تقديم كتاب آلان باديو: شرّنا يأتي ممّا هو أبعد، ترجمة: محمد هاشمي

المترجم: محمد هاشمي

باحث وأكاديمي مغربي حاصل على شهادة الدّكتوراه في الفلسفة السّياسيّة، جامعة محمّد الخامس بالرّباط عن موضوع “رولز والليبراليّة”، يشغل منصب أستاذ جامعي في الجامعة نفسها. له كتابان مهمّان حول “فلسفة جون رولز” إضافة إلى مجموعة من المقالات والتّرجمات في مجلّات علميّة متنوّعة.

الكتاب:

شرّنا يأتي ممّا هو أبعد – التّفكير في مذبحة 13 نوفمبر – الصّادر عن “مؤمنون بلا حدود للدّراسات و الأبحاث، ومعهد غرناطة للبحوث والدّراسات العليا.

وهو نصّ محاضرة ألقاها الفيلسوف الفرنسي “آلان باديو” حول أحداث اعتداء باريس 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016

…….

…….

في غمرة الحماسة الاندفاعيّة والدّفاعيّة عن الحضارة الغربيّة، ضدّ فلول الهمجيّة الّتي ضربت فرنسا واخترقت مفاصل الهويّة الأوروبيّة، وفي محاولة لتبرير أي عقاب انتقامي يطال شرذمة المعتدين الغاشمة. ستحتشد أصوات كثيرة، متدثّرة بمركزيتها الغربيّة العتيدة، ساعية إلى قرع طبول الحرب  بعدما نصبت سرادق للعزاء الطّويل.

لقد تمّ إذن وبشكل واضح، استعادة المنزع الهويّاتيّ بتراتبيته المترسّخة في الذّهنيّة الغربيّة، والّتي مفادها: “يوجد الإنسان بشكل  أوضح في العالم الغربيّ” ص16.

إنّها الوضعيّة الّتي تجعل من الآخر البربريّ منتسبا إلى دركات الإنسانيّة، وفق نظرة استعلائيّة فجّة، وبمنطق قومي متطرّف.

سيبرز من خضم هذه الجوقة، صوت هادئ ورصين، منفلت ببراعة، من هذه الخطاطة التّسطيحيّة القائمة على ثنائيّة الخير والشّر، الهمج وأهل الحضارة. داعيا بأناة وهدوء إلى إعادة التّفكير برويّة فيما حدث، وإلى محاولة “رؤيا ما لا يرى”، إنّه صوت الفيلسوف الفرنسيّ “آلان باديو”.

لم تكن محاضرة – باديو-  مرافعة بالمعيّة أو بالضّد ، تبريرا أو تبريئا. بقدر ماهي جلسة تأمّل وتفكير، بعيدا عن صخب أقاويل وسائل الإعلام، وأطاريح كتبة المعبد، ونافخي الكير الّذين يدغدغون مشاعر المستمعين.  لقد تولّى الفيلسوف مهمّته السّقراطيّة الشّهيرة “في الرّهان على قول الحقيقة مهما كانت مرّة، وعدم الوقوع في شبائك المطبخ السّوفسطائيّ، الّذي يدغدغ ذائقة النّاس بما يطيب لهم لا بما يصلح لهم” ص18.

ثلاثة أخطار لما بعد الحدث/ الصّدمة:

الأوّل: يتمثّل في السّماح للدّولة باتّخاذ تدابير لا جدوى منها والّتي توظّفها لمصلحتها الخاصّة، مستعيدة من خلالها “وظيفتها الرمزيّة والتمثيليّة”، وهنا يستوجب الحفاظ على تدبير احتياطي لا يجنح لاستغلال هذه الوضعيّة الإجراميّة الّتي هي محصلة لما يدعوه باديو بـ”الطّابع الانفعاليّ” النّاتج عن الإحساس بالصّدمة.

ثانيا: تقوية النّزوعات الهويّاتيّة، فمن المعلوم أنّ الشّعور الوطني والتّلاحم الهويّاتي يتقوّى بحدّة بعد كلّ صدمة. ” كما لو أنّ الصّدمة تحيل تلقائيا إلى هويّة مّا” ص35

والحالة هاته يطرح السّؤال: ما موقع فرنسا والفرنسيين في هذه الحادثة؟ هذا السّؤال البالغ التّعقيد يلزمه بذل جهد للخروج من هذه التّماثلات الزّائفة لهذا المنزع الهويّاتي، متذكّرين أنّ جرائم القتل الجماعيّ تحدث كلّ يوم في بقاع بعيدة، في نيجيريا ومالي والعراق وباكستان وسورية… وليست حكرا على الدّيار الفرنسيّة.

