المؤرّخ الهادي التّيمومي يصدر الجزء الأوّل من موسوعة الرّبيع العربيّ في تونس

يمثّل آخرُ إصدار للدّكتور الهادي التّيمومي عن دار محمّد عليّ الحامّي للنّشر، الجزء الأوّل من موسوعة الرّبيع العربيّ في تونس 2010- 2020، وهي موسوعة ستضمّ ستّة أجزاء عنْوَن الجزء الأوّل بـ”2011 سنة كلّ المخاطر”.

ولا نحتاج إلى التّعريف بالمؤرّخ الهادي التّيمومي الّذي أصدر منذ 1981 أكثر من 25 كتابًا بين تأليف وترجمة باللّغتين العربيّة والفرنسيّة يتعلّق أغلبها بتاريخ تونس والعالم العربيّ في العصر الحديث. والتّيمومي مؤرّخٌ وأستاذ متميّز بكليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة بتونس، له ما له من ذيوع الصّيت والدّوران على الألسنة والأقلام محليّا وخارج حدود الوطن. وقد قدّم لبعض كتبه جهابذة مثل الشّاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش وعالم الاقتصاد الماركسيّ المعروف سمير أمين.

والتّأريخ للفترة في تونس بين الحراك الانتفاضيّ للرّابع عشر من جانفي 2011 – 2020 التّاريخ المحتمل لإنشاء المحكمة الدستوريّة واكمال مرحلة الانتقال الديمقراطيّ – مشروعٌ من المفروض أن يتولّى أمره معهد بحث بأكمله لا شخص واحد لكن “إذا كانت النّفوس كبارًا تعبت من مرادها الأجسام”.

ويندرج تاريخ هذه الفترة ضمن ما بات يعرف لدى قبيلة المؤرّخين بتاريخ الزّمن الرّاهن وهو تاريخ صعب المراس لأنّ حوادثه تعزيزة ووقائعه غضّة طريّة وأغلب صانعيه لا يزالون على قيد الحياة، الأمر الّذي قد يجعله عرضة للتّظنُن والاتّهام، ولكنّ التّيمومي متمرّس بهذا الصّنف من التّاريخ الّذي له قواعده ونواميسه، فلا تجد فيما يكتبه إلاّ الحذر والاحتراس والتّحوُط لا تلك الاقرارات الفائرة والأحكام المتهافتة وأنصاف الحقائق الّتي يسقط فيها الكثيرون من المتطفّلين على هذا الصّنف من التّاريخ.

يمسح هذا الكتاب 159 صفحة من الحجم المتوسط، وأقرّ بعجزي عن تقديم فكرة ضافية عن هذا المصنّف الزّاخر بالتّأويلات الطّريفة المسكوبة في لغة سلسة سيّالة والّتي تشي بثقافة واسعة تشمل كلّ العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة لا علم التّاريخ فقط بمفهومه الكلاسيكيّ. سأحاول فقط أن أقوم بنوع من رجع الصّدى لكي أبرز بعض مواطن القوّة في هذا الكتاب الجيّد.

لقد أقام المؤرّخ كتابه على الخطّة التّالية فأفرد الفصل الأوّل إلى:

ما قبل العاصفة أو ثلاث سنوات من الفوران الاجتماعيّ بدءا بجانفي 2008. وقد تدرّج المؤرّخ في هذا الفصل من العامّ إلى الخاصّ أي من الوضع الدوليّ الّذي يتّسم باستفحال العولمة النيوليبراليّة المتوحّشة وباستشراء الأزمة الماليّة العالميّة الحادّة للعامّ 2008، إلى الخاصّ أي إلى الوضع التّونسيّ، حيث مثّلت أحداث الحوض الفسفاطيّ بقفصة (جانفي – جوان 2008) تحوّلًا نوعيًا  في أشكال مقاومة استبداد نظام الرّئيس السّابق زين العابدين بن علي، علما بأنّ هذه الأحداث قد تزامنت مع صدور تقارير ويكيليكس “المخابرتيّة الأمريكيّة” (ديسمبر 2008) والّتي فضحت فساد عائلة بن علي والطّرابسليّة “عائلة زوجته”.

أمّا الفصل الثّاني من الكتاب فمداره: 29 يوما هزّت تونس والعالم العربي أو الانتفاضة الشّعبيّة الكبرى (ديسمبر 2010- جانفي 2011). وقد طرح التّيمومي على نفسه فهم ما يشبه اللّغز وهو لماذا نالت منطقة مغمورة مثل سيدي بوزيد شرف اشعال الحريق الّذي أتى على جسد البائع المتجوّل محمّد البوعزيزي (واسمه الحقيقي طارق التّايب) وأتى كذلك على أجسام أنظمة استبداديّة بدءا بنظام بن علي ثمّ بأنظمة أخرى مثل أنظمة مصر وسوريا وليبيا واليمن. وقد عدّد التّيمومي بطريقة توْليفيّة بيداغوجيّة مواصفات “الحراك الانتفاضيّ ذي الطّابع الثوريّ التّونسيّ”.

وكان محطّ اهتمام التّيمومي في الفصل الثّالث من الكتاب:

الفترة الّتي دامت عدّة أشهر وهي فترة مكتظّة بالأحداث المترادفة على وتيرة سريعة ومعقّدة، كانت انتخابات 23 أكتوبر 2011 منتهاها. وهنا تتّضح المنهجيّة الماديّة التّاريخيّة للتّيمومي بكلّ جلاء، إذ حاول المؤرّخ تأويل كلّ هذه الأحداث ضمن مقولة الصّراع الاجتماعيّ الّذي دار بين ثلاثة أطراف:

الطّرف الأوّل، ويمثّله المستفيدون من نظام بن علي والّذين حاولوا جهد استطاعتهم التّمسك بأكثر ما يمكن من امتيازاتهم. أمّا الطّرف الثّاني، فتمثّله عناصر من الطّبقة الوسطى استطاعت انتزاع العديد من مواقع الحصن والتّقرير في صلب الدّولة، في حين يمثّل أصحاب البطون الخاوية والمعد العاوية، الطّرف الثّالث الّذي سلّط ضغوطا شديدة على الطّرفين السّابقين وذلك للحصول على أكثر ما يمكن من مكاسب (التّشغيل، الزّيادة في الأجور…). وختم التّيمومي هذا الفصل الشيّق والشّائك باستعراض أسباب فوز حزب حركة النّهضة (الإسلاميّ الأصوليّ) في انتخابات 23 أكتوبر للمجلس التّأسيسيّ لدستور 2014، وأسباب تراجع الأحزاب الوسطيّة واليساريّة. وأكّد التّيمومي نقطتين هامّتين هما:

– تحويل حزب حركة النّهضة والسّلفيين المتشدّدين دينيا، وجهة انتفاضة الرّابع عشر من جانفي 2011، من انتفاضة لأجل الخبز والحريّة إلى انتفاضة لأجل الهويّة: هل هي إسلاميّة؟ هل هي عربيّة؟ هل هي تونسيّة؟…إلخ

– تدخّل مخابرات الدّول الرّأسماليّة العظمى وإسرائيل لتأجيج انتفاضات “الرّبيع العربيّ” أو لتوجيهها الوجهة الّتي تخدم أجنداتها السّياسيّة والاقتصاديّة.

– ولا ندّعي أخيرا أنّ تقديمنا لهذا الكتاب – وهو تقديم ينهض على الإجمال دون التّفصيل وعلى الاكتفاء من الفيض بالغيض – قد بلغنا به الهدفَ في استكشاف مواطن القوّة في هذا الكتاب، وإنّما هي محاولة لترغيب القرّاء في قراءة هذا الكتاب “الّذي هو من طينة بستان الكتب” الّذي قال عنه الجاحظ بأنّه بستان “يجلو العقل ويشحذ الذّهن ويحيي القلب ويقوي القريحة ويمتع في الخلوة ويؤنس في الوحشة ويفيد ولا يستفيد ويعطي ولا يأخذ”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This