فصل المقال فيما بين روح الدّين والإيمان الحرّ من انفصال(3)

 3- الإيمان الحرّ أو ما بعد الملّة: الورشة التّأويليّة عتبة الحرّ

*قلق السّؤال الفلسفيّ

“السّؤال لا وجود له على السّاحة. إنّه ليس من باب ما قد سبق أن قيل. إنّه خروج على الإجماع، أو هو على الأقلّ فتح ما يقع عليه الإجماع على ما هو مغاير. إنّه توليد للمفارقات. لذا فهو أساسا قطيعة وانفصال. إنّه حركة وانفتاح. الاستفسار أداة المعلّم، أمّا السّؤال فنهج المفكّر. إنّه الطّريق الّتي يستجيب بها الفكّر لما ينبغي أن يعمل فيه الفكر. السّؤال تقوى الفكر.”1

بعيدا عن معاودة إنتاج سطوة التّاريخ الدّينيّ يطرح الإيمان الحرّ نفسه كورشة تأويليّة تحرّكها حرقة الأسئلة الفلسفيّة في قراءة التّاريخ والواقع الحيّ الملموس في تحوّلاته الماديّة ومعطياته الفلسفيّة والفكريّة والحضاريّة لعصور ما بعد الدّين والملّة وفق إطار معرفي حداثي بلوره السّؤال الفلسفي منذ كانط إلى وقتنا المعاصر، كما بلورته حركة تطوّر السّيرورة التّاريخيّة للحداثة بشكل عامّ، ليس في المجتمعات الغربيّة وحدها، بل على المستوى العالميّ كشرط إنساني حضاري، حيث إمكانيّة أن تجد المجتمعات نفسها مساهمة ومشاركة في البناء والتّفاعل والتّواصل كانفتاح إنساني ما بعد الدّين والملّة، أو سيتمّ الاستغناء عنها بشكل عفوي تلقائي. وهذا المنظور الفلسفي في معانقة حرقة الأسئلة كورشة تأويليّة يتأسّس بناء على كتابات فلسفيّة في مسائل الدّين قصد فكّ الارتباط بين فكرة الله كمشكل فلسفي داخلي، أي قول كلّي في الكائن الأسمى، والأديان التّقليديّة، بمعنى الاعتراف بالإنسان بشكل غير مشروط بالأوامر والنّواهي المنزلة كحقيقة جاهزة، بل إعادة حريّة الاختيار للإنسان في تحديد ما يمكن أن يؤمن به بعيدا عن سطوة الفكر الدّينيّ في لجم التّاريخ البشريّ في حريّته واختياراته وإيمانه، أي رفع وصاية القبول المشروط في الاعتراف بالإيمان الحرّ، أي بالإنسان كفعاليّة بشريّة يميّزها العقل في التّحكم في الذّات وصناعة المصير في الهويّة والانتماء والاختيار…، بما يرفع الحجر العقلي، وينقض إستبداديّة المعايير والقوانين الدّينيّة والسّياسيّة بذريعة القصور العقليّ البشريّ في عيش الإيمان الحرّ، دون أيّ إلتباسات منمّقة وبرّاقة للاستعارات اللّفظيّة الّتي تعمل على تكريس ما يسمّى إيمان الأتباع والقطيع، والصّمد الرّاعي. أو تلك الّتي تتحايل إيديولوجيا، من خلال الإيحاءات الدينيّة لما يسمّى روح الدّين في دعوى حرّاس الملّة، أو جوهر الدّين وصميم الدّين…، في دعوى الّذين يتملّقون، باسم التّقدميّة والتّنوير والعلمانيّة، الملّة والدّين خوفا واحتسابا غفر لهم ما تقدّم من ذنوبهم.” الإيمان الحرّ هو ذلك الّذي يريد تحرير العلاقة البشريّة بفكرة الله من سلطة الأديان التّقليديّة الّتي وقفت في شكل الملّة وإعادتها إلى العقل البشريّ بما هو كذلك”.2

