فتحي المسكيني: مشهد البابا وحيداً والحرم المكّي فارغا حدث ميتافيزيقي غير مسبوق يقلب العلاقة بين الزّمنيّ والرّوحيّ (ج3)

تنتظر البشريّة اليوم نتائج المختبرات والأبحاث الطّبيّة الّتي تصارع لإيجاد لقاح يقضي على وباء كورونا. في المقابل يرى كثيرون أنّ ثمّة خللا مّا في الجسم الطّبيّ العالميّ سواء من ناحية التّعامل مع الفيروس أم التّأخر في إيجاد اللّقاح. ما الّذي يعنيه ذلك بالنّسبة إليك؟ وهل ثمّة ارتكاسة في “العقل الطّبيّ”؟

_ إنّ نعوم شومسكي يخفّف من هول أزمة كورونا منبّهًا إلى أنّها أزمة مؤقّتة لأنّ هناك ما هو أكثر رعباً، مثل الحرب النّوويّة أو الاحتباس الحراريّ. لكنّ بيت الدّاء بالنّسبة إليه ليس شيئاً آخر سوى “الرّأسماليّة المتوحّشة” الّتي لا تهتمّ إلاّ بمنطق الرّبح. فقد كان العالم على علم، حسب رأيه، منذ مطلع القرن بأنّ ظهور الأوبئة إمكانيّة ورادة جدّاً بعد ظهور وباء “المتلازمة التّنفّسيّة الحادّة الوخيمة” (SRAS) سنة 2003، وكان يمكن البدء في العمل على تصنيع التّلاقيح المطلوبة، فقد كانت المعلومة متاحة، لكنّ الصّيدلانيات العملاقة لم تكن مهتمّة لأنّ صنع مراهم جديدة للجلد هو أكثر مردوديّة ربحيّة من العثور على لقاح وبائي. كانت سبل النّجاة بشكل استباقي مفتوحة لكنّ “الطّاعون النّيوليبرالي حال دون ذلك“.

وهذا النّقد هو في الحقيقة موقف مزدوج: ضدّ الرّأسماليّة من جهة، وضدّ المختبرات الطّبيّة العالميّة من جهة أخرى. لكنّه يبدو اعتراضًا أخلاقيًا على مشكل أكثر خطورة من ذلك. ذلك أنّ فيروس كورونا ليس حدثًا جديداً فقد ظهر وباء مماثل سنة 2003 ونُعت بأنّه “أوّل مرض مجهول في القرن الواحد والعشرين”، ومن ثمّ فإنّ النّقد الجدّي الوحيد ليس فقط “نقد السّلطات” الّتي لم تستعدّ بجدّيّة، بل خاصّة، كما يشير إلى ذلك باديو، التّنديد بضعف علاقة الدّولة بالعلم.

هذا التّشخيص طريف لأنّه ينقل المشكل من أفق التّقليد الّذي سنّه فوكو في أبحاثه عن كيفيّة تحوّل “المعرفة” الطّبيّة إلى خطاب “سلطة” قانونيّة على أجساد النّاس الّذين يعيشون بوصفهم “أفراداً” بلا عمق في مجتمع انضباطي،- إلى أفق تقليد بحثي من نوع آخر حيث تتمّ مساءلة العلاقة بين الدّولة والعلم بوصفها علاقة خطيرة على نحو غير مسبوق لأنّها تعوّض العلاقة ما قبل الحديثة بين الدّولة والدّين. لقد ظلّ فوكو يؤرّخ للجانب “السّلبيّ” من الحداثة الطّبيّة في شكل اعتراض “بيو-سياسي” على سلطتها العلميّة. وهي في تقديره عبارة عن مجموعة من الأحداث “الحديثة” الّتي وقعت في القرن الثّامن عشر هو يجمّعها كما يلي: 1- “ظهور سلطة طبيّة” تتخطّى السّلطة المعرفيّة إلى تكوين “سلطة اجتماعيّة قادرة على اتّخاذ قرارات تهمّ مدينة أو حيًّا أو مؤسّسة أو نظامًا” وهو ما يسمّيه الألمان “الطّب التّابع للدّولة” (Staatsmedizin)؛ 2- “ظهور مجال لتدخّل الطّب متميّز عن المرض: مثل الهواء والماء والبناءات والأراضي ومجاري المدينة… إلخ. فكلّ ذلك قد أصبح أثناء القرن الثّامن عشر، موضوع الطّب”؛ 3- “إدخال جهاز تطبيب جماعيّة، نعني المستشفى. قبل القرن الثّامن عشر، لم يكن المستشفى مؤسسة تطبيب، بل مؤسّسة مساعدة لفقراء في انتظار الموت”؛ 4- “إدخال آليات إدارة طبيّة: سجلّ بيانات، وضع إحصائيات،…”.

