فتحي المسكيني: ننتظر ظهور فيروس التّفكير في “مجتمع بديل” يقع ما وراء الدّولة الأمّة ويقوم على تضامن عالمي

في مقالك “عودة الإنسانيّة إلى البيت” أشرت إلى أنّ “الوحدة في السّابق كانت فضيلة أرستقراطيّة للفلاسفة أو ترفاً أدبيّاً للرّومانسيين أو مرضاً نفسيّاً بالتّوحّد، لكنّ الوباء العالمي قد جرّدها من كلّ قيمة رمزيّة”. ما هو أهمّ اختبار من النّاحيتين الفلسفيّة والاجتماعيّة أخذته خلال تجربتك مع الوحدة؟ وهل بإمكان “الذّات المتأملة المفكّرة”، بالمعنى الفلسفيّ الكلاسيكيّ، في عصرنا هذا أن تعتزل العالم؟

_ يبدو أنّ الوباء قد جرّد الوحدة من أصالتها الأخلاقيّة: إنّ “الحجر” لا هو “تدبير متوحّد” الفلاسفة ولا هو “خلوة” الأنبياء أو المتصوّفة؛ بل هو نوع ما بعد حديث من “البقاء في المنزل”: يتعلّق بالمناعة وليس بالجماعة. كان مفهوم الوحدة التّقليدي مشتقّاً دوما من فشل معيّن لمفهوم الجماعة، حيث كان “المتوحّد” عبارة عن “معتزل” للنّاس أو “منفرد بنفسه” أو طالب “خلوة”، وكان عبارة عن “صعلوك” أو “منبوذ” أو  “مهدور” الدّم أو “مطارد”…إلخ. لكنّ “المحجور” ليس متوحّدًا بأيّ واحدة من هذه المعاني: إنّه يطبّق “أمرًا” سياسيًا أو متعلقًا بسياسة الحياة. فهو منبثق عن تعريف جديد لشكل الحياة: أنّ مجرّد الحياة لم يعد ممكنا دون حمايته بشكل “مناعيّ”. ولا يعني ذلك فقط حمايته بشكل “طبّي”: إنّ الطّبّ نفسه قد فقد جزءًا مربكاً من قدرته على حماية الحياة. وحتّى نظلّ في حدود هذا السّؤال عن الوحدة، علينا أن ننبّه إلى أنّ العلاقة الكلاسيكيّة بين “الذّات المتأمّلة” من جهة، و”العالم” من جهة أخرى، هي نفسها علاقة قد انهارت ولم يعد لها من معنى. لقد وضّح هيدغر بشكل رائع أنّ “الكيان” الّذي هو نحن في كلّ مرّة (من حيث نحن “بشر”، أي “الدّازين” أو “كينونة الهناك الّتي تخصّنا”)) هو واقعة مركّبة سمّاها “الكينونة-في-العالم”. وهذا يعني أنّ “العالم” بالمعنى القديم، أي العالم بوصفه شيئًا “قائمًا” دون أي علاقة معنا، والّذي حوّلته الأزمنة الحديثة منذ ديكارت، إلى مجرّد “طبيعة” أو شيء ممتدّ، – هذا العالم لا وجود له. لا يمكن أن نتوحّد بمعزل عن نمط الكينونة في العالم الّتي نستمدّ منها جنس كينونتنا، أي معنى “الكيان” الانسانيّ بما هو كذلك. ومن ثمّ يأتي سؤال مربك حتّى في مصطلحات هيدغر: هل يتعلّق الأمر بمعنى “التّوحّد” (Einsamkeit) أو معنى “الانفراد”(Vereinzelung) أو العزل؟ – في “الكينونة والزّمان” (الفقرة 53 الّتي تحمل عنوانا مثيرا هنا هو “في الاستشراف الوجودانيّ لكينونة أصيلة نحو الموت”) لا يرى هيدغر سوى معنى “الانفراد” أو الانعزال، عندما يصطدم الكائن بموته بوصفه إمكاناً خاصّاً به دون سواه، قائلاً: “إنّ الموت لا ‘ينتمي’ دون اكتراث إلى الدازين الخاصّ فحسب، بل هو يدعو هذا الأخير بوصفه فرداً. ومن شأن عدم تعلّق الموت بأيّ شيء (…) أنْ يعزل الدازين في ركن ذاته.” لكنّ هذا “العزل” ليس توحّدًا، بل هو “انفتاح ‘الهناك’ أمام الوجود”، الوجود (Existenz) بوصفه طريقة الإنسان في الإجابة عن السّؤال “من”. علينا أن نفهم معنى “العالم” بوصفه “الهناك” الّتي تخصّنا. ونحن أمام “هناك” مفتوحة حيث يمكن لشكل وجودنا أن يظهر. ولذلك فإنّ “الانفراد” في “المنزل” لا يترك “العالم” خارجاً. بل هو يحتفظ بالكينونة في العالم بكلّ ضراوتها. ولذلك فإنّ “توحّد” المفكّر هو مشكل من جنس آخر. وهذا ما سوف يشغل هيدغر الثّاني طويلاً.

قال هيدغر في محاضرة ألقاها سنة 1959 تحت عنوان “الطّريق نحو اللّغة“: “إنّ اللّغة مونولوج. وهذا يعني (..): أنّ اللّغة وحدها هي الّتي تتكلّم في حقيقة الأمر. وهي تتكلّم وحدها. إلاّ أنّه لا يستطيع أن يكون متوحّداً (einsam) إلاّ من لم يكن وحده (allein)؛ لم يكن وحده، أي لم يكن مفصولاً، معزولاً (vereinzelt)، دون أيّ علاقة. أمّا في التّوحّد فإنّ ما يسود (west) على الضدّ من ذلك هو الشّعور بفقدان المشترك من جهة ما يكون هذا الفقدان هو العلاقة الأكثر ربطاً به (..) المتوحّد يعني: أن يكون ذاته (das Selbst) في صلب العنصر الموحِّد (einigend) للانتماء”.

إنّ البقاء في البيت هو “حجر” يشبه “العزل” لكنّه أقرب إلى “التّوحّد”، وإن كان صيغة ضعيفة منه. نحن “محجورون” لكنّنا لسنا “معزولين”، بل نمارس وحدة اختياريّة من أجل حماية إمكانيّة الحياة الّتي بحوزتنا. وعلينا أن نجازف هنا بالقول: إنّ “الحياة” هي الوحيدة الّتي تتكلّم الآن (مثل “لغة” هيدغر المتوحّدة دون عزل). إنّ الحياة تجعل توحّدنا بمثابة العلاقة الأكثر ربطاً بالمشترك الّذي يوحّدنا، نعني الشّكل الأكثر حدّة بالانتماء إلى عالم الأحياء. صحيح أنّ العلاقة “التّأمّليّة” بالعالم لم تعد ممكنة، ولكن ليس ذلك بسبب اعتزال العالم بل من أجل حمله معنا إلى المنزل بوصفه هديّة المشترك أو الانتماء إلى إنسانيّة المستقبل.

ثمّة رهانات وفرضيات مفتوحة يمكن أن تترتب على وباء كورونا لا سيّما على صعيد احتمال تشكّل نظام عالمي جديد، وتبدّل في طبيعة الاقتصادات العالميّة، وسيطرة أقوى للتّكنولوجيا الرّقميّة. على مستوى التّنظيرات الفلسفيّة الأوروبيّة، هل تعتقدون أنّ شروط الدّرس الفلسفيّ يجب أن تواكب أكثر القفزات التّكنولوجيّة الهائلة؟ وهل نحن على أعتاب ولادة طبقة من الفلاسفة الجدد يمكن أن ندرجهم في مذهب “الفلسفة السّائلة” بالمعنى الّذي درسه ونظَّر له عالم الاجتماع البريطاني زيجمونت بومان؟

_ ليس من الصّعب أن نلاحظ أنّ عديد الفلاسفة الغربيين “العموميين” (من قبيل سلافوي جيجيك، نعوم شومسكي، جوديت بتلر…) قد قرأوا أزمة كورونا وكأنّها “أزمة الرّأسماليّة” أو “أزمة حضارة” وليس كارثة تهم إمكانيّة “الحياة” بما هي كذلك: فقد اعتبرها سلافوي جيجيك “الفيروس الأخطر على الرّأسماليّة“، وإن كان يأمل أن ينطوي هذا الفيروس المستجدّ على “مفعول إيجابي ثانوي” هو تحقيق “ضربة قويّة ضدّ الرّأسماليّة”، ومن ثمّ هو ينقل الأزمة من السّياق “الوبائيّ” (الخاصّ بتاريخ الحياة) إلى سياق ما يسمّيه “الأوبئة الإيديولوجيّة” المفيدة: حيث يمكننا أن ننتظر ظهور “فيروس إيديولوجي” أكثر فائدة، ألا وهو فيروس التّفكير في “مجتمع بديل” يقع ما وراء الدّولة الأمّة، ويقوم على “تضامن وتعاون عالمي“، ومن ثمّ ربّما كان فيروس كورونا يخبّئ لنا “انفجار الرّأسماليّة”. هذه قراءة “رجائيّة” تنقل الأزمة من رتبة الوباء إلى مقام الفرصة التّاريخيّة المفاجئة ضدّ الرّأسماليّة والّتي يجب انتهازها.

إلاّ أنّه علينا أن نلاحظ أنّ

علماء الاقتصاد لا يبدون هلعين أو مفزوعين (فالرّأسماليّة نفسها هي لا تعدو أن تكون نظريّة في الأزمات) بل هم يستشرفون شيئاً آخر غير أصوات الفزع الّتي يطلقها بعض الفلاسفة،

حيث يتصوّر عالم اقتصاد مثل دانيال كوهن (وهو فرنسي مولود في تونس)، مثلاً، أنّ “أزمة فيروس كورونا تنبئ عن تسارع نحو رأسماليّة جديدة، هي رأسماليّة رقميّة”، بحيث أنّ “الأزمة الصّحيّة” يجب أن تُقرأ بوصفها “لحظة انقلاب الاقتصاد نحو نظام نموّ من نوع جديد”. ولذلك بدلاً من التّجديف على الرّأسماليّة يدعونا إدغار موران مثلاً إلى قراءة أزمة كورونا على أنّها درس فلسفي في التّضامن الإيكولوجيّ: أنّ البشر مترابطون ومن ثمّ هم في “تبعيّة” متبادلة، ومن ثمّ لا جواب ضدّ الوباء سوى جواب “تضامني كوكبي”.

ما الّذي يمكن استنتاجه من الملاحظات السّابقة؟  إنّ الفيلسوف “الغربي” يبدو اليوم مجرّد “ناقد” عدمي منهك لا يملك في جعبته سوى وصفات جانبيّة لأزمة الوباء. وحتّى عندما يكون شيوعياً (مثل جيجيك أو باديو أو موران) أو كان “ليبارتاريا” أو “فوضويا” (مثل شومسكي) فهو لا يقترح شيئاً مهمّاً بالنّسبة إلى الإنسانيّة “غير الغربيّة”. إنّه يكلّمها من خارج قدرها؛ ويكتفي بوصفات “الحجر المنزلي” مثل الدّولة الّتي يجدّف عليها -كما فعل ألان باديو الّذي يقول “إنّ الحلّ الوحيد هو ‘أن أحتجز نفسي'(séquestrer chez moi) أو ‘أن يبقى المرء عند نفسه'(rester chez soi)”، وأنا أترجم بشكل حرفيّ قصداً حتّى أبرز فهم الغربيين للعلاقة بين “الذّات” و”المكان”.

لكنّ “الغرب” أخطر من أن يختزل نفسه أو دوره في “رجاء” إيديولوجي (جيجيك) أو نداء إيكولوجي (موران) أو نصيحة “إتيقيّة” (باديو) أو نقد “للهشاشة” الاجتماعيّة (جوديت بتلر)،…

كنّا نظنّ أنّ الغرب جهاز معنى أكثر شأواً من ذلك. ويشعر القارئ “غير الغربي” بأنّ المفكّر في الغرب قد فقد دوره الفلسفي الكبير، وتحوّل إلى مجرّد “ناقد” طهوريّ لسلطة أو قوّة أكبر من عقله لأنّها بالتّحديد هذا “العقل” نفسه وقد تجسّد في “مؤسّسات” أو “أجهزة” أو “تعليمات” تخطّت قدرة الإنسان الدّيكارتي على السّيطرة عليها أو ملكيّتها. وحين يصبح “النّاقد” مهرّجاً تعود الثّقافات إلى مخزونها الهوويّ، حيث يستعيد الدّين خاصّة دورها الوعظي. ولكن عندئذ لا معنى لأن يصبح الغرب (الّذي استعاد تمارينه الرّوحيّة الخاصّة) مدرسة نتعلّم فيها نحن “غير الغربيين”، تعاليم “البقاء في المنزل” أو “العودة إلى البيت”. ففي هذا النّوع من الأخلاق يفقد الغرب أفضليته “ما بعد الحديثة” ولا يستطيع حتّى أن يتساوى مع “الجماعات” البشريّة “الموازيّة” للحداثة.

ولذلك فإنّ ظاهرة “الفلسفة السّائلة” (حتّى وإن كان توصيفا مناسبا) لا يجب أن تكون خبرًا سارًّا: إنّ “السّائل” حسب باومان، منذ كتابه “الحداثة السّائلة” سنة 2000 حتّى آخر كتبه ريتروطوبيا (Retrotopia) المنشور سنة 2017،- هو “العيش في عدم اليقين” أو “زمن الأزمة” بوصفه “حالة” أنموذجيّة للحياة الرّاهنة على كوكب الأرض كما يمكن تصويره في أفق “الغرب” بوصفه أنموذج الحضارة السّائدة اليوم. وكان باومان قد اخترع مصطلح “المجتمع السّائل” منذ سنة 1998 للإشارة إلى وضع الإنسان ما بعد الحديث: الإنسان الزّائل، الهشّ، الّذي يمكن تعويضه، الّذي لا وجهة له ولا مستقبل محدّد، الإنسان/الفضلات أو النّفايات الّتي يلقي بها العالم الرّأسمالي “السّائل”.

ومن الأكيد أنّ باومان لو كان قد عاش إلى اليوم لكان قد نعت الحداثة السّائلة بأنّها “عصر الفيروس” أيضا كما سمّاها “عصر الأزمة“.

لكنّ باومان الّذي عاصر كورونا فيروس سنة 2003، هو على الأرجح لم يره بما هو كذلك. ومن ثمّ نحن نقدّر أنّ “الحداثة السّائلة” لا ترى الوباء لأنّها مشغولة تماما بحالة “عدم اليقين” المعولَم للرأسماليّة النّيوليبراليّة، المتأتّي من مشكل غير وبائي ولا هو طارئ بل متأصّل في طبيعة الانتقال الدّاخليّ في ماهيّة الحداثة وقيمها العميقة من “الصّلب” إلى “السّائل”. يبدو معجم باومان غريبا عن الاستعارة الوبائيّة (على خلاف فوكو مثلا) بل هو منصرف إلى أمثلة سوسيولوجيّة تدور أساسا حول مفردات “السّوق” النّيوليبراليّة وعلاقتها بالسّلطة. يقول في كتابه “الحداثة السّائلة”(2000):” تُعزى ‘السّيولة’ الّتي تتّسم بها أزمتنا في الأصل إلى ‘تفكيك النّظم’، بمعنى فصل السّلطة (القدرة على فعل الأشياء) عن السّياسة (القدرة على تحديد الأشياء الّتي ينبغي فعلها)… فتتولّد حالة من اللاّيقين تجمع بين الإحساس بالجهل (استحالة معرفة ما سيحدث) والعجز (استحالة منع ما سيحدث) والإحساس بالخوف…ويمكننا أن نقارن العيش في الحداثة في مرحلة السّيولة بالسّير في حقل ألغام…وعلى هذا الكوكب المتعولم يصبح هذا الوضع كونيا… لكنّ زواج السّلطة والسّياسة من جديد، بعد طلاقهما من قبل، إنّما هو شرط ضروري بلا شكّ لما يمكن أن نسمّيه في هذه الأيّام ‘استعادة الرّوابط الصّلبة’.”(ترجمة حجاج أبو جبر). كلّ هذا المشهد يندرج عنده في نطاق استعمالات “الخوف السّائل” الّذي ينتاب الفرد السّائل في ظلّ العولمة المتوحّشة.

لكنّ وباء كورونا يشير إلى منطقة إشكاليّة من نوع آخر. إنّها تهمّ بالأساس “سياسة الحياة” على الكوكب وليس أزمات الرّأسماليّة. ما كان يشغل باومان هو السّائل المتحدّر، حسب تعبيره، من “رحلة التّسوّق الّتي هي بالأساس إبحار في الفضاء قبل أن تكون سفراً في الزّمن”. وهو يصفها بأنّها “رحلة في معبد الاستهلاك”. وفي خضمّ هذا المعبد الفردانيّ يتمّ، كما يقول، “تقيّؤ الأغيار ولفظهم بوصفهم غرباء وأجانب لا ينتمون إلى المكان…فيحظر عليهم الاتّصال الجسدي…والعزل المكاني والغيتو الحضري، والسّماح لأفراد بعينهم بدخول فضاءات معيّنة دون سواهم”، ويسمّي هذا النّوع من الأمكنة “الفضاءات الحضريّة العامّة غير  الاجتماعيّة”، أو “اللاّمكان”، أو “الأماكن المحظورة الّتي تكمن وظيفتها في عدم دخولها”، وحتّى “الفراغ”… لكنّ كلّ هذه التّوصيفات للمكان “السّائل” هي غير مفيدة في استكشاف معنى المكان “المحجور”.

إنّ المحجور ليس محظوراً، بل هو مفتوح نحو الدّاخل. إنّه يجذب النّزلاء إلى داخل أنفسهم حماية لهم من “خارج” متعتلّ، محتلّ من طرف وباء يبحث عنهم. وعلى عكس لعبة “النّحن” و”الغرباء” الهوويّة، الفردانيّة، حيث لا يزال ممكناً تنصيب حقول “الملكيّة” وحراستها في الفضاء العموميّ، فإنّ لعبة الوباء هي من نوع آخر: إنّ الفيروس يبحث عن الآخر كي يسكنه، وبهذا المعنى هو محتلّ وليس غريباً. من أجل ذلك يبدو “السّائل” استعارة خاصّة بمعجم أزمة الفردانيّة في ظلّ عولمة متوحّشة حيث تتحوّل الحياة اليوميّة إلى رحلة تسوّق “اللاّيقين”؛ لكنّ الوباء يضع كلّ سرديّة السّائل موضع مراجعة. هو ينقل بؤرة الاختبار من استعارات “الماء” إلى استعارات “الهواء”: من المادّة “السّائلة” إلى المادّة “الغازيّة”. لا يزال السّائل على صلة قويّة بالصّلب أو هو حسب باومان الشّكل الجديد من الصّلب الزّائل. لكنّ العدوى “الغازيّة” (الشّمّيّة واللّمسيّة) هي تحدث بلا ذاكرة صلبة ولا يمكن معاملتها بوصفها صلابة جديدة. إنّها كارثة. وليس أزمة.

عزّز وباء كورونا الرّغبات عند عدد كبير من النّاس بالعودة إلى الحياة البسيطة والهروب إلى الأرياف خوفاً من المدينة، حيث يلاحظ المراقب أنّ ثمّة لغة شائعة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ في العالم العربيّ ولدى بعض الكتّاب تطالب وتدعو إلى الابتعاد عن ضغوط المدن الكبرى. هل يؤشّر ذلك إلى ارتكاسة في التّحضر أو التّمدن البشريّ أم هو حنين بَدْئِيّ؟

_ كتب هيدغر مرّة نصّاً تحت هذا العنوان:” لماذا نحن نبقى في الرّيف؟(Warum bleiben wir in der Provinz ?)” (نُشر سنة 1934). طبعاً، لم يكن السّؤال متعلّقاً بأيّ نوع من الوباء، كان يهمّ التّساؤل عن معنى اختيار البقاء في الرّيف بدل الاندماج النّهائيّ في حياة المدينة. وما يلفت النّظر هنا هو أنّه قدّم الرّيف بوصفه مكاناً مناسباً لعمل الفيلسوف، ذلك أنّه عمل “من نفس نوع” عمل المزارع في حقله؛ ولأنّ المزارعين قليلو الكلام، كذلك الفيلسوف: إنّ الرّيف حسب هيدغر هو مكان مناسب للصّمت. إنّه حديقة “الأسئلة القديمة” بعيداً عن ضجيج الحضريين الّذين يتعجّبون، كما يقول هيدغر، من “انعزاله الطّويل والرّتيب في الجبال بين القرويين”. ويجيبهم قائلاً:” ومع ذلك هو ليس انعزالاً، وإنّما هو وحدة. ففي المدن الكبرى، يمكن للإنسان أن يكون بكلّ يسر معزولاً أكثر ممّا يكون في أي مكان آخر. لكنّه لا يستطيع أبداً أن يكون وحيداً. ذلك أنّ الوحدة لها القدرة الطّريفة تماماً على ألاّ تعزلنا، بل بالضّد من ذلك هي تستطيع أن تُلقي بالوجود كلّه في حضن القرب الشّديد لماهيّة كلّ شيء“.

هذا التّرف الميتافيزيقي لم يعد ممكنا. ولذلك أشار بيتر سلوتردايك ذات مرّة إلى أنّ من يعود اليوم إلى القرية هو لا يعود إليها كما كان يظنّ الرّومانسيون، بل هو يعود بطريقة “ما بعد تاريخيّة”: نحن نحمل معنا إلى القريّة كلّ إمكانيّة المدينة الحديثة الّتي شكّلت ليس فقط هويّاتنا بل أجسامنا أيضاً.

إنّ الوباء يضع كلّ علاقة رومانسيّة بالطّبيعة أو بالرّيف موضع سؤال. ذلك أنّ “النّاقل” الوبائي ليس رومانسياً أبداً. ولذلك فكلّ عودة إلى الرّيف هي قد فقدت كلّ مزاج شعريّ وتحوّلت هي بدورها إلى نوع من سياسة الحياة في زمن الوباء. وعلينا أن نسأل: إلى أيّ حدّ يحقّ لأحدهم أن ينقل العدوى إلى القرويين الّذين كانوا دوماً يوجدون “خارج” منطقة الوباء الّذي انطلق من مخابر المدن؟ هذا النّوع من الهجرة نحو الدّاخل تجعل هؤلاء “المهاجرين” أو “اللاّجئين” الوبائيين خطرا بيئيّاً يهدّد “أبرياء” لا يفهمون معنى “الحجر المنزليّ” (الّذي هو مصطلح حضري) لأنّهم بالأصل “متوحّدون” في أراضيهم وحقولهم و”منازلهم” بالمعنى الحرفيّ: “المنزل” هو مكان “النّزول” من سفر أو من ركوب أو من عل؛ وهو على الأرجح معنى مختلف عن “البيت” الّذي يناسب “مسكن” الحضريين. البيت له داخل مستقرّ، أمّا المنزل فهو علامة على الحركة الدّائمة ومن ثمّ هو مكان نزول فحسب. فلا نقول “منزل الله” بل “بيت الله” مثلا.

إنّ ما يميّز سكّان القرن العشرين والقرن الحالي هو كونهم، حسب تعبير ميشال سار في كتابه الرّشيق “العقد الطّبيعي (Le Contrat naturel) (1992)، أصبحوا يعيشون “في الدّاخل”(à l’intérieur) بلا رجعة: صاروا يعيشون في “زمن”(temps) لم تعد له علاقة “بالطّقس” (temps). صاروا يوجدون في مكان حيّد علاقته بالفصول. ولم يعد للنّاس من علاقة إلاّ بــ”شبكاتهم”. وبعبارة حادّة يقول ميشال سار: “لقد فقدنا العالم؛ لقد حوّلنا الأشياء إلى أصنام(fétiches) أو سلع…وفلاسفتنا، الّذين صاروا بلا كسموس، منذ نصف قرن، هم لا يتدارسون إلاّ حول اللّغة أو السّياسة، حول الكتابة أو المنطق”. لكنّ الأخطر من البشر هو كونهم قد عاملوا الطّبيعة من حولهم بوصفها عدوّاً رئيسيّاً. وصار كلّ الفعل البشريّ عبارة عن “تلويث” مقصود، بحيث يمكن اعتبار “وسخ العالم بمثابة علامة على الإنسانيّة”. وصار للإنسان دور عالمي جديد: دور “الطّفيلي” (parasite).

يقول ميشال سار:” إنّ الطّفيليّ يخلط غالباً بين الاستعمال وسوء الاستعمال: هو يمارس الحقوق الّتي يمنحها لنفسه بإلحاق الضّرر بمضيفه، وفي بعض الأحيان دون منفعة لنفسه: هو يقوم بتدميره دون إدراك ذلك”. وفجأة صار كلّ النّشاط الإنسانيّ مجرّد “فعل طفيلي” هو “يأخذ كلّ شيء ولا يردّ أيّ شيء على خطّ له اتّجاه واحد”. ومن ثمّ يدعو سار إلى مراجعة “العقد الاجتماعيّ” الّذي أدّى إلى نزعة طفيليّة تقوم على اعتبار الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يمكنه أن يتمتّع بمدوّنة “حقوق”؛ ومن ثمّ تعويض تلك العلاقة الدّيكارتيّة (علاقة إنسان يستعمل التّقنيّة من أجل أن يكون بمثابة مالك وسيّد على الطّبيعة) وتعويضها بعلاقة تقوم على “عقد طبيعي” حيث تتحوّل الطّبيعة إلى “ذات حقوقيّة”.

كان الإنسان طفيلياً لأنّ:” الطّفيلي يأخذ كلّ شيء ولا يعطي شيئاً؛ والمضيف يعطي كلّ شيء ولا يأخذ شيئاً”. لكنّ علاقة “السّيطرة” الدّيكارتيّة للحداثة قد أدّت إلى علاقة طفيليّة بالطّبيعة. وصار يجب السّيطرة على تلك السّيطرة.

كلّ هذه الإشارات الطّريفة سرعان ما تأخذ دلالة مخيفة بمجرّد أن نعرف أنّ فيروس كورونا صار هذه المرّة هو الطّفيلي الّذي وصفه ميشال سار: إنّ الفيروس يعامل رئة البشر بوصفها مجرّد مضيف يعمل على أخذ كلّ شيء منه دون أن يمنحه شيئاً.

وهكذا فإنّ الهروب إلى الرّيف هربًا من الكورونا هو بمثابة احتماء بالطّبيعة الّتي عاملها الإنسان الحديث بوصفها مجرّد “موضوع” للسّيطرة والتّملك.

ولكن من قال أنّ الفيروس لا يذهب إلى الرّيف؟ طالما أنّ الأجسام البشريّة –مضيفه المفضّل- تفعل ذلك؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This