والإيمان الحرّ بهذا المعنى لا يفترض هجوما على معتقد النّاس، كما لا ينتصر للعدوانيّة النّقديّة في التّبجّح بالانتقاد النّزق للدّين، أو في التّصريح بالإلحاد، باعتباره الوجه الآخر لروح الدّين في التّأسيس لإيمان القطيع البديل. لذلك يمكن القول إنّ الإيمان الحرّ يتخطّى حدود الخلفيات الإيديولوجيّة لروح الدّين الّذي يسعى إلى إعادة النّاس إلى الحظيرة الدينيّة، وتطويقهم باسم تنزيل العالم الغيبيّ على حياتهم الدنيويّة، وقبر وجودهم الحضاري الإنسانيّ. كما أنّ الإيمان الحرّ هو في حقيقته الإيمانيّة سؤال فلسفي فكري أخلاقي روحي لا ينطلق من عقائد جاهزة تحصّنها الحقيقة المطلقة النّاجزة والنّهائيّة، بل يسعى إلى امتلاك قدرة الفلسفة على تمثّل نفسها في التّفكير الكلّي في الكائن الأسمى، والخروج من صندوق الملّة ” أي اقتراح أسلوب حرّ أي شخصي في احتمال لغز أو سرّ الحياة داخل العالم.”3 ومن ثمّة فهو غير معني بحدود القطيع الّتي يصرّ عليها روح الدّين في إسقاط العالم غير المرئي على العالم المرئي من خلال ابتزاز النّاس في موتهم. ” لأنّ الإيمان الحرّ هو إيمان الفرادى الّذين تخلّوا عن أيّ التزام دعوي تقليدي باسم هذا الدّين الرّسميّ أو ذاك”10 وأفقه في ذلك هو تحرير الإنسان بإعادته إلى شرطه العقليّ متملّكا حياته وهو يختار كيف يموت، بعيدا عن أيّ هوس في الاستثمار الدّينيّ أو الإيديولوجيّ للتّحكم في كينونته وصيرورته من خلال رهاب الآخرة والخطيئة وعذاب القبر…

