هل كان ماركس ماركسياً؟

قراءة في كتاب "كارل ماركس أو فكر العالم سيرة حياة"

يعاني الأدب الماركسي من عقدة الوحش، فالرأسماليّة وراء الأبواب”، بهذه الكلمات البسيطة كان يصف أحد النّقاد كلّ ما وصل إلينا عن الماركسيّة. والسّؤال هو هل تصلنا الأشياء متأخّرة؟ أم أنّ الأمر لا يعدو كونه صيرورة طبيعيّة لمسيرة طويلة، كنّا نظنّ أنّها رحلة قصيرة. وهل قدّمت لنا دار التّقدم ترجمة رصينة لأعمال ماركس أم نسخة معدّلة وفقا لما فُرض على الأحزاب السّتالينيّة أن تراه؟ ومن ناحية ثانية هل قدّمت لنا الأحزاب الماركسيّة سوى الكليشيهات الجاهزة والعقول التّابعة، النّاشطة في مجال الفكر اليوميّ على حدّ تعبير الرّاحل مهدي عامل؟ تلك العقول الّتي قدّمت لنا إداريين بإمتياز أو وارثي ألقاب النّضال والتّقدميّة يقودون أحزابا تمرّ بها الأحداث الجسام وكأنّها مرّت على مقبرة. تلك الأحزاب الّتي تجيد العزف على وتر الشّعارات الّتي تُستبدل كما الجوارب المهترئة. ويبقى شعار الحفاظ على التّاريخ المجيد هو الثّابت الوحيد في زمن المتغيرات، فبينما تدّعي الرأسماليّة بأنّ الإنسان سيّد التّاريخ وليس العكس، على حدّ قول جورج بوش الأب، لا نزال نرفع التّاريخ راية رفض بوجه الحاضر والمستقبل- وأي تاريخ إنّه تاريخ السّلاطين والخلفاء الّذين يدوفون السّمّ بالعسل لبعضهم البعض (ويظنّون أنّهم ملاقوا ربّهم)، التّاريخ الّذي تتساقط به رؤوس الآباء بأيدي الأبناء ويبقى النّهج ثابتا والدّوران في نفس الحلقة مستمرّا – فليس بالإمكان أفضل ممّا كان. أمّا أن نتساءل بموضوعيّة عمّا بأيدينا فذاك مطلبٌ صعب. فمن طبيعة التّابع والمنفعل أن ينتظر التّغيير ولا يفعل شيء غير الانتظار السّلبي. رغم هذه الحالة الّتي نحن فيها أستذكر هنا بيتا للجواهري على النّقيض من كلّ ما تقدّم كان بمثابة قبس ونبؤة  ذات نبض إيجابي يقول فيه

سيزول ما كنّا نقول مشرّقٌ ومغرّبُ…. ستكون رابطة الشّعوب مبغّضٌ ومحبّبُ

من هنا ننطلق نحو كتاب جاك أتالي المنظّر والكاتب الاجتماعيّ والاقتصاديّ الفرنسيّ الّذي عمل مستشارا للرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران من 1981- 1991. وهو من مواليد الجزائر 1943. الكتاب هو (كارل ماركس أو فكر العالم- سيرة حياة)، وقد صدر مؤخّراً عن دار كنعان في دمشق، ترجمه عن الفرنسيّة “محمد أحمد صبح”. و لجاك أتالي أكثر من خمسين كتاباً أيضاً من أهمّها (ضوضاء: الاقتصاد السّياسي للموسيقى) 1985 وكتاب (تاريخ مختصر للمستقبل) 2006 .

” أمران في هذا الكتاب يثيران الفضول؛ أوّلهما أنّ كاتبه لم يكن شيوعياً ولا ماركسياً، إن لم يكن في طرف آخر لم يُعرف بتعاطفه معهما، ذلك أنّ جاك أتالي كان قريباً من “الأحزاب الاشتراكيّة الأوروبيّة” الّتي اشتهرت بمعارضتها لـ”المعسكر الاشتراكي” السّابق. وثاني الأمرين: أنّ الكتاب ظهر بعد السّقوط التّاريخيّ للماركسيّة وأحزابها. وعلى الرّغم من هذه المفارقة فإنّ “أتالي” أنجز كتاباً عن الماركسيّة في وجوهها المختلفة، رصد فيه مسار ماركس وتكوّن أفكاره، وانتقال هذه الأفكار من حيّز النّظريّة إلى حيز التّطبيق. ينطوي هذا الكتاب على غايات ثلاث واضحة: إعادة قراءة الماركسيّة اليوم، بعيداً عن “التّحزب الإيديولوجي” السّابق، الّذي كان يساوي بين النّظريّة الماركسيّة وتطبيقاتها المستبِدّة الهجينة، وبين كتاب “رأس المال” والمعتقلات السّتالينيّة، وهو أيضاً إعلان عن الإمكانات النّظريّة الواسعة الّتي تمتّعت بها الماركسيّة، الّتي لا تزال قادرة على تقديم تفسير لآليات المجتمع الرّأسماليّ وتطوّراته وآفاقه. وسواء كانت الماركسيّة أفقاً لا يمكن تجاوزه، كما كان يقول سارتر، أو أفقاً قابلاً للتّجاوز، فإنّها ما زالت، حتّى اليوم، منهجاً نظرياً أساسياً لا يمكن انكاره. ترمي الغاية الثّالثة إلى الاحتجاج على الواقع الإنسانيّ المعيش اليوم والمطالبة بإصلاحه، وإلى البرهنة على أنّ الإصلاح المنشود لا يستقيم دون الاستفادة من تاريخ الماركسيّة في وجهيه النّظريّ والعمليّ” كما يقول النّاقد الدّكتور فيصل دراج.

