المعركة ضّد الكورونا: عودة الدّولة إلى بيتها!

لم يكن أحد يتصوّر أن يحجُر فيروس كورونا ثلثي الإنسانيّة داخل منازلها بعد أن عقدنا في العلوم الطبيّة والبيولوجيّة والصّيدلانيّة آمال الخلاص النّهائي من أزمنة الأوبئة، وبعد أن ظننّا أنّ الإنسانيّة قد تخلّصت منها بنهاية “الوباء الإسبانيّ” (1919-1918). ولكن وبعد قرن بالتّمام والكمال، وبعد كلّ هذا التّقدم التكنولوجيّ والإتصاليّ المبهر واندماج الاقتصاديات والثّقافات في سياق مرحلة العولمة “السّعيدة”، يفاجئ العالم بعجز مخابر التّلاعب الجينيّ والاستنساخ وتخزين الأجنّة والموتى في انتظار إعادة بعثهم للحياة، عن إيجاد اللّقاح السحريّ ضدّ فيروس كورونا المستجد. ونتيجة لهذا العجز العلاجيّ وسرعة تحرّك الفيروس بتحرّك حامليه من البشر في أجسادهم عبر العالم وسهولة انتقال العدوى إلى بني البشر بالمصافحة والعناق والعطاس والرّذاذ ، لم يبق من خلاص للإنسانيّة سوى وقاية نفسها من نفسها وذلك عبر آليات “التّباعد الاجتماعيّ” والجسديّ و”الحجر المنزلي” و”العزل” و”الإغلاق”.

ورغم يقيننا بظرفيّة هذه المعجميّة واقترانها بإبستميّة  زمن الكورونا وإمكانيّة زواله الوشيك، إلّا أنّنا نريد أن نسجّل التّغيرات الّتي طرأت على تمثّلاتنا لأنفسنا ولغيريتنا وكونيتنا، وهو ما يجعلنا نقول أنّ ما نعتبره قيمة ثابتة قد يعتريه التّغير في لحظة غير متوقّعة فيتغيّر من تلقاء نفسه غير عابئ بنا. ويعني هذا أنّنا لسنا قادرين على تحصين هشاشتنا الأنطولوجيّة بالشّكل الّذي كنّا نتوهّمه. وأنّ الحرب اللاّمرئيّة والسرياليّة الّتي تخوضها الإنسانيّة بترسانتها التكنولوجيّة وبأنظمتها الصحيّة والحربيّة (جيوش+حاملة طائرات+ مستشفيات متحرّكة) وبتعطيل كلّي لمعاشها ضدّ فيروس مجهري، لا تفتأ في التّأكيد على هشاشة الوضع الفردي وضعف السّياسات الحيويّة للدّولة في تطويق هذا العدوّ المجهري.

 الكورونا المتعولمة

على الإنسانيّة أن تنتظر على أقلّ تقدير سنة من الآن بحسب تقديرات المنظمة العالميّة للصّحة لوضع بروتوكول اللّقاح المناسب للكوفيد 19 في الأسواق العالميّة. وفي انتظار ذلك علينا أن نعدل إحداثياتنا الثقافيّة وهندسة الفضاء الاجتماعيّ والمنزليّ حيث سنُحجر لأجل غير مسمّى تنفيذا لسياسة الدّولة الحيويّة الرّامية إلى تطويق المرض وعزل الأجساد والسّكان في منازلهم وبلداتهم.

ويبدو أنّ العالم “الغافل” عن تخلّق هذا الفيروس في يوهان الصينيّة وطريقة تكيّفه مع نظامنا العضوي وجهازنا التّنفسي تحديدا، لم يكن مدركا لكيفيّة انتشاره عبر البشر المترحلين برّا وجوّا وبحرا، حتّى أنّ أجهزة الرّقابة الصحيّة المبثوثة في المعابر الحدوديّة للدّول لم تنتبه إلى إعراض البشر النّاقلين والمصابين بهذا الفيروس وهم يعبرون حدودها ويحولون بلا وعي منهم وفي غفلة من أجهزة الرّقابة الحدوديّة الكوفيد 19  من وباء محلي إلى وباء عالمي Pandémie .

تعولمت الكورونا بشكل حثيث وفي ظرف وجيز(ديسمبر2019-مارس2020) جرّاء سرعة تنقّل البشر عبر العالم. وكانت العدوى أكثر الأشياء توزيعا بين البشر إذ سرعان ما عبرت كلّ الحواجز والثّقافات والقوميات والطّبقات والألوان، وتوقّفت فجأة  كلّ التّهديدات الأكثر فتكا بالإنسانيّة:  كالتّهديد النّوويّ والإنحباس الحراري والجريمة المنظّمة وحروب الشّرق الأوسط ومخاطر الإرهاب. ولم يعد يسمع أو يرى على شاشات العالم الفضائي والرّقمي سوى أرقام الإصابات وإحصائيات الوفيّات وبيانات الحالة الوبائيّة.