والإيمان الحرّ ليس حقيقة مطلقة منزّلة من خارج السّياق الزّمنيّ التّاريخيّ للوجود الاجتماعيّ الانسانيّ، بل هو جهد بشري منذ كانط في بناء النّقاش الرّوحيّ كسؤال فلسفي لا يتملّق أي دين ولا يؤسّس لأيّة طقوس. وقد سمحت الحداثة ببلورة هذا الجهد في اتّساقه المعياري كمبدأ فلسفي حرّ من أي تسييج إلهي تتلبّسه سلطة دينيّة، وهو بذلك يتخطّى حريّة المعتقد، أي يتخطّى الحدود بالمعنى الدّينيّ في التّسامح وحسن المعاملة. ومن ثمّة يمكن القول في سياق التّفكير الكانطيّ على أنّه إيمان بلا حدود، أي يتجاوز الحدود بالمعنى الدّينيّ في اشتغالها كأفق متعال خارج أفق العقل البشريّ على الفهم والإدراك. كما ليست له أيّة علاقة بإيمان ما بعد التّنوير، ولا بتلك الكتابات الدينيّة لما بعد أزمة الحداثة. وبالتّالي فالإيمان في هذا الكتاب يميّز نفسه كمسار للفلاسفة، بمعنى لما هو أبعد من أفق الأديان التّقليديّة أو ممّا يسمّى بالدّين الحرّ المبني على حريّة الضّمير لجماعات حرّة أو روحيّة. لأنّ سقف هؤلاء المتدينين الأحرار لا يتجاوز الحقّ في الخطأ تبعا لحريّة الضّمير أو الحريّة الدينيّة الّتي تجد بعض جذورها في دعوى الموحّدون العالميبن منذ القرن16 ذات الارتباط التّاريخيّ بالإسلام. إستراتيجيّة الكتابة في الإشارة إلى هذه المعطيات كما لو كان بالمعنى الذّي يعطيه فتحي المسكيني لمصادر أنفسنا، يسعى إلى تأصيل بشكل نقدي لمفهوم الإيمان الحرّ أو الايمان بلا حدود في بعده الرّوحيّ للدّين، كما يفهم مثلا من الشّطحات الصوفيّة. وهو ما يتناقض مع روح ملّة الدّين التّفاضليّ للإسلام نوعا وطورا بين الأديان التّوحيديّة عند طه عبد الرّحمن الّذي يضيّق الوجود الانساني من خلال انتصاره للحدود الدّينيّة في احتكار الحقيقة والفضيلة وكمال العقيدة وجعلها وقفا على  دينه وملّته وطائفته أو جماعته، أي ما يسمّيه “الحيزات بلا دولة”، وهي في الأخير وقف على شخصه، باعتباره قد حصل له الشّهود والتّشهيد، ممّا مكّنه من صياغة نظريته في روح الدّين، دون أن يدرك أنّ ” الإيمان الحرّ هو ضرب ما- بعد- حديث من التّصوف الحرّ، التّصوف بعد نهاية الأديان التّقليديّة وخروج المؤمنين عامّة من أفق الملل. الإيمان الحرّ بلا حدود، لكنّه لا يجدف على أحد.”5 الشّيء الّذي يجعل الإيمان الحرّ في غنى عن الفهم الضيّق التّقليديّ لروح الدّين الّذي يرى نفسه في جماعة هوويّة اختارها الله نوعا وطورا بين الأديان التّوحيديّة كاملة لأفضل دين لم تعد لها صلاحيّة أخلاقيّة في المشترك الانسانيّ الّذي يؤسّس وجوده الإنساني على العناية بالنّفس كامتياز أخلاقي يتخطّى حدود روح الدّين كما يفهمها طه عبد الرّحمن، وهو يدّعي توسيع الوجود الإنسانيّ، في حين يحصر الإيمان بقوانين وحدود منزلة هوويّة لطائفة دينيّة في عصور ما بعد المّلة والدّين. وشتاّن بين شطحات “فلسفة”  دينيّة تورّط نفسها في الموروث الدّينيّ بشكل نكوصي ارتكاسي، وبين أبحاث في فلسفة الدّين ترى الإيمان الحرّ في شكل الحياة الخاصّة بالأفراد حقّا مشروعا لا يحمل أيّة وصمة سيئة لشكل الذّات والحياة المعاشة كأفراد أحرار وفق انتماء يعيش صيرورته باستمرار، كفعل خلاّق لذاكرتنا الماضويّة، وما يشكّل وجودنا الإنساني في عصور ما بعد الملّة غير مسيّجين بحدود العالم الغيبيّ في التّكليف التّعبّدي، في عيش الكينونة كتعال شخصي حرّ من هوامات الملّة، مستعيدا ثراءه الذّاتي في الانتماء لنفسه من خلال المسافة النّقديّة، مستثمرا فكرة الله البعيدة عن موته الأخلاقيّ، وبما يجعل إيمانه ورشة تأويليّة غير معنيّة بميثاق العهد العقائديّ الربّانيّ لذاكرة الرّوح الفطريّة المؤطّرة بالعقيدة الجاهزة بروح الدّين في سطوته على التّعالي للإيمان الحرّ كما عاشته تجارب في تراثنا، المسكوت عنه والمغيّب، من الصّعاليك إلى المعري، يمكن استيعابها واحتواؤها أخلاقيا وجماليا وفق الشّرط الحضاريّ الإنسانيّ الرّاهن لما بعد الدّين والملّة اللّذين لم تعد أجوبتهما صالحة لا للتّبني، ولا للتّهجم النّقديّ الإلحاديّ المشحون بالضّغينة والثّأر الّذي يكتفي بالتّنكيل بالجثّة. وهذا ما يختلف ويتعارض مع التّفكير الفلسفيّ المحتضن لما هو إنساني في الفرد وفي خلفيات وجوده التّاريخيّ الّذي يقتضي الآن هنا شكلا مغايرا للعلاقة بين الذّات ومصادرها تبعا للشّرط الإنسانيّ للحداثة، في مخاطره واختراقاته وفرصه عوض اعتماد آليّة النّكوص وسيلة للهروب في لغة العروج قصد تنزيل العالم الغيبيّ على العالم المرئيّ والتّقوقع على الذّات داخل سرديّة ترفض الدّفن وإعلان الحداد، بدل التّحصن وراء متخيّل ماضوي قامع للإيمان الحرّ كما مارسته أرواح حرّة في تاريخنا القديم والحديث المعاصر. لذلك فإنّ الإيمان الحر معني بالتّحرر من الاستبداد والسّلطة الإلهيّة للملّة والدّين كما يعيد إنتاجها روح الدّين.

