أصل الحياة وتطوّرها دراسة في دراما نشأة التّركيبات البيولوجيّة وتطوّرها (ج4)

مفهوم داروين في الإصطفاء الطبيعيّ

لقد تحدّث داروين عن التّباين الّذي ينشأ بين الكائنات والأنواع بشرح أنواع التّباين أو التّغير، إذ أكّد على أنّ التّباين يظهر حتّى بين خلف أبوين، أي بين الأخوة والأخوات، فلكلّ فرد صفات ذاتيّة محدّدة له يسمّيها داروين التّغير الذّاتي أو الفردي، فلا يوجد على سطح الأرض صورتان متشابهتين تماماً، بالإضافة لذلك هناك تغير آخر ناتج عن اختلاف المناطق الجغرافيّة تبعاً لتغير البيئة، يسمّيه “التّغير البيئوي”، فإذا بدأ كائن بالتّغير باتّجاه معيّن، فإنّ تغيراً يحدث في كلّ الأجيال التّالية في المستقبل في نفس الاتّجاه، طالما لم تتغيّر الظّروف المسبّبة لهذا الانحراف. وقد أطلق داروين على هذا التّغير “التّغير المستمرّ”، وهذا التّغير المستمرّ هو نتيجة العلاقة المتبادلة بين الكائن والبيئة، وبين الكائن وظروف حياته. وكنتيجة لهذه التّغيرات المجتمعة عبر تتالي الأجيال، فإنّ تغيّراً كبيراً يحصل، كما يؤدّي تغيّر بعض الأعضاء إلى حدوث تغيّر بالأعضاء الأخرى، وهو ما يسمّى “التّغير النّسبي”، فتغيّر الأطراف مثلاً تحت تأثير البيئة المباشر عند الفقاريات زوجيّة الأصابع، يؤدّي بالنّهاية إلى تغيير تركيب معدّتها وقرونها. وتحصل في أعقاب مثل هذا التّغيير أحياناً تغييرات نافعة أو ضارّة، ويسمّي داروين التّغير الّذي يحدث عند ممثلي مجموعة متشابهة كاملة من الكائنات تحت تأثير الظّروف المناخيّة والغذائيّة بـ”التّغير المحدد”، فمثلاً: تؤثّر كميّة الغذاء ونوعه على النّمو، أمّا الظّروف المناخيّة فتؤثّر على سمك الجلد وكثافة الصّوف وما إلى ذلك.

هذه التّغيرات كلّها يمكن أن تكون بعد ذلك متناقلة وراثياً، أو على العكس لا تنقل وراثياً. إنّ التّغيرات الّتي تنقل وراثياً هي الشّروط اللاّزمة للتّطور، وهذه التّغيرات تلعب الدّور الأساسي في تكون النّوع، أمّا التّغيرات الّتي لا تنقل وراثياً، فهي على العكس لا تلعب أي دور في تكون النّوع، وليس لها أيّ أهميّة حيث لا تنعكس في الأجيال المقبلة.

