الحُلم

“اتِّضاع”

الكتابة فعلٌ أهليجيٌّ لا مناصَ منه.

أنتَ الآن في الهاوية، وفي الدَّركِ السُّفليِّ إلَّا أنَّكَ تكتب، ولا تعرفُ لماذا؟

هل يُمكِنُ لمن يكون في قمَّة الهلع أن يكتب؟

الكتابة والأسئلة اليوميَّة:

إلى أين؟ لماذا نريدُ الإجابات؟ هل نستقبلُ الآلام بشكلٍ باردٍ وأجوف؟ ماذا تفعل إزاءَ كلِّ الوجوديَّات المتبرِّمة من حولك؟ كيف لكَ أنَّ تُصاب بفُصامِ الواقع وأنتَ في القاع؟ هل من مغزىً مّا؟ أين هلعُكَ في موقفٍ يُرعبُ الوجودَ الإنسانيَّ بأسره؟ ما الأرقام، ولماذا نتعلَّقُ بها؟ لماذا نعرف؟

في انتظارِ نهايةِ الحياة وبدايتها، شعورٌ مُفعَمٌ باللَّاشيء.

عالمٌ برُمَّتِه يتهاوى كما الوقت.

الشَّيخُ المُقدَّس، عدميَّةُ ورد، سوداويَّةُ الوجود، كتاباتُ حسام، ماضيك، أمير، خياراتُك المُوهَنة، الطَّلبة، ملابسُك الجديدة الَّتي تعجُّ بالحياة، تشيتشيكوف ونفوسُهُ الميِّتة، المُستنقع، انقطاعُك عن العالم بأسره، مبادؤُك الَّتي ما زالتْ راسخةً رُغمَ ضبابيَّةِ الوجود، مُحاوَلاتُك الدَّؤوبةُ لإثباتِ تأصُّلُ التَّنظيمِ ورسوخِه.

إلَّا أنَّ الزَّمن لن يجعلك تكمل جميعَ تُرَّهاتك .. فاجلس حيثما أنت واحتسِ مشروباً ساخناً لعلكَ تهدأ، أو حاول أن تحلُم بشيءٍ آخر؛ لعلَّك في حقائق الأحلام أو أوهامها تجدُ ضالتك .. فالأوهامُ عادةً تجد مرتعها في أذهان الحالمين.

نهاياتٌ مفجعةٌ تكادُ تكسِّرُ ضلوعَنا.

“حلم”

حلمتُ البارحة.. كانت المرَّةَ الأولى الَّتي أحلم بها.

لقد تجرَّأت وحلمتُ خارجَ السِّرب، وخارجَ كفَّيّ الحبيب الخشنتين اللَّتين غارتا أحشائي وفتَّتها، وخارجَ الجدرانِ المُغلَقة على أنفاسي في بيتٍ قابعٍ في أحد الأحياء المرميَّة على ثقلِ الزَّمن… وربَّما خارجَ صوتِ البؤسِ والألم الَّذي يشيعُ الكوكب أيضاً.. وخارجَ الصَّرخاتِ الخائفةِ من الجائحاتِ والأوبئة.. وخارجَ أصواتِ الجياعِ والفقراء.. وخارجَ جسدي الَّذي لا يني ينزف.

في الحقيقة، ليس سهلاً على المرءِ أن يحلُمَ أبداً؛ فللحُلمِ ضريبةٌ ليس من اليسير دفعُها أحياناً… يحتاجُ الحُلم حنكةً مّا!

شيءٌ ما خفيٌّ يتساءك: كيف يُمكِنك أن تُمارِس الحُلم في ظلِّ هذا البؤس؟ كيف تحلم وحيداً؟ أين الآخرين؟ وأين أضواءُ المدينةِ القديمة الَّتي تخترقُ مساماتِ الجسد؟ أين أصواتُ النَّاس وضحكاتهم؟ وأين ضجيجُ مدنهم الَّتي تطفو فوق الزَّمن؟

ربَّما الحالمون مُترَفون قليلاً.

يلوي درويش برقبته لينظرَ إلي نظرةً شافقةً وعاتبة، ويُردِّد: “ولنا أحلامنا الصّغرى؛ كأن نصحو من النَّوم معافين من الخيبة، لم نحلم بأشياء عصيَّة.”

