إلى صيغة أخرى مناسبة للواقع الجديد والمستجد، وإذا لم تتمّ الإستجابة لمقتضيات التّحول وحاجياته فالسّبيل الوحيد الّذي يضمن استمرار الخاصّ الدّيني هو الإكراه والعنف والإجراءات السّلطويّة والآليات الإيديولوجيّة. فضلا عن تفشي الأمراض الإجتمّاعيّة كالنّفاق والفصام والإزدواجيّة(…).

الحديث- الرّواية

الحديث هو منبع غالبيّة إشكالات الموروث الدّيني عامّة، ومنبع لمظاهر التّطرف وخطاب الكراهيّة في الحياة الدّينيّة، بل هو الآليّة المعتمّدة في تكريس الجمود على الخاصّ الدّيني واعتباره الصّيغة المعبّرة عن “الحقيقة” الدّينيّة. وبالحديث تمّ تديين السّلفيّة وإضفاء سمة الإلزام عليها.

والسّبيل الأفضل لمواجهة هذا المنبع/ الأصل لفكر التّطرف وخطاب الكراهيّة، إلاّ اعتماد المقاربة العلميّة أوّلا لكيفيّة نقله وروايته، وللآليات المعتمّدة في إنتاج المقبول منه والمرفوض. فبخصوص الكيفيّة الّتي كان اعتمدها الرّواة والمحدّثون في تناقل الحديث وتداوله، فهي الفهم ونقل المعنى أو بعبارة المحدّثين: “الرّواية بالمعنى”، من جميع الرّواة وفي جميع أجيال الرّواية، وداخل الجيل الواحد إلى عصر التّدوين حيث كتب المدوّنون أنفسهم وفق أفهامهم.يقول الخطيب البغدادي: “اتّفاق الأمّة على أنّ العالم بمعنى خبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللّغة العربيّة(…) وإذا ثبت ذلك صحّ أنّ القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه دون إيراد لفظه وصورته”.(29)

ويقول ابن الصّلاح أنّ نقل الفهم والمعنى: “هو الّذي تشهد له أحوال الصّحابة والسّلف الأوّلين، وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلّا لأنّ معولهم على المعنى دون اللّفظ”(30)

غير أنّ الصّورة الّتي حضر ويحضر بها الحديث في ثقافة المسلمين الدينيّة وفي حياتهم، هي أنّ الحديث أقوال الرّسول وأفعاله. وإذا كانت نسبة الفهم أو الأفهام إلى الآخر واعتبار ذلك كلامه مقبولا في ماضي المسلمين، فهو لم يعد مقبولا في العصر الحديث الّذي تطوّرت فيه المعرفة الإنسانيّة، الّتي خصّصت “للنّص” علوما، وللفهم علما خاصّا هو: “علم الفهم” أو التّأويليات  وهو ما يعني التّسليم بالإختلاف بينهما، وبالتّالي اختلاف ما نقل وروي عن الكلام أو النّص الأصل المفترض لذلك المنقول.

تأسيسا على ما سبق يحتاج الحديث المتداول، والّذي تحتضنه كتب الحديث إلى مراجعة وإعادة النّظر، بالتماس مناهج علميّة قادرة على إثبات ما يتّصل بالتّجربة الإسلاميّة الأولى، لأنّ الإفتراضات الّتي تفتح عليها مسلمة: “اختلاف الفهم عن الخطاب” أنّ ما تحمله متون الأحاديث المتداولة في الحياة الإسلاميّة، من الصّعب أن يكون مصدره كلّه نبوي.

والتماس مناهج التّثبت مرجعه وسببه أنّ الآليات أو باصطلاح المحدّثين “الشّروط” المعتمدة في إنتاج الحديث وإثباته لم تقدر على إنجاز المهمّة المنوطة بها باعتراف الكثير من النّقاد القدامى، وذلك لبساطتها أوّلا، ولتلبسها بالإيديولوجيا في النّشأة والتّكوين، وأثناء الإجراء والتّطبيق ثانيا، يقول ابن حجر الهيثميّ: “فائدة مهمّة عزيزة النّقل كثيرة الجدوى، وهي من المقرّر عندهم أنّه لا تلازم بين الإسناد والمتن، إذ قد يصحّ السّند أو يحسن لاجتماع شروطه(…) دون المتن(…) وقد لا يصح السّند ويصحّ المتن من طريق أخرى(…) فعلم أنّ التّقيد بصحّة السّند ليس صريحا في صحّة المتن ولا ضعفه”.(31)

تديين السّلفيّة

المقولة السّلفيّة هي أضعف الأصول الثّلاثة لهشاشة حجّجها وأدلّتها، بل لا أدلة تسندها إلاّ أحاديث هي موضوع نقد وتشكيك من بعض المحدثين أنفسهم ومن غيرهم منها حديث: “خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم” الّذي وضع حديث في مقابله ومعارضته وهو: “مثل أمتّي مثل المطر لايدري أوّله خير أو آخر”(32).

فهي في منشئها وتكوينها قرارات واختيارات فرضت في مناخ الصّراعات السّياسيّة والمنافسة على احتكار الحقيقة الدّينيّة بين الفرقاء الإجتمّاعيين. والمرجع الأساس لتلك القرارات والإختيارات هو الفريق المنتصر في الصّراع على السّلطة وادّعاء تمثيل الصّيغة الرّسميّة للدّين.

فكما سبق فابن شهاب الزّهري-وهو قرشي- من أوّل من اعتبر “ما جاء عن الصّحابة سنة“، وارتقى بالموقف السّلطان الأموي عمر بن عبد العزيز إلى قرار سياسي فرضه في دولته يقول عمر: “ما سنّه ولاة الأمر من بعد النّبي صلى الله عليه وسلّم فهو سنة لا بدّعة فيه البتّة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلم نصّ على الخصوص، فقد جاء ما يدلّ عليه في الجملة”.(33)

وتأسيسا على هذه القرارات الّتي فرضها أسياد قريش، بنى المحدّثون والفقهاء موقفهم الّذي حول ذلك إلى أصل ومصدر من المصادر الشّريعة يقول الخطيب البغدادي: “أمّا الموقوفات على الصّحابة فقد جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النّبي صلى الله عليه وسلّم في لزوم العمل بها وتقديمها على القياس وإلحاقها بالسّنن”(34)

*********

الهوامش:

1- الشّاطبي، الموافقات في أصول الشّريعة، ج2، ص59.

2- نسف المرجع، ج1، ص 118.

3- المرجع السّابق، ج 1، ص 119.

4- محمد ابن حبيب، المحبر، ص 236.

5- نفس المرجع، ص309.

6- نفس المرجع، ص 324.

7- يقول عبدّ الله بن عمر: “إنّما هؤلاء فتيان قريش يتقاتلون على هذا السّلطان وعلى هذه الدنيا”. ابن سعد، كتاب الطّبقات الكبرى، ج 4، ص 172.

8- ابن رجب، شرح علل التّرمذي، ص 67.

9- الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرّواية، ص 151.

10- يقول حديث الفرقة النّاجية: “افترقت اليهود على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة”. يقول عنه الشّاطبي: “كلّ فرقة وكلّ طائفة تدّعي أنّها على الصّراط المستقيم، وأنّ ما سواها منحرف عن الجادة وراكب بنيات الطّريق، فوقع بينهم الإختلاف(…) كلّ طائفة تزعم أنّها هي الجماعة ومن سواها مفارق للجماعة”. كتاب: الإعتصام، ص 468-469.

وعقب ابن أبي حاتم على نفس الحديث الّذي أورده بصيغة: “لاتزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ(…)”. قال: “أنكرت ذلك وأنكره أبو زرعة”. عبد الرّحمان ابن أبي حاتم، كتاب: العلل، ج 1 ص 322.

11- ابن أبي حاتم، المرجع السّابق، ج1، ص 457.

12- للمزيد نحيل على فصل: “الموقف من المخالف” في كتابنا: “التّمهيد لنقد التّراث الحديثي. ا- لسان عما أهل الحديث”، ص 317.

13- الحاكم النّيسابوري، معرفة علوم الحديث، ص 84.

14- الحسين الذّهبي، تذكرة الحفاظ، ج 3، ص 728-729.

15- الشّاطبي، كتاب الإعتصام، ص 127.

16- المرجع السّابق، ص 97.

17- نفسه، ص 128.

18- نفسه، ص 54-55.

19- الحاكم، المرجع السّابق، ص 83.

20- الذّهبي، المرجع السّابق، ج 2، ص 72.

21- الشّاطبي، كتاب إعتصام، ص 108.

22- نفسه، ص 65.

23- الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الرّاوي وآداب السّامع، ج 2، ص 279.

24- ابن سعد، كتاب الطّبقات الكبرى، ج 2، ص54-55. و ج3، ص 39-40.

25- الشّاطبي، الموافقات في أصول الشّريعة، ج 2، ص 49.

26- نفس المرجع، ج 2، ص 51.

27- نفسه، ج 2، ص 228.

28- نفسه، ج 3، ص 118.

29-الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرّواية، ص 235.

30- ابن الصّلاح، كتاب: المقدّمة، ص 105.

31- الصّنعاني، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، ص 189-190.

32- الذّهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرّجال، ج 4، ص468.

33- الشّاطبي، كتاب الاعتصام، ص 66.

34- الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الرّاوي وآداب السّامع، ج 2، ص 279.

المصادر

-ابراهيم بن موسى الشّاطبي، الموافقات في أصل الشّريعة، تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي، المكتبة العصريّة، بيروت لبنان، 2003.

-إبراهيم بن موسى الشّاطبي، كتاب الاعتصام، ضبطه وصححه أحمد عبد الشّافي، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، الطّبعة الثّانية، 1991.

– أبو بكر أحمد المعروف بالخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرّواية، تحقيق وتعليق الدّكتور أحمد عمر هاشم، النّاشر دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، الطّبعة الثّانية، 1986.

– أبو بكر أحمد المعروف بالخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الرّاوي وآداب السّامع، قدّم له وحقّقه وخرج أخباره وعلق عليه ووضع فهاريسه، الدّكتور محمد عجاج الخطيب، مؤسّسة الرّسالة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1991.

– محمد بن حبيب البغدادي، كتاب المحبر، اعتنت بتصحيحه الدّكتورة إيلزه ليحتن شتيتر، دار الآفاق الجديدة، دون تاريخ.

– محمد بن أحمد الذّهبي، تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان.

– محمد بن أحمد الذّهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرّجال، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الفكر.

– محمد بن عبد الله الحاكم النّيسابوري، معرفة علوم الحديث، تصحيح وتعليق الدّكتور السّيد معظم حسين، منشورات المكتبة العلميّة، المدينة المنورة، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان.

– عبد الرّحمان بن أبي حاتمّ الرّازي، كتاب العلل، دار المعرفة بيروت لبنان، طبعة 1985.

– عبدّ الرّحمان بن رجب الحنبلي، شرح علل التّرمذي، حققه وعلق عليه، صبحي السّامرائي، عالم الكتب، الطّبعة الثّانية 1985.

– محمد بن اسماعيل الصّنعاني، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تحقيق: محمد محيي الدّين عبد الحميد، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع.

– حسن العلوي، تمهيد لنقد التّراث الحديثي. ا- لسان عمل أهل الحديث، دار الوطن للصّحافة والطّباعة والنّشر، الطّبعة الأولى 2018.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This