فتحي المسكيني: الرّهان على تنصيب الوباء عدوّاً لا مرئيّاً يضلّلنا وفكرة “آدم” التوحيديّة في خطر (ج1)

سمح وباء كورونا بفتح النّقاشات والآراء المتعدّدة التّخصصات على المواقع الإلكترونيّة والصّحف والمجلّات العلميّة والفضائيات. لم يكن مستغرباً أن يدلي العديد من الفلاسفة بدلوهم حول الكيفيّة الّتي ينظرون بها إلى هذه الجائحة المعولمة، فظهرت أفكار مثيرة للألماني يورغن هابرماس والسّلوفيني سلافوي جيجك والأميركيّة جوديت بتلر والفرنسي إدغار موران، الّذي بشّرنا بأنّه “علينا تعلم العيش في حالة من عدم اليقين”.

رأى البعض أنّ ما نشهده في هذه الحقبة التّاريخيّة، زلزال عالمي هو الأقوى منذ الحرب العالميّة الثّانية، بما يفرضه من تحديّات على الحكومات والجماعات والأفراد، في ضوء تنبيه علماء السّياسة من إمكان اشتداد الشّراهة الأمنيّة للدّولة وارتفاع أجهزة الرّقابة على الحياة العامّة وفضاءاتها.

إنّ ما أعطى وباء كورونا قوّة الحضور، ليس سرعة الانتشار في أجساد ضحاياه فحسب، وإنّما دخول أدوات العولمة وأجهزتها الإعلاميّة في “صناعة الخوف” من عدوٍّ مجهول لا مرئي يتربّص بنا، ما جعل كلّ فرد عدوّاً محتملاً لغيره وسط تفاقم العنف الرّمزيّ في صراع البقاء، في عالم تتراجع فيه الحقيقة وتتسارع فيه الهواجس والمخاوف من التّداعيات الاقتصاديّة والسّياسيّة المحتملة؛ حتّى على صعيد الإرهاب طالعنا الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغمبن بفكرة مريبة، إذ اعتبر دعوة الدّولة إلى الحجر الصّحيّ، تأتي في سياق “نزعة متعاظمة لاستعمال الحالة الاستثنائيّة أو حالة الطّوارئ، بوصفها نوعاً من البراديغم العادي للحكم”، فهو يقرأ “مناخ الهلع” باعتباره يصبّ في مصلحة دولة تريد أن تستعيد نفوذها الأمني، مفترضاً أنّ “اختراع الوباء” جاء ليأخذ مكان الحملة على “الإرهاب”.

عربياً، نشرت مقالات ودراسات في مجالات عدّة، حاولت رصد مخاطر الوباء، وقُدِّم القليل من الزّاوية الفلسفيّة الّتي كان من الضّروري إعطائها فرصة أكبر، فنحن نؤمن بأنّه على الفلسفة إثبات حضورها وثأثيرها، ليس في ابتكار النّظريات فحسب، وإنّما أيضاً “في القبض على الواقع” بقوّة الحكمة لفهمه وتسهيل التّكيف معه.

 

سعينا في حوارنا مع الفيلسوف التّونسيّ فتحي المسكيني إلى محاولة قراءة نتائج وارتدادات وباء كورونا من وجهة نظر فلسفيّة، وقد تمخّض عن الحوار خلاصات على درجة عالية من الأهميّة، اتّضحت في بنية النّص الفلسفيّ الحواريّ والسّجالات الّتي طرحها، والّتي حتماً سوف تُثير إشكاليات كثيرة. تشابك فيلسوفنا مع ما يعتبره كثيرون من اليقينيات، لا سيّما المرتبط منها بالعلاقة بين الدّينيّ والواقعيّ المؤلم؛  فما “صنعه الإله التّوحيدي” حول صورة الإنسان كسرته وحشيّة الوباء.

