في مواجهة الوباء: إيطاليا تبحث عن استعارات جديدة / وائل فاروق

بعد أكثر من سبعين عامًا على نهاية الحرب الكبرى «كنت أظن أننا قد دفنا هذا المعجم للأبد». هكذا علق ماركو مونديني أستاذ التاريخ بجامعة بادوفا على سيطرة استعارة الحرب على لغة الخطاب السياسي في إيطاليا، فما إن أعلن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي: «إننا في حالة حرب» حتى تبنَّت كلُّ وسائل الإعلام الإيطالية على اختلاف توجهاتها السياسية «لغة الحرب»، التي صارت اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الجميع. دومينيكو أركوري، مشرف الطوارئ، يؤكد أن الأقنعة وأجهزة التنفس الصناعي هي «الذخيرة الحية التي نحتاجها لخوض هذه الحرب». أما ماسيمو غالي مدير مستشفى ساكو في ميلانو يعدُّ المستشفيات «الجبهة الأمامية لهذه الحرب»، ويتحدث الأطباء والممرضات عن «حرب يصعب خوضها لأن العدو غير معروف»؛ إذ إن «السلاح الوحيد هو البقاء في المنزل واحترام القواعد».

وقد امتدت استعارة الحرب إلى لغة الاقتصاد؛ إذ نشر ماريو دراجي الرئيس السابق للبنك المركزي الأوربي مقالًا في صحيفة فايننشال تايمز بعنوان: «نحن في حالة حرب ضد الفيروس التاجي ويجب علينا التعبئة وفقًا لذلك». أما فيلق علماء البيولوجيا فلم يتوانَ عن المشاركة في الحرب بالحديث عن «الفيروسات الغازية» و«الخلايا القاتلة» و«الأمن البيولوجي» حتى أولئك الذين لا يملكون إلا الخضوع لقواعد الحجر الصحي والبقاء في المنازل، شُبِّهُوا بالجنود في الخنادق.

غالبًا ما يُنسب إلى توماس سيدينهام، الطبيب الأكثر شهرة في القرن السابع عشر، والمعروف باسم أبقراط الإنجليزية، إدخال الاستعارات العسكرية في اللغة الطبية الغربية. في منتصف القرن السابع عشر، أعلن سيدينهام أنه «يجب مكافحة مجموعة قاتلة من الأمراض، وأن هدفه هو التحقيق في المرض، وفهم شخصيته، والمضي قدمًا مباشرة، وبثقة كاملة، نحو إبادة المرض». واصفًا مقاربته للمرض، قائلًا: «أنا أهاجم العدو من خلال المسهلات والمبردات» حتى اليوم ما زال قاموس الحرب هو المسيطر في التعامل مع هذا النوع من الأزمات رغم مرور كل هذه القرون.

يمكننا أن نتفهم جاذبية القاموس الحربي، كما يقول أنطونيو سوليدورو في المانيفستو، فهو يشحذ الانتباه. لكن الاستعارات التي تعمق الأثر النفسي للكلمات، هي أيضًا أدوات لخلق معانٍ جديدة منذ أن بدأ البشر التواصل بالكلمات. الاستعارات ضرورة لتنمية اللغة والإدراك والثقافة، وهي تلعب دورًا مهمًّا في طريقة تفكيرنا وخطابنا عن الصحة والمرض والطب، وتشكيل الطريقة التي نتصرف بها، بشكل فردي وجماعي.