وإذا كان روح الدّين يعلي من شأن العالم الغيبي لفرض سلطة الدّين، فإنّ جرأة الإيمان الحرّ هي في مواجهة حرقة الأسئلة عوض الإطمئنان إلى الأجوبة الجاهزة الّتي تشتغل كآليّة لإيقاف التّفكير ونبذ الإنسان الفِكِّير في تخطّي حدود وسقف الملّة المتجاوز من خلال أفق أخلاقي متحرّر من أي ابتزاز أخلاقي أو هووي يسطو على الاعتقاد بوصفه باعثا دينيا، مستغلّا حاجة الإنسان في انكساره وضعف إرادته، فيجعل من سطوه حقيقة دينيّة لا لكونها صحيحة من العالم الغيبي لا يأتيها الباطل، بل لأنّها استثمار في الحاجة الإيمانيّة المسكونة بالإنفعالات الحزينة، وبترهّل الإرادة، وتفتقر إلى مركز ضبط داخلي. وعلى هذا الأساس أيضا من كآبة حزن الحاجة يؤسّس العلم الوضعي شكلا آخر للإيمان الإلحادي. وهذا ما يؤدّي إلى تزوير التّجربة الوجوديّة للإنسان، فيتولّد التّجاذب الوجداني بين الأنا والأخر كغريب وعدوّ، أو شرّ …كرؤية إيمانيّة قطعيّة متصلّبة ومتعصّبة في النّظر إلى الذّات والآخر والعالم. وروح الدّين يحاول ردم الحفرة العميقة للإرادة الهشّة الجوفاء من خلال تنزيل العالم الغيبيّ كسلطة آمرة، يسمّيها الآمريّة، على التّدبير البشريّ لوجوده والتّحكم في زمام مصيره. لهذا فإنّ “الفلسفة هي تحرير حاجة الإيمان في البشر من تاريخها الدّيني. لنقل حاجة الإيمان ليس عقيدة بالضّرورة.”6

وإذا كان روح الدّين يعلّم الإنسان كيف يتحرّر من طغيان وتسيّد النّفس ونسبتها، ومن السّياسة وتعبّدها للطّاغوت، تبعا لمقامات العروج ومراتب البحث عن الكمال بفضل العمل التّزكوي، فإنّ “الإيمان الحرّ هو تعليم البشر استعمال مصادر نفسه بشكل مناسب: لا يتحرّر المؤمن الحرّ إلاّ ممّا تحرّرت نفسه منه، وسقط من علاقته بذاته. ولذلك هو درجات ومقامات. وليس هناك وصفة جاهزة لتطبيقه. الإيمان الحرّ هو في آخر المطاف استعمال صحي يطرح لغزيّة الكينونة في العالم بكلّ ما أوتي من حريّة، إنّه هو ما يبقى بعد انحسار الأديان التّقليديّة.”7

واذا كان روح الدّين يذهب في اتّجاه فرض الوصاية الدينيّة على إرادة الإنسان، فإنّ الإيمان الحرّ يساعده على التّحرر من ثقل مصادر نفسه، بما يتجاوز حريّة الضّمير في سياق هووي لملّة تخشى إعلان الحداد على نهاية صلاحيتها. وما يميّز روح الدّين عن الإيمان الحرّ هو حدود التّاريخ الدّينيّ في تكريسه للآمريّة الإلهيّة كحاكميّة بشريّة للتّدين الهوويّ المتغطرس في كبريائه العنيف بشيطنة الآخر إلى حدّ تحليل دمه واستباحة عرضه بالسّبيّ الشّرعيّ. أمّا الإيمان الحرّ فهو انفتاح على الوجود الإنسانيّ كاتّساع في عيش كينونة تجد نفسها في المسافات النّقديّة، في الابتعاد عن الذّات من أجل الاقتراب منها، دون تشنج نقدي للدّين، أو انفعال إلحادي. وبهذا يكون الإيمان الحرّ شكلا خاصّا للاعتناء بالذّات. “لذلك لا يحتاج الإيمان الحرّ إلى نقد الدّين إلّا عرضا، إنّه ليس مطلبا أساسيا في مهمّته، بل هو تمرين إيتيقي على روحانيّة بلا حدود لاهوتيّة.”8 كتلك الّتي يحاول روح الدّين معاودة إنتاجها تحت وقع تهمة تخطّي سيادة السّلطة الإلهيّة في قوانين تدبيرها الدّيني للوجود البشريّ، وتهمة التّعبد للطّاغوت في الاشتغال بالسّياسة وحبّ حياة العلمانيّة والحداثة والخروج عن الملّة. لكنّ الإيمان الحرّ هو إيمان بلا حدود يسعى إلى رفع الوصاية العقديّة للذّاكرة الفطريّة لروح الدّين على التّدبير الإنسانيّ لوجوده الاجتماعيّ التّاريخيّ. “الإيمان الحرّ هو الفرصة الأخيرة لأي نوع من المؤمنين في أي ثقافة حتّى يتمّ قبولهم كما هم في نادي الإنسانيّة الجديدة. الإيمان الحرّ هو ما يحتاج إليه المواطن العالمي بعد إعلان موت الإله الأخلاقيّ، ودخول الإنسان الأخير في حقبة روحانيّة غير مسبوقة محكومة بالسّؤال المتعدّد والعابر للهوياّت والثّقافات والأديان عن قدر الحياة في عصر التّقنية.”9 كمواطن يفكّر نقديا في تقرير مصيره وإعطاء معنى لوجود متحرّر، عبر علاقة فروق واختلاف بمصادره، في أفق تجربة معنى هيّأت أرضيتها كتابات فلسفيّة لكلّ من كانط  وسبينوزا…