فمن مهام العدالة الأساسيّة أن توسّع دائرة الانفعالات العموميّة، وأن تحارب اختزالها الهوياّتي، ليشمل الإنسانيّة جمعاء. فمنطق العدالة يتقوّم بالتّضاد مع منطق الانتقام، وبالتّالي فكونيّة العدالة تتعارض مع الطّابع القطاعيّ، الوطنيّ والهويّاتي.

فمن اللاّزم حسب “باديو” الانفلات من الإرث الإمبرياليّ الاستعماريّ المتمثّل في ثنائيات الهمجيّ والمتحضر، أو أنّ هناك أطرافا من البشريّة هم أكثر إنسانيّة من أطراف أخرى، أو حتّى الاعتقاد “بأنّ ميّتا منتميا للغرب أمر جلل، بينما موت ألف في إفريقيا وفي آسيا والشّرق الأوسط بل وفي روسيا أيضا، ليس في النّهاية بالحدث الكبير” ص38

ثالثا: إحداث مشهد فوضوي عنيف ومطّرد وهو ما يبتغيه القتلة أنفسهم، عبر خلق واستثارة ذات متظلّمة لدى جموع الضّحايا، ذات مصدومة عصبيا وميّالة للانتقام، يطغى عليها الانفعال في غياب للعقل السّياسيّ. ممّا يجعلها مؤهّلة للقيام برد فعل أسوأ، وهو ما يضعها في تجانس وتناظر مع أصحاب الجريمة أنفسهم.

هذه الأخطار والمحدّدات السّالفة سيكون لها انعكاس هامّ على بنية العالم المعاصر:

بنيّة العالم المعاصر

1- انتصار الرأسماليّة المعولمة

انتصار الرّأسماليّة العالميّة واستعادة فعاليّة طابعها الإيديولوجي “اللّيبرالي”، باعتبارها المصير المعقول والوحيد لتاريخ الإنسانيّة. هذا الطّرح المتبلور مع نهاية القرن الثّامن عشر في إنجلترا، يتمّ استعادته والعودة إليه من طرف السّادة الحاليين، وإذا ما أضفنا إلى هذه الرّأسماليّة صيغتها المعولمة نكون إزاء بنيّة شاملة تتحكّم عمليا بمجموع كوكب الأرض.

2 – إضعاف الدّول

لقد سبق للماركسيّة أن قدّمت تصوّرا لانهيار الدّولة وانمحاءها، إذ تصير الدّولة الوطنيّة بعد الثّورة الاشتراكيّة مجتمعا دون دولة، وهو ما يدعوه ماركس بـ” الجمعيّة الحرّة”.

غير أنّ المنطق العامّ للرّأسماليّة يتجّه إلى عدم الدّخول في علاقة مباشرة مع بدائل الدّول الوطنيّة، فمنذ السّتينيات أضحت الشّركات المتعدّدة الجنسيات للشّركات الكبرى، وحوشا عابرة للدّول بصور مختلفة. ومن هنا يصبح الجانب الماكر اقتصاديا المتسيّد لهذه الشّركات والبنوك الضّخمة يتجاوز كفاءة وقدرة الدّولة، وهو ما ينتج عنه حسب باديو: ” ضعف أو وهن الدّول”.

3- الممارسة الإمبرياليّة الجديدة

إنّ إعمال القوّة الإمبرياليّة والرّأسماليّة، الهادف إلى غزو المعمورة على أساس قاعدة الرّبح والمصلحة، قد انتهى إلى اقتسام كعكة العالم بين أمم قويّة متسلّحة بقبضتها الاستعماريّة وبالشّركات الكبرى الّتي تستنزف خيراتها – كما حدث في بلدان إفريقيّة مثلا أو في حرب الجزائر والفيتنام، ومن تدمير للعراق وليبيا وأيضا ما يحدث الآن-.