لكنِّي أُحرِّر جناحيَّ من قيوده وأصرخ: لا بدَّ لي من الحُلم، وأنقر بقدميَ على البلاط كصبيٍّ مُشاكِسٍ يُريد أن يحلم لا لشيء إنَّما ليخرجَ من تحتِ عباءة أبيه، ليهربَ من هاجسِ الوجود ومن شبحِ الرَّتابة.

لم أستطعْ تفسيرَ أيِّ شيء..

ربَّما يختلِفُ الكُتَّاب بمادَّةِ مُخيلتهم؛ فمُخيلتي خاويةٌ لا تحوي إلَّا الفراغ وكائناتٌ هلاميَّةٌ تُحاوِل السَّير بنصفِ رأس وقدمين لا يقويا على حملها حتَّى عتبة الباب.

كم هو محزن الخواء.. كيف يحلم المُجوَّفون والمُتلاشون؟

هل لهم أن يحلموا بعالم أخفِّ وطأةٍ على أرواحنا.

وما ذنبُ أحلامهم؟ ولماذا أصرُّ على التَّساؤل؟

كيركيغارد  يا صديقي غير الآبه بالحلم، هل لك أن تكفَّ عن قرع أبوابي وأن تدعني أحلم؛ ولو قليلاً. فليسَ من العدلِ أن يُعيد المرءُ تاريخَ صَحبه ويُكرِّره، لكنَّه لا يودُّ أن يسمع؛ فيصيح:

“يغرز واحدنا أصبعه في الوجود ليعرف من خلال رائحته في أيِّ موقعٍ هو. أغرز إصبعي في الوجود لأكتشف أنَّ لا رائحةَ له. أين أنا؟ من أنا؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ ما هو الشَّيء الَّذي يُسمَّى العالم؟ من هو الَّذي ضلّلني إليه وتركني هنا؟ كيف بدأت أهتمُّ بهذه المُغامرة الكبرى الَّتي يُسمُّونها الواقع؟”

لكنِّي، وللمرَّة الأولى، لا آبه لكلامه وألوي برأسي خارج خيباته، مُصرِّاً على أن أحلم؛ فأنا وُلِدت في الحرب الَّتي تركت ندوبها داخلَ جسدي لتُصبِح صديقتي الَّتي أعرفها جيَّداً… أغني لها آخر المساء… أَربُتُ لها على كتفها الأيسر فننام سويةً في فراشي الممزُوج بالأفكار والصَّبوات ونستيقظ صباح اليوم التَّالي ونذهب لعملنا على وقع أصوات المدفعية.. آه يا صديقةَ الذَّاكرة.

هكذا هي ذاكرتي الحالمة: إمَّا بحرب، أو بوباء، أو بلاشيء.

لقد أختزلْتَنا أيَّها الزَّمنُ الجائر..

هل لي أن أنتمي إلى إنسانيَّة الإنسان أو شيطانيَّته؟

إنَّ البشرَ وحوشٌ كاسرةٌ، أحياناً، تقتلُ تعطشُّاً للدَّمِّ وتلهو حُبَّاً بالعبثِ والدَّمار.. لكنّ الحالمون والحالمات ينتظروننا هناك عند نهاية الطَّريق مُلوِّحين لنا بدموعهم وقروحهم.. مُتسائِلين: هل لنا أن نحلم في عالم الموت؟

كم من فلسفاتٍ بقيت لتُعطينا مُسوِّغاتٍ أُخرى للوجود؟ وكم من أفكارٍ كفيلةٍ بأن تُبقينا في منأىً عن هذا العالم، عن هذه المسرحيَّة الكبرى..عن هذه الأضحوكة المُسمَّاة “عالم”.

هل نحلم إذاً؟

البارحة زارني حلمٌ غريبٌ بحبيبٍ ممزوجٍ بالاحتواء، كان أشبهَ بالوهم؛ إلَّا أنَّي أضعته بين التَّساؤلات الَّتي تُثقِل رأسي باستمرار، فتلاشى بين ثنايا الواقع وتبعثر بين فجواته؛ فهل يُمكِن لي أن أجده من جديد؟ يبقى السُّؤال مفتوحاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

    1. مجد حمشو

      شكراً أماني العزيزة. قراءتك تزيد النّصّ قيمة.

أضف تعليق

Share This