لقد درس بشكل منهجي تأثيرَ الاستعارات، وتمثيلاتها الاجتماعية، على التفكير والتحدث والعمل في سياق الأمراض المعدية، علماء الاجتماع وعلماء الاتصالات بدءًا من مقالات سوزان سونتاغ حول السرطان والسل (عام 1978م) والإيدز (1989م). وقد كانت هي نفسها مريضة بالسرطان عند كتابتها عن المرض كمجاز، تقترح سونتاغ أن الاستعارات والأساطير المحيطة ببعض الأمراض، وبخاصة السرطان، تزيد بشكل كبير من معاناة المرضى عن طريق تثبيطهم في البحث عن العلاج المناسب. عند الحديث عن وباء فيروس نقص المناعة البشرية، تتساءل سونتاغ: لماذا من السهل علينا مواجهة حالة طوارئ صحية كما لو كانت حربًا، بدلًا من كونها مشكلة اجتماعية أو ثقافية؟ لتعود لتؤكد أن استعارات الحرب في الطب يمكن أن تكون مضللة، ومن ثم، من الضروري، ولا سيما من جانب العلماء والأطباء، أن يكونوا يقظين وواعين بالآثار المحتملة لاستخدامها.

تقول دانييلا كاسَّاندرو: الحرب هي واحدة من الأنشطة البشرية القليلة التي لا ينظر إليها الناس بطريقة واقعية، يخوضونها من دون تقويم للتكاليف أو النتائج. في حرب لا تعترف بالتفاوض، تنفق الموارد من دون أي تقدير، الحرب هي حالة طوارئ محضة، ومن ثم، إن أي تضحية في سبيلها ليس مبالغًا فيها. إن التعامل مع المرض كما لو كان حربًا تجعل منا كائنات مطيعة ومُنظِّمة، تقبل من دون جدال أن تكون ضحايا محتملة. يصبح المرضى خسائر مدنية حتمية للصراع، يكادون يُنزعون من إنسانيتهم، يفقدون هويتهم كمواطنين أصحاء ليحصلوا على بطاقة هوية باهظة الثمن للمرضى».

ماتيو باسكوليتتي يرى أنه قد يكون من الخطر مواجهة أزمة من طريق تشبيهها بالحرب. الحرب فوضى. الحرب هي الموت والدمار بلا حدود. فهي تتضمن أحداثًا عشوائية لا يمكن السيطرة عليها، وخطورتها أنها تحدث في لحظة فراغ تشريعي وشلل في العرف اجتماعي؛ فالقوانين والاتفاقيات التي تربط الناس والمجتمعات في وقت السلم لم تعد سارية. لقد رأينا كيف أُفرِغَت المتاجر الكبيرة من قبل أولئك الذين أصيبوا بالذعر، كيف حاولوا في سعي محموم -لا معنى له- تأمين احتياجاتهم على حساب الآخرين مدفوعين في ذلك بمنطق «أوقات الحرب»؛ في الولايات المتحدة، يصطف أمام متاجر الأسلحة أولئك الذين يعتقدون أن أفضل حماية لهم من وباء Covid-19 هو تسليح أنفسهم ببندقية بيريتا نصف آلية. في لومبارديا في الشمال الإيطالي، هرب العمال والطلاب من أبناء الجنوب إلى بلداتهم بغض النظر عن احتمال كونهم حاملين للعدوى، أما المناطق الريفية في فرنسا، فقد انتشرت فيها اللافتات تحذر الهاربين الباريسيين من الدخول إليها، في ترجيع مقلق ومزعج لما وقع من أحداث خلال الاحتلال النازي. في بريطانيا العظمى، مُرِّرَتْ قوانين خاصة تمنح الحكومةَ سلطاتٍ هائلةً، وإن كان ذلك لمدة عامين فقط. نحن نتحدث عن الحكومة نفسها التي قال زعيمها، قبل أسابيع قليلة: إنه صافح بهدوء مرضى الفيروسات التاجية؛ للتخفيف من خطر الذهان الجماعي.