إنّ استنتاج فوكو هنا هو أنّ الطّب قد أصبح له سلطة تنسحب على ميادين واسعة أخرى تتجاوز مشكلة “المرض” الفرديّ. لقد تمّ ترسيخ أنموذج “الباثولوجيا” بوصفه “شكلاً عامّاً لتنظيم المجتمع”. وفي استثمار مقلوب للوصف الّذي أطلقه فيشته على بروسيا سنة 1810 بأنّها “دولة تجاريّة مغلقة” صرّح فوكو بأنّنا في المجتمع الحديث “نعيش في دول طبيّة مفتوحة (Etats médicaux ouverts) حيث يكون التّطبيب بلا حدود”.

يساعدنا هذا التّشخيص على إضاءة جانب آخر من الإشكال: إنّ الوباء لا يهمّ العقل الطّبي الحديث بما هو كذلك لكنّه يضعه موضع سؤال في آن. ذلك أنّ الوباء ليس مرضاً “حديثاً” يمكن للدّولة الطّبيّة أن تستثمر فيه آليّة السّلطة المعرفيّة الّتي يترجمها المستشفى إلى سلطة اجتماعيّة أو قانونيّة. إنّ الوباء يدمّر فكرة المرض نفسها ومن ثمّ فإنّ ظاهرة “التّطبيب” – أي سحب الأنموذج “المرضي” على عدد واسع من ميادين الحياة الحديثة- لا تفيدنا في فهم علاقة الدّولة بالأوبئة إلاّ عرضاً أو من خارج منطقها. فالدّولة تستثمر في ظواهر “الحياة العاديّة” حيث يكون “السّكّان” خاضعين لقوانين يمكن تطويعها حتّى تتحوّل من أداة سلطة مجرّدة إلى أداة إدماج اجتماعي، وهو طابع “التّذويت” (subjectivation) المزدوج لدى فوكو: “الإخضاع” (assujettissement) الّذي يخلق “ذواتا” (sujets). وهذا صحيح تماماً بالنّسبة إلى مفهوم المرض. لكنّ المرض ليس وباء. ولا يمكن تصوّر دولة تعتبر الوباء أداة مناسبة للإدماج الاجتماعيّ من خلال مؤسّسة المستشفى بوصفها جهازاً من ابتكار “دولة طبيّة مفتوحة” على المجتمع.

في مقابل ذلك يبدو لنا أنّه يمكن أن نفهم هذا الإشكال بالاستعانة بإشارات بول فيارباند (Paul Feyerabend) في كتابه المثير “ضدّ المنهج. خطاطة عن نظريّة أناركيّة في المعرفة(Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge)” (1975)، حيث يطرح رؤية غير معهودة عن دلالة “العلم” وطريقة تطوّره. إنّ العلم ليس له منهج مسبق بل هو يتطوّر بشكل فوضوي. والملاحظ نفسه الّذي ينتج المعارف العلميّة ليس محايداً. إذْ حين تخلّى العلم في القرن العشرين عن أيّ ادّعاء فلسفي، وتحوّل العلماء إلى “نمل بشري” مختصّ، لا يرى إلاّ المشاكل المخبريّة الّتي أمامه ولا يمتلك أي فكرة عن كلّ ما يتجاوز ميدان اختصاصه، وقع تقليص كلّ الاعتبارات “الإنسانويّة” إلى الحدّ الأدنى. وفجأة انقلبت المؤسّسة العلميّة إلى “امبرياليّة” لا ترحم أدّت إلى تنصيب نوع من “المجتمع المبرمج” الّذي أشار إليه آلان توران. وهو موقف لا يهمّ الطّبيعة فقط بل الآخر الحضاري أيضاً. قال فاياربند:” إنّ صعود العلم الحديث قد ترافق مع إلغاء المجتمعات غير الغربيّة من طرف الغزاة الغربيين.” ولأنّ العلم الغربي قد أخذ يقدّم نفسه بوصفه المصدر الوحيد للخطاب الحقيقيّ حول الأشياء والبشر فقد أخذ مكان الدّين الّذي صار شاغراً بعد العلمنة. وهكذا فإنّ التّحالف القديم بين الدّين والدّولة قد ترك مكانه للتّحالف بين العلم والدّولة. فمنذ الثّورات الحديثة انتقلت أجهزة الشّرعنة الّتي تؤسّس وجود الدّول وسلطتها من الدّين إلى العلم. وبدلاً من رجال الدّين صار خدَمة الدّولة يُنتدَبون من الخبراء والتّكنوكراط.

من أجل ذلك فإنّ الحلّ تجاه العقل الطّبيّ هو نزع الأسطرة عن العلم الحديث. وهي أسطرة من صنع الدّولة الحديثة وليست شيئاً طبيعياً في العلم. وهنا يؤكّد فايارباند أنّ “السّلطة الاجتماعيّة” للعلم الحديث هي أقوى بكثير من “سلطته النّظريّة”. وهكذا يخلص إلى الفكرة الّتي تهمّنا: “إنّ النّتيجة هي أنّه كما تمّ الفصل بين الدّولة والكنيسة فإنّه يجب أن نستكمل ذلك بالفصل بين الدّولة والعلم، العلم الّذي هو المؤسّسة الأقرب عهداً، الأكثر عدوانيّة والأكثر دغمائيّة من بين المؤسّسات الدّينيّة. هذا النّوع من الفصل هو بلا ريب فرصتنا الوحيدة للانتصار على البربريّة المجنونة لعصر العلم التّقني والارتقاء إلى الإنسانيّة التّي نحن قادرون عليها دون أن نستطيع أبدا تحقيقها”.

