الموسيقى في كتاب “السّياسة” لأرسطو (ج2)

أثر العامّة على الموسيقيين

في الباب السّابع والأخير، يتحدّث أرسطو عن “الألحان والأوزان الموسيقيّة rhythms and modes الصّالحة للتّربية، ولكنّه قبل ذلك (في نهاية الباب السّادس) يطرح ملاحظةً هامّةً؛ إنّه يتحدّث عن أثر العامّة (الجمهور العريض) على الموسيقيين. وهنا يكتب أرسطو، بما لا يدع ضرورةً للشّرح:

“ومن ثمّ، فإنّنا نرفض الآلات الموسيقيّة الحِرَفيّة، وكذلك نرذل النّسق الحِرَفيّ للتّعليم الموسيقي (ونعني بالحرفيّ ما تمّ تبنّيه عبر التّنافس)، لأنّ المؤدّي هنا لا يُمارس الفنّ من أجل تطوير ذاته، ولكن سعيًا لإرضاء سامعيه، وعلى نحوٍ مُبتذل. لهذا السّبب، فإنّ هذا النّوع من الآداء الموسيقى لا يعبّر عن الموسيقيّ الحرّ، بل عن حِرَفيٍّ مدفوع الأجر. وهذا يؤدّي بالضّرورة إلى انحطاط الموسيقيّين، حيث ينزع انحطاط المُستمعين إلى الحطّ من طبع الموسيقى، وبالتّالي إتلاف طِباعِ الموسيقيّين أنفسهم؛ إنّهم ينظرون إليهم؛ إنّهم يجعلونهم على شاكلتهم، وينعكس هذا التّأثير حتّى على اللّباس وحركة الأجساد الّتي يتوقّع الجمهور من الموسيقيين أن يُظهروها”.[1]

ثمّ، في الباب السّابع، يستطرد مُقسّمًا جمهور المستمعين إلى قسمين: “الأول حرٌّ ومتعلم، والآخر حشود مبتذلة تتكوّن من الميكانيكيين والعمّال وما شابه ذلك”.[2] من هنا، فإنّه لا يُمانع في أن تُقام من أجل “غير المتذوّقين” مُسابقات موسيقيّة من الدّرجة الثّانية، تتوافق مع عقولهم، بهدف التّرفيه والاسترخاء. فهو يعتبر أنّ لهؤلاء عقولاً لا ترتقي إلى “العقول الطّبيعيّة”، ممّا يبرر الألحان المُبتذلة والمنحرفة على نحو غير طبيعيّ، كما يرد في الباب السّابع والأخير من كتاب “السّياسة”.

“يستمتع المرء بما هو طبيعي بالنّسبة له، وبالتّالي قد يُسمح للموسيقيين الحرفيّين بممارسة هذا النّوع من الموسيقى الرّديئة أمام جمهور من النّوع الرّديء”. [3]

أمّا الموسيقى الّتي تُستخدم لأغراض التّعليم والتّثقيف، فيُميّزها عن تلك، باستخدام الأساليب والألحان الأخلاقيّة. وحين يتحدّث أرسطو عن البُعد الأخلاقيّ فإنّ في ذهنه الألحان بمعنى الأغاني، أي أنّ كلام الأغاني هو عنصرٌ مُحدّدٌ في القيمة الأخلاقيّة وموضوعات هذه الألحان، لكن، وفي سياق آخر، نجد أنّ في ذهنه ما هو أبعد من عنصر الكلام، فلا يقتصر معنى الأخلاق عليه ولا يتحدّد به فقط، بل يعزو ذلك أيضًا إلى الاستخدام “المقاميّ” (السّلالم الموسيقيّة)، حيث يتبادر في ذهنه ترابطٌ ما بين الأخلاقيّ والسّلّم الموسيقيّ الدّوريّ (Dorian) تحديدًا.

في هذا النّوع من التّوصيفات، نفهم أنّ أرسطو، ما زال هنا يتحدّث عن موسيقى تندرج، في قاموس ثيودور أدورنو، تحت مُسمّى “الموسيقى الشّعبيّة”، وأنّ ما أسماه أدورنو بـ “الموسيقى الرّفيعة” في القرن العشرين، كان لا يزال في عصر أرسطو في طور الهامش أو الطّموح ربّما، وكما يبدو ذلك في أدبيات الفارابي في مرحلة الانحطاط من العصر العباسيّ. وسوف نفصّل بشأن أدورنو ومقارناته بين الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الرّفيعة، كما سنفصّل في مخطوطات الفارابي وغيره من العرب في مقالةٍ أخرى تفي الموضوعَ حقّه.

الموسيقى الخطيّة

يؤكّد لنا أرسطو على نحوٍ لا لُبسَ فيه أنّ حديثه حول الموسيقى ينحصر في نوع من الموسيقى يتشكّل عبر اللّحن والإيقاع فقط، أي موسيقى تتشكّل من خطٍّ واحدٍ أساسيّ فقط، لا طِباقَ فيها ولا أنسجةً متواشجةً معقّدة: “… هنا نلاحظ أنّ الموسيقى تتشكّل من اللّحن والإيقاع…”[4] وهذا يضعنا أمام تصوّرٍ يسهل معه فهم طبيعة الموسيقى الّتي سادت في عصره من حيث المكوّنات الأساسيّة الّتي تعبّر بالضّرورة عن “المجال الجانريّ” لهذه الموسيقى، والّتي تندرج تحت مُسمّى “الموسيقى الشّعبيّة” حصريًّا، وبمفاهيم عصرنا نحن.

هذا، ويبدو جليًّا أنّ حديث أرسطو يندرج في سياقٍ استمراريّ لمن سبقه من فلاسفة (لم يُسمّهم) شرعوا في الاهتمام بهذه المسائل من قبل.

فما الجديد الّذي جاءنا به أرسطو إذن؟

في تتمّة حديثه، يظهر لنا مجال اهتمام أرسطو الحصري بهذه المكوّنات؛ فهو اهتمامٌ لا يخوض في الأسئلة الموسيقيّة الصّرف وهموم اللّغة الموسيقيّة بوصفها تأليفًا ولغةً وصناعةً بذاتها ولذاتها، بل يتلخّص طرحه الأساسي في مسألتين: الأولى “في واجب معرفة كيفيّة تأثير [هذين المُكوِّنَيْن] تباعًا على التّربية والتّعليم”[5]، وثانيًا “… ما إذا كان علينا تفضيل امتياز اللّحن على امتياز الإيقاع”.[6]  وهو يستمرّ هنا في طروحاتٍ سبقته، كما يبدو من حديثه في هذا الباب.

فما معنى هذا؟ أي ما الّذي يشغل اهتمام أرسطو في هذه المسألة، وما الّذي يُغفله، أو ببساطة، ما الجديد الّذي أضافه، وما الّذي لم يكن في وارد اشتغاله واهتمامه ضمن هذه المسألة؟

يصف لنا أرسطو تصنيفات أسلافه من الفلاسفة للألحان، ويصنّفونها إلى “ألحان أخلاقيّة” و”ألحان العمل” و”الألحان العاطفيّة أو الملهمة”، وأنّ لكلٍّ منها، كما يقولون، أسلوبًا مّا يُناسبها ويتّفق معها. وهنا، يلوم أرسطو أولئك الفلاسفة على كونهم يحصرون تعليم الموسيقى في هدفٍ واحد فقط، ويقول في هذا الشّأن:

“لكنّنا نؤكّد على أنّه ينبغي دراسة الموسيقى، لا من أجل فائدةٍ واحدةٍ حصريّة، بل من أجل فوائد كثيرة أخرى. ممّا يستدعي إلقاء نظرة على فائدة “التّربية والتّعليم” أوّلًا، وفائدة “التّطهير” ثانيًا، ثمّ ثالثّا فائدة التّلذُّذ والاسترخاء والاستجمام بعد الجهد”.[7]

فاعليّة الأثر اللّحنيّ وقابليّة الطّبيعة النّفسيّة للأفراد

كما فعل الفارابي (المعلم الثّاني) فيما بعد، فقد أسّس أرسطو (المعلّم الأوّل) ترابطًا وشيجًا بين طباع الموسيقى الكامنة في خواصّها ولبنتها اللّحنيّة (العلاقات النّاجمة عن التّرددات الصّوتيّة المتفاوتة) وفي مكوّناتها الإيقاعيّة (العلاقات الزّمنيّة الّتي تتحدّد بالحركة) مع طباع النّاس وبُنيات عقولهم ونفوسهم وقابليّتهم الفطريّة للتلّقي والتّفاعل الحسّيّ مع الموسيقى بأنواعها. وقد تبدو لنا هذه العلاقات من البديهيات، لكنّ أرسطو أراد من ذلك توضيح مدخله لفهم الأسباب الّتي تجعل أناسًا بعينهم يميلون إلى نوعٍ موسيقي وآخر يميل إلى نوع آخر، أو فهم العلل من وراء قدرة نسقٍ موسيقي بعينه أن يؤثّر في بشرٍ دون سواهم، وفي هذا تأسيسٌ ضاربٌ في القدم، لما يبذله علم الدّماغ اليوم من اكتشافه وسبر أغواره في كثير من ميادين بحثه. هنا، نحن أمام جدليّة الفاعليّة والقابليّة؛ فاعليّة الأثر الموسيقيّ، وقابليّة النّفس البشريّة.

“من الواضح إذن، أنّه يجب استخدام جميع الوسائط من قِبَلِنا، ولكن ليس جميعها بالطّريقة نفسها. ففي التّعليم، يجب تفضيل أكثر الأساليب أخلاقيّة، لكن عند الاستماع إلى أداء الآخرين، قد نعترف بأنماط تتميّز بالعُنفوان والمشاعر الجيّاشة أيضًا. بينما، لمشاعر مثل الشّفقة والخوف والحماس، فهي موجودة بقوّة في بعض النّفوس، ولها تأثير أكثر أو أقل على الجميع. إلاّ أنّنا نجد بعض الأشخاص يقعون في الهوس الدينيّ، وذلك نتيجة للألحان الدينيّة المقدّسة، فهؤلاء ممن يستخدمون الألحان الّتي تُهيّج النّفوس بالهوس الدينيّ، فيتعاملون معها كما لو أنّهم وجدوا فيها شفاءً وتطهيرًا. أمّا أولئك الّذين يتأثّرون بالشّفقة أو الخوف وغيرها من الطّبائع العاطفيّة، فلا بدّ وأنّهم قد مرّوا بتجارب مماثلة…”[8].

من هنا، يمكننا الاستنتاج بأنّ حال التّعاطي مع “المقامات” الموسيقيّة في عُرف الفضاء الثّقافيّ الإغريقيّ (أرسطو مثالًا)، لم يختلف عن حاله في عُرف الفضاء الثّقافيّ العربيّ (الفارابي مثالاً)، وذلك من حيث أنّ فَهمَهُم للمقام الموسيقيّ لم يكن بوصفه نظامًا فيزيائيًّا نغميًّا وحسب، بل يتعدّى ذلك إلى كونه “نظامًا” حِسّيًّا مِزاجيًّا وأسلوبيًّا يتداعى في طبيعته وطبائعه نحو التّأثير على التّربية والأخلاق. وهذا ما يحذو بأرسطو لأن يخوض في أسئلة العلاقة بين “المقام” الموسيقيّ الّذي يخضع لنظامٍ بوصفه مركّبًا حسيًّا، وبين الأنواع الشّعريّة، وبالتّالي إسقاطاتها على التّربية والأخلاق.

“… لقد أخطأ الأسلوب الجدليّ السّقراطيّ في “الجمهوريّة”[9] إذ ربط السّلّم الموسيقي الفريغي Phrygian على نحو دائمٍ مع السّلم الدّوري Dorian. وينبع ذلك من رفضه للمزمار. إنّ مكانة السّلّم الفريغي بين المقامات الموسيقيّة كمكانة المزمار بين الآلات الموسيقيّة، فكلاهما يتمتّع بخاصيّتي العاطفة والحنين؛ هذا ما يدلّ عليه الشّعرُ ويُثبته، فها هي عاطفة الجنون الباكوكيّ bakkhikós (الديونيسيّ) وما شابهها من عواطف يُعبّر عنها على نحو مناسب عبر المزمار الّذي يتمّ ضبطه (دوزنته) على السّلّم الفريغي، وهو السّلّم الأكثر ملاءمةً للمزمار.[10] أمّا الذِئِرَمْفُسْ (dithyramb)[11] فهو أصل التّراجيديا الإغريقيّة، كما يشرح لنا أرسطو ذلك في كتابه “فنّ الشّعر”.[12]

وحول “مقام” الدُّوريّ “فالجميع يعترفون أنّه أكثر الأنغام اتّئادًا”[13] وطبعه موسومٌ بالرّجولة والاعتدال، وبالتّالي “فإنّ الغناء الدّوريّ هو الأنسب لتهذيب الأحداث”.[14]

وهنا أشدّد، مرّة أخرى، على ذكر الغناء، وعلى ذكر التّهذيب؛ معنى ذلك، وكما ذكرنا من قبل أنّ الحديث عن الموسيقى يُقصد به “الموسيقى الغنائيّة” بالدّرجة الأولى والأهمّ، وهو النّوع السّائد، حيث بلا نصٍّ شعريٍّ كلاميّ لا حديث تقريبًا عن الموسيقى، ممّا يجعلنا غير قادرين على إغفال العنصر الشّعريّ الكلاميّ في إحداث المعنى وتشكيله في النّفوس، أمّا الحديث عن “الأنغام” أو “المقامات” أو الآلات الموسيقيّة، فهو بقدر ما يخدم أو لا يخدم هذه المعاني المُتضمّنة في الشّعر أوّلاً، ثمّ في حليتها النّغميّة اللّحنيّة. فالموسيقى هنا هي رداءٌ لجسدٍ اسمه الشّعر  وحسب.

أمّا ما يتعلّق بالتّهذيب، فمن هنا يُشتقّ مدى التّهذيب من عدمه؛ من طبيعة وطبع الأنغام، وهو يستشهد بملامة الموسيقيين لسقراط على هذه الأسس بعينها:

“… ولهذا السّبب يلوم الموسيقيون سقراط، وعلى وجه حقٍّ، وذلك لرفضهم أنماط الاسترخاء، من وجهة نظرٍ تعليميّة وتربويّة، وفي ظلّ الفكرة بأنّهم يسكرون، ليس بالمعنى العادي للسُّكر (لأنّ النّبيذ يميل إلى إثارة الرّجال)، ولكن لأنّهم بهذا يفتقدون إلى القوّة والعزم”.[15]

يمكننا القول إنّ أرسطو يحرّر الفنونَ من الأحكام الأخلاقيّة الرّاديكاليّة والتّعاليم، أو بتعبير آخر، فهو يُحرّره من الأفلاطونيّة الرّاديكاليّة، بينما يتوقّع منها أن تتطابق مع فهم أخلاقيٍّ مّا للواقع والوجود. هذا هو نهج أرسطو مع “التّدريس”. أمّا كيف ينظر إلى الموضوع من بوابة “المتعة”، فهو لا يرى إليها بوصفها مجرّد “رضى هيدونيّ”[16]، بل هي نتيجة لنشاط أو تجربة فكريّة جوهريّة. فلا يتورّط أرسطو بسَوْقِ تأكيدات دامغةٍ وثابتة في هذا الشّأن، لكن هناكَ شيءٌ واحدٌ واضحٌ بالنّسبة إليه، هو أنّ الأدب والفنون (الرّفيعة) نشاطٌ عقلانيٌّ ذو فوائد، وليست نشاطًا غير منطقي وخطير، كما كانت بالنّسبة لأفلاطون.

ما الّذي لم يفعله أرسطو في هذا الفصل من كتابه “السّياسة”؟

أولًا، ثمّة وعد في كتاب السّياسة بأن يقوم (أرسطو) بتوضيح مبدأ “التّطهير” وإسقاطه على الموسيقى في كتابه “فنّ الشّعر”، لكن، بحسب النّسخ المتوفّرة والمتبقيّة، لا وجود لنصّ يفي بهذا الوعد، فظلّت فكرة “التّطهير”، وهي وظيفيّة، غائبة عن الشّرح.

ثانيًا، لم يفعل أرسطو مع الموسيقى ما فعله مع العلوم الطّبيعيّة مثلًا، حين قائم بتأسيس نظامٍ معقول. فهو لم يخُض في أسئلة الموسيقى بوصفها مجالًا معرفيًّا أو علمًا مُستقلًّا قائمًا بذاته، فينشغل بأسئلته ويُناقش مفاهيمه ويُرسي قواعده ويستنبط منه نظريّة مّا، وهذا لا ينتقص من مساهمته وجهده لكنّه يُسمّي الأشياء بأسمائها في سبيل التّأسيس لفهمٍ مّا وفتح أقواس النّصّ على البحث والتّقصّي.

ثالثّا، وفي كتابه “فنّ الشّعر” نراه يخوض في أسئلة هي في صميم الصّنعة الشّعريّة ومعناها وأهدافها ودوافعها وجمالياتها وتقنيّاتها وأنواعها وغير ذلك ممّا يؤسّس إلى معرفةٍ نظريّة منظّمةٍ، ربّما لم يسبقها مثيل في تاريخ التّنظير الشّعريّ قبل أرسطو،[17] ومرّت قرون طويلة قبل أن “يتحرّر” الشّعراء من أفكار أرسطو بمقدارٍ أو آخر. وهذا لم يفعله أرسطو (المعلّم الأوّل) مع الموسيقى، وفعله المُعلّم الثّاني (الفارابي) على نحوٍ أكثر اختصاصًا، وربّما يعود ذلك إلى أنّ الفارابي كان موسيقيًّا محترفًا إلى جانب كونه مفكرًّا وفيلسوفًا، ولكن مع ذلك، لا يمكننا القول بأنّ الفارابي قد أسّس لنظريّة مّا في الموسيقى، واكتفى بالموسيقى بوصفها صَنعةً، وبهمومها الحرفيّة وحسب، وهذا بحثٌ آخر.

*******

[1] ARISTOTLE, POLITICS, p.256, 257.

[2] ARISTOTLE, POLITICS, p.259.

[3] ARISTOTLE, POLITICS, p.259.

[4] ARISTOTLE, POLITICS, p.258.

[5] ARISTOTLE, POLITICS, p.258.

[6] ARISTOTLE, POLITICS, p.258.

[7]ARISTOTLE, POLITICS, p.258.

[8] ARISTOTLE, POLITICS, p.259.

[9] الجمهوريّة، (باليوناني (Πολιτεία  كتابٌ ألّفه أفلاطون بأسلوب الحوار السّقراطيّ عام 380 ق.م.

[10] ARISTOTLE, POLITICS, p.259.

[11] الذِئِرَمْفُسْ ( (διθύραμβος,  dithyrambos تعني الكورس التّرتيلي، وهي فرق إنشاديّة ترتّل قصيدة أو مرثيّة أو صلاة إنشاديّة، وهي تمثّل جزءًا من المسرح الإغريقيّ، تشمل ترتيلة نظميّة دينيّة تصحبها رقصات غنائيّة. ويُعدُّ الذِئِرَمْفُسْ رابع أنواع المسرح،  وهو أحد أنواع المسرح الإغريقيّ الّذي نشأ عن طريق طقوس الإله ديونيسوس (باخوس) الإغريقي، وهو ابن الإله زيوس ربّ أرباب الأوليمبوس، وهو كذلك الإله الّذي كان يتجسّد على هيئة ثور أسود اللّون، وكان يتمّ ربطه والقيام بطقوس خاصّةٍ حوله. وفي نهاية الطّقوس، يعتقدون أنّ الإله قد تجسّد في هذا الثّور، فيهجمون عليه هجمه رجل واحد ويلتهمونه حيًا. وعلى هذا الأساس يصبح الإله جزء منهم بعد أكله بحسب المعتقد. ومن هذه الطّقوس ظهر هذا النّوع من المسرح. وقد كان أفراد الجوقة يرتّلون هذه الأناشيد بعد أن يرتدّوا جلود العنز tragos. ومن هنا فإنّ التّراجيديا قد نشأت من الشّعائر الّتي تجسّد فيها طقس الصّراع الّذي كان قائما بين النّظام والعدم؛ ذلك أنّ كلمة تراجيديا tragoedia تعني أغنيّة الماعز لأنّ الحيوان كان يجسّد الإله.

وفي إشارة من أفلاطون في “الجمهوريّة”، فإنّ الذِئِرَمْفُسْ هو المثال الأوضح على الشّعر حيث يكون الشّاعر هو المتحدّث الوحيد. وفي جدليّة “القوانين”، حيث ناقش عددًا من المسائل الموسيقيّة، فقد تحدّث عن الذِئِرَمْفُسْ وعلاقته بولادة ديونيسيوس.

[12] “The Aristotle`s Poetics”, Translated  by  S. H. Butcher, 3rd edition, London, Macmillan and co. limited 1902.

“انطلاقًا من بداية ارتجاليّة، فإنّ (التّراجيديا والكوميديا على حدّ سواء؛ حيث أنّ التّراجيديا تجيء من قيادات الذِئِرَمْفُسْ، والكوميديا هي من قيادات المواكب القبليّة الّتي تستمرّ حتّى الآن كتقليدٍ متداوَلٍ في العديد من بلداتنا)، [التّراجيديا] نمت شيئًا فشيئًا، لأنّ [الشّعراء] طوّروا ما ظهر [جزءًا جديدًا] منه؛ وعبر سيرورةٍ من التّغيّرات، وصلت التّراجيديا إلى طريق مسدود، لأنّها استنفذت طبيعتها الخاصّة “.

[13] المصدر السّابق، أرسطو، ” السّياسة “، ص 446.

[14] المصدر السّابق، أرسطو، ” السّياسة “، ص 446.

[15] ARISTOTLE, POLITICS, p.259.

[16] الهيدونيّة Hedonism، هي مذهب في المُتعة ومدرسة فكريّة بدأت مع أريستيبوس القورينائي (تلميذ سقراط)، وترى أنّ السّعي وراء المتعة والخير الحقيقي في صُلب الأهداف الأساسيّة والأكثر أهميّة للحياة البشريّة.

[17] أنظر: أرسطو، “فنّ الشّعر”، ترجمة د. إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو المصريّة، المقدّمة، ص 7.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This