طائرات من دون طيار لمراقبة المواطنين
في المجر، فقد فرضت الحكومة قانون طوارئ مناهض للديمقراطية، في محاولة لاستغلال الوباء للحصول على سلطة غير محدودة. إذا نجحت السلطة التنفيذية في تمرير هذا القانون فستقوم فعليًّا بإلغاء البرلمان تمامًا، وتعليق الانتخابات والاستفتاءات. كذلك بادرت السلطات المحلية في عدد من المدن الإيطالية الواقعة تحت الحجر الصحي الكامل باستخدام طائرات من دون طيار لمراقبة المواطنين والقبض على من يخرج من بيته، وقد أعلن عمدة مدينة مسينا الإيطالية، أن هذه الطائرات هي صوته الذي يأمر المواطنين بالعودة إلى المنازل. آنا ماريا تيستا خبيرة المعلومات تقول: إنه «لا وجود للحرب»، لا وجود لعدو يكرهنا، الفيروس التاجي لا يدرك حتى إننا موجودون، استعارة مثل الجيش الأبيض هي استعارة غير مقبولة، فالأطباء والممرضات ليسوا جنودًا نرسلهم إلى الجبهة للتضحية بهم، استخدام هذه الاستعارة لجعل تضحياتهم حتمية هو أمر غير عادل ومُخْزٍ. لسنا في حرب ومن الخطورة أن نقتنع أننا نعيش في إطارها؛ لأن هذا سيجعل التداعيات الاستبدادية للحرب مقبولة وشرعية، في الحرب نقاتل من أجل الدفاع عن أسلوب حياتنا، أما في حالة الوباء فإننا مطالبون بإعادة النظر في أسلوب حياتنا وفي تراتبية القيم الإنسانية والأخلاقية التي تحكمها.

تختتم دانييلا كاسَّاندرو مقالها بالتركيز على أن مواجهة الوباء، الذي لا يعترف بالحدود، تتطلب استجابة عالمية والحديث عن الغزو والبطولة والتضحيات، يبعدنا من هذه الوحدة العالمية الضرورية للخروج من هذه الأزمة، وهو للأسف ما حدث بالفعل في «الاتحاد الأوربي»، نحن في حاجة ماسة إلى استعارات جديدة وكلمات جديدة تعيد سرد مفردات حياتنا اليومية الآن، فما نستخدمه من استعارات قديمة لن تحول فقط هذا الحاضر إلى كابوس، وإنما أيضًا المستقبل الذي ينتظرنا.

الفيروس التاجي ليس عدوًّا يمكن مواجهته بالأسلحة أو الجلوس معه على مائدة المفاوضات، لقد باعد بيننا، وفرض علينا التواصل من خلال الوسائط التقنية، لهذا وفي سياق هذا الشرط الجديد لا بد أن نعيد اكتشاف المجتمع والقيم التي تحكمه، علينا إعادة النظر في مفهوم العمل، إذا كان الراتب الشهري هو ما يبقينا على قيد الحياة علينا أن نعيد النظر في الحياة التي نعيشها.

الكاتب الإيطالي الشهير باولو جوردانا يرى أن اللجوء لاستعارة الحرب ليس إلا محاولة للتهرب من «الجديد الذي لم نعرفه من قبل» محاولة لرفض «اللامتصور» الذي أصبح واقعًا قائمًا في حياتنا اليومية، اللامتخيل أصبح سمة أساسية لعصرنا، الطنين الذي لا ينقطع لوسائل الإعلام التي تروج استعارة الحرب تمنعنا من التفكير بأسلوب مختلف، تعرقل إمكانية أن نطرح أسئلة كبيرة كانت منذ ثلاثين يومًا فقط أسئلة مضحكة لسذاجتها، واليوم أصبحت أساسية لاستمرار الحياة، فمثلًا عندما ينتهي كل هذا هل نريد العودة لعالمنا السابق، هل نريد تكراره مرة أخرى أم نريد تغييره؟

في الظلام يتضاعف وزن الكلمات
التباعد الاجتماعي كاستبعاد: لا داعي للقلق الفيروس يقتل المسنين فقط. المعنى بوصفه مسافة، والمسافة بوصفها معنى، هكذا ينظر الكاتب جان فرانكو ماروني إلى العالم الذي انقلب رأسًا على عقب كمهرجان حزين؛ أغنياء الشمال أشد معاناة من فقراء الجنوب، برودة المشاعر التي تميز العلاقات الاجتماعية في الشمال أصبحت أفضل من دفء مشاعر أبناء البحر المتوسط، وصار التباعد بين الأجساد مرغوبًا أكثر من التلامس، وصارت العزلة أفضل من معاشرة الآخرين، أصبح الإنترنت بديلًا للميادين والشوارع، أصبح البقاء في المنزل أفضل من الخروج، لكن هذا البعد الفيزيائي يعني أيضًا بعدًا عاطفيًّا، فلكل مسافة معنى، وما يحدث اليوم هو أن المسافات تتغير وتتغير معها المعاني.