ولد المسكيني في مدينة (بوسالم) بتونس عام 1961، حصل على دكتوراه الدّولة في الفلسفة، له عدد من المؤلَّفات، منها: “هيغل ونهايّة الميتافيزيقا”، “فلسفة النّوابت”، “الهويّة والزّمان:  تأويلات فينومينولوجيّة لمسألة النّحن”، “نقد العقل التّأويلي أو فلسفة الإله الأخير”، “الهويّة والحريّة: نحو أنوار جديدة”، “التّفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التّأويليّ للعقل”، “الكوجيطو المجروح: أسئلة الهويّة في الفلسفة المعاصرة” و”الإيمان الحرّ: أو ما بعد الملّة”. قام بترجمة  كتاب فردريك نيتشه: “جينالوجيا الأخلاق”، وكتاب إيمانويل كانط “الدّين في حدود مجرّد العقل”، و”الكينونة والزّمان” لهيدغر وغيرها، تم نقل عدد من نصوصه من العربيّة والفرنسيّة إلى الألمانيّة.

وفي ما يلي وقائع الحوار:

. بداية أود استهلال الحوار بمقالك المعنون “الفلسفة وكورونا: من معارك الجماعة إلى حروب المناعة” وقد لفت نظري فيه فكرة مهمّة حين قلت إنّ: “البشر” مجرّد مساحة بكتيريّة أو فيروسيّة عابرة للأجسام الحيوانيّة، وليس “صورة” إلهيّة مطبوعة على صلصال مقدّس. إنّ الفيروس مثل الهاتف أو السّينما أو الطّيران أو “موت الإله” التّقليديّ، هي أحداث ميتافيزيقيّة تعيد ترتيب العلاقة مع “المحسوس” بما هو كذلك، وذلك بأن تتجرّأ لأوّل مرّة على الدّخول في علاقة تكنولوجيّة مع “اللاّمرئي” بوصفه جزءاً لا يتجزّأ من مادة الكينونة في العالم كما تنفعل بها أجسامنا”. سؤالي هنا من شقين: أوّلاً، هل كسر الوباء صورة الإنسان المتألّه، أي ذلك الإنسان الّذي هو مركز الكون وصورة الله: “فخلَقَ اللهُ الإنسان على صورَتِه” كما أظهرتها الدّيانات الإبراهيميّة؟ وماذا يعني أن يواجه التّكنولوجي المقدّس/ اللاّمرئي وما هي حدود صراع بينها؟

_ عن الشّقّ الأوّل من السّؤال يمكن المجازفة بالقول: إنّ عصر الفيروسات – الّذي ما زال في بدايته- قد أخذ يضع فكرة “آدم” التّوحيديّة في خطر مربك، ويفرض مراجعتها. وعن الشّق الثّاني علينا أن نجيب: إنّ “اللاّمرئي” قد غيّر طبيعته، وأنّ عصر التّقنية يرسم مستقبلاً جديداً لفكرة “الغيب” الّتي تشكّل العتبة الأخلاقيّة لمنزلة “الآدميّة”. إنّ الإنسانيّة مقبلة على “سفر تكوين” من نوع آخر: إنّ الوباء “لا مرئيّ” لكنّه لا ينطوي على أي دلالة “روحيّة”.

تفيد دروس الأنثروبولوجيا منذ نهاية القرن التّاسع عشر بأنّ “آدم” اختراع ثقافي (للتّقاليد الإبراهيميّة) مختلف عن “البشر” أو “الإنسان” بما هو حيوان يمكن أن نؤرّخ له داخل سرديّة الحياة على الأرض، حسب وتيرة تطوريّة معيّنة كما صرنا نقول منذ داروين. ومن المعلوم أنّ “آدم” شخص سردي ظهر في سفر التّكوين العبرانيّ، لكنّ جذر اللّفظ ليس “عبريّاً” فقط، بل له جذور مختلفة. وإنّ الحفريات تؤكّد أنّ هذا الاسم قد عُثر عليه في لغات سامية عديدة مثل ألواح باللّغة “الأوغاريتيّة”(Ougaritique) الّتي تكلّمها النّاس في الألفيّة الثّانية قبل الميلاد في شمال سوريا، وكان يُشار به إلى “البشر”. ثمّ انتقل إلى اللّغة العبريّة، ومن ثمّ قد يُقال إنّ قرار الإله التّوحيديّ بخلق “آدم” هو الّذي حوّل “الأرض” إلى “أدمة” وليس العكس. لكنّ “آدم” قد يكون منحدراً من لفظ آخر يعني “الأحمر” مثل الدّم (كما في الأساطير البابليّة). ومن المفيد أن نذكّر بأنّ “آدم” في السّرديّة التّوراتيّة لم يحتفظ باسمه، بل بمجرّد أن “تكلّم” و”سمّى” زوجه حوّاء، هو قد صار يسمّى “يش” (Yod-chin) أو “ياشين” بالعبريّة أي “الإنسان”. وربّما يفيدنا الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا هنا: كان “آدم” يشير إلى “أنا” مغلق على نفسه، أي إلى “ماذا” جاهزة، وكان له “ماهية” أو “صورة” إلهيّة لا يمكن معرفتها؛ لكنّه عندما انفتح على “الآخر” هو أصبح عندئذ يشير إلى “من”؟ وصار “يش” أي “إنساناً”، ومن ثمّ صار له “وضع بشري” حسب عبارة حنا أرندت.