وقد تبلورت بشكل فعّال في مجتمعات ما بعد علمانيّة في شروط ديمقراطيّة أساسها تدبير الاختلاف ورفع الوصاية بمختلف مرجعياتها، حيث لم يعد الإنسان معنيا بحدود روح الدّين، أو من صميم الدّين، بقدر ما هو معني بالإيمان الحرّ في اختيار ذاته ووجوده الإنسانيّ كإيمان بلا حدود تعبديّة من الطّقوس إلى الجحيم مرورا بعقدة الذّنب والتّأثيم وإرهاب عذاب القبر…

” هو إيمان بلا إيمان أو إيمان بلا دين نظامي. الإيمان الحرّ شكل من الشّعور بأنّ حياتنا لغز أو سرّ أو غموض لا يمكن تفاديه، لأنّه جزء لا يتجزأ من هويّة أنفسنا العميقة، وهو انفعال روحاني لكنّه ليس دينيا”10. وهو بذلك قابل لاتّساع الوجود الإنسانيّ في الاحتفاء بالحياة، في العلاقات والتّفاعلات وكلّ جدليات التّكامل الطّامحة إلى توسيع مساحات الإندماج والمشاركة في بناء المشترك الإنسانيّ العالميّ.

ما كتب أعلاه يبقى مبتورا، وعبارة عن كلام تافه يعبّر عن شحنة إنتقاديّة مسكونة بانفعالات اليأس وضغينة التّهجم النّقديّ، ما لم نواجه حرقة الأسئلة الفلسفيّة الّتي تجد توتّرها الفلسفي في الفكر الضمنيّ المؤسّس لما جاء في كتاب الإيمان الحرّ لفتحي المسكيني حول مفهوم ودلالات وآفاق الإيمان الحرّ. بمعنى أنّ الإيمان الحرّ ليس خلاصات خواطر إلهام فكري فلسفي، أو مجرّد حدوس عفويّة تلقائيّة، بل الأمر يتعلّق بخلفيات فلسفيّة وفكريّة معرفيّة وإبستمولوجيّة عرفت جهد سيرورة تكوّنها وتبلورها عبر اشتغال بحثي فلسفي على كتابات فلسفيّة من كانط إلى هيدجر مرورا بنيتشه. بالإضافة إلى أنّ وراء كلّ ما قيل سابقا عن الإيمان الحرّ أرضيّة فلسفيّة عرفت تكونها وتطوّر سيرورتها انطلاقا من كانط  في اشتغاله بشكل أو بآخر على الاستقلال الفلسفيّ في علاقة توتر مع اللاّهوت، وارتباطا أيضا بالأسئلة الّتي كانت تشكّل مركز اهتمام فلسفة الدّين في تحوّلاتها منذ السّؤال الكانطيّ” ماذا يحقّ لي أن أرجو؟” ، وصولا إلى هابرماس في فكرته حول “المجتمع ما بعد العلماني” مرورا بعدد كبير من الفلاسفة من ضمنهم هيكل ماركس نيتشه هيدجر…، الّذين ساهموا في اكتشاف وتطوير السّؤال الفلسفيّ وفق مباحث ماهيّة الدّين، أو معنى الإيمان ما بعد اللّاهوتي، وأيضا فيما يتعلّق بسياسات الخطاب الدّينيّ.

وهكذا توزّعت مباحث فلسفة الدّين حول مجموعة من الأسئلة كان أوّلها تأملي نقدي تبعا للسّؤال التّالي: “كيف صار الله فكرة”، أو في لغة الإتجاه الإرشاديّ لفلسفة الوعي كيف دخل الله في أفق الذّات، أي اللاّمتناهي الّذي يدخل في أفق المتناهي. فإذا كان صاحب روح الدّين مسكونا بنكوص ماضوي وارتكاس الضّغينة كردّ فعل ضدّ الدّولة العلمانيّة الدّيمقراطيّة الحديثة، وضدّ عصور ما بعد الدّين والملّة في استنجاده بالأسئلة الدينيّة كحقّ في الاختلاف الفكريّ والفلسفيّ كما ظلّ يردّد في كتاباته في محاولة تكريس سطوة مصادر نفسه، فإنّ الإيمان الحرّ في عمق خلفياته الفلسفيّة العميقة الجذور منذ كانط لم يكن اهتمام الفيلسوف في حديثة في الدّين لدوافع أو أسباب دينيّة، بقدر ما كان واعيا صاحب كتاب الإيمان الحرّ ” بأنّ الفلسفة لا يحقّ لها أن تخوض في الله، في وجوده أو في ماهيته أو في حاجة البشر إليه، إلّا من داخل طبيعة المشاكل الّتي يطرحها العقل البشري على نفسه، وليس من أي جهة أو باسم أي مؤسّسة أخرى.”11 فكلّ المشاكل الّتي تطرحها فلسفة الدّين في علاقتها بالله أو الدّين فهي من زاوية التّفكير الفلسفيّ للعقل البشريّ في طابعه الكلّي. دون نكرانها حدود العقل البشريّ في تعاطيه مع المشكلات اللاّهوتيّة انطلاقا ممّا تحصّل لديه على مستوى التّخيل الّذي يميّز طاقة البشر في تصوّرهم لماهيّة الله. لكنّ روح الدّين عند طه عبد الرّحمن يستغلّ هذا المعطى ليُعلي من شأن المتخيّل الدّيني بنوع من التّعالي السّلطويّ للعالم الغيبيّ في فرض الحجر العقليّ على التّفكير البشريّ، وتدبير وجوده الإنسانيّ. “بيد أنّ شرف الفلسفة لا يكمن في الاستثمار الأخلاقيّ في التّناهي البشريّ، أو في عجز البشر عن تخطّي حدود طبيعتهم. وكلّ من يستثمر في العجز البشريّ لا يتفلسف، بل هو ينصب مؤسّسة رمزيّة يسمّيها كانط هنا أيضا، كما في (نقد العقل المحض) سابقا، باسم “العقل الكسول”.12 حيث  صاحب روح الدّين مهووس بالعروج في مراتب الكمال بتنزيل العالم الغيبيّ في العالم المرئيّ ضاربا عرض الحائط قوانين اشتغال العقل البشريّ، وفرض الحقيقة الغيبيّة المطلقة الجاهزة، في الوقت الّذي “لا تناقش الفلسفة مدى صحة الحاجة إلى الدّين أو إلى دين مّا، ولا إمكانيّة وجود اللّاهوت بما هو كذلك، بل مهّمتها الأخصّ هي تنزيل مفهومنا عن الدّين أو عن الإيمان أو عن الله حيث لا يؤدّي إلى تدمير إمكانيّة الحقيقة في عقولنا. لا جدوى من أي رجاء يكون متناقضا مع طبيعة العقل البشريّ.”13 وفي هذا السّياق يفهم اقتراح كانط كما يدلّ عليه عنوان كتابه ” الدّين في حدود مجرّد العقل”. أي وضع لاهوت تأملي.

ظهرت أسئلة جديدة مع نتشه تنطلق من إشكال الحياة مثل معنى الله والدّين والمسؤوليّة والإلتزام…، وهي أسئلة علمانيّة غير ملحدة تناقش المشكل المتعلّق بدلالة المثال النّسكي خاصّة على مستوى الإلحاد الّذي في نظره موقف نسكي من الطّراز الرّفيع. ولذلك صار من الممكن الحديث عن “نبوّة بلا دين تقليدي، نبوّة من نوع أدبي أو أخلاقي أو جمالي تماما… كما أنّ باب النبوّة نفسه لم يعد الإله التّوحيدي (يسوع اليهودي)، بل دينيزوس، الإله الوثني للتّراجيديا اليونانيّة. هذا التّغيير الإستعاري الفذّ في برادايم الدّين هو الّذي دشّن جيلا جديدا من فلاسفة الدّين ليس لهم أيّة تجربة دينيّة شخصيّة.”14 هكذا مع نتشه ستتجذر الكثير من الأسئلة حول الإيمان والعلمنة والدّين وموت الإله…، إلى درجة اعتبر فيها الإله الدّيني خبرا عابرا في التّاريخ، مُفسحا المجال لديانات، غير متورّطة في أجهزة الملّة والذّنب والضّمير الشّقي والضّغينة، كانت متعلّقة بإرادة الحياة.

وفي سياق تراكم فلسفي من نطاق الوعي إلى أفق النّسق مع هيغل “فينومينولوجيا الرّوح” ارتبطت فيه فلسفة الدّين كتأمّل في تاريخ ماهيته مع بروز فكرة معاصرة عن العالم تطلّبت الانتقال من الطّبيعة إلى التّاريخ. وقد عرف هذا التّحول نقده الجذري لماهيّة الدّين مع فيورباخ وماركس…، لكن لم يحصل التّحول النّوعي إلّا مع نتشه حيث “إنّ الجديد هو تدشين البحث في معنى الأديان عامّة، وذلك يعني في نوع التّأويلات وطرق التّعبير الّتي تبنيها الأديان حول أشكال الحياة وحول أنواع البشر الّتي عاشت على الأرض إلى الآن.”15 ومن ثمّة لم يقم الفلاسفة من بعده في تناولهم للدّين إلّا من زاوية تأويليّة أو تحليليّة، في إطار ما صار يعرف بفلسفات تأويليّة في الدّين: تجارب المعنى، أو فلسفات تحليليّة في الدّين: دلالة المنطوقات.

وفي هذا السّياق يمكن فهم الإضافة النّوعيّة لأوستين في تناول القضايا الدينيّة كاستعمال اللّغة بوصفها أفعالا كلاميّة، وهذا ما نجح فيه فتغنشتاين. إلاّ أنّ فلاسفة الاختلاف والتّفكيك…، كانت لهم جهودا جبّارة تتجاوز الإهتمام بماهيّة الدّين، ومعنى الدّين إلى إعطاء أهميّة خاصّة لكيفيّة تشكّل نظام الخطاب كسياسة تؤسّس لأفعال الدّين، “باعتبارها أعمالا لغويّة، أو ممارسات خطابيّة في الدّين، وذلك باعتباره مؤسّسة إنجازيّة للرّجاء أو للتّقديس أو للتّدنيس على مستوى عالم الحياة.”80 وتبعا لهذه المعطيات والتّحولات الّتي عرفها تطوّر فلسفة الدّين يمكن فهم روح الدّين لطه عبد الرّحمن كممارسة خطابيّة لتشكيل نظام خطاب محدّد، أو سياسة الحقيقة المطلقة الجاهزة والنّاجزة بشكل نهائي لا يتطلّب سوى الطّاعة والخنوع والعبوديّة كقربان للسّلطة الإلهيّة. ولم يكن حلّا هذا الرّفض للاعتراف بالإنسان المسلم المعاصر، بسبب رهاب الحداثة الّتي فجّرت الأجوبة الجاهزة وجعلت من السّؤال أفقا للكائن الحرّ في مشاركته في النّقاشات والتّحديات العالميّة، بدل “عزل المسلم عزلا هوويّا وحمايته الدينيّة من مغامرات العقل المعاصر، وهو عقل حديث بالضّرورة التّاريخيّة. فإنّ كلّ فكّ ارتباط  ديني عن قصّة الحداثة لا يكون في الوقت الرّاهن سوى حبكة سرديّة فحسب.”17

يتبع…

********

الهوامش:

  1. عبد السّلام بنعبد العالي: في الانفصال، دار توبقال للنشر، ط1، س2008، ص49و50.
  2. فتحي المسكيني: الإيمان الحرّ أو ما بعد الملّة، ط1، س2018، ص9.
  3. نفسه، ص11.
  4. نفسه، ص 10.
  5. نفسه، ص18.
  6. نفسه، ص 28.
  7. نفسه، ص 28.
  8. نفسه، ص 30.
  9. نفسه، ص 31.
  10. نفسه، ص 34.
  11. ص 60.
  12. ص 62.
  13. ص 65.
  14. ص 71.
  15. ص 75.
  16. ص 80.
  17. ص 82.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This