لقد أسقط الوباء القناع الذي كنا نرتديه ويخفي الكثير من عيوبنا، نعم حوَّل الإيطاليون العزلة إلى فضاء اجتماعي، بداية من الغناء على الشرفات، إلى التصفيق لأطقم العاملين في مجال الصحة، إلى صناعة الخبز والمعجنات معًا عبر الفيديو، حيث كان الدقيق أول السلع اختفاء من الأسواق، كتب الكثيرون أسماءهم على شرفاتهم، وبدؤوا يتناولون المشروب الكحولي الخفيف الفاتح للشهية قبل العشاء، وهو عادة مقدسة خاصة في شمال إيطاليا، مع جيرانهم القدامى الذين أصبحوا أصدقاءهم الجدد. كل هذا لا يغير ما يحدث في العالم الحقيقي خارج الإنترنت وشرفة البيت، حيث الخوف والارتياب والنظرات العدوانية، والابتعاد من الآخرين. كشف الفيروس عن قسوة كامنة تغطيها طبقة من القوانين والأخلاقيات التي سرعان ما انهارت مع اختبار الوباء، مرة أخرى اللغة كاشفة، فبمجرد ظهور الفيروس كان كثيرون يطمئن بعضهم بعضًا بأن الفيروس لا يقتل إلا المسنين الذين يمثلون تقريبًا ربع سكان أوربا.

الشريحة العمرية التي سقط منها معظم ضحايا الفيروس التاجي بين ٧٠- ٩٥ عامًا، تنتمي للجيل الذي بعث أوربا من الموت بعد الحرب العالمية الثانية، الجيل الذي حول حطام الحرب وأطلال المدن إلى دول الرخاء والرفاه، الجيل الذي دافع عن الحريات ورسخ ثقافة حقوق الإنسان، يموت وحيدًا في العزل وتمضي جثامين أبنائه إلى الحرق في طابور طويل من العربات العسكرية في موكب جنائزي يغلفه صمت مدن تخلو من الحياة في مشهد ختامي حزين لأوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولأزمة جيل يقاوم الإقصاء منذ سنوات.

منذ عامين تقريبًا تقدم السيد إيميل راتلباند لمحكمة مدينة أرنهيلد الهولندية بطلب لتغيير تاريخ ميلاده من ١١ مارس ١٩٤٩م إلى ١١ مارس ١٩٦٩م، ليصبح عمره أقل عشرين عامًا مما هو مدون في أوراقه الرسمية، وقد قام بتعزيز طلبه بشهادات طبية تؤكد أن حالته الصحية وقدراته الجسدية هي لرجل في نهاية الأربعينيات من عمره. بنى راتلباند قضيته على أساس أن العمر أحد أهم العناصر المحددة لهوية الفرد داخل المجتمع، فإذا كان القانون يسمح للأفراد بتغيير أسمائهم أو أديانهم، وإذا كان يسمح لمن ولد ذكرًا أن يختار أن تكون هويته امرأة أو العكس؛ فلماذا «لا يسمح لي أن أقرر ما هو عمري؟».

رفضت المحكمة طلب راتلباند لأنه وإن كان العمر أحد محددات الهوية الفردية، فإن محو عشرين عامًا من الأحداث والوقائع سيترتب عليه مشاكل قانونية لا حصر لها، فهناك الكثير من الحقوق والواجبات المترتبة على العمر مثل الحق في التصويت والحق في قيادة السيارات، والزواج وتناول الكحوليات، … إلخ.