والآن، كيف يمكن أن يلتقي علم الوراثة بتلك التّغيرات التّطوريّة الداروينيّة؟ قد تتّضح في الواقع بعض الخيوط الّتي تربط بين الوراثة والتّطور عندما نعلم أنّه نتيجة لعوامل بيئيّة ووراثيّة معيّنة، قد تحدّث طفرة مّا. هذه الطّفرة الّتي تخصّ فردأً بعينه، يمكن لها أن تختفي أو تستمرّ، وذلك متعلّق بتوافر الشّروط المواتية الّتي إذا ما توفّرت، قد تؤدّي إلى تمكين الطّفرة الجينيّة بحيث تتمكّن من إقصاء كافّة الجينات الأخرى لكي تحلّ محلّها، وبالتّالي تؤدّي لتغير كيفي يثبت كصفة جديدة للنّوع كلّه. والّذي يحدّد حدوث الاصطفاء للنّوع بأكمله، هو مقدار القيمة الاصطفائيّة الّتي تزداد بمقدار ما يكون الأفراد المزودين بنمط جيني معيّن أقدر على مقاومة عدوانيّة البيئة، وبالتّالي أقدر على البقاء، وعلى الإنجاب والاستمراريّة الّتي ستؤدّي إلى نقل الجينات إلى الأجيال، وهنا نتحدّث عن عمليّة تفضيل اصطفائي حيث يزداد ورودها في الجيل الثّاني، في حين أنّ الجينات السّيئة تكيفياً ستختفي شيئاً فشيئاً. هذا ما وضّحه الباحث البيولوجي “فيشر” عندما قال:”توضّح هذه النّظريّة (النّظريّة الأساسيّة للاصطفاء الطبيعيّ) أنّ ازدياد القيمة الاصطفائيّة الوسيطة في جماعة مّا، تتناسب وتغير القيم الاصطفائيّة لدى مختلف الجينات”. وبالتّالي فإنّ الجينات الأصلح للبقاء بالنّسبة للبيئة ستبقى، بينما تختفي الجينات الأخرى، وشيئاً فشيئاً يحصل تقارب الجماعة من النّموذج المثالي. وعليه تكون نهاية الاصطفاء في بيئة محدّدة هي (تجانس الفئة).

أمّا “الطّفرات الوراثيّة”، فسببها التّعديلات الّتي تحدث هيكلياً للكروموسومات بشكل عامّ نتيجة عمليّة عبور أو تجاوز خلال انقسام الخليّة التّقليدي. فعادة، يكون هناك تبادل متساو للأقسام النّهائيّة للكروموسومات المتماثلة. في بعض الأحيان، يتّحد القسم النّهائي من كروموسوم مّا، بكروموسوم آخر ليس متماثلاً معه، وبالمثل، يمكن أن يكون هناك قسم نهائي يتيم لا يتّحد مع أي كروموسوم، وفي هذه الحال، فإنّ الجينات الموجودة على هذه الأقسام اليتيمة المعزولة تفقد وظيفتها. بعبارة أخرى: عندما يتمّ نسخ جزيء الحمض النّووي، يجري في بعض الأحيان إنتاج نسخ إضاقيّة من جين واحد أو أكثر، ومع ذلك، غالباً ما يتمّ تكرار أو عكس أقسام من الجزيء هي أبعد ما تكون عن التّرميز لانتاج البروتين. هذا التّكرار أو العكس لقطاعات كبيرة من الحمض النّووي هو مصدر مهمّ للتّنوع الجينيّ داخل النّوع. وبهذه الطّريقة يمكن لنسخ احتياطيّة من الجينات النّشطة أو الخاملة أن تتحوّل وتغيّر وظيفتها مع مرور الوقت منتجة أصنافاً جديدة يمكن للاصطفاء الطبيعيّ أن يعزّزها أو أن يرفضها.إنّ تغيرات تطوريّة واسعة النّطاق في نسل نوع من الأنواع يمكن أن تحدث عموماً عير هذه الطّريقة. ومن المحتمل جدّاً، أن انفجاراً في عمليات النّسخ الجينيّ هذه، قد أدّى في الفترة الممتدّة ما بين 12 – 7 مليون سنة قبل الآن، إلى إنفصال الغوريلا، ومن ثمّ الشمبانزي، عن الخطّ التّطوريّ للقردة العليا الّذي أصبح في نهاية المطاف، الخطّ التّطوري للبشر المعاصرين، كما سنرى لاحقاً.

