الطّرب عند العرب: لعبة الغواية والإرضاء (ج1)

نبذة

ما معنى الطّرب عند العرب؟ هل هو مصطلحٌ نظريٌّ علميّ في نشوئه أم ظرفيّ وظيفيّ؟ ما العلاقة بين الدّلالة المُعجميّة للمصطلح والدّلالة القصديّة الوظيفيّة عند استخدامها في حقل الموسيقى والغناء؟ هل ينحصر استخدام المصطلح في الفضاء الثّقافيّ العربيّ أم أنّه يتجاوز ذلك إلى فضاءاتٍ ثقافيّة غير عربيّة؟ كيف ننظر إلى مصطلح “الطّرب” من النّاحية الفيلولوجيّة، وكيف نتتبّع أثر نشوء المصطلح وارتحالاته في الشّعر وفي الغناء عند العرب، وكيفيّة تطوّره وانزياحاته المعنويّة؟ كيف ننظر إلى الطّرب في الأدبيّات العربيّة الإخباريّة والموسيقيّة النظريّة تحديدًا، منذ بداية عصر التّدوين؟ ما هي آثاره واستخداماته في تاريخنا الموسيقيّ المعاصر، وما هي شروط حدوثه داخل النصّ الموسيقيّ الموضوعيّ، وفي أساليب الممارسة الموسيقيّة وانفعالاتها، وفي الحدث الموسيقيّ الاجتماعيّ التّفاعليّ؟ هل هو “لُعبةُ” الأداء أم لُعبةُ التّأليف الموسيقي أم لعبة الاستماع؟ ما هي طبيعة المتلقّي؛ ما هو دوره وكيف يؤثّر داخل هذه اللّعبة؟ أسئلةٌ كثيرة، وأخرى غيرها، سنحاول التّطرق إليها ومعالجتها في مقالتنا هذه.

*

كي نفهم ما الّذي تعنيه العرب عند استخدام مصطلح الطّرب في الموسيقى، نبدأ أوّلًا بالرّجوع إلى المعنى المعجمي للكلمة وضبطه داخل مركّباته اللُّغوية، قبل أن نبحث في المعنى الدّلاليّ الّذي تشكّل للمصطلح عبر الزّمن وخارج المعنى المُعجميّ وداخل السّياقات المختلفة الّتي يتسنّى لنا معرفة استخدامها في حقل الموسيقى تحديدًا، ثمّ النّظر إلى شكل العلاقة بين الدّلالة المعجميّة والدّلالة القصديّة المتداولة داخل حقل الموسيقى. ففي اللّغة العربيّة، ليس بالضّرورة أن تتطابق الدّلالة المُعجميّة مع الدّلالة القصديّة عند استخدام المصطلح في الميادين المعرفيّة وفي السّياقات التّواصليّة الاجتماعيّة على اختلافها، وقد ترتحل المقاصد وتنزاح الدّلالات هنا وهناك لسبب أو آخر. وهذه مسألة لا ينبغي إغفالها. ولنعطي أمثلة على ذلك؛ فحين يستخدم الفارابي، في “كتاب الموسيقى الكبير” تعبير “الشُّحاج”، في مَعرِضِ حديثه عن أوائل الألحان [الأغاني] واستهلالاتها: “وأمّا مبادئُ [بدايات]الألحان، فإنّها تكون بأشياءَ كثيرةٍ، […] وبعضُ مباني اللّحنِ بشُحاجاتِها، وذلك بالّذي بالخمسةِ أو بالّذي بالأربعةِ، أو بغير ذلك” (الفارابي، الصفحات 1160-1161)، فإنّه لا يستخدم الكلمةَ بحسب معناها المُعجمي المتعارف عليه:” الشَّحِيجُ والشُّحاج، بالضّم: صَوْت البغل وبعض أَصوات الحمار” (لسان العرب)، بل يقصد بشُحاجات اللّحن نظائره في الطّبقات الأثقل، ثمّ يعدّدها تباعًا. وفي مثالٍ آخر، فإنّنا نرى الفارابي مُستخدمًا مُفردة “اللّحن” بمعنى الأغنية، بينما يُعرّف ابن سينا اللّحن بأنّه فرضٌ تامٌّ أو ناقصٌ لمجموعةٍ من النّغمات، “محدودة التّمديد، يُرتّبُ فيها الجنسُ أو الأجناس الّتي تحتمله […] ثمّ يفرض انتقالًا معلومًا، وليجعل للانتقال إيقاعًا معلومًا من هزجٍ موصّل أو إيقاع مفصّل …” (خشبة، 2004، صفحة 225). أو في مثالٍ ثالثٍ نجد الكنديّ يستخدم مفردة “التّأليف” بدلًا من الموسيقى أو الألحان (بمعنى الأغاني)، (شوقي، 1996) بينما يفصل ابن سينا بين التّأليف الّذي ينظر في حال الأنغام، اتّفاقها أو تنافرها، وبين العنصر الإيقاعي في الموسيقى الّذي ينظر في حال الأوزان والأزمنة. (خشبة، 2004، صفحة 257). وهذه أمثلة سريعة عن الافتراق أو الانزياح الممكن بين المعنى المُعجمي والمعنى المُتداول من جهة، وبين المعاني الموجبة في استخداماتٍ وتوظيفاتٍ متعدّدة من جهةٍ ثانية.