إلى حدود أواسط القرن التّاسع عشر كان التّوحيديون (وهو لقب إبراهيمي ينسحب على كلّ مجتمعات الكتاب) في خطابهم يفترض مرادفة عميقة بين شخصيّتيْ “آدم” و”الإنسان”، كما نرى إلى روسو كيف يقول:” إنّ آدم سيّد العالم مثلما روبنسون في جزيرته”. لكن منذ داورين لم يعد ذلك ممكناً، وصار للمفهومين تاريخان منفصلان. بل يبدو أنّ “آدم” قد أخذ في الانسحاب من ميدان “الإنسان” الّذي تحوّل في الأثناء (إبّان “الأزمنة الحديثة”) إلى “ذاتيّة” مستقلّة بنفسها بعد أن أصبح مكان الإله التّوحيديّ (الإله الخالق أو الشّخصي) شاغراً. كان ثمّة تفويض أو تسخير “إلهي” يسمح لآدم بأن “يسمّي” الحيوانات كعنوان على “ملكيّته” لها. لكنّ التّفويض التّوحيدي قد تمّ التّخلّي عنه لفائدة “سيادة” ميتافيزيقيّة من نوع جديد: إنّها سيادة “الإنسان/الذّات” الّذي عوّض سلطة الدّين بسلطة الدّولة/ “الإله الفاني” حسب تعبير هوبس الشّهير.

من أجل ذلك فإنّ عصر الفيروسات يتخطّى في طرافته حتّى خطّة داروين الهادفة لإعادة “الآدميين” إلى مصاف “البشر”. هذه المرّة لم يعد “آدم” حتّى “إنسانًا”: أعني أنّنا صرنا فجأة ليس فقط من دون تفويض إلهي للسّيادة على الحيوانات بل

إنّ الفاصل الأخلاقي الّذي تمّ رسمه بعناية مقدّسة بين “الإنسانيّ” و”الحيوانيّ” من أجل الدّخول في عصر “الآدميّة” (نعني سيادة البشر على الحيوانات باسم تفويض إلهي) هو نفسه قد انهار بشكل مرعب.

ذلك أنّ الفيروسات (الّتي هي على الأرجح أوّل الكائنات العضويّة الّتي لها حمض نووي وهي أقدم حتّى من الميكروبات الأكبر سنّاً) تنتمي إلى تاريخ “وراثي” سابق على ظهور “الخلايا” البشريّة وعلى ظهور “الإنسان” نفسه، ومن ثمّ هو غير محمي منها بأيّ نوع من التّراتب الأخلاقيّ.

كانت النّتيجة المفزعة الأولى للعصر العلمانيّ الّذي دشّنته الحداثة (ما بين القرن السّادس عشر وأواسط القرن التّاسع عشر) هو تجريد “آدم” من رتبته السّياديّة على عائلة الحيوان. فجأة وجد آدم نفسه وقد جُرّد من تفويضه الإلهيّ وصار يُعامَل بوصفها واحداً أو عضواً عادياً من تلك العائلة. لقد ترك مكانه الأخلاقي لنوع ثقافي جديد هو “الإنسان/الذّات” الّذي وصفه ديكارت بأنّه يريد أن يصبح “بمثابة مالك للطّبيعة وسيّد عليها”.  لكنّ اكتشاف نمط كينونة من نوع غير مرئيّ اسمه “الفيروسات” سنة 1892 قد كان حدثاً ميتافيزيقياً مرعباً لأنّه بعثر كلّ المعارك الأخلاقيّة للإنسان التّقليديّ أكان توحيدياً (بوصفه “آدم”) أو وثنيّاً (بوصفه “بشرا”). وفيما يخصّنا “نحن” – بوصفنا نوعاً بشريّاً يندرج في فصيلة التّوحيديّ الأخير- فإنّ دخول عصر الفيروسات يشكّل خطراً معياريّاً مزدوجاً: من جهة، هو يعيد طرح قضيّة “الآدميّة” بشكل غير مسبوق: إنّ آدم/المخلوق على “صورة” الإله الخالق ( فكرة سفر التّكوين الّتي نشرها أغسطينوس وعادت إلى الخدمة في الثّقافة الأوروبيّة في القرن السّابع عشر كما نرى ذلك لدى ديكارت في “التّأمّلات الميتافيزيقيّة”، وإنْ كان ذلك من أجل تأسيس فكرة الكوجيطو أو “الأنا أفكّر” الحديث وتعويض “آدم” التّوراتي بمفهوم “الإنسان” الحديث) – إنّ آدم هذا قد فقد فجأة عصمته الأخلاقيّة الّتي كان يستمدّها من إرادة “الخلق” الّتي جعلته في “أحسن تقويم”. فهذه “الصّورة” الإلهيّة لم تعد صيغة أخلاقيّة مفيدة إلاّ بالمقارنة مع عالم “الحيوانات” الّتي “سمّاها” وسخّرها. أمّا أمام عدوى “الفيرسات” فإنّ آدم قد صار فجأة عرضة لهجوم “غير مرئي” هو لا يملك أيّ سياق أخلاقي للصّمود ضدّه. كانت خطّة الآدميّة قائمة برمّتها على قدرة آدم على “تسمية” الحيوانات وتفويض السّيادة عليها بموجب إرادة الإله الخالق. وذلك تحت استعارة “الفخّاريّ” الّذي يسيطر على “صورة” الطّين أو شكل المصنوع الّذي يريد تشكيله أو “تقويمه” من مادّة أو من صلصال الخلق الّذي هو متاح له.

هذه الاستعارة فقدت بريقها. لم يعد لدينا أيّ استعارة مناسبة سوى “اللاّمرئي”، والّذي غيّر من طبيعته بشكل مرعب.

لم يعد اللاّمرئيّ ميداناً يمكننا أن نحتمي منه بواسطة جهاز “الغيب” الّذي وفّره الإله التّوحيدي.