إنّ الكود الجيني (الراموز الوراثي) للإنسان يتألّف من نحو ثلاثة بلايين من قواعد (أسس) الـ DNA  ولكن 10 إلى 15 بالمئة من تلك القواعد يشكّل الجينات المخططات الّتي تستعملها الخلايا لبناء البروتينات، وفي الإنسان – وكثير من الكائنات الحيّة – يؤدّي بعض تسلسلات القواعد المتبقيّة، مهام حاسمة كالمساعدة على تفعيل الجينات وكظمها، وفي تماسك الصّبغيات (الكروموزومات)، ولكنّ الكثير من الDNA  يبدو بلا هدف واضح حتّى ليطلق عليه البعض اسم السَّقْط.

لقد قام داروين منذ أكثر من 150 عام بتحديد العوامل الطّبيعيّة الّتي يؤدّي فعلها إلى التّطور البيولوجي في الكائنات الحيّة وقسمها إلى خمس مراحل وفق الآتي:

  1. الوراثة: ومحصّلها أنّ الشّبه يأتي بمشابهه، فالسنانير لا تلد كلباً، بل سنانير أي أنّ صغار كلّ نوع تشابه آباءها، وذلك في النّبات كما في الحيوان.
  2. التّحول: أي أنّ أفراد كلّ نوع تتشابه، ولكن لا تتماثل أي لا تكون نسخة مطابقة لأصولها، فهي تشابه آباءها ولكن لا تماثلهم.
  3. التّوالد: ينصّ على أنّ ما يولد من النّبات أو الحيوان أكثره لا يقدر على البقاء، فالطّبيعة تسرف في الإيجاد كما تسرف في الإفناء، ومن هنا ينشأ العامل الرّابع.
  4. الصّراع على البقاء: وهو عامل مضطرد التّأثير غير منقطع الفعل، فكلّ نبات أو حيوان يبرز إلى الوجود ينبغي له أن يسعى إلى الرّزق وأن يجاهد في سبيل ذلك، وعليه يغدو الصّراع على البقاء أحد العوامل المهمّة في التّطور البيولوجيّ. ففي أعقاب عمليات التّغير وتوارث الصّفات، والانتخاب الطبّيعي، وتنازع البقاء، تتكوّن لدى النّباتات والحيوانات البريّة العديد من الصّفات المتكيّفة، وبذلك تحافظ الأنواع على بقائها، كمثال: نرى أنّ أنثى سمك القرش والورنك تضع بيضة واحدة تتميّز بقشرتها السّميكة وبالخيوط الخاصّة الّتي تثبتها في قاع الماء، كما يضع طائر السون الّذي يعشّش فوق الصّخور في الأماكن الشّماليّة الباردة بيضة واحدة تتميّز بقشرتها الصّلبة وشكلها المخروطي حيث يكون مركز الثّقل في منتصف البيضة، وذلك يسمح للبيضة أن تدور حول محورها دون أن تسقط من المرتفع الّذي وضعت فيه. أمّا الكائنات الأخرى، والّتي لا تملك وسائل خاصّة تساعدها على حماية أجنّتها، فإنّها تلد العديد والكثير من البيوض أو تلد الكثير من الولادات، فنجد أنثى الفأر مثلاً الّتي تستطيع وفي ولادات متواصلة مدّة أربع أعوام من أن تغطي اليابسة، أمّا بكتريا اللاكتيكي فتعطي خلال يومين 50 مليار كائن.

لقد قام داروين باستخلاص قانون الاصطفاء الطّبيعي انطلاقا من ثلاثة وقائع:

أوّلاً: قانون مالتّوس: حين قال أنّ فصيلة لا يحال دون تكاثرها، فإنّها تتكاثر بمتوالية هندسيّة. لنأخذ كمثال زوجاً من الجراد: تبيض الأنثى 30 فرخاً بالمعدل، أي 60 جرادة، فإذا لم يحل دون ذلك حائل، فإنّ 30 أنثى أخرى ستبيض كلّ منها 60 بيضة في السّنة التّالية …و هكذا في كلّ سنة يتكاثر عدد الجراد ثلاثين ضعفاً، فإذا لم يحل شيء دون نموها، فزوجاً من الجراد يتزاوج في العام 2011 ينبغي له أن ينتج 60 فرخاً في سنة 2012، تعطي بدورها 1800 فرخ عام 2013، ثم 40 ألف سنة 2015. و هكذا لا نصل إلى عام 2021 حتّى يكون قد ولد أكثر من مليون مليار جرادة.