على الرغم من أن قضية الهوية الفردية من أهم القضايا الفلسفية التي تواجهها الثقافة الغربية اليوم، فإنها لم تكن الدافع الحقيقي وراء هذه القضية التي أثارت كثيرًا من الجدل والسخرية في العالم كله، فقد كان التمييز الاقتصادي والاجتماعي الذي يتعرض له جيل السيد راتلباند هو المحرك الحقيقي للقضية، حيث إن الانتماء إلى هذه الشريحة العمرية يقلل من فرص العمل وفرص الحصول على قروض شراء سيارة جديدة أو منزل جديد، أو حتى فرص الاشتراك في تطبيقات المواعدة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في السنوات الأخيرة تتابعت الدراسات والإحصائيات التي تدق أجراس الخطر بسبب شيخوخة المجتمعات الأوربية، ولا يتعلق الأمر فقط بتراجع نسبة المواليد وإنما -وهذا انطباعي الشخصي- باستمرار تلك الشريحة العمرية (٧٠- ٠٠) في الحياة، واستنزاف اقتصاد تلك المجتمعات بسبب ما يحصلون عليه من امتيازات؛ إذ تشير إحصائيات مختلفة قام بها البنك الدولي، وإدارة الإحصاء التابعة للمفوضية الأوربية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إلى أن الإنفاق على المعاشات يصل إلى ١٥٪ من الناتج القومي لدول الاتحاد الأوربي، وأن دولًا مثل ألمانيا وإيطاليا تصل نسبة الإنفاق فيها على المعاشات إلى ١٦.٤ ٪ من الدخل القومي، وهذه النسب في كل الحالات تمضي في خط تصاعدي يؤكد الخبراء أن استمراره في الصعود سيدمر الاقتصاديات الأوربية ويخفض كثيرًا من مستوى المعيشة فيها، وهو ما دفع كثيرًا من كتاب الصحف الكبرى إلى الجهر صراخًا بما تشير إليه أرقام الإحصائيات بصمت محايد، فهذا فيليب إنمان من صحيفة الغارديان ينتقد بشدة البرلمان البريطاني الذي أجَّل البتَّ في خطة إعادة هيكلة الضرائب التي ستقلص من امتيازات أصحاب المعاشات وتقلل من العبء الذي تتحمله الأجيال الأكثر شبابًا إلى عام ٢٠٢٥م، زاعمًا أن الاقتصاد البريطاني لن يتحمل هذا العبء حتى ذلك التاريخ.

يقول إنمان: إن الفائزين بـ«اللوتاري» من المسنين يجب أن يساهموا في مواجهة مشاكل الاقتصاد البريطاني، ويضرب مثلًا بقائد الأوركسترا برنارد هايتنك الذي احتفل بعامه التسعين على خشبة المسرح والذي ما زال مصرًّا على الاستمرار، يقول إنمان: إنه يجب عدم السماح لأمثال برنارد ممن يمتلكون الثروة والصحة بالاستمرار في العمل، عليهم ترك الساحة لأجيال أصغر سنًّا، ليس هذا فقط، فهؤلاء المحظوظون بجيناتهم الوراثية وباستفادتهم من الازدهار الاقتصادي لأوربا ما بعد الحرب العالمية عليهم تحمل عبء أبناء جيلهم الأقل حظًّا، فقد زادت دخولهم في الاثنتي عشرة سنة الأخيرة بنسبة ٦٠٪ بينما لم يتجاوز الباقون سقف ٣٦٪؛ لذلك ربما يجب إجبارهم على مشاركة ثرواتهم.

مثل السيد راتلباند لم يستلم أبناء هذه الشريحة العمرية، وشرعوا في تأسيس أحزاب سياسية لا تقوم على أيديولوجيا سياسية أو اقتصادية معينة، وإنما على أساس واحد هو الدفاع عن حقوق ومكتسبات هذا الجيل، وقد تأسست هذه الأحزاب في ٢٣ دولة من بينها إيطاليا وألمانيا وإنجلترا والنرويج والدانمارك، ولعبت أدوارًا سياسية متفاوتة في هذه البلاد وصل بعضها إلى الحكم من خلال الدخول في ائتلافات مع أحزاب كبرى، وهو ما ساعدها في الدفاع عن مكتسبات المسنين، وزاد من سخونة الجدل الدائر حول ضرورة انسحابهم من الحياة العامة؛ ذلك الجدل الذي ساهم في عودة المالثوسية ( نسبة إلى توماس مالثوس ١٧٦٦-١٨٣٤م الذي يرى أن الزيادة السكانية تؤدي إلى تآكل الموارد، ومن ثم يجب للحفاظ على المجتمع ترك السكان الأكثر فقرًا وضعفًا للموت عن طريق الأوبئة والحروب والكوارث) وبخاصة مع انتشار الفيروس التاجي وانتشار عبارة «لا داعي للقلق فهذا الفيروس يقتل المسنين فقط» التي بدت شعارًا لممارسة منهجية إذا وضعنا في الحسبان إهمال بعض الحكومات مواجهة الفيروس في بداية انتشاره، أو في اعتماد بعض آخر لنظرية «مناعة القطيع» التي تعني التضحية بأبناء هذا الجيل.

إنه الجيل الذي رأى كل شيء ينمو ويزدهر -كان تعداد البشر ٢.٣ مليار نسمة حتى عام ١٩٤٧م، وتضاعف ثلاث مرات تقريبًا حتى عام ٢٠٠٦م حيث وصل إلى ٦.٥ مليارات نسمة مكذبًا تنبؤات المالثوسية وتشاؤمها من المستقبل، يرقد الآن في غرف العناية المركزة، يفارق الحياة يوميًّا المئات من أبنائه ليعلن عن نهاية عالم أوربا ما بعد الحرب وأهم ما يميزها تلك الإرادة التي لا تشيخ للحياة. يقول الخطيب الروماني شيشرون: «ليس هناك حقًّا من تبلغ به الشيخوخة حدًّا لا يجعله يتوقع أن يعيش عامًا آخر» وهذا الجيل لم يعش حياته في انتظار الموت، ولم يقضها في محاولات للهروب منه، وإنما في مطاردة الحياة في مستقبل أفضل حتمًا سيأتي.

يبدو أن دعوة الكثير من أبناء النخبة الإيطالية إلى نبذ استعارات الحرب، واستخدام استعارات أخرى مرتبطة بالشفاء، والتطهر، والرحلة، والنضج، لها ما يبررها ليس في حاضر الوباء الذي تعيشه اليوم فقط، وإنما وهذا هو الأهم، في ماضي المجتمع الذي وضعها في هذا الموضع البائس في اللحظة الراهنة.

العودة‭ ‬إلى‭ ‬الإيقاع‭ ‬الطبيعي‭ ‬للحياة
الكاتبة البولندية الحائزة على جائزة نوبل أولغا توكارتشسوك في مقالها الذي نشرته الكورييري ديللا سيرا تقدم إجابة غير مباشرة عن سؤال غوردانو؛ تتساءل صاحبة نوبل: «أليس من الممكن الرجعوع بفضل هذا الوباء إلى الإيقاع الطبيعي للحياة؟ ألا يمكن القول: إن هذا الفيروس ليس تغييرًا للطبيعي، بل العكس تمامًا؟ ألم يكن ذلك العالم السريع المحموم قبل وجود الفيروس غير طبيعي؟ لقد ذكّرنا الفيروس أيضًا بشيء أنكرناه بإصرار وشغف؛ ذَكَّرَنَا بأننا كائنات هشّة، مبنية من أكثر المواد رهافة. ذَكَّرَنَا بأننا نموت، وبأننا فانون. ذَكَّرَنَا بأن إنسانيتنا وفرادتنا لا تفصلنا عن العالم، فالعالم جزء من شبكة كبيرة ننتمي إليها، شبكة تصلنا بكائنات أخرى من خلال خيط غير مرئي من المسؤولية والتأثير. إننا نعتمد على أنفسنا، وبغض النظر عن لون بشرتنا، والبلد الذي ننتمي إليه، واللغة التي نتحدث بها، فإننا نمرض، ونخاف من أن نموت.