إنّ “صورة” آدم لم تعد تفيده في شيء؛ لقد تحوّل فجأة إلى مساحة وبائيّة مفتوحة عابرة للأجسام، تخترقها الفيروسات دون أدنى اكتراث بالفرق الأخلاقيّ (ذكر/ أنثى) أو العرقيّ (أبيض/أسود) أو السّياسيّ (حاكم/ محكوم) أو الدّينيّ (مؤمن/غير مؤمن)،…إلخ. لا يعني ذلك أنّ الفيروس “ديمقراطي” بل فقط أنّه ينشّط مادة عضويّة أو وراثيّة سابقة على كلّ تاريخ البشر، ومن شأنه أن يضع كلّ سردياتهم عن أنفسهم أو عن آلهتهم موضع سؤال. إنّ “اللاّمرئي” هو الميدان الجديد للمعنى. وكلّ عصر التّقنية مع اكتشاف اللاّمرئيّ أو المجهريّ بعامّة، وخاصّة مع الفيروسات إبّان انتشارها الوبائي، قد دخل مرحلة جديدة تماماً من تطوّر الحياة على الأرض لا أحد يمكنه أن يسيطر على مسارها المطّرد نحو المجهول. إلاّ أنّه علينا أن نحترس من أيّ ادّعاء حول مواجهة قد تقع بين “التّكنولوجيا” و”اللاّمرئي” باعتباره علامة على “المقدّس“؛ وذلك بالأساس لأنّ اللاّمرئيّ ليس مقدّسًا. وهذا هو معنى أنّه قد غيّر من طبيعته. إنّ بؤرة الصّراع قد صارت توجد في موضع آخر. لقد تمّ أيضاً علمنة اللاّمرئيّ بلا رجعة. ومن هذه النّاحية يمكن أن نجازف بالقول إنّ اكتشاف اللاّمرئيّ (الفيروسات، ولكن أيضا الميكروبات والإشعاعات… ) بوصفه “ميدانًا” برأسه، مستقلاّ في قوانينه عن العالم “المرئيّ”، قد كان حدثًا رائعًا حرّر “الإنسان” من حدود سرديّته “الآدميّة” وفتح أمامه إمكانيات ومساحات لامتناهيّة من أشكال المعرفة الّتي تتجاوز حتّى خطط “الذّاتيّة” الحديثة حول علاقتها بالكون. وذلك أنّ هذا الاكتشاف قد أيقظ الإنسان من سبات ميتافيزيقي من نوع آخر تماماً: مختلف عن الإهانات الثّلاث الّتي تمّت له من قبل، نعني طرده من مركزيّة العالم (كوبرنيك) ومن السّيادة الأخلاقيّة على الحيوانات (داروين) ومن سلطة الأنا على حياته النّفسيّة ( وفرويد). لقد تمّت هذه المرّة إهانة جسمه أو إرثه الجينيّ: أنّه لم يعد (أو لم يعد يُعامَل بوصفه) “صورة” إلهيّة بل مجرّد مساحة وبائيّة لا يستطيع بأيّ وجه أن يرسم حدودها وبالتّالي لا يملك أي وسيلة حقيقيّة لحمايتها. وهذا يعني أنّ مشكلة الجسد” سوف لن تُطرح منذ الآن بالطّريقة نفسها. وهنا نفهم طرافة تساؤل هابرماس عن “مستقبل الطّبيعة البشريّة”. إنّ التّكنولوجيا تدعونا إلى مراجعة سرديّة “آدم” التّوحيديّة (والخروج من تاريخ البراءة والخطيئة) والانخراط في استفهام من نوع جديد حول مدى قدرة الجينوم البشري على البقاء في عصر اللاّمرئيّ، ولاسيّما اللاّمرئيّ البيو-تكنولوجيّ.

أجبر وباء كورونا البشريّة على الانكفاء والانزواء في المنزل خوفاً من العدوى والموت والتزاماً بقوانين الدّولة. فلسفياً، ما معنى أن تختزل حياة ملايين البشر في منازلهم، وأن تضيق مساحات التّلاقي بينهم وتُختصر إلى حدودها الدّنيا بعدما جعل الوباء الآخر/ الغريب تهديداً محتملاً أو عدواً لامرئياً؟

_ لمفهوم “المنزل” تاريخ فلسفي عريق وقد اختلط بمصطلحات الفلاسفة بشكل مبكّر، حيث كان مصطلح  (oikos،οἶκος) يعني أكثر من مجرّد “البيت” الّذي نأوي إليه: كان يعني كلّ مساحة العيش داخل الأسرة الموسّعة حيث الاشتراك في “السّكن” و”الغذاء” و”الإنتاج”… إلخ. و”تدبير المنزل” (oikonomía) هو “ناموس المنزل” حيث يمكن أن يحتفظ الأب/المواطن بما هو “خاصّ” أو حماية ما هو “ملك” له. وكان أرسطو يقيم فصلاً صريحاً بين (oikos) (المنزل من حيث هو مجال غير مسيّس للعمل العائليّ بالمعنى الفلاحيّ، وهو المكان المميّز للنّساء) و(polis) (المدينة من حيث هي مجال السّياسة المفتوح على “الأغورا” ساحة السّوق وموضع الطّقوس، وهو المجال المميّز للرّجال). وهذا يعني أنّ التّمييز بين تدبير “المنزل” (فضاء الحياة الخاصّة) وتدبير “الدّولة” (الفضاء العمومي) هو حدث سياسي قديم، وكان يطرح دوماً مشكّلاً عويصاً حول سياسة الحياة: هل يتعلّق الأمر، كما نرى ذلك لدى أرسطو، بمجرّد تمييز بين سلطة “مدبّر المدينة” أو “السّياسي” (politikon) وسلطة “مدبّر المنزل” (oikonomikon)، أم هو يشير، كما قرأ ذلك المعاصرون، مثل حنا أرندت إلى إشكاليّة خطيرة جدّاً تهمّ سياسة الحياة: حيث أنّ “المنزل” مقصي تماماً من “الفعل” السّياسيّ (فعل المواطنين) لأنّه محصور في مجال “العمل” الجسديّ و”الشّغل” الحرفي (نشاط النّساء والعبيد).