ثانياً: إنّ تكاثر الحيوانات بمتوالية هندسيّة لا يحدث في الواقع، أو عندما يحدث لا يتوالى قطّ لفترات طويلة حيث أنّ الكثير من الحيوانات تموت قبل أن تتكاثر، بينما يبقى غيرها على قيد الحياة ويتكاثر، فثمّة صراع من أجل البقاء، حيث يموت المنكسر لعدم توافر الغذاء أو بسبب الافتراس أو الإصابة بالأمراض.

ثالثاً: وجود الكائنات الحيّة غير المتشابهة: إذ أنّ الكائنات الّتي تنتمي لنفس النّوع تتميّز عن بعضها البعض بالتّنوع، وهذه الاختلافات تقضي أنّ الكائنات الّتي تعيش على نفس الغذاء ليست بنفس القدرة على الحصول عليه، والّتي لها نفس الأعداء ليست بنفس القدرة على النّجاة منه، والّتي تتناسل فيما بينها ليست بنفس القدرة على إيجاد قرين لها. وعليه فالصّراع على البقاء يبعد الأقلّ جدارة. وإذا ما تناول الاصطفاء مؤهّلات وراثيّة عبر الطّفرات، فإنّ ذلك ينعكس بتأثيراته على الجيل التّالي وتتصاعد تلك التّأثيرات جيلاً بعد جيل. بهذا الشّكل، تتطوّر الأنواع وتتكيّف مع الظّروف المعيشيّة أكثر فأكثر. إذ يقول داروين في كتابه “أصل الأنواع”: إنّي أستعمل عبارة تنازع البقاء بمعنى مجازي واسع يدخل فيه توقف حياة كائن على آخر، وأيضاً وهو الأهمّ، تمكين الفرد من أن يخلق نسلاً. فليس تنازع البقاء كفاحاً عضلياً فقط، وإنّما هو جملة كفايات أخرى كثيراً ما تكون غامضة وضئيلة القيمة، لكنّها تظهر الحاصل عليها تميزاً وتفوّقاً على خصمه الّذي قد لا يكون فرداً مثله، بل ظرفاً خارجياً،  كالحرّ الشّديد أو الجفاف وما شابه ذلك”.

إنّ المفهوم الدّارويني للتّطور الاصطفائي ينطلق إذاً من ثلاثة أسس:

  1. يتوجّب على مجموعة من الأفراد امتلاك القدرة على التّكاثر وذلك بصنع نسخ لأنفسهم.
  2. يتحتمّ أن تحتوي هذه النّسخ على نقائض قابلة لأن تورّث أو على تغيرات تدخّل التّنوع على الأفراد.
  3. يجب أن يكون هناك نظام من الانتقاء الطّبيعيّ الّذي يحابي بقاء الأفراد على حساب الآخرين.

وفي رأي داروين ينقسم تنازع البقاء إلى ثلاثة أنواع: تنازع مع قوى الطّبيعة، وتنازع بين الأنواع، وتنازع بين أفراد الجنس الواحد.