فما الّذي يجري تحت أنظارنا تحديدا؟ هل أنّ ما نراه هو حقّا ما نراه؟ وما هي الشّفرة السّياسيّة والاقتصاديّة المراد إيصالها إلى العالم ما بعد الكورونا؟

الكورونا نجمة الإعلام الكونيّ

من غرائب الصّدف أن تذكرني واقعة الكورونا بحرب الخليج الثّانية 1991 من حيث سرعتها البرقيّة في اتّخاذ قرار الحرب وتشكّل التّحالف الدوليّ وقصر أمدها (من جانفي الى ماس 1991). ولعلّ هذا ما دفع جان بوديار إلى التّصريح الصّادم بـ “أنّ حرب الخليج لم تقع”  وكان يقصد بذلك أنّ السّاحة الحقيقيّة لهذه الحرب هو الإعلام الحربي للتّحالف الّذي كان يروّج صور قوّاته وانتصاراته على شاشات التّلفزيون ووسائل التّواصل المسموعة والمكتوبة. لكن لقائل أن يقول ما علاقة حرب الخليج الثّانية بجائحة الكوفيد العالميّة؟

ليس من العسير التّفطن إلى وجود خيط ناظم وضرب من التّناظر بين الواقعتين، فكلاهما حرب غير اعتياديّة إذ جرت الأولى افتراضيا ونفسيا وواقعيا وتجري الثّانية حاليا على واجهات عدّة: الفضاء العام (موطن العدوى) والخاصّ (مواطن الاحتماء والتّباعد الجسدي) والمجال الطبّي والسّياسي والاقتصادي والعسكري (خطوط المواجهة). ولكنّ إدارة الأزمة بكلّ خطوطها شأن إعلامي واتّصالي بامتياز تحالف فيه الفاعلون الثّلاث: الطّبيب والإعلامي والسّياسي. فبعد أن حجزت سلطة القرار الطبيّ والسّياسيّ الشّعوب في بيوتها تطبيقا لآلية التّباعد بين الأجساد للحدّ من انتشار أعراض الفيروس، وبعد أن خلت الشّوارع والفضاءات الجماهيريّة من روّادها، لم نعد نشاهد على شاشات التّلفزيون وفي فيديوهات اليوتيوب سوى فصائل الأمن والجيش والنّجدة الصحيّة وهي تجول بالعرض والطّول المدن المقفرة من سكّانها في حركة مراقبة نشيطة وزجريّة لمن يخرق “الحجر الصّحي” العام.

باتت الشّعوب المحتجزة في بيوتها مجرّد متابع لنشرات “الوضع الوبائي” في العالم ولمختلف أنواع التّعليقات والفيديوهات والتّحليلات والإشاعات الّتي تروّجها وسائل التّواصل الاجتماعي على مدار السّاعة. وبعبارة أوضح وتنفيذا لإجراءات الحجر الصحيّ العامّ، عادت الإنسانيّة إلى بيوتها وأوكلت مهمّة خوض الحرب إلى الأطبّاء ومساعديهم وصنّاع الإعلام والقرار السّياسي. وعليه يتبيّن أنّ اللاّفت في الحرب على الكورونا هو إرغام الإنسانيّة على البطالة المؤقّتة وملازمة بيوتها وتفويض مقاومة الوباء ودحره للخبراء والسّياسيين.

في معركة الكورونا تستعيد الدّولة عافيتها

أمّا عن دلالات خطّة المعركة هذه، فهي بلا شكّ، إعادة رسم الحدود بين الفاعلين السّياسيين الّذين يمثّلون سلطة الدّولة التنفيذيّة وأباطرة الإعلام الإتّصالي الجديد أو عمالقة الواب (GAFA)أولئك الّذين ينتجون الصّورة ويروّجون المعلومة بمطلق الحريّة ويخترقون سيادة الدّولة وحدودها الرمزيّة. ويضاف إليهما في سياق الوباء الجيش الأبيض الصّحي من أطباء وأعوان صحّة وعمالقة الصّناعات الدوائيّة. ونلاحظ أنّ الغائب البارز في خارطة السّلطة وخطوط المواجهة ومترصدو الغنائم، هي الإنسانيّة المحكوم عليها بالحجر في بيوتها وبالعطالة التّامة عن الحركة. ولم يقف الأمر عند حدود الحجر المنزلي، بل تولّى أباطرة الإعلام الجديد إلهاب فوبيا الكورونا في نفوس الجماهير المحتجزة وذلك عبر التّلاعب بالمعلومة والتّحكم في السّلطة السّياسيّة والصّحيّة. لكنّ الدّلالة الأكثر سطوعا في هذا المقام هو تعاطي الدّولة مع الإنسانيّة كأجساد مشتبه فيها أو موبوءة بالقوّة، وهو ما يخوّل للسّلطة السّياسيّة والصّحيّة إخضاع كلّ الأجساد إلى إجراءات الفحص الحراريّ أينما عبروا: مطارات-نقاط تفتيش-محطّات ميترو-فضاءات تجاريّة ومواقف سيّارات. ولم يعد إيقاف المشتبه بهم موكول إلى النّيابة العموميّة، بل إلى السّلطة الطبيّة.