لقد تمّ كلّ ذلك تحت غطاء حمايّة مصالح الغرب، وليس بمنطق بناء دول تحت الوصاية “ميتربوليّة Metropolitain”، ممّا أدّى “إلى تدمير هذه الدّول عبر خلق مناطق حرّة وفوضويّة داخل فضاءات جغرافيّة مليئة بالثّروات الثاويّة، حيث لا تكون هناك أي دولة”.ص54

فبنيّة العالم المعاصر الخاضعة للهيمنة الرّأسماليّة المعولمة من خلال سيرورة إهلاك رأسمالي وممارسات إمبرياليّة جديدة، عمدت إلى فرم وإفناء الدّول – حالة ليبيا مثلا-.

مؤثّرات على السّاكنة

أوّل أثر واضح على السّاكنة – يقدّم باديو  هنا أرقاما وإحصائيات- يتمثّل في تنمية تفاوتيّة غير مسبوقة، تجعلنا أمام أوليغارشيّة عالميّة تمثّل تقريبا 10%  من السّاكنة تستحوذ على86 % من الخيرات. وبعدها نجد الطّبقة المتوسّطة في البلدان المسمّاة متقدّمة الّتي تستحوذ على 14 من موارد العالم، والّتي تتشرّب النّزوعات العنصريّة والخوف من الأجنبيّ واحتقار المعوزين، مغذيّة شعورا بالتّفوق ومقتنعة بأنّ الغرب هو محلّ ومكان المتحضرين، معلنة الحرب على جموع البرابرة. هذه الطّبقة الوسطى المهدّدة بعدم الأمان هي الّتي ترفع شعار:” لنحمي قيمنا”، فيما المقصود بطبيعة الحال: ” حماية نمط الحياة الغربيّة الخاصّة بالطّبقة الوسطى”ص60.

هذه الشّركات المسلّحة والمتوحّشة النّاهبة لحاجيات السّوق والمجنّدة لحشود متخلّى عنها، فرشت أرضيّة خصبة لعصابات مسلحة فاشيّة ذات صبغة دينيّة – داعش كمثال-.

فهل يتعلّق الأمر بالدّين والإسلام خصوصا؟ لعلّ المسيحيّة ليست بأحسن حال ويمكن التّذكير هنا بفاشيّة فرانكو الإسبانيّة والمباركة كنسياً، أو حتّى بالعصابات المسلّحة الّتي تصطبغ بملامح روحيّة لغواية الشّباب الثّائر، كما هو الأمر مع المافيا الإيطاليّة ذات النّزعة الكاثوليكيّة الباذخة.

إنّ الأمر لا يتعلّق بالخوف المعلن من الإسلام بقدر ما هو مرتبط باختلالات الرّأسماليّة العالميّة وأزمتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

وهو ما أفرز -حسب بادبو-  ثلاث أنماط من الذّاتيات: أي الأشكال السّيكولوجيّة وضروب القناعات والانفعالات الّتي أنتجتها بنيّة العالم المعاصر:

  • “ذاتيّة غربيّة: تعيش التّناقض بين مركزيّة التّفوق والقلق من التّدهور والتّراجع فتلجأ إلى سياسة الأمن والخوف لتحصينها.
  • ذاتيّة راغبة في الغرب: تريد أن تستورد الأنموذج الغربي وتندمج فيه، تبرز بقوّة في حركيّة الهجرة القادمة من بلدان الفقر والحروب الأهليّة.
  • ذاتيّة عدميّة: تنزع إلى منطق التّدمير والثّأر في علاقتها بالغرب وتتلبّس بكلّ الأغطيّة الأسطوريّة العتيقة الّتي ترمز إلى القطيعة مع الغرب المهيمن.” ص11

الفاشيّة المعاصرة:

وهي فاشيّة متولّدة عن الرّأسماليّة ومتقوقعة داخل السّوق العالميّة، يمكن وسمها كنوع  من غريزة الموت الّتي تتكلّم لغة هوياتيّة وتتلبّس لباس الدّين، صوريا لا مضمونا، ممّا يجعله يمنح من الخرافة الدينيّة تعبيره الهويّاتي.

تتمثّل الصّورة العمليّة لهذه الفاشيّة، على شاكلة عصابات نهب وجريمة، مافيات تعيد تدوير الأشياء داخل السّوق العالميّة.” إنّ داعش شركة تجاريّة تبيع النّفط والأعمال الفنيّة، والقطن والأسلحة والكثير من الأشياء، ومرتزقتها هم في الواقع أجراء مع امتيازات خاصّة إضافيّة مرتبطة بعمليّة نهب وتحويل الأسرى إلى عبيد” ص74.