  • التّنازع مع قوى الطّبيعة: يعبّر عن العلاقة المتبادلة المعقودة بين الكائن والظّرف المحيط، مثلاً: نرى نباتات الصّحراء الّتي تكون أوراقها ذات نتوءات وأشواك حتّى تقلّل من تبخّر الماء، مقارنةً مع نبات التّندرا والمناطق العالية الّتي تكون قصيرة لكي تتمكّن من مقاومة الرّياح الباردة القويّة، واستغلال الدّفء الموجود في طبقات الجوّ السّفلى.
  • التّنازع بين الأنواع: هو عبارة عن التّطاحن الّذي يتمّ بين الأنواع المختلفة، أي بين مختلف أنواع النّباتات مع بعضها البعض، وبين النّباتات والحيوانات آكلة العشب، وبين هذه الحيوانات والحيوانات اللاّحمة … إلخ، كمثال على ذلك: تكون بعض الحيوانات نفسها على نحو مشابه لتكوين البيئة الّتي تعيش فيها، وذلك للحماية من الأعداء، كحشرات فرس النّبي الشّبيهة بأوراق الأشجار الّتي تعيش عليها، وتمتلك صغار أسماك القرموط الّتي تعيش بالقرب من سواحل إفريقيا الغربيّة تقليداً جماعياً فهي تتجمّع عند شعورها بالخطر في كتلة كرويّة الشّكل جاعلة ذيولها إلى الدّاخل ورؤوسها الحادّة إلى الخارج.
  • التّنازع داخل النّوع: هو التّنافس الّذي يحصل بين أفراد النّوع الواحد من أجل الحصول على الغذاء أو الضّوء أو الهواء. فليس من النّادر أن تكون الأنواع النّباتيّة مثلاً متضادّة حيوياً، ومن المعلوم أنّ نبات الشيلم الشّتويّ يؤذي نمو القمح الشّتوي، كذلك نمو القرنفل يؤذي نمو الورد البلدي، وتنازع البقاء هذا لا بدّ أن يؤدّي إلى استحداث مجموعة صفات تكيفيّة جديدة عند الكائنات الحيّة، ما يقودنا مفهوم كثير التّداول هو(بقاء الأصلح).

فالأفراد الّتي تتزوّد في بنائها بقوّة أو حيلة أذكى، أو قدرة على المقاومة أكبر، تكون أكثر قابليّة للبقاء والتّوالد، إذ تورث صفاتها للنّسل من أعقابها. وبالتّالي تقوم فكرة الانتخاب الطبيعيّ على فكرة أنّه إذا تباين الأفراد أحدهم عن الأخر في نوع جيني، وكانت بعض هذه الاختلافات تؤثّر على قدرة الفرد على البقاء والتّكاثر في بيئته، فإنّه سيكون في الجيل التّالي للجينات المؤدّية إلى بقاء وتكاثر أعلى، نسخ أكبر مقارنة بالجينات سيّئة التّوافق والتّركيب، وبمرور الزّمن ستصبح المجموعة تدريجياً متلائمة مع بيئاتها أكثر وأكثر بسبب نشوء طفرات وراثيّة مفيدة وانتشارها في المجموعة، بينما تُستأصل الجينات الضّارة، وأخيراً، تنتج هذه العمليّة كائنات متكيّفة جيّداً مع مواطنها وأساليب حياتها.