لقد جَعَلَنَا نفهم أنه بغضِّ النظر عن مدى ضعفنا وعن مدى أننا عزل في مواجهة الأخطار، هناك دائمًا أشخاص حولنا أكثر منا ضعفًا، يحتاجون إلى المساعدة. لقد ذَكَّرَنَا الفيروس بمدى هشاشة آبائنا وأجدادنا المسنين وحقهم علينا في الرعاية والاهتمام. لقد أظهر لنا أن حركتنا المحمومة تعرض العالم للخطر. وهو أخيرًا يحفزنا على مواجهة هذا السؤال الذي نادرًا ما امتلكنا الشجاعة لطرحه على أنفسنا: ما الذي نبحث عنه حقًّا؟

الخوف من المرض، جعلنا نعود أدراجنا من هذا الطريق الملتبس المجهول المصير الذي كنا نمضي فيه، وأجبرنا على تذكر وجود العش الذي منه انطلقنا، والذي فيه نشعر بالأمان. من يعرف كم من الرحالة الاستثنائيين، في مثل هذا الوضع، سيبحثون عن مأوى، وعن منزل يعودون إليه.

كشف لنا الفيروس عن عدد من الحقائق المحزنة، كشف لنا أنه في أوقات الخطر، نرتدّ إلى الأفكار المغلقة الإقصائية للأمم والحدود. في هذا الوقت الصعب، اتضح مدى ضعف فكرة الشراكة الأوربية أمام اختبار حقيقي لممارستها عمليًّا. في الواقع، تخلَّى الاتحاد عن اللعبة وترك القرارات في أوقات الأزمات للدول القومية. أعتقد أن إغلاق الحدود هو واحد من أكبر الهزائم في عصرنا الهزيل. لقد عادت الأنانية القديمة وتصنيفات «نحن» و«هم»، وهذا ما ناضلنا ضده في السنوات القليلة الماضية على أمل أنه لن يعود مرة أخرى لتشكيل أفكارنا ورؤيتنا للعالم. الرعب الذي أثاره الفيروس استدعى إلى الأذهان بشكل آليّ أكثر الرجعيات سطحية، وأن الجناة هم دائمًا الآخرون، وأنهم ينتمون إلى مكان آخر دائمًا، يحملون إلينا الخطر منه. في أوربا يأتي الفيروس «من …»، إنه ليس فيروسنا، إنه أجنبي جاءنا من عند آخرين. في بولندا، أصبح جميع الذين عادوا من الخارج موضع شك. الموجة العنيفة لإغلاق الحدود، والطوابير الوحشية عند المعابر الحدودية كانت صدمة لكثير من الشباب بالتأكيد. يذكرنا الفيروس: الحدود موجودة وتقوم بعمل جيد. نحن نعلم أيضًا أن الفيروس سيذكرنا بسرعة بحقيقة أخرى قديمة، كيف أننا لسنا متساوين حقًّا. بعض منا يطير بطائرات خاصة إلى جزيرة معزولة أو يبقى منعزلًا في غابة شجرية غناء، بينما بعض آخر لا يزال في المدينة للعمل في محطة المياه والكهرباء. بعض آخر سيخاطر بصحته ويبقى في المدينة للعمل في المتاجر والمستشفيات. سيتربح بعض من هذا الوباء، وسيفقد بعض آخر مدخرات حياته. عندما تصل الأزمة، فإنها تزلزل تلك القواعد التي بدت لنا مستقرة وثابتة، ولن يتمكن كثير من البلدان من الإدارة وفي مواجهة تفككها سوف يتولد نظام جديد، كما يحدث في الأغلب بعد الأزمات. نبقى في المنزل، ونقرأ الكتب ونشاهد المسلسلات على شاشة التلفزيون، ولكن في الواقع نحن نستعد لمعركة كبرى من أجل واقع جديد، واقع لا يمكننا حتى تخيله، أو فهمه ببطء، لن يكون هناك شيء كما كان من قبل.

قد يجعلنا وضع الحجر الإلزامي واحتجاز الأسرة بكاملها في المنزل نفهم شيئًا لا نود حقًّا أن نعترف به، وهو أن الأسرة ترهقنا، وأننا أصبحنا نشعر بالاغتراب داخل علاقات الزواج. سيخرج أطفالنا من الحجر الصحي مدمنين على الإنترنت، وسيفهم الكثير منا لا جدوى وعقم الشرط الذي نعيش فيه أسرى نمارس حياتنا بشكل آلي ونتحرك بقوة القصور الذاتي. وماذا نقول إذا كان عدد جرائم القتل والانتحار والأمراض العقلية سيزداد؟ أمام أعيننا، وكضباب تحت شمس فتية سيذوب نموذج الحضارة الذي شكلنا وشكل وعينا على مدى مائتي العام الماضية: «نحن سادة الكون، نحن قادرون على أن نفعل كل شيء، وأن العالم ملك لنا». فثمة أوقات جديدة قادمة. الفيلسوف الإيطالي الشهير ماسيمو كاتشاري، يؤكد هذا عندما يقول بينما نحن محتجزون في جحيم منازلنا، كل شيء متوقف إلا التاريخ الذي لا نعرف إلى أين سيأخذنا، ولكنه يقتضي منا بلا شك أن نبحث عن لغة واستعارات جديدة.

مراجع المقال:

– https://www.corriere.it/cronache/20_marzo_20/virus-dopo-ecco-mia-lista-cose-che-non-voglio-scordare-d860d476-6ad9-11ea-b40a-2e7c2eee59c6.shtml

– https://www.interris.it/curiosita/come-cambia-il-linguaggio-nellera-del-covdi-19/

– https://www.internazionale.it/opinione/annamaria-testa/2020/03/30/metafora-guerra-coronavirus

– https://www.internazionale.it/opinione/daniele-cassandro/2020/03/22/coronavirus-metafore-guerra

– http://temi.repubblica.it/micromega-online/coronavirus-metafore-di-guerra-e-confusione-di-concetti/

– https://www.valigiablu.it/coronavirus-solidarieta/

– https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/mar/21/donald-trump-boris-johnson-coronavirus

– https://www.repubblica.it/dossier/stazione-futuro-riccardo-luna/2020/04/05/news/con_il_coronavirus_e_iniziato_il_futuro_del_giornalismo-253159687/

– https://www.larena.it/home/cultura/il-nuovo-mondo-che-verr٪.

– https://www.corriere.it/esteri/20_aprile_02/coronavirus-verita-che-noi-cambiera-l-intera-esistenza-7aded0be-7524-11ea-b9c4-182209d6cca4.shtml

– https://www.bbc.com/news/world-europe-46425774

– hhttp://siteresources.worldbank.org/ECAEXT/Resources/publications/454763-1181939083693/chaw_151-176_ch04.pdf

– https://data.oecd.org/socialexp/pension-spending.htm

– https://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/index.php/Social_protection_statistics_-_pension_expenditure_and_pension_beneficiaries#Expenditure_on_pensions_in_the_EU

– https://www.oecd-ilibrary.org/docserver/pension_glance-2017-30-en.pdf?expires=1585325642&id=id&accname=guest&checksum=02FC2A8D76761E7B7AD740F93D005511

– https://www.theguardian.com/science/2019/apr/27/ageing-retirement-work-taxation-social-care

– ماركوس توليوس شيشرون، في مديح الشيخوخة، ترجمة فتحي أبو رفيعة، مؤسسة بتانة، القاهرة، ٢٠١٧م. ص ٥٦.

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This