في مقدّمة كتابه هذا يقول جاك أتالي: ” ما من مؤلّف حظي بقرّاء أكثر منه، وما من ثوري بعث من الآمال أكثر، ولم يثر أي صاحب مذهب من الشّروح والتّعليقات أكثر منه. وباستثناء بعض مؤسّسي الأديان، ما من إنسان أحدث تأثيراً مماثلاً لما كان لكارل ماركس في القرن العشرين”. ورغم أنّ الكاتب يؤكّد أنّه لم يكن ماركسياً قطّ، بأي معنى للكلمة، ولم ترافقه أعمال ماركس في شبابه، حتّى أنّه – وهو شيء لا يكاد يُصدّق- (على حدّ قوله هو)،أنّه لم يسمع باسمه خلال فترة دراسته في العلوم والحقوق والاقتصاد والتّاريخ، كما يقول، إلاّ أنّ أوّل اتّصال جدّي له مع ماركس كان قد حدث مع قراءاته المتأخّرة لكتبه، وبواسطة مراسلات مع مؤلّف كتاب (مع ماركس)، لويس التوسير. ومن وقتها يقول جاك أتالي “لم تغادرني الشّخصيّة ولا أعمالها قطّ. فقد فتنني ماركس بدقّة فكره، وبقوّة جدله، وبمتانة محاكمته العقليّة، وبوضوح تحليلاته وشراسة انتقاداته، وظُرف خصاله، ووضوح تصوّراته. وشعرت أكثر فأكثر من خلال بحوثي بالحاجة إلى معرفة ما كان رأيه في السّوق والأسعار والإنتاج، وفي التّبادل والسّلطة والظّلم، والاغتراب والبضاعة والأنتروبولوجيا، وفي الموسيقى والزّمن والطبّ، وفي الفيزياء والملكيّة، وفي اليهوديّة وفي التّاريخ. واليوم ومع وعيي بالتباساته، ومع عدم مشاطرتي استخلاصات تابعيه أبداً تقريباً، ما من موضوع عرض لي التّطرق إليه إلّا وتساءلت عن رأيه فيه، ووجدت فائدة عظيمة في قراءته”.

لقد كتب عن كارل ماركس عشرات الآلاف من الدّراسات، وعشرات الكتب عن سيرة حياته، إمّا بلهجة التّقديس وإمّا بروح العداء دائماً. دون أن تكون محايدة قطّ تقريباً. وما من سطر كتبه إلّا وتسبّب في مئات الصّفحات من التّعليقات الغاضبة أو المبهورة. فالبعض جعلوا منه مغامراً سياسياً، وانتهازياً مالياً، وطاغية منزلياً، وطفيلياً اجتماعياً. ورأى فيه آخرون نبياًّ، وكائناً من عالم آخر، وأوّل كبار الاقتصاديين، وأب العلوم الاجتماعيّة والتّاريخ الجديد والأنتروبولوجيا وحتّى التّحليل النّفسي. وذهب آخرون إلى حدّ اعتباره آخر فيلسوف مسيحي. واليوم وفي الوقت الّذي يبدو أنّ الشيوعيّة أمحت أبداً من على وجه الأرض، وأنّ فكره لم يعد موضوع رهان للسّلطة، بات من الممكن أخيراً الكلام فيه بهدوء وجديّة، وإذن بما يعود بالنّفع. فقد آن الأوان – عبر هذا الكتاب- إذن لتعقّب، دون خداع وبطريقة عصريّة، مصيره المذهل، ومساره الفذّ الفكري والسّياسي، ولفهم كيف استطاع وهو دون الثّلاثين تأليف النّص السّياسي الأكثر قراءة في تاريخ البشريّة، والكشف عن علاقاته الغريبة مع المال، والعمل والنّساء، واكتشاف كاتب الرّسائل الهجائيّة الاستثنائي الّذي كانه. ولإعادة تفسير هذا القرن التّاسع عشر الّذي نشكّل نحن وارثيه المباشرين، المليء بأشكال العنف والنّضال والشّقاء والمذابح، والدّيكتاتوريات والاضطهاد، والبؤس والأوبئة، الغريبة عن توهّج الرومنطيقيّة، وشذى الرّواية البرجوازيّة، وطلاءات الأوبرا الذّهبيّة، وكواليس الزّمن الجميل كما يؤكّد جاك أتالي.