في المعنى المعجمي للطّرب

في المعنى المعجمي نجد أنّ الطّرب هو الفرحُ والحزن. و”الطَّرَب خفة تَعْتَري عند شدَّة الفَرَح أَو الـحُزن والهمّ”. والخَفَّةُ والخِفّةُ: ضِدُّ الثِّقَلِ والرُّجُوحِ. والرّاجحُ هو الوازنُ. (ابن منظور، 2010، صفحة حرف الخاء). “وهو راجحُ الوَزْن، إذا نسَبُوه إلى رَجَاحة الرّأْي وشِدَّة العقْل” (مقاييس اللغة). و “قيل: حلول الفَرَح وذهابُ الـحُزن؛ قال النابغة الجعديّ في الهمّ:

سَـأَلَتْني أَمتي عن جارَتي/ وإِذا ما عَيَّ ذو اللُّبِّ سَـأَلْ

سَـأَلَتْني عن أُناسٍ هَلَكوا/ شَرِبَ الدَّهْرُ عليهم وأَكلْ

وأَراني طَرِباً، في إِثْرِهِمْ/ طَرَبَ الوالِهِ أَو كالـمُخْتَبَلْ”

واسْتَطْرَب: طلب الطَّّرب واللَّهْوَ. (ابن منظور، 2010، صفحة حرف الطاء)

من الصّعب بمكان الأخذ بالمعنى المُعجمي لكلمة “الطَرَب” كتعريف يدلّ على حقيقة المقصد من استخدام هذا المُصطلح في الحقل الموسيقيّ. فقد يكون للكلمة جذورٌ في اللّغة، وهذا طبيعيّ، لكن معناه الدّلالي قد يُفيد ويلتقي مع المقصد بقدر ما يَحُدّ من المقصد، بل وقد يفترق معه في جوانب كثيرة، وهنا يجدر بنا توضيح مكامن هذا التّقاطع والافتراق، كمدخل سريع للموضوع، وفحص دلالات هذا الاصطلاح، لا في المعجم فقط، بل في استخداماته الفعليّة في تاريخ الأدبيات الموسيقيّة العربيّة، وفي الممارسات العمليّة، أي في لغة التّواصل بين الموسيقيين والسّامعين، أو ما نسمّيه في بُعده الواسع بعلم الاجتماع الموسيقيّ.

