التّنوير في زمن الكارثة: كانط على المحكّ

“لتكن لديك الجرأة على استعمال عقلك”، هكذا هو رهان كانط كما عبّر عنه في رسالته الشّهيرة (ما الأنوار؟)، معتبرا ذلك الأمر بمثابة بوابة الدّخول الرئيسيّة إلى مجتمع الأنوار.

كلام معقول لكن ثمّة ملاحظة معقولة كذلك:

هل يكفي أن نقول لشخص معيّن، “لتكن لديك الجرأة على التّفكير”، حتّى يمتلك الجرأة على التّفكير؟ هل الإحساس بالكرامة الّذي يلحّ عليه كانط على الدّوام يستطيع أن يمثّل آلية إقناع كافية؟ وكيف يمكن للتّفكير أن يحفظ الكرامة حين يتعلّق الأمر بنُظم سياسيّة تعرف كيف تنزع كرامة المفكّرين!؟

ما السّبيل إلى إقناع الإنسان بأن يمتلك الجرأة على استعمال عقله، طالما يتعلّق الأمر بالجرأة أوّلا، وطالما امتلاك الجرأة ليس بالأمر الهيّن ثانيا؟ إذا لم نرغب في إرغام الشّخص لكي يجرؤ على القيام بفعل معيّن، طالما نقع بذلك في حلقة مفرغة، فيبقى أمامنا خياران متاحان: إمّا أن يكون هناك دافع نابع من الغريزة، أو يكون هناك حافز نابع من المنفعة. طالما التّفكير غير نابع مباشرة من الدّوافع الغريزيّة، فيبقى السّبيل الآخر هو أن نجعله صادرا عن المنفعة. والحال أنّ من طبيعة الإنسان أن لا يقتنع إلاّ بالجهد الّذي يمنحه حياة أفضل. هنا بالذّات يكمن المغزى الحقيقي لمفهوم المنفعة.

لكن حين يتعلّق الأمر بالمنفعة فإنّ كانط هو آخر من يمكنه أن يقنعنا. غير أنّ ما لا يؤخذ كلّه لا يترك كلّه، وفق إحدى القواعد الفقهيّة. وهي قاعدة تصدق أيضا على علاقتنا بكانط.

لعلّ كانط من الفلاسفة القلائل الّذين أزاحوا مفهوم السّعادة عن غاية العقل والأخلاق، وذلك بدعوى أنّ العقل لا يجب أن يكترث بالسّعادة طالما الواجب الأخلاقي يجب أن يكون لذاته، ولأجل ذاته. غير أنّ عقل المرء كما قلنا لا يقتنع إلاّ بالمجهود الّذي يمكن أن يجعل حياته أفضل. هذه المعادلة أدركها سبينوزا حين جعل غاية الأخلاق هي سعادة النّمو والاكتمال.

رغم ذلك يبقى مطلب كانط معقولا في أساسه: يجب أن تكون لدى كلّ إنسان الجرأة على استعمال عقله. غير أنّ الجرأة تحتاج إلى مكافأة. ذلك أنّ الجرأة من أجل الجرأة لا تقنع أحدا. كلّ ما لا ينفع لا يقنع. هل معنى ذلك أنّنا سنبتعد عن كانط؟ هناك طريقة لكي لا نبتعد عن كانط كثيرا. كيف؟ أن نعتبر المكافأة هذه المرّة ليست خارجيّة، بل نابعة من داخل الذّات. فتصبح المعادلة على النّحو التّالي: مكافأة أن نفكّر بطريقة جيّدة، هي أن نعيش بطريقة جيّدة كذلك، بمعنى أن نحقّق قدرا معقولا من البهجة والسّعادة. هذا ما يستحقّ أن نبرهن عليه، ومن حسن الحظّ فإنّ البرهان قائم.

لا شكّ أنّ الحياة تمنحنا فرصا كثيرة لاختبار رهان استعمال العقل لأجل تحقيق حياة أفضل، بل ليست الحياة سوى سلسلة من الاختبارات لأجل تحسين قدرة الإنسان على الحياة. وإذا كانت أهمّ فرصة لاختبار أيّ فكرة هي أن ندفع بها إلى حدودها القصوى، فلا شكّ أنّ الكارثة تمثّل الحالة القصوى لاختبار الجرأة على استعمال العقل، وممارسة فعل التّفكير.