ولذلك فإنّ إجبار النّاس على “البقاء في المنزل” قد طرح مشكلين مختلفين: من جهة، طبيعة العلاقة بقوانين الدّولة؛ ولكن من جهة أخرى، علاقة النّاس بأنفسهم وبالآخرين الّذين هم في صلة حيويّة معهم: كيف يجدر بهم أن يسوسوا أنفسهم، وكيف يكون عليهم أن يمارسوا علاقتهم بالآخرين، في فضاء لا تصله الدّولة؟

يبدو أنّ عدداً كبيراً من تدخّلات الفلاسفة الغربيين حول أزمة فيروس كورونا قد انحصر في خانة المشكلة الأولى: هي تقريباً مواقف سلبيّة، محصورة في المهمّة النّسكيّة أو الطّهوريّة “للنّقد” في عصر أزمة مفهوم الذّاتيّة: هي مواقف تتعلّق بنقد “فيروس الإيديولوجيا” (سلافوي جيجيك) أو نقد السّلطة “البيو-سياسيّة” (جورجيو أغمبن) أو نقد السّياسية “الصّحيّة” (جوديت بتلر) أو نقد الشّبح الأمنيّ للدّولة التّسلطيّة (بيتر سلوتردايك) أو نقد  “الرّأسماليّة المتوحّشة” أو النّيوليبراليّة (نعومي تشومسكي) أو نقد طبيعة علاقة الدّول الغربيّة بالعلم (آلان باديو) أو نقد صلاحيّة “القرارات” السّياسيّة القائمة على نصائح الخبراء (يورغن هابرماس)…

ونذكّر مثلاً بارزاً على ذلك، ما كتبه جورجيو أغمبن الّذي اعتبر دعوة الدّولة إلى الحجر الصّحيّ تأتي في سياق “نزعة متعاظمة لاستعمال الحالة الاستثنائيّة أو حالة الطّوارئ بوصفها نوعا من البراديغم العاديّ للحكم”. وهو يقرأ “مناخ الهلع” بوصفه يصبّ في مصلحة دولة تريد أن تستعيد نفوذها الأمني. وهو يفترض أنّ “اختراع الوباء” جاء ليأخذ مكان الحملة على “الإرهاب”.

وحتّى هابرماس الّذي يحرص دوماً على تقديم أجوبة غير مفرطة في نقد السّلطة، فهو لا يشذّ عن القاعدة هنا ويحصر الجدل حول أزمة كورونا في مناقشة ماهيّة السّياسة في المستقبل. قال:” علينا منذ الآن أن نفعل في نطاق معرفة صريحة بعدم معرفتنا. إنّ كلّ المواطنين، اليوم، قد علموا كيف يجب على الحكومات أن تأخذ القرارات في ظلّ وعي تامّ بحدود معرفة خبراء الفيروسات الّذين ينصحونها.”

وهو لا يرجو سوى أن يعي الفضاء العمومي بأنّ الفعل السّياسي هو منذ الآن غارق في “اللاّيقين” على نحو غير مسبوق.

وهنا نتساءل: كيف نفهم هذه النّزعة إلى قراءة الحجر الصّحيّ وكأنّه من مسؤوليّة الدّولة الأمنيّة أو علامة على حدودها؟ لماذا انقلبت مهمّة الفلسفة إلى نقد طهوري للسّلطة بجميع أشكالها؟ أليس ذلك اعترافًا صامتًا بأنّ نواة “الحقيقة” سوف تبقى دوما من صنع أصحاب القرار؟

