قراءة طاعون كامو في زمن الكورونا

قرأت رواية الطّاعون لألبير كامو لأوّل مرّة قبل أربع سنوات. ومنذ أن أطلّ علينا فيروس كورونا ضيفاً ثقيل الظلّ، لم تبرح رواية الطّاعون تراودني حتّى وجدت نفسي مضطراً لقراءتها مرّة أخرى. نعيش حالياً في ظروف مشابهة لما حدث في الرّواية، ممّا يعطينا الفرصة لعيشها واستخلاص أفضل لمقصد كامو، خصوصاً عند ربطها بمعالم فلسفته.

تتحدّث الرّواية باختصار عن وباء طاعون حلّ بمدينة وهران الجزائريّة. تنتشر في المدينة آلاف من الفئران ومن ثمّ تموت وتملأ جثثها الشّوارع. يرسم كامو مشاهد مفزعة للفئران الّتي تنزف دماً وتسبّب رعباً وحالة من عدم اليقين عند النّاس. تبدأ بعد فترة حالات من الوفيات الغامضة، ولا تعيرها السّلطات في البداية أهميّة كبيرة، إلاّ أنّ الطّبيب ريو يجد نفسه مجبراً على مجابهة حالة اللاّمبالاة هذه على أعتاب وباء قادم. يتفاقم الوضع ويصبح غير قابل للإنكار، وتوضع مدينة وهران بأكملها تحت الحجر الصحيّ.

يتحدّث كامو ضمن الأحداث عن تفاعل النّاس مع الوباء ومع واقع الحجر، ويسلّط الضّوء على أنانيّة الأفراد وتفضيلهم لمصالحهم الشّخصيّة على مصحة المجتمع. كما يتحدّث عن تحقيق بعض الأشخاص للمنفعة الاقتصاديّة عن طريق استغلال حاجات النّاس. ويعرض كامو مشاهد مؤلمة للموت بسبب المرض، وما يحدثه من أثر عميق في نفوس أقرباء الميّت وأحبائه. أحد أقسى الأحداث في الرّواية عندما يصاب طفل صغير بالطّاعون ولا يتمكّن أحد من مساعدته فيصرخ في النّهاية من الألم ثمّ يموت، وتبدو على القسّيس الّذي حضر المشهد ملامح الشّك وهو يتلو صلواته، في تساؤل ضمنيّ من قبل كامو عن جدوى الإيمان بإله يسمح بحدوث كلّ هذه المآسي، هل يحكم الكون فعلاً الإله المحبّ الّذي يصلّي له القسّيس؟ إنّ الأشخاص الّذين يؤمنون بهذا الإله لم يروا في حياتهم طفلاً يتقطّع ألماً ويموت من الطّاعون، وإذا رأوا مشهداً كهذا يوماً فإنّهم سيعيدون التّفكير ملياً بما يؤمنون به.

بعد شهور طويلة من الحجر، يدرك سكّان وهران تدريجياً أهميّة الإيثار، وتتكوّن لديهم مسؤوليّة اجتماعيّة. ينتهي الوباء وتبدأ الحياة بالعودة لوضعها الروتينيّ. إلّا أنّ الطّبيب ريو يعلم أنّ المعركة لم تصل لنهايتها بعد، لأنّ الميكروب يستطيع البقاء كامناً لسنوات. إنّ رواية الطّاعون هي بالفعل تسجيل حيّ لمشهد المعاناة الإنسانيّة الّذي يتعمّد الكثير من النّاس تجاهله.

يشكّل سؤال الحريّة فكرة مركزيّة في رواية الطّاعون. يتحوّل سكّان وهران لأسرى بسبب الحجر الصحيّ، ولكن هل كانوا أحراراً حقّاً قبل الحجر؟ وبما أنّنا نمرّ بظروف مشابهة لنفكّر في السّؤال، هل نحن أحرار حقّاً إذا كنّا نخضع في حياتنا لتضليل الإعلام، وهوس التّسوق وشراء كلّ ما لا يلزم، وتكبيلنا بقيود القروض البنكيّة وشروط شركات التّأمين؟ لم نعد نتواصل مع أحبائنا وأصدقائنا كما كنّا من قبل بسبب ظروف الحجر الصحيّ، ولكن هل كنّا حقّاً نتواصل معهم من قبل وكلّ ما يشغل بالنا هو متابعة منصّات “التّواصل الاجتماعيّ” أم كنّا نرزح تحت وطأة التّكنولوجيا ونخلق زنازين لأنفسنا هي عبارة عن شاشات هواتفنا؟

لم يكن ألبير كامو مؤمناً ولم يعتقد بوجود حياة بعد الموت. كما أنّ كامو يعتبر حياة الإنسان من الولادة إلى الوفاة مجرّد سطر في مسرحيّة العبث؛ بلا غاية ولا معنى مسبق. إلاّ أنّ كامو يعتقد أنّ الإنسان قادر على إعطاء حياته معنى خاصّاً، وبالنّسبة له فإنّ أعظم ما يمكن أن يقوم به الإنسان لمواجهة عبثيّة الوجود هو المقاومة حتّى النّهاية؛ مقاومة المعاناة وفكرة الموت مع الإقرار بحتميتهما، كما قاوم سيزيف في أسطورته عقاب الآلهة بالاستمرار برفع الصّخرة لقمة الجبل مرّة بعد مرّة بلا كلل، مع معرفته بأنّ الصّخرة ستسقط للقاع من جديد في كلّ مرّة.

من الدّروس الّتي نتعلّمها من الرّواية في ظروفنا الحاليّة، أنّ سكّان وهران تمكّنوا من الانتصار على الوباء فقط عندما تساموا فوق الأنانيّة وقدّموا مصلحة الكلّ على مصلحة الفرد. إدراك أنّ الوباء خطر على الجميع سمح للنّاس أن يتخطّوا عزلتهم الوجوديّة وبالتّالي حصلوا على المعنى لأنّهم اختاروا أن يقاوموا الموت. الهروب من المدينة بشكل غير قانوني أو عدم المشاركة في جهود مكافحة الوباء أو استغلال الفرصة لتحقيق المنفعة الفرديّة كلّها أمور متاحة دائماً، إلّا أنّها استسلام لعبثيّة الموت الّذي يحدق بعينه الحتميّة في كلّ واحد فينا.

تخلق الرّواية جدليّة بين الأمل واليأس. إنّ الأسوأ من اليأس هو الاعتياد عليه برأي كامو. تخلق الرّواية الأمل إذ تذكّرنا أنّ ما نمرّ به قد حدث من قبل في التّاريخ وتمكّنت البشريّة من المضي قدماً. استمرّ الحجر بالرّواية قرابة العشرة أشهر ومن ثمّ انتهى. هذا الأمل الّذي تخلقه المقاومة هو أقل طريقة لمواجهة عبثيّة الكون.

المقاومة بحدّ ذاتها هي المقصد، هي الفعل النّبيل بغضّ النّظر عن النّتيجة في النّهاية. كلّ شخص يقاوم الوباء من الصّفوف الأماميّة يعلم أنّه يزيد من فرصة تعرّضه للمرض، إلاّ أنّه من الممكن أن يصاب أيضاً حتّى لو لم يفعل شيئاً. كما قال الشّاعر: فقال أصيحابي الفرار أو الرّدى// فقلت هما أمران أحلاهما مرّ. إذا كنت في النّهاية ميّتا لا محالة فلم لا يكون خيارك تقديم المساعدة للآخرين. إنّها ليست مصارعة الدون كيخوت لطواحين الهواء، لكنّها الكيفيّة الّتي تعرّف بها نفسك وتشعر بوجودك.

من الأمور الّتي يمكن أن أنتقدها بالرّواية هو أنّ عدداً من الأفكار تمّت إعادتها أكثر من مرّة في الرّواية بصياغات أخرى دون إضافة كبيرة لمعنى النّص. كما أنّ شخصيّة الطّبيب ريو كانت أكثر مثاليّة ممّا يجب؛ تتعرّض المدينة لمآسٍ مستمرّة إلاّ أنّنا لا نجد لحظة انكسار واحدة للطبّيب وهو أمر غير مألوف حقّاً، وكأنّ كامو يتماهى مع شخصيّة الطّبيب وهاجس أسطورة سيزيف بباله، مصرّاً على مواجهة عبثيّة الوجود بلا انكسار للأبد.

إنّها رواية عظيمة حقّاً، كما أنّ لها تأويلات عدّة حسب مستوى القراءة، حيث يتحدّث بعض النّقاد مثلاً عن التّأويل السّياسيّ وعلاقة الرّواية بمقاومة فرنسا للاحتلال النّازيّ. إلاّ أنّ فهمها ضمن الأطر الوجوديّة في فلسفة كامو يعطي الرّواية دفئاً خاصّاً، حيث أنّها تلمس أعمق الأعماق في جوهر الإنسان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This