إنّ الخلل الوحيد في الجسم الطّبيّ العالميّ هو السّلطة. وهو جسم تمّ تشكيله وتنصيبه في أفق المجتمع الحديث بوصفه نمط الشّرعنة الأكثر نجاعة في عصر التّقنية. ولذلك لا معنى لأيّ ارتكاسة في العقل الطّبيّ بما هو كذلك. فهذا العقل بما هو كذلك لا وجود له. ليس هناك طبّ محض؛ بل مؤسّسات هي تجسيد لنوع محدّد من إرادة السّلطة الّتي تناسب طبيعة المجتمع العالميّ الّذي تمّ بناؤه عوضا عن المجتمع التّقليديّ في كلّ مكان.

يستند الخطاب السّياسي العالمي في تعاطيه مع جائحة كورونا إلى بعض العبارات والاستعارات من بينها القول “أنّنا أمام عدوٍّ لا مرئي”؛ ماذا يعني ذلك من النّاحيّة السّياسيّة والخطابيّة؟ وإلى أي حدّ يزيد عدم اليقين من تفاقم الخوف وربّما الفوضى في إدارة هذه المحنة/ الأزمة العالميّة؟

_ من المفيد أن نطرح مثل هذا التّساؤل في ضوء تاريخ “العداوة” بوصفها مشكلاً سياسياً. وليس بوصفها انفعالاً حزيناً بين الأفراد المعزولين. إنّ الوباء عدوّ لا مرئيّ، لكنّه من نوع يضع مفهوم العداوة السّياسيّة موضع مراجعة مزعجة.

كان كارل شميت قد نبّه في ثلاثينات القرن الماضي إلى أنّ الشّأن “السّياسي” قد ظلّ مبهماً لأنّه ظلّ دوماً مرادفاً لعنصر “الدّولة”، والحال أنّ العنصر “السّياسي”، على غرار “الأخلاقيّ” (خير/شرّ) أو “الجماليّ” (جميل/قبيح) أو “الاقتصاديّ” (نافع/ضارّ)، هو عنصر يجب أن يكون له التّمييز الثّنائي الّذي يخصّه. ويقول: “إنّ التّمييز المخصوص للسّياسيّ، الّذي إليه يمكن أن تعود الأفعال والدّوافع السّياسيّة، إنّما هو تمييز الصّديق والعدوّ.” ولأنّه عدوّ سياسي فهو ليس بالضّرورة “شريراً” أخلاقياً أو “قبيحاً” جمالياً أو “ضاراً” اقتصادياً. بل “صادف فقط أنّه هو الآخر، الغريب، ويكفي، من أجل تعريف طبيعته، أن يكون، في وجوده نفسه وبمعنى قويّ على نحو خاصّ، هذا الآخرَ، الغريبَ، وذلك على نحو بحيث أنّ النّزاعات معه تصبح في آخر المطاف ممكنة، وليس يمكن حلّها، لا بواسطة جملة من المعايير العامّة المقرّرة من قبل، ولا من خلال طرف ثالث، يُعدّ غير معنيّ وغير منحاز.”

العدوّ حسب شميت ليس منافساً أو خصماً شخصياً. لا يمكن أن يكون العدوّ السّياسي إلاّ “عدوّاً عموميّاً” من خلال “حرب عداوة” حقيقيّة بين شعبين مختلفين، وحيث تكون “الحرب هي الأداة القصوى للسّياسة” المؤسّسة هي نفسها على “معنى أصيل ووجداني” بوصفها “كفاحاً” أو “صراعاً”  على أساس التّمييز الحاسم بين العدوّ والصّديق. ولذلك فإنّ حرباً من أجل دوافع أخلاقيّة محضة أو دينيّة محضة هي حسب شميت مجرّد سخف وهذر. كلّ حرب هي عداوة سياسيّة أو لا تكون.  لكنّ السّياسة مجرّد ميدان ليس له موضوع يخصّه. ويمكن أن تكون حوافزه من نوع غير سياسي (ديني أو قومي..). لكنّ السّياسة لا تخلق السّيادة أو القوّة إلاّ في مواجهة “عدوّ فعلي” وفي “صراع فعلي”.

وهكذا نصل إلى النّقطة الّتي تهمّنا: إنّ عبارة “نحن أمام عدوّ لا مرئي” هي استعارة قلقة. إذ لا يمكن تصوّر نزاع سياسي يكون العدوّ فيه لا مرئيّاً. ومن ثمّ فإنّ الخطاب السّياسي الّذي يراهن على تنصيب الوباء بوصفه عدوّاً لا مرئيّاً، هو يضلّلنا. إنّ الوباء ليس عدوّاً سياسياً إلاّ مجازاً. وهو مجاز فلسفي لكنّه غير مفيