الدّرس الفلسفي في زمن الكورونا “ميشيل سير محاورا ديكارت”

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا الدّرس الفلسفي الّذي يتناول حوارا مفترضا بين ميشيل سير(1930-2019) ورونيه ديكارت (1596-1650) يدخل في إطار تنويع طرق الاشتغال على النّصوص الفلسفيّة الّذي أعتمده مع تلاميذ التّعليم الثّانوي التّأهيليّ.

يتعرّض المحور الثّالث “نتائج تطوّر التّقنية” من درس التّقنية والعلم المقرّر في السّنة الأولى باكالوريا ضمن كتاب “في رحاب الفلسفة” إلى نصّين فلسفيين: أولاهما لرائد الفلسفة الحديثة الفيلسوف الفرنسي رونييه ديكارت، والثّاني للفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل سير، صاحب كتاب العقد الطّبيعيّ، والمهتمّ خصوصا بالبيئة والعلوم والتّعلم عن بعد.

هذا الحوار هو جذاذة الاشتغال على النّصين، يأتي بعد تكليف التّلاميذ بتمرين تطبيقي ينجزون من خلاله حوارا مفترضا بين فيلسوف ينتمي إلى القرن السّابع عشر، وفيلسوف آخر معاصر، يعيش نتائج فلسفة هذا القرن، وما بعده من فلسفات ونظريات علميّة.

مقدمة

إنّ الطّبيعة قد شكّلت بمختلف مكوّناتها وظواهرها عنصر غرابة وألفة بالنّسبة للإنسان. وبما أنّ هذه الظّواهر تخضع لقوانين رياضيّة صارمة، فقد تمكّن الإنسان إلى حدّ كبير من فكّ معادلاتها وألغازها. وتبعا لذلك يفتخر البشر بمنجزاتهم اليوم الّتي جعلت الحياة أقرب إلى الخيال، فما كان بالأمس مستحيلا أصبح اليوم ممكنا. غير أنّ آليات عمل الطّبيعة كثيرا ما تفلت من الفهم الدّقيق والتّفسير السّليم والتّنبؤ الصّائب لكيفيّة اشتغالها. هذا الأمر يطرح عدّة إشكالات نجملها في الإشكال التّالي:

ما حقيقة تدخّل الإنسان في الطّبيعة؟ وما نتائجه؟ ثمّ ألا يهدّد هذا التّدخل التّراث الثّقافي والرّمزي للبشر؟ بل الوجود الإنساني والطّبيعي ككلّ؟

لمقاربة هذا الإشكال نقترح حوارا فلسفيا بين فيلسوفين هما رونييه ديكارت وميشيل سير، وهذا نصّ الحوار المفترض:

سير: مرحبا ديكارت، أنا فيلسوف من المستقبل، قرأت مشروعك الفلسفي وأودّ التّفاعل معك، فهل تسمح لي بذلك؟

ديكارت: مرحبا سيدي، أنا سعيد باهتمامك هذا، وسعيد بمعرفة مآل فلسفة عصرنا في المستقبل.

سير: كيف وصلت إلى إدراك قيمة العلم الطّبيعيّ؟

ديكارت: إنّ تأملاتي الخاصّة هي الّتي أوصلتني إلى أنّ العلم الّذي يدرس الطّبيعة هو المدخل الوحيد لفهم الطّبيعة، وتسخيرها لصالح الإنسان، ومن ثمّة السّيطرة عليها.

سير: وما الشّيء الآخر الّذي توصّلت إليه أيضا.

ديكارت: توصّلت إلى ضرورة التّخلي عن الفلسفة النّظريّة الّتي كانت تعلّم في المدارس، وتعويضها بالفلسفة العمليّة. فالأولى تقوم على منهج عقيم لا يسمح لنا إلاّ بالشّرح والتّوضيح، أمّا الثّانية فتقوم على منهج كاشف للحقائق الكامنة في الطّبيعة.

سير: إذن حسب كلامك، لهذا السّبب رفعت شعار التّملك والتّحكم في الطّبيعة عاليا.

ديكارت: نعم، وما العيب في ذلك.

سير: العيب يا سيدي، هو أنّ مشروعك الفلسفي قد كتبت له نسبة كبيرة من النّجاح، لكنّ هذا التّملك والتّحكم الّذي رفعته في فجر العصر العلميّ والتّقنيّ الحديث، قد أدّى بعدك بثلاثة قرون إلى تهديد حياة الإنسان والطّبيعة معا، إذ كبّد الإنسان والطّبيعة خسائر فادحة، تساوي الخسائر الّتي يمكن لحرب عالميّة أن تتركها ورائها.

ديكارت: إنّي مندهش لما أسمع، كيف حصل هذا..؟

سير: حصل هذا بحكم تحكّمنا المفرط في الطّبيعة، حتّى أصبحنا ضعفاء أمامها، وأصبحت تهدّدنا هي بدورها للسّيطرة علينا. لقد أصبح الإنسان والطّبيعة معا يقتسمان نفس القدر، قدر الزّوال والنّهاية، خاصّة وأنّ الخضوع لسلطة الطّبيعة قد كان في زمنكم محلّيا، أمّا اليوم فسيكون الخضوع عالميا، لقد أصبح العالم قرية صغيرة.

ديكارت: مفزع ما تقول يا سيدي. لكن في مشروعي الفلسفي أشير إلى ضرورة حفظ الصّحة الّتي هي بلا ريب الخير الأوّل وأساس جميع الخيرات.

سير: صحيح، لكنّ التّحكم لم يعد منضبطا ولا مقنّنا، ولم يأخذ الطّبيعة بمختلف مكوّناتها في الاعتبار.

ديكارت: وما الحلّ في نظركم لتجاوز هذا المعضلة الّتي تهدّد مصيركم ومصير العالم.

سير: الحلّ معقّد من مختلف النّواحي، فالوضع يكاد يخرج عن السّيطرة. لكن لا بدّ من البحث عن تحكّم جديد في التّحكم الحاليّ، تحكّم يقتضي بالضّرورة توقيع التّعاقد الطّبيعيّ الّذي يحفظ للطّبيعة حقوقها، تعاقد يتجاوز التّعاقد الاجتماعي ويسحب من الإنسان لقب الكائن الطّفيليّ، تعاقد يجعلُ من الإنسانِ متصالحًا، محبًّا، وعاشقًا للطّبيعةِ.

ديكارت: لقد انتهى دورنا التّاريخي وفق شروطه وسياقه، ومهمّتكم ليست بالسّهلة، فلتتحمّلوا مسؤوليّة دوركم التّاريخيّ. عذرا إنّ الطّبيعة تجبرني على الإنسحاب فورا ومواصلة رقودي بسلام.

سير: فلترقد بسلام، ولنواصل بسلام.

على سبيل الختام يمكن القول أنّ مرحلة اعتزاز الإنسان بنفسه، ووهم اعتقاده أنّه سيّد على الطّبيعة، قد انتهت. ولا بدّ للمرحلة الجديدة من أن تستهلّ بالاعتذار للطّبيعة والتّصالح معها، وإحداث السّلم والتّعايش بين البشر، وإلاّ فالمزيد من الحروب والدّمار والأمراض تنتظر الإنسانيّة جمعاء.

فلنعد القراءة والكتابة مرّتين: مرّة مع الطّبيعة ومرّة مع الإنسانيّة.

*****

المراجع:

  • ديكارت رونييه: “مقالة الطّريقة” ترجمة: جميل صليبا، الطّبعة الثّانية بيروت، 1970.
  • سير ميشيل: “العقد الطّبيعي”، نصّ ضمن كتاب في رحاب الفلسفة، السّنة الأولى بكالوريا، الدّار العالميّة للكتاب، الدّار البيضاء، 2006.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This