هذا الشّباب الدّاعشي الهامشي والمهمّش، المحدود التّكوين، يعتاش على بطوليّة قربانيّة وإجراميّة مع رغد في العيش، وهذا الخليط هو ما يميّز العصابات الفاشيّة. حيث يمثّل الدّين صلصة هوياتيّة دون أن يرتكز على أي  قناعة إسلاميّة: “الفاشيّة هي ما يؤسلم، وليس الإسلام هو ما يضفي طابع الفاشيّة” ص77.  نفس الأمر ينطبق على الميليشيات الفاشيّة في فرنسا إبّان الحرب الأخيرة، وهي مليشيات متعاونة مع الألمان ضدّ المصالح الوطنيّة.

حياة هؤلاء الشّباب الفاشي تفتقد الإحساس بقيمة الذّات والغير، إنّها ذات عدميّة، مضادّة للغرب. غير أنّها كذلك تمثّل أعراضا عدميّة للفراغ الأعمى للرّأسماليّة المعولمة، فلا مجال هنا لاستعلاء حضاري أو غطرسة غربيّة، فكما أنّ هذا الحدث يبقى فعلا دمويا رهيبا وإجراميا، فإنّه لا ينبغي أن ينسينا مذابح الغربيين في الوقت الرّاهن المطّردة والدمويّة. جرائم ذات طابع تكنولوجي (طائرات دون طيار) متخف وراض عن ذاته. أو كما هو الحال في فلسطين (غزة) والعراق وأفغانستان .

إنّها الحرب، لكنّ هذه الكلمة لعلّها قد تكون أكبر خديعة في الجمهوريّة العلمانيّة. “ليس البرابرة من أعلنها، بل الدّولة الفرنسيّة من ذهبت وراء الشّركات وأحيانا الأمريكيين، لأجل المشاركة في الشّؤون الإمبرياليّة الغامضة وعمليات التّحييز وتدمير الدّول”. ص85

كيف يمكن بلورة سياسة للتحرر وللانفكاك من خطاطة العالم المعاصر؟

الانفلات من الدّعاية الزّائفة المصاحبة لكلّ دعوة إلى الحرب كيفما كانت، وجعل الفضاء المحدّد “فرنسا” يعوّض ذهنيا وعمليا بفضاء عالمي، ووضعيّة مفتوحة على جميع الأطياف الإجتماعيّة والثّقافيّة، كخلاص إيجابي وإبداعي من الغرب الغارق في الظّلمات. علينا التّحلي بالقوّة كي نتجاهل جزئيا الدّولة نفسها، ألا نولي أهميّة للتّصريحات الكاذبة والعبثيّة لحكّامنا، ولننسحب نحو الإرادة الشّعبيّة، مادامت الدّولة سوى وكيل للسّلسلة الجديدة المعولمة من الرّأسمال.

إنّ القبضة الجوّانيّة للإمبرياليّة الرّأسماليّة هو ما يسمح بخلق شبيبة فاشيّة، كما أنّ غياب سياسة تحرّر مناسبة لشخصيتها وممارستها الخاصّة هو ما يولّد عقليّة عصابات وهلوسة دينيّة.

“إنّ ألمنا يأتي ممّا هو أبعد من الهجرة والإسلام أو الشّرق الأوسط المدمّر، أو إفريقيا الخاضعة للنّهب.. إنّ شرّنا مردّه الهزيمة التّاريخيّة للإشتراكيّة. ولذلك هو يأتي من بعيد فعلا”. ص89.

و بدلا عن الانخراط داخل الأشكال الثّلاث للذّاتيات النّوعيّة السّالفة، يمكن خلق شكل رابع يتجاوز تمجيد الغرب دون أن يسقط في عدميّة قاتلة، وهو ما يتطلّب إقامة تحالفات وارتباطات بين مكوّنات الشّبيبة من مختلف مناطق العالم وبين المثقّفين، إذ ينبغي فتح الطّريق أمام هذا الآخر ومعرفته وإدماجه. وفق رؤية استراتيجيّة لمصير وقدر البشريّة.

لعلّ هذه المحاولات تمكّن تاريخ الإنسانيّة من تغيير مساره المنحرف، وأن ينتزع نفسه من قبضة الشّر الّتي تحكمه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This