ليس التّفكير في الكارثة بالأمر الهيّن، لا سيّما في زمن الكارثة. هنا يكون رهان كانط في التّنوير أمام اختبار شاقّ وعسير. لكن، حين ينجح هذا الاختبار تصبح معركة التّنوير مجرّد تفاصيل. لذلك يجب أن نضمن نجاح الاختبار.

إنّ أوّل شيء تهدّده الكارثة لهو قدرة الإنسان على التّفكير، لذلك طبيعيّ أن يكثر الدجّالون في زمن الكوارث، وذلك عندما يتوقّف التّفكير ولا تثار في النّفوس سوى المواقف الغريزيّة، غير أنّ الغرائز لا تخبر الإنسان بكيفيّة التّصرف أمام الكوارث، خلاف الحيوانات الّتي ما أن تخبرها غرائزها بالخطر، حتّى تخبرها أيضا بكيفيّة التّصرف أمام الخطر؟ لذلك قد لا تخلو ردود فعل الإنسان أمام الكوارث من كارثيّة. على سبيل المثال، كان لجوء النّاس خلال الأوبئة إلى المعابد للتّضرع وطلب النّجاة يزيد من تفشّي العدوى وتدهور الوضع. غير أنّ معظم النّاس في العصور الماضية كانوا يتصرّفون بذلك النّحو الّذي لا يمكن أن تمليه الغرائز الطّبيعيّة فيما لو كانت تعمل جيّدا، ولا يمكن أن يمليه الذّكاء الإنساني فيما لو كان يعمل جيّدا.

ما جدوى التّفكير إذاً؟

ليس التّفكير بالجهد الهيّن، فهو -مثل رياضة الصّباح- يحتاج بادئ الأمر إلى ما يسمّى بلغة الفقهاء بنوع من “مجاهدة النّفس”، غير أنّ أصعب الجهاد هو الاجتهاد كما يقال، لذلك طبيعي أن يفضّل الكثيرون تفويض التّفكير في أمورهم لعقول غيرهم. لأجل ذلك، يتصرّف البعض كما لو كان التّفكير مهنة تمارسها قلّة قليلة في إطار نوع من التّقسيم الاجتماعيّ للعمل، حيث يجب أن يكون هناك من يفكّر نيابة عمّن لا يفكّرون، على منوال الطّبيب الّذي يداوي من لا يداوون أنفسهم، والحلاق الّذي يحلّق لمن لا يحلّقون أنفسهم، والمعلّم الّذي يعلم من لا يعلمون أنفسهم، وهكذا دواليك! وعلى نفس المنوال يفترض البعض أن يوجد هناك من يفكّر نيابة عمّن لا يفكّرون بأنفسهم، وربّما لهذه الغاية وُجد الفقهاء، والقساوسة، والزّعماء، والمرشدون، والمراجع، والكهّان.

غير أنّ التّفكير يمثّل حاجة حيويّة مثل الهواء بالنّسبة للكائنات الحيّة، ويمثّل حاجة روحيّة مثل الصّلاة بالنّسبة للمؤمنين.

يحتاج الإنسان إلى التّفكير لأنّه لا يمتلك مهارة التّصرّف الغريزيّ الّتي تتمتّع بها سائر الحيوانات، ولذلك عليه أن يعوّض ضعف الغريزة بالقدرة على التّفكير، لغاية أن يدبّر ذاته بأسلوب آمن. لأنّ المهمّة الأشدّ صعوبة بالنّسبة لكلّ فرد هي تدبير الذّات، فيما يسمّيه ابن باجة بـ(تدبير المتوحّد). الإنسان هو الكائن الأكثر تهديدا لذاته؛ إنّه الكائن الوحيد المعرّض للإدمان بكلّ أنواعه، للانتحار بكلّ أشكاله، وللجنون بكلّ تجلياته.