وعلى الرّغم من حدوث اجماع شبه تامّ بين علماء البيولوجيا فيما يخصّ مسألة الأصل الواحد للكائنات الحيّة، إلاّ أنّه لا تزال تثار بعض الإعتراضات فيما يخصّ مفهوم بقاء الأصلح (وهو تعبير صدر عن هربرت سبنسر وليس عن داروين) ومفهوم التّغييرات التّدريجيّة النّاتجة عنه، حيث يرد بعض علماء البيولوجيا استمرار وثبات الجينات إلى عامل المصادفة وليس للانتخاب الطّبيعي، كما يردّون ظهور الأنواع الجديدة إلى التّغيرات الهائلة الّتي تطرأ على كروموسومات الكائنات العضويّة الموجودة بالفعل، دون أن يكون لذلك أي علاقة بقدرة تلك الكائنات على الإستمرار في الحياة أو صلاحيتها للبقاء. إلاّ أنّ هؤلاء العلماء، يكادوا يجمعون من خلال تطوّر الدّراسات الميدانيّة الإحفوريّة، على أنّ الأنواع الجديدة لم تكن تظهر نتيجة لتراكم التّغيرات الصّغيرة خلال فترات طويلة جدّاً، لكنّها تظهر فجأة ثمّ تستمرّ في الوجود دون أن يطرأ عليها أي تغيرات كبيرة حتّى تندثر وتختفي تماماً لكي يظهر من بعدها وبطريقة فجائيّة، أنواع أخرى تختلف عنها اختلافاً كبيراً، دون أن يكون هناك مقدّمات أو شواهد في الأنواع القديمة تبشّر أو تمهّد بظهور الأنواع الجديدة الأكثر تطوّراً. هذا ما تفعله الطّفرات الّتي يمكن أن تحدث تحت تأثير عوامل البيئة الخارجيّة المختلفة الّتي تسبّب خللاً في التّركيب الوراثي، أو في ترتيب الوحدات الوراثيّة، أو تغيير ترتيب بعض الجينات أو مجموعة كاملة منها. وقد تكون الطّفرة نافعة، أو ضارّة، أو عديمة النّفع والضّرر، وقد تحدث الطّفرة طبيعياً، أو ذاتياً من تلقاء نفسها تحت تأثير الاشعاع الطّبيعي للأشعة الكونيّة السّاقطة على الأرض، وكذلك نتيجة للاتحلال الّذي يحدث للمواد ذات النّشاط الاشعاعي الموجود في الأرض نفسها، وفي الواقع، تنتشر الطّفرات الطبّيعيّة في الانسان بقدر كبير، وعلى سبيل المثال: يوجد في كلّ إنسان في المتوسّط أحد الجينات الطّفريّة الّذي لم يكن موجوداً في أجدادنا، وأبسط حالات الطّفرة في الانسان هو قلّة ظهور الصّفة السّائدة للآباء في أحد الأبناء. كما يمكن إحداث الطّفرة صناعياً وذلك بالطّبع لا يضعف الأساس العلمي الّذي انطلقت منه النّظريّة التّطوريّة بقدر ما يسهم في إعادة تنظيمها وتدعيمها باللأسس العلميّة الحديثة.

لنأخذ على سبيل المثال تكون الطّيور: إنّ كافّة الطّيور الّتي نعرفها اليوم، كانت قد انحدرت أحفورياً من سلالة أحد أنواع الديناصورات، فبعد مجموعة من الأحداث الانفصاليّة (بتأثيرات بيئيّة أو وراثيّة طفرويّة أو تهجينيّة) أحد الأنواع المتّحدرة الديناصوريّة انقسم إلى نوعين آخرين، أحدهما أنتج كلّ الديناصورات اللاّحمة السّائرة على رجلين، والآخر أنتج كلّ الطّيور الحيّة. هذه المرحلة الحاسمة في التّاريخ التّطوري (ميلاد سلف الطّيور) لم تظهر فجائيّة هكذا خلال الزّمن. نحن لن نرى الظّهور المفاجئ لكائنات طائرة من الزّواحف، بل مجموعتي حيتين مختلفتين قليلاً فحسب من نفس نوع الديناصورات، ربّما اختلافاً ليس أكثر من أفراد المجموعات السّكانيّة البشريّة المتنوّعة اليوم. كلّ التّغيرات الهامّة حدثت بعد الانقسامات الّتي امتدّت آلاف الأجيال، عندما عمل الانتخاب في خطّ تحدر واحد منهما على ترقية الطّيران، وفي آخر صفات الديناصورات منتصبة القامة. إنّه فقط بإعادة النّظر إلى الخلف يمكننا التّعرف على النّوع ( X ) الّذي هو السّلف المشترك للديناصورات المنتصبة القامة والطّيور، هذه الأحداث التّطوريّة كانت بطيئة، وتبدو خطيرة فقط عندما تنظّم في تسلسل كلّ متحدري هذين التّيارين التّطورين المتباعدين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This