هنود فلسطين الحمر: مقابلة بين جيل ديلوز وإلياس صنبر

في عام 1982، أجرى الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز مقابلة مع الكاتب الفلسطينيّ إلياس صنبر مؤسّس مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة (La Revue d’Études Palestiniennes)..وقد كتب جيل ديلوز يومها :

” لقد انتظرنا طويلاً مجلّة عربيّة بالفرنسيّة، ولكن بدلاً من أن تأتي من شمال إفريقيا، فقد جاءت من قبل الفلسطينيين. تتميّز مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة بخاصّيتين تتركّزان بوضوح على المشاكل الفلسطينيّة الّتي تهمّ العالم العربي بأكمله. فمن ناحية، تقدّم تحليلات سياسيّة اجتماعيّة عميقة للغاية بنبرة بارعة لكنّها هادئة. من ناحية أخرى، فهي تحشد “مجموعة” أدبيّة وتاريخيّة واجتماعيّة عربيّة غنيّة جدًّا وغير معروفة كثيرا”.

*           *          *

– ديلوز: يبدو أنّ شيئا مّا قد نضج من جانب الفلسطينيين. نغمة جديدة، كما لو أنّهم تغلّبوا على الحالة الأولى لأزمتهم، كما لو أنّهم وصلوا إلى منطقة من اليقين والصّفاء، من “الحقّ” {droit)، والّتي تشهد على وعي جديد. حالة تسمح لهم بالتّحدث بطريقة جديدة، لا بشكل عدواني ولا دفاعي، ولكنّها “متعادلة بالتّساوي” مع الجميع. كيف تفسّرون ذلك طالما أنّ الفلسطينيين لم يحقّقوا أهدافهم بعد؟

– صنبر: لقد شعرنا بردّ الفعل هذا منذ ظهور العدد الأوّل. هناك أشخاص قالوا لأنفسهم “انظروا، الفلسطينيون يصنعون أيضًا مجلاّت مثل هذه”، والّتي هزّت صورة راسخة في رؤوسهم. لا تنسوا أنّ صورة المقاتل الفلسطينيّ الّذي ندّعي مسؤوليتنا عنه، ظلّت بالنسبة للكثير من النّاس صورة تجريديّة للغاية. ودعني أشرح ذلك. قبل أن نثبت حقيقة وجودنا، كان ينظر إلينا كلاجئين. وعندما أثبتت حركتنا في المقاومة أنّ نضالنا كان يحسب ضمن الحساب، فقد حوصرنا مرّة أخرى في صورة مختزلة. صورة مضاعفة ومعزولة إلى ما لا نهاية، صورتنا كمسلّحين خالصين، وكان يُنظر على أنّ ذلك ما نفعله فقط. ومن أجل ترك ذلك وراءنا، فإنّنا نفضّل صورتنا كمناضلين على صورة رجال مسلّحين بالمعنى الدّقيق للكلمة.

أعتقد أنّ الدّهشة الّتي أثارها ظهور هذه المجلّة تأتي أيضًا من حقيقة أن بعض الأشخاص يتوجّب عليهم أن يبدؤوا الآن بالاعتراف لأنفسهم بوجود الفلسطينيين وأن مجرّد تذكّر المبادئ المجرّدة لا يكفي. إذا كانت هذه المجلّة تأتي من فلسطين، فإنّها مع ذلك تشكّل تضاريس يتمّ فيها التّعبير عن العديد من المهن المسبقة، وهو مكان لا يأخذ فيه الفلسطينيون الكلمة فحسب، بل يشمل أيضًا العرب والأوروبيين واليهود، إلى آخره. قبل كلّ شيء، يجب أن يبدأ بعض النّاس في إدراك أنهّ إذا كان هناك عمل مثل هذا، مثل هذا التّنوع في الآفاق، فمن المحتمل أيضًا أن يشمل، على مستويات أخرى من فلسطين، الرسّامين والنّحاتين والعمّال والفلاّحين والرّوائيين والمصرفيين والممثّلين ورجال الأعمال والأساتذة وباختصار، مجتمع حقيقي، تقدّم هذه المجلّة تعبيرا عن وجودهم.

فلسطين ليست شعبًا فحسب، بل هي أيضًا أرض. إنّها الرّابط بين هذا الشّعب وأرضه المسلوبة، وهي مكان يتمّ فيه الغياب والرّغبة الهائلة في العودة. وهذا المكان فريد من نوعه، فهو يتألّف من جميع عمليات الطّرد الّتي عاش شعبنا من خلالها منذ عام 1948. عندما يدرس المرء فلسطين بعينه، عندما يدرسها المرء ويتفحّصها، ويتّبع أقلّ حركاتها، ويلاحظ المرء كلّ تغيير ينتظره فإنّه يضيف جميع صورها القديمة، باختصار، لا يفقد المرء أبداً رؤيته لها.

– دولوز: العديد من المقالات في مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة تستعيد وتحلّل بطريقة جديدة الإجراءات الّتي تمّ بها طرد الفلسطينيين من أراضيهم. هذا أمر مهمّ للغاية لأنّ الفلسطينيين ليسوا في وضع الشّعوب الخاضعة للاستعمار ولكن الّذين تمّ إجلاؤهم، وطردهم. تصرّ، في الكتاب الّذي تكتبه، على المقارنة مع الهنود الأمريكيين. هناك حركتان مختلفتان للغاية داخل الرأسماليّة. الآن الأمر يتعلّق بأخذ النّاس في أراضيهم وجعلهم يعملون، واستغلالهم، من أجل تراكم الفائض: هذا ما يسمّى عادة مستعمرة. وهنا، على العكس من ذلك، إنّها مسألة إفراغ المناطق من شعبها من أجل تحقيق قفزة إلى الأمام، حتّى لو كان ذلك يعني تحويلهم إلى قوّة عاملة في مكان آخر. تاريخ الصّهيونيّة وإسرائيل، مثل تاريخ أمريكا، حدث وفق الطّريقة الثّانية: كيف تصنع مساحة فارغة، وكيف تطرد شعبًا؟ في مقابلة معه، يضع ياسر عرفات حدودا لهذه المقارنة، ويشكّل هذا الحدّ أيضًا أفق مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة: هناك عالم عربي، في حين أنّ الهنود الأمريكيين ليس لديهم وتحت تصرّفهم أي قاعدة أو قوّة خارج المنطقة الّتي طردوا منها.

– صنبر: نحن شكل فريد من المبعدين لأنّنا لم نرحل إلى أراض أجنبيّة بل إلى امتداد مستمرّ لـ”مكاننا”. لقد نزحنا إلى أرض عربيّة حيث ليس فقط أن لا أحد يريد أن يطمسنا ولكن حيث هذه الفكرة هي في حدّ ذاتها انحراف. هنا أفكّر في النّفاق الهائل لبعض التّأكيدات الإسرائيليّة الّتي تعيب على العرب الآخرين عدم “دمجنا” معهم، والّذي يعني في اللّغة الإسرائيليّة “جعلنا نختفي” … أولئك الّذين طردونا أصبحوا قلقين فجأة بشأن المزاعم العنصريّة العربيّة فيما يتعلّق بنا. هل يعني هذا أنّنا لم نواجه تناقضا مع دول عربيّة معيّنة؟ بالتأكيد لا، ولكن هذه المواجهات لم تكن نتيجة حقيقة أنّنا عرب. كانت في بعض الأحيان حتميّة لأنّنا كنّا وما زلنا ثورة مسلّحة. نحن أيضا هنود أمريكيون للمستوطنين اليهود في فلسطين. في نظرهم يتألّف دورنا الوحيد والأوحد هو الاختفاء. في هذا من المؤكّد أنّ تاريخ قيام إسرائيل يعيد إنتاج العمليّة الّتي أنجبت الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

ربّما يكون هذا أحد العناصر الأساسيّة لفهم التّضامن المتبادل بين تلك الدّول. هناك أيضًا عناصر تدلّ على أنّه خلال فترة الانتداب لم يكن لدينا الاستعمار “الكلاسيكي” العرفي، فقد تعايش المستوطنون والمستعمرون. الفرنسيون، والإنجليز، إلخ … تمنّوا شغل المساحات الّتي كان وجود السّكان الأصليين فيها شرطًا لوجود هذه المساحات. كان من الضّروريّ جدّاً أن يكون هناك مهيمن عليه لكي تمارس الهيمنة. وقد خلق هذا مساحات مشتركة سواء أرادها المرء أم لا، أي الشّبكات والقطاعات ومستويات الحياة الاجتماعيّة حيث حدث هذا “اللّقاء” بين المستوطنين والمستعمرين. حقيقة أنّه كان لا يطاق، ساحق، استغلالي، مسيطر لا يغيّر حقيقة أنّه من أجل السّيطرة على “المحليّ”، يجب أن يبدأ “الأجنبي” بكونه “على اتّصال” مع ذلك “المحليّ”. ثمّ تأتي الصّهيونيّة، الّتي تبدأ على العكس من ضرورة غيابنا، والّتي أكثر من خصوصيّة أعضائها (عضويتهم في المجتمعات اليهوديّة) شكّلت حجر الزّاوية لرفضنا، وتشريدنا، و”انتقالنا” والاستبدال الّذي وصفه إيلان هاليفي جيدًّا. وهكذا، بالنّسبة لنا، وُلد أولئك الّذين يبدو لي أنّه يجب تسميتهم “مستوطنين مجهولين”، الذين وصلوا مع نفس خطوة أولئك الّذين دعوتهم “مستوطنين أجانب”. “المستوطنون المجهولون” الّذين كان نهجهم بالكامل هو جعل خصائصهم أساس الرّفض التّام للآخر.

علاوة على ذلك، أعتقد أنّه في عام 1948 لم يكن بلدنا محتلاً فقط بل اختفى بطريقة أو بأخرى. هذه بالتّأكيد هي الطّريقة الّتي كان على المستوطنين اليهود، الّذين أصبحوا في تلك اللّحظة “إسرائيليين”، أن يعيشوا الأمر.

حركت الصهيونيّة الجاليّة اليهوديّة في فلسطين ليس بفكرة أن الفلسطينيين سيغادرون ذات يوم، ولكن بفكرة أنّ البلد “فارغ”. بالطّبع كان هناك بعض الأشخاص الّذين حين وصلوا هناك لاحظوا العكس وكتبوا عنه! لكنّ الجزء الأكبر من هذا المجتمع كان يؤدّي عمله في مقابل الأشخاص الّذين يحتكّون جسديًا بالكتفين كلّ يوم كما لو أنّ هؤلاء لم يكونوا هناك. ولم يكن هذا العمى جسديًا، ولم يخدع أحد في أدنى درجة، لكنّ الجميع عرفوا أنّ هؤلاء الحاضرين اليوم كانوا “على وشك الاختفاء”، وأدرك الجميع أيضًا أنّه لكي ينجح هذا الاختفاء، يجب أن يعمل من البداية كما لو كان قد حدث بالفعل، وهذا يعني النّظر دون “رؤية ” وجود الآخر الّذي كان حاضرًا بلا جدال. من أجل تحقيق النّجاح، يجب أن يمرّ إخلاء الأرض عبر إخلاء “الآخر” من رؤوس المستوطنين.

من أجل الوصول إلى هناك، لعبت الحركة الصّهيونيّة باستمرار على رؤية عنصريّة جعلت اليهوديّة أساس الطّرد ورفض الآخر. وقد ساعدهم على ذلك بشكل حاسم الاضطهاد في أوروبا، الّذي قاده عنصريون آخرون، سمح لهم بإيجاد تأكيد لنهجهم الخاصّ. نعتقد أكثر من ذلك، أنّ الصّهيونيّة سجنت اليهود، وأنّها أسرتهم بهذه الرّؤية الّتي وصفتها للتوّ. أنا أقول أنّها تأخذهم أسرى وليس أنّها ستأسرهم في وقت معيّن. أقول هذا لأنّه بمجرد مرور المحرقة، تطوّر النّهج، تم ّتحويله إلى “مبدأ أبدي” زائف يقول إنّ اليهود دائمًا وفي كلّ مكان هم “الآخر” في المجتمعات الّتي يعيشون فيها. ولكن لا يوجد شعب، لا مجتمع يمكنه أن يدّعي – ولحسن الحظّ – أن يحتلّ هذا الموقف من “الآخر” المرفوض والملعون.

اليوم، فإنّ الآخر في الشّرق الأوسط هو العربي والفلسطيني. وذروة النّفاق والسّخرية هي المطلب الّذي تقدّمه القوى الغربيّة على الآخر الّذي يختفي باستمرار من أجل الضّمانات. لكن نحن من نحتاج ضمانات ضدّ جنون القادة العسكريين الإسرائيليين. على الرّغم من ذلك، قدّمت منظمة التّحرير الفلسطينيّة، ممثلنا الواحد والوحيد، حلّها للصّراع: دولة فلسطين الديمقراطيّة، دولة ستهدم الجدران القائمة الّتي تفصل بين جميع السّكان، أيّا كانوا.

– ديلوز:  بيان مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة، الّذي يظهر في أوّل صفحتين من العدد رقم 1: نحن “شعب مثل الآخرين”. إنّها صرخة ذات معنى متعدّد. في المقام الأوّل، إنّه تذكير أو نداء. فالفلسطينيون يتمّ توبيخهم باستمرار لرفضهم الاعتراف بإسرائيل. يقول الإسرائيليون، انظروا، يريدون تدميرنا. لكنّ الفلسطينيين أنفسهم كافحوا لأكثر من 50 عامًا للحصول على الاعتراف بهم. ثانياً، إنّه يعارض البيان الإسرائيلي، وهو “لسنا شعبًا مثل الآخرين بسبب شتاتنا وضخامة الاضطهاد الّذي عانينا منه “. ومن هنا جاءت أهميّة نصّين حول المحرقة، في العدد رقم 2 من المجلّة من قبل كتّاب إسرائيليين حول ردود الفعل الصّهيونيّة على المحرقة، وعلى الأهميّة الّتي اكتسبها الحدث في إسرائيل، وفيما يتعلّق بالفلسطينيين والعالم العربيّ بكامله الّذي لم يكن له دخل فيها. وبالمطالبة “بمعاملتها كشعب خارج القاعدة”، تحتفظ دولة إسرائيل بنفسها بشكل كامل في وضع من الاعتماد الاقتصاديّ والماليّ على الغرب بحيث لم تعرفه أي دولة أخرى (بوز ايفرون). لهذا السّبب يتمسّك الفلسطينيون بالمطالبة المعاكسة: ليصبحوا ما هم عليه، أي شعب “طبيعي” تمامًا. ضدّ التّاريخ القياميّ، هناك إحساس آخر للتّاريخ يتمّ صنعه فقط مع الممكن، وتعدّد الممكن، وفرة الإمكانات في كلّ لحظة. أليس هذا ما تريد المجلّة أن تظهره، وقبل كلّ شيء في تحليلاتها للأحداث الجارية؟

– صنبر: بالتّأكيد. من المؤكّد أنّ مسألة تذكير العالم بوجودنا مليئة بالمعاني، ولكنّها أيضًا بسيطة للغاية. إنّها نوع من الحقيقة، عندما يتمّ الاعتراف بها حقًا، ستجعل المهمّة صعبة للغاية بالنّسبة لأولئك الّذين يتطلّعون إلى اختفاء الشّعب الفلسطينيّ. لأنّه، في النّهاية، ما يقوله هو أنّ جميع النّاس لديهم نوع من “الحقّ في الحقوق” (droit au droit). هذا تصريح واضح، لكنّ قوّته تمثّل تقريبًا نقطة الانطلاق ونقطة وصول كلّ النّضال السّياسيّ. لنأخذ الصّهاينة فماذا يقولون عن هذا الموضوع؟ لن تسمعهم أبداً يقولون، ” ليس للشّعب الفلسطيني الحقّ في أي شيء”، ولا يمكن لأيّ قوّة من القوى أن تدعم مثل هذا الموقف وهم يعرفون ذلك جيّداً. بل على العكس ستسمعهم بالتّأكيد يصرّون على أنّه “لا يوجد شعب فلسطيني”. ولهذا السّبب فإنّ تأكيدنا على وجود الشّعب الفلسطينيّ هو، ولماذا لا نقولها هكذا، أقوى بكثير ممّا بدا للوهلة الأولى .

******

ترجمها إلى الإنجليزيّة (تيموثي اس مورفي) في مجلّة الدّراسات النّظريّة في الإعلام والثّقافة: المجلّد 20: العدد 3، المادّة 4.

نشر في الأصل في Liberation.

8-9  مايو 1982 بعنوان Les indiens de Palestine.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This