لنحاول إذا فهم تركيبة الدّلالة المعجميّة بما يخدم موضوعنا، ثمّ، وبعد أن نخوض في الدّلالات القصديّة المُستخدمة في ميدان الموسيقى، نعود من جديد ونُشبّك ما تبيّن معنا مع الدّلالة المعجميّة بما يُفيدنا.

ينقسم التّعريف المُعجمي إلى شقّين أساسيّين: صفة “الخفّة” من جهة، ثمّ ربطها مباشرة بشدّة الشّعور من جهةٍ ثانية، فـ “تَعْتَري عند شدَّة الفَرَح أَو الـحُزن والهمّ”، كما جاء في لسان العرب. وينقسم الشقّ الثّاني من التّعريف إلى مكوّنين اثنين، فمن ناحية، التّأكيد على الشّعور في ذاته لا في نوعه إن كان فرحًا أو نقيضه من الحزن أو الهمّ، ثمّ التّأكيد على شِدّة الشّعور من ناحية ثانية؛ أي الشّعور حين يكون في حالةٍ من التّأجُّج والانفعال الشّديد، لا في هدوئه وكمونه. يفدنا تفكيك بُنية التّعريف المعجمي في البحث عن معنى الطّرب في جانبٍ من جوانبه، وهذه من المسائل الّتي ينبغي فحصها وتقليبها.

كما أوضحنا إذن، ففي الجهة الأولى هناك الخفّةُ، وهي مُعجميًّا نقيضُ الثِّقَلِ أو الرّجوح (في العربيّة نقول برجوح العقل ورجوح الرّأي إلخ… وهو الثّقل والوزن والرُّجحان، أي المَيْل الى جهة دون أخرى…). ولكن، في الجهة الثّانية، فإنّ المعجم لا يترك هذه “الخفّة” طليقة المعنى وخارج أي سياق، بل هي تحديدًا ما يُصيبنا لحظة انكشافِ (تعرية) الشّعور، وإفصاح النّفس عنه، إن كان ذلك فرحًا أو حزنًا أو همًّا.

فما معنى الخفّة موسيقيًّا إذن؟ هل هي خفّة العقل أم خفّة التّركيب الموسيقيّ والشّعري وموادهما أم خِفّة الأداء أم ماذا؟ وبأي معنى يكون “العقل” خفيفًا في الموسيقى، أو اللّحن أو الكلام أو الأداء؟ ولماذا يكون حصر المعنى في الشّعور (داخل النّفس أو العقل) وانكشافه، وليس في الانكشاف على ما هو عقلانيّ (رغم تحفّظنا على الفصل التّامّ بين ما هو شعوري وعقلاني)؟ وهل مكمن التّناقض أو الافتراق بين الشّعوريّ والعقلانيّ/ بين الخفّة والرُّجحان؟

بعد هذا المدخل المُعجميّ الّذي يُثير تساؤلاتٍ أكثر ممّا يُجيب عن حاجتنا، لنذهب إلى معاني الطّرب وذكره خارج المعاجم اللّغويّة، لنضيء عليه من جهاتٍ أخرى وظيفيّة.

المصطلح خارج الفضاء العربيّ

من الصّعب بمكان تتبّع هذا المُصطلح خارج فضاء اللّغة العربيّة، وغياب رديف لغوي للكلمة في لغاتٍ أخرى يُفسّر إلى حدٍّ مّا خصوصيّة هذا المُكوّن في الثّقافة الموسيقيّة العربيّة. لكن، بحكم اتّساع رقعة الدّولة العربيّة عبر قرونٍ من الزّمان، وبسبب التّبادلات التّجاريّة وعمليّة التّثاقف الطّبيعيّة عند نقاط التّماس والاختلاط الحضاريّ بين الشّعوب والجماعات البشريّة، فإنّنا نجد الطّرب مُصطلحًا (بالعربيّة) وممارسةً قد تسرّب إلى ثقافاتٍ مجاورة متفاعلة. “إنّ العنصر العربي حاضرٌ في منطقة شرق أفريقيا منذ 1000 عام، وخلال هذا الوقت أصبحت ملامح أسلوب الحياة العربيّة، بما في ذلك الإسلام، واللّغة العربيّة متداخلة مع الخصائص المحليّة لدرجة أنّه لم يعد من الممكن فصلها” (Fargion, 1993, p. 110). وفي مقالتها عن دور المرأة في الطّرب في زنجبار، تصف لنا الباحثة جانيت فارجيون الاستخدام الظّرفيّ والوظيفيّ للمصطلح: “الطّرب [Taarab] هو نمط من الموسيقى يُعزف بهدف التّرفيه في حفلات الزّفاف والمناسبات الاحتفاليّة الأخرى على طول السّاحل السواحليّ [Swahili coast] (منطقة شاسعة تمتدّ على طول السّاحل الشّرقيّ لأفريقيا من شمال موزمبيق إلى جنوب الصّومال، بما في ذلك الجزر المجاورة من Pemba و Zanzibar و Mafia وأرخبيل لامو وكومورو). يحتوي الطّرب على جميع ميزات موسيقى “المحيط الهنديّ” النّموذجيّة، الّتي تجمع بين التّأثيرات الآتية من مصر وشبه الجزيرة العربيّة والهند والغرب مع الممارسات الموسيقيّة المحليّة. تلعب هذه الموسيقى دورًا مهمًّا في حياة جميع الزّنجباريين لدرجة أنّها أصبحت جزءًا من توصيف الجزيرة نفسها” (Fargion, 1993, p. 109).

ثمّ تتحدّث عن مصدر الطّرب في هذا السّاحل والجزر المحاذية له: “على الرّغم من أنّ موسيقى الطّرب كانت استيرادًا مباشرًا للموسيقى المصريّة من قبل الطّبقة العليا العربيّة، إلاّ أنّها أصبحت “إفريقيّة”. (Fargion, 1993, p. 109).

ما يُفيدنا في مقالة فارجيون هو تأكيدها على طبيعة انتقال هذا المُصطلح/ المُكوّن، وكيفيّة تمكّنه من الانتقال، لا بوصفه نوعًا موسيقيًّا، بل في بُعده النّفسيّ أوّلًا، وفي كونه صِفةً مُلازمةً، بالمقام الأوّل، للموسيقى الغنائيّة والتّرفيهيّة ثانيًا، ممّا يُشير إلى بُعده الاجتماعيّ بدرجةٍ كبيرة، إذ لا وجود لموسيقى غنائيّة أو ترفيهيّة متعالية Transcendental  (بذاتها ولذاتها) في هذه البيئات، بمعزل عن الظّرف الاجتماعيّ الوظيفيّ: ” لا يشير مصطلح الطّرب إلى نمط معيّن من الموسيقى، بل هو مزاج أو عاطفة ناتجة عن الموسيقى وخاصّة الموسيقى الغنائيّة والتّرفيهيّة”. (Fargion, 1993, p. 111). وبالتّالي فإنّنا أمام شرطيْن إثنين هامّين، ينبغي أن يتوفّرا في الثّقافة الموسيقية المُستقبلة والمتأثّرة كي يتمكّن مُكوِّنُ الطّرب من التّسرب إليها والتّأثير فيها، وهما: الشّرط النّفسي (وسوف نأتي على تفصيل شروطه ومكوّناته)، ثمّ الشّرط الاجتماعي التّفاعلي عبر الغناء أسلوبًا، بالدّرجة الأولى والغالبة، وعبر التّرفيه وظيفيًّا وظرفيًّا: “[…] يمكن تطبيق كلمة الطّرب في زنجبار إلى حدّ مّا فضفاض، ومع ذلك، يمكن القول إنّه يشير إلى اتّجاهٍ معيّن، أو على الأقلّ إلى فئة من الموسيقى الّتي يمكن تمييزها عن الموسيقى الأخرى في المنطقة، وهي نغوما وموزيكي وا دينيسي ngoma, muziki & densi”. (Fargion, 1993, p. 111)

السّياقات الوظيفيّة والدّلالات القصديّة في استخدامات الطّرب عند العرب:

بدءًا، يتكشّف لنا مصطلح الطّرب في أدبيات الشّعر والموسيقى عند العرب لا بوصفه مصطلحًا علميًّا بل ظرفيًّا ووظيفيًّا مُرتبطًا بالتّوصيفات الّتي تتراوح في مضمونها بين الاجتماعيّ والشّعوريّ وحسب. ونجد أنّ استخدام العرب لكلمة الطّرب في الشّعر سابقٌ لاستخدامه في الموسيقى (على الأقلّ فيما وصلنا من مُدوّنات). فنرى الشّاعر جندح بن حُجر بن الحارث الكندي (الشّهير بـ: اُمْرُؤ القَيْس)، القرن السّادس ميلادي، يستخدم الطّربَ في سياق يرتبط بحالة السُّكر تحديدًا، ممّا يتقاطع مع التّعبير المعجميّ “اللّهو”: “يُغرّدُ بالأسحارِ في كلِّ سُدفَةٍ/ تَغَرُّدَ مَيّاحِ النّدامى المُطَرَّبِ”. (البطليوسيّ، 1971، صفحة 158) وكما ورد في كتاب “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” لابن فضل الله شهاب الدّين العمري: “فجعل يهزّه الطّرب والارتياح، فيميل مثل النّشوان مالت به الرّاح” (العمري، 2010).

في معرض حديث الفارابي عن تأثير الموسيقى بالنّفس لا نجده يستخدم مفردة الطّرب بتاتًا، وبرأيي فهذا يعود بالدّرجة الأولى إلى لغته الموسيقيّة التّنظيريّة الّتي ترتكز بالدّرجة الأولى إلى الأدبيات الإغريقيّة وتنهل منها. بكلماتٍ أخرى، يتأسّس التّنظير الموسيقى عند الفارابي على رغبته في تكوين “نظريّة موسيقيّة عربيّة” انطلاقًا من الطّبيعة العلميّة والجماليّة والفلسفيّة للموسيقى عند سابقيه من المنظّرين أو النّقاد الإغريق أمثال أرسطوطاليس، الّذين تُطلّ مصادرهم في كتبه ومخطوطاته باستمرار، ولا ينطلق، أي التّنظير الموسيقى عند الفارابي، من قاعدة نظريّةٍ موسيقيّةٍ عربيّة موجودة وقائمة على مستوى الأدبيات والممارسات. وفي حين أنّ الطّرب، اصطلاحًا، غير متوفّر عند الإغريق، فإنّنا نجد في لغة الفارابي أربع مفرداتٍ بديلةٍ عن الطّرب، تُقسّم الألحان إلى الأنواع الّتي تُشير إلى ناحية الشّعور، وهي “اللّذاذة” الّتي يصلها بـ “أنقِ المسموع”،  و”ما يوقعُ في النّفسِ تخيُّلاتِ أشياءٍ”، و”ما يُكسِبُ الإنسانَ انفعالاتِ النّفسِ، مثل الرّضا والسُّخط والرّحمة والقساوة والخوف والحزن والأسفِ وما جانس ذلك”، و”ما يُكسب الإنسان جودة الفهم لما تدلُّ عليه الأقاويل الّتي قُرنت حروفُها بنغم الألحان” (الفارابي، صفحة 1179). إذًا، وكما نقرأ، فهو لا يفصل، كما يفعل دائمًا، بين اللّحن من حيث هو موسيقى والأقاويل (أي النّص الكلاميّ/ الشّعريّ)، لأنّ العرب حين تحدّثوا عن الموسيقى عنوا بذلك الأغاني تحديدًا. والحقيقة أنّنا لا نجد في أدبيات القرون الهجريّة الأربعة الأولى استخداماتٍ نظريّةٍ جادّةٍ لمفهوم الطّرب، بل ولا نجد له ذكرًا بوصفه مكوّنًا ذا أهميّة في الموسيقى في بعضها، ولا نجد له ذكرٌ بالمُطلق في بعضها، لكنّه كان موجودًا ومتداولًا في الشّعر والموسيقى، كما تُشير بعض المصادر، دون أن يُعيره المُنظّرون الأوائل اهتمامًا نظريًّا خاصًّا. “وأصبح هذا المُصطلح بمرور الوقت مُرادفًا لمصطلح الموسيقى، وما يُشتقّ منه كالمُطرب (الموسيقي) وآلات الطّرب. (شيلواح، 2001، صفحة 32). ففي كتب الأخبار نجد الكثير من هذه الاستخدامات العامّة لمفردة الطّرب، والّتي لا تتعدّى وظيفتها الدّلاليّة ما هو أبعد من التّوصيف العامّ اللّصيق لكلّ ما ينضوي تحت سقف الممارسات الموسيقيّة، كوصف الآلات الموسيقيّة أو العازفين والمغنّين أو الأنواع الموسيقيّة، وهي غنائيّة في الغالب. فعند ابن بطوطة مثلًا، وهو إخباريٌ غير متخصّص في علوم الموسيقى يتحدّث بلسان العامّة، نجد الطّرب يتلازم مع وصف أهله، حيث نراه يتحدّث عن شمس الدّين التّبريزيّ بوصفه “أمير المُطربين” “ومعه الرّجال المغنون والنّساء المغنيّات والرّواقص” (ابن بطوطة، 2014) “، ونكاد لا نصادف مفردة الطّرب عنده إلّا ويسبقها أهله. وفي السّياق العامّ هذا نجد المصطلح متداولًا بكثرة في معظم الكتب غير المتخصّصة مثل كتاب “مواهب الأرب المبرئة من الجرب في السّماع وآلات الطّرب” (الكتاني الحسني، 2013)، ومن قبله كتاب الأغاني (الأصبهاني، 1970) وسواهم.

في الأدبيات الموسيقيّة الحديثة، ثمّة اجتهادات كثيرة لتعريف مصطلح الطّرب، وهو المصطلح الّذي لا نجد له موازي دقيق في اللّغات الأخرى، ممّا يستدعي ضبطه من خلال تتبّعه الظّرفيّ والوظيفيّ داخل الفضاء التّاريخيّ الثّقافيّ العربيّ، وداخل الأدبيات والممارسات الموسيقيّة تحديدًا. وفي الاجتهادات السّاعية لترتيب شتات هذا المُصطلح، يتبيّن لنا أنّ تعريفه يرتبط عضويًّا بالجانب الأدائيّ في المقام الأوّل، والمكوّنات الموسيقيّة، الغنائيّة، الشّعريّة بقدر ما تُشكّل هي بدورها مادّة الأداء. فالطّرب بحسب ما نستنتجه من هذه التّعريفات المُجتهدة لا يُمكن أن يكتمل نصابُه داخل النّصّ الموسيقيّ وحده، بل يظلّ ناقصًا إلى أن يكتمل داخل الحدث الموسيقيّ الاجتماعيّ، حيث الأداء والتّلقي حاضران بقوّة إلى جانب النّصّ الموسيقيّ الّذي يتنحّى بوصفه هيكلًا وإطارًا، لا أكثر، في يد المؤدّي (المُطرب/ة) والجمهور. ” لا يجد المفهوم الجمالي للطّرب ترجمة جاهزة من العربيّة. وفي التّعريف الضيّق، فهو يشير إلى العاطفة الموسيقيّة والمصادر الموسيقيّة الشّعريّة التّقليديّة الخاصّة بإنتاجها، وخاصّة الغناء التّعبيري الانفراديّ في الشّعر المثير للمشاعر، بأسلوب ارتجالي، يستخدم النّسق التّقليدي للمقام (النّظام اللّحنيّ). تقليديًّا، المغنّي ترافقه مجموعة أدوات صغيرة ومرنة وغير متجانسة (التّخت). النّصوص الوجدانيّة الدّقيقة التّجويد والمنطَق، التّفصيلات الدّقيقة المُتقنة للمقام، الارتجال السّليقيّ، التّحوّلات المقاميّة ذات الذّوق الرّفيع، والقفلات الموسيقيّة المُحكمة، هي عوامل حاسمة لتحقيق شرط الطّرب في الأداء”[1]. (Zuhur, 2001 , p. 233)

وفي معرض حديثه عن النّهضة الثّقافيّة والتحرّر من التُّرك في القرن التّاسع عشر، يقول حبيب توما: “[…] كذلك بالنّسبة للعرب في القرن التّاسع عشر، فإنّ الموسيقى تعني الغناء، في المقام الأوّل، مرتبطًا بالطّرب، وهو ذلك الشّعور بالفرح والابتهاج الّذي نشعر به عند استماعنا للموسيقى”. (Touma, 1996, p. 13) وهو يفصل، وبحقّ، بين الموسيقى وبين الغناء، فيضع الطّرب في خانة الغناء لا الموسيقى: “[…]يُستخدم مصطلح الموسيقى عند العرب في الطّروحات والأبحاث النّظريّة حول الموسيقى، وفي معرض الحديث عن الأنساق النّغميّة والآلات الموسيقيّة وقوانين الجمال الموسيقيّة ومواضيع أخرى مشابهة. بينما يستخدم الغناء والطّرب في مجال التّعريف عن الحياة والممارسة الموسيقيّة عند العرب […]” (Touma, 1996, p. 149).

وفي معرض حديثه عن “الموسيقيّ والمؤلّف وإشكالية الهُويّة الثقافيّة”، يتابع توما: “إنّ التّجربة الموسيقيّة الممنوحة للمستمعين من قبل مؤدّين من أمثال أم كلثوم وفرقتها الموسيقيّة تسمّى بالطّرب. وإنّ ثِقَل الطّرب وقوّته مرتبطة بالمقام الأوّل بالصّوت والأسلوب الأدائيّ للمغنّي، كما هو الحال عند أم كلثوم. حيث إنّها عادةً ما تتّبع في أدائها الغنائيّ، على نحوٍ تقريبيّ، النّظامَ الإيقاعيّ الزّمنيّ المحدّد للّحن. لكنّها طالما تقوم بتجريد بعض المقاطع اللّحنيّة من صرامة إيقاعها في سبيل التّكرار، التّنويع، وإعادة صياغة جُمَلٍ لحنيّةٍ بعينها على نحوٍ ارتجاليٍّ، أو الانتقال بالمادّة الموسيقيّة إلى مزيدٍ من الانفعال الدّراميّ في إطار المبادئ الشّكليّة التّقليديّة. وبهذا، فإنّ حضورها يتراوح بين كونها تؤدّي وكونها تتصرّف من نفسِها. إنّ هذا التّضادّ الموسيقي بين ما هو مألوف ومحدّد من جهة، وبين ما هو جديد ومُتصَرِّف بحريّة، على الرّغم من ارتباطه بشخصٍ آخر في العموم، هو ما يولد التوتّر الصّاعد والهابط الّذي يثير الطّربَ لدى السّامعين.” (Touma, 1996, p. 149)

ولكن، علينا أن ننتبه إلى الطّرب بوصفه ظاهرةً سيكو – موسيقيّة، يمكن أن يتحقّق داخل عقل ووجدان الفرد الواحد بوصفه هو ذاته المؤدّي (أو المُرتجل) والمُستمع (وربّما الملحّن أيضًا، لكن ليس بالضّرورة).

******

[1] أنظر كذلك: (Racy, Musical Aesthetics in Present-Day Cairo, Sep., 1982).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This