قد يكون الوباء لا يفرّق بين “الأجساد” ويسخر من كلّ التّمييزات الثّقافيّة الّتي أقامها البشر فيما بينهم، نعني فيما بين تلك الأجساد (دين، هويّة، لغة، جندر، سلطة،…) إلاّ أنّه علينا التّنبيه إلى أنّ الثّقافات لا تعيش أزمة الوباء بالطّريقة نفسها أو بالمفردات نفسها. إنّ “الخطر” فكرة؛ ولكلّ ثقافة سياق نفسي أو روحي خاصّ بها يملي عليها نمطاً معيّناً من التّأوّل أو الفهم لما تتعرّض له. إنّ هشاشة البشر مشكل ثقافي أيضًا. مثلاً: إنّ المجتمعات الغربيّة هي عوالم حياة محكومة بقيم ليبراليّة وفردانيّة قامت على إنتاج الأجساد وفق سياسة للحياة تجد تبريرها وشرعنتها الأساسيّة في مقولة “الحريّة الفرديّة” (حتّى بعد تفكيك مقولة “الذّات” طيلة قرن ونصف من كيركغارد إلى فوكو). ذلك أنّ الأمر يتعلّق بضرب من “هويّة” الحداثة منذ قرون عديدة. هذا الطّابع الفرداني الأساسي هو السّياق الاجتماعي المخصوص الّذي يتمّ فيه الآن اللّقاء المرعب مع فيروس كورونا. ومن ثمّ يمكن قراءة تدخّلات الفلاسفة الّذين يحصرون الجدل حول الحجر الصّحيّ في مناقشة قوانين الدّولة البيو-سياسيّة بوصفها مجرّد “تبعات” أو نتائج إشكاليّة من نوع أعمق تخصّ طبيعة التّصوّر اللّيبراليّ لفكرة “الخطر” بوصفه مختزلا في تهديد مملكة “الفرد” المطلق بما هو كذلك. هي ردود فعل مواطنين فردانيين خائفين من فقدان “ممتلكات” خاصّة محميّة أو كانت محميّة دوماً بموجب “عقد أمني” شرعن طريقة الفصل بين “الحياة الخاصّة” و”الفضاء العمومي. ويبدو أنّه لا تشمل الأمر الإجباري بالبقاء في المنزل.

ولذلك يبدو أنّ المشكلة الثّانية، المتعلّقة بسياسة النّاس لأنفسهم، ولعلاقتهم بالآخرين، – النّاس الّذين قبلوا البقاء في المنزل- هي بالنّسبة إلى الفلسفة راهناً أكثر طرافة وخطورة من مجرّد نقد السّلطة في حين أنّ الأمر لا يهمّ ماهيّة السّلطة (والتّي يمكن مناقشتها في سياق آخر) بل ماهيّة المنزلة “المنزليّة” للبشر: نعني ماهيّة “السّكن” داخل مجال الكينونة الخاصّة، هناك حيث تفقد الدّولة سلطتها علينا، ويصبح ممكنا، ربّما منذ وقت طويل، إعادة الإنسانيّة إلى البيت، أي إلى مساحة غير مسيّسة حيث يمكنها، ربّما، في حدود مزعجة، إعادة اختراع علاقتها بنفسها. ومن ثمّ إعادة التّفكير في منزلة “الآخر” ومن يكون هذا الآخر بالنّسبة إليها.

فجأة اكتسب “تدبير المنزل” أصالة غير معتادة كانت قد سُحبت منه تحت وطـأة التّسييس النّسقي للحياة الحديثة في ظلّ ما سمّاه أدورنو “العالم/الإدارة“.

يقول دريدا، في كتابه “هبة الوقت”( Donner le temps):”إنّ تدبير المنزل يأخذ دائماً طريق أوليس. فهذا الأخير يقفل راجعاً إلى ذاته أو إلى أهله، فهو لا يبتعد إلاّ من أجل أن يعود إلى وطنه، من أجل أن يرجع إلى البيت الّذي انطلاقاً منه أُعطيت إشارة الرّحيل…”. وقد نبّهنا هيدغر إلى أنّ القول بأنّ “التّفكير يعمل على بناء منزل الكينونة” هو ليس مجرّد “استعارة”، إنّه جزء مثير من ماهيّة البشر. وبذلك فإنّ الحجر الصّحي يعيد طرح السّؤال الفلسفيّ عن معنى “السّكن” في العالم بطريقة غير مسبوقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This