بدت الدّولة في معركة الكورونا وفي احتكارها لحجر الأجساد واحتجاز المصابين وتسخير العاملين واستعمال الفضاءات العامّة كما الخاصّة، وفي احتكار نشرات “الوضع الوبائيّ” بمثابة “الحيّ القيوم” والملجأ الآمن الّذي تتهاوى أمام عتباته النّزوات الفرديّة والولاءات القبليّة. وكأنّي بهذا الفيروس المستجدّ يذكّرنا بأنّه لا مهرب لنا من الدّولة وإكراهاتها وعنفها المشروع إلاّ هي، ولن ينقذنا اقتصاد السّوق ولا المصحّات الخاصّة، ولا مخابر الأدوية، وعندما يشتدّ وطيس الوباء وتصبح “مناعة القطيع” تحت طائلة الفناء، يهرع الكلّ بما في ذلك أعداء الدّولة إلى الدّولة ومرافقها العموميّة طلبا لعونها. وتلكم هي إحدى أبرز مفارقات معركة الكورونا.

وبالفعل فما آثار انتباهنا في طريقة إعادة انتشار سلطة الدّولة في الفضاء العامّ وإجراءات حجز المواطنين في بيوتهم ومراقبة تحرّكاتهم وفرض حظر التّجول عليهم ليلا، والتّحكم إعلاميا في مخاوفهم وارتهان خروجهم من العزل بقرار دولي-طبي، هو ثأر الدّولة من “ضعفها ” جرّاء السّياسات الديمقراطيّة الّتي فرضت عليها اقتسام السّلطة وتفتتيها بين أطراف عدّة. وكأنّي بهذا البسط الجديد لسلطة الدّولة الصحيّة والرّقابيّة والسّياديّة، إنّما يؤشّر إلى حالة من الوعي الجماعيّ مفادها أنّ الدّولة ليست ضامنة فقط للحريّات بل للصّحة والحياة، وأنّ هذه القيمة تعلو على كلّ القيم، وفي أوقات الوباء والوضعيات القصوى كالحروب لن نجد سوى الدّولة/الرّاعية لتحفظ أمننا وحياتنا ضدّ كلّ ما يتهدّدها.

تمكّنت الدّولة في حربها على الكورونا من تفنيد مزاعم القائلين بضمور سيادتها واقتراب نهايتها جرّاء اختراق العولمة لسيادتها الرمزيّة والاقتصاديّة والعسكريّة. ويبدو أنّنا سنشهد في مرحلة ما بعد الكورونا استئنافا لسلطة الدّولة بالمعنى الكلاسيكيّ وعودة للتّاريخ المحليّ بعد انكشاف أوهام “نهاية التّاريخ” الكونيّ كما بشرّ به كلّ من هيغل وفوكايما .

في مرحلة ما بعد الكورونا ستعود الدّولة إلى بيتها منتصرة، وسيكون النّموذج الصينيّ منوالا جمع بنجاح بين الدّولة الحازمة والشّعب المنضبط. ولم يكن هذا ليحدث في بلد صدّر للعالم الفيروس القاتل، ولكنّه حدث فعلا وسرعان ما انقلبت صورتنا عن الصّين من بلد موبوء ومحاصر بالوباء إلى رمز للانضباط  وعنوان الانتصار حتّى أضحت منوالا  تستأنس به دول العالم وشعوبه في مواجهة الوباء. ولم تكتف الصّين بتذوق طعم الانتصار، بل هبّت إلى مساعدة ضحايا فيروسها في معرض ناعم للقوّة الانضباطيّة الّتي روّجت صورة الدّولة الأيديولوجيّة المتماهية مع شعب المليار والنّصف مقارنة بالفشل الذّريع الّذي منيت به أبرز دول القارّة العجوز(أوروبا): إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا في إدارتها لأزمة الكوفيد 19 جرّاء غياب التّجاوب وانخرام العقد الاجتماعيّ بين الحكّام والمحكومين. فهل حان الوقت لمراجعة أسس العقد الإجتماعيّ في نسخته الليبراليّة الجديدة والتّفكير في استعادة عافية الدّولة الاجتماعيّة الرّاعية وتحجيم جموح الرأسماليّة المتوحّشة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This