يمتلك الحيوان غرائز تدفعه نحو الفعل، وتحدّد له في نفس الوقت كيفيّة الفعل. فهو يرث الدّافع إلى الأكل ويرث معه معرفة الأطعمة المناسبة وطريقة الأكل أيضا، يرث الدّافع إلى الجنس ويرث معه كيفيّة ممارسة الجنس أيضا، يرث دافع الانتماء إلى مجموعة معيّنة ويرث معه أيضا مهارة الحفاظ على بقائه ضمن تلك المجموعة، إلخ، غير أنّ غرائز الإنسان ليست فعّالة بما يكفي لكي تمنحه الفعل ومهارة الفعل أيضا، ذلك أنّ الإنسان يرث الدّافع إلى الأكل دون أن يرث طريقة الأكل، يرث دافع الجنس دون أن يرث طريقة ممارسة الجنس، يرث دافع البقاء ضمن جماعة معيّنة دون أن يرث طريقة الحفاظ على ذلك. إنّ الطّبيعة الّتي تملي على الإنسان ماذا يفعل؟ لا تملي عليه كيف يفعل؟ لذلك السّبب على كلّ إنسان أن يجد الأسلوب الّذي يناسب طبيعته، شخصيته، حاجياته، ومصادفاته أيضا. وفي كلّ ذلك فإنّه قد ينجز أعظم الإبداعات، وقد يقترف أفظع الحماقات.

لذلك يكون السّؤال، كيف أتصرّف؟ سؤال الإنسان بامتياز. غير أنّه أيضا سؤال كلّ إنسان على حدة، طالما غرائز المشترك الإنسانيّ لا تعلمنا كلّ شيء، ولعلّها لا تعلمنا سوى القليل. ما يعني أنّ هناك هامش واسع لكي يتدبّر كلّ فرد على حدة تطوير مهاراته بنفسه.

لا تكمن معضلة الإنسان الحقيقيّة في سؤال الأخلاق على الطّريقة الكانطيّة، “ما الّذي ينبغي أن أفعله”، بل في سؤال الأسلوب: كيف ينبغي أن أفعل؟

الدّافع الفطري يقول لي: مارس الجنس. هذا الأمر أستوعبه من الطّبيعة بكلّ سلاسة.

الواجب الأخلاقي يقول لي: لا تتحرّش، لا تغتصب، لا تُعنف، … إلخ. هذا الأمر أستوعبه من المجتمع بكلّ سهولة.

أمّا الأسلوب فلا يمكنني أن أستوعبه بسهولة أو سلاسة، طالما لا يوجد مخطّط فطري أو سلطوي يمكنني التّعويل عليه، لذلك يتطّلب بناء الأسلوب مسارا شاقّا ومليئا بالتّعثرات، والإخفاقات، والأخطاء، والخطايا، والمخاوف، والاختلالات، والتوجّسات.

سؤال كيف أتصرّف؟ هو سؤال الذّات أيضا، سؤال الأسلوب الّذي يناسبني، الاختيارات الّتي توافقني، الميول الّتي تلائمني، المظهر الّذي يعبّر عنّي، الذّوق الّذي يمثّلني، الخيال الّذي يجسدني، إلخ. وكما يقال، لا يحكّ ظهرك غير ظفرك. بالمثل يجب عليك أن تفكّر بنفسك لكي تشقّ طريقك طالما لا أحد يرث الطّريق. كيف تتصرّف؟ جوابك عن هذا السّؤال هو الّذي يحدّد أسلوبك في النّهاية. وكما يقال أيضا، الإنسان هو الأسلوب.

يعرف الحيوان بنحو طبيعي كيف يتصرّف؟ لأنّ غرائزه حادّة بما يكفي لكي توجّهه من بداية الفعل إلى نهايته. أمّا الإنسان فهو لا يعرف طبيعيا كيف يتصرّف؟ إنّه كائن منفلت من عقال الطّبيعة، لذلك عليه أن يعقل نفسه بنفسه، عليه أن يحكم نفسه بنفسه، بمعنى عليه أن يفكّر.

عندما تهدّد الكوارث قدرة الإنسان على التّفكير فهي تفقده السّيادة على ذاته، وتعرضه بالتّالي لفقدان البوصلة، وتجعله في النّهاية فريسة سهلة للدجّالين والمشعوذين قبل أن تفترسه الكارثة قبل الأوان.

رهان التّنوير هو أن لا يفقد الإنسان قدرته على التّفكير حتّى عندما يفكّر في الكارثة أو أثناء الكارثة، بل لا سيّما أثناء ذلك. لأنّ القدرة على التّفكير تعني عدم إهدار فرص النّجاة، والّتي لا يجب إهدارها.

الكارثة هي امتحان التّنوير الأشدّ صعوبة على وجه الإطلاق، لكنّها الحال الّذي يُبنى عليه المآل لا محالة، سواء قبل النّجاة أم بعد النّجاة.

إنّها معركة التّنوير إذاً. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This