كتاب فكر العالم هو سيرة حياة إنسان إستثنائي شغل الدنيا ولما يزل، لكنّه في النّهاية إنسان له وعليه. والكتاب في هذا المجال كان منصفاً ومعتدلاً يورد الرّأي ونقيضه ويرجّح أحدهما حسب رؤيته شبه الخالية من التّحيّز أو الانبهار. يأخذ بيد القارئ إلى حياة ماركس عبر أسرته ومنبته الاجتماعي فيقول: “مهما صعدنا في سلسلة نسب كارل ماركس، سواء من جهة أبيه أو من جهة أمّه، فإنّنا نجد حاخامات”. ثمّ يأخذنا إلى تلك البيئة الاجتماعيّة والتّقلبات والتّطورات الّتي عاشتها بكلّ تناقضتها، دون أن ينسى أن يوصف البيئة والجغرافيّة والأحداث السّياسيّة والتّاريخيّة الّتي مرّت بها ألمانيا على وجه الخصوص، وأوروبا بشكل عامّ. وهذا هو ديدن الكاتب في الكتاب بمجمله. يواكب الأحداث الشّخصيّة ويلقي الضّوء على الأحداث الكبرى الّتي تعيشها البلاد بما فيها التّقلبات الكبرى، والثّورات والانتفاضات، والتّقدم العلمي والتّقني بمختلف المجالات، وكيف ينعكس على حياة النّاس وأفكارهم وتطلّعتاهم وقناعاتهم. يرسم جاك أتالي صورة بانوراميّة شاملة، من التّفاصيل الصّغيرة الحياتيّة إلى المفارق المفصليّة، والأحداث الكبرى ونقاط التّحول العظيمة الّتي مرّت بها القارّة العجوز الّتي تواكب الاكتشافات العلميّة يوماً بيوم، وكيف تؤثّر على نمط الحياة والأفكار لدى شعوبها بل لدى العالم أجمع. وكيف أثّر ذلك على حياة ماركس وفكره وشخصيته وآراءه السّياسيّة والعلميّة. يتوقّف في طريقه أمام ماركس الإنسان وحياته الشّخصيّة وعلاقته بعائلته وبالأصدقاء، وتصرّفاته وكرهه للعمل وتردّده في إصدار كتبه الّذي يبرره بأنّ هناك الجديد في كلّ يوم، وبالتّالي يحتاج إلى إعادة النّظر فيما كتب. وهذا ما أشار إليه ذات مرّة الكاتب الرّاحل فالح عبد الجبّار في كتابه “ما بعد ماركس” قائلاً: ( لم يترك لنا ماركس إرثاً كافياً في مجال دراسة الدّولة، بل خلّف حقولا فارغة، تتعلّق بتشكّل الدّولة الحديثة في أوروبا، أو في الشّرق: اليابان، مصر، تركيا العثمانيّة. لقد عاصر ماركس ثورة الميجي اليابانيّة، واطّلع على إصلاحات محمّد علي، وكانت التّنظيمات العثمانيّة الأولى قد بدأت في حياته. لكن عينه بقيت لصيقة بأوروبا، بل بدولها الأرأس: فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، رغم إشاراته المهمّة لنمط الدّولة في الشّرق القائم على غياب الملكيّة الخاصّة للأرض، معزياً ذلك إلى ظروف المناخ وطبغرافيّة الأرض ” حتميّة مونتسيكيو الجغرافيّة؟” وخضوع المنتجين للدّولة بوصفها المالك والحاكم ” فرضيّة نمط الإنتاج الآسيوي”).

كتاب جاك أتالي هذا غير قابل للاختصار بل هو كتاب موسوعي بمعنى من المعاني، يسلّط الضّوء على بؤر ظلّت في العتمة لوقت طويل. هذا أوّلاً وثانياً يؤكّد على أنّ كارل ماركس الإنسان والمفكّر والمنظّر لم يكن ماركسياً أبداً، بل كان دليلاً ومرشداً منفتحاً على العلم والمعرفة، ومتأنّياً لحدّ اتّهام البعض له بالتّردد، وعدم الحسم خصوصاً في نشر كتابه “رأس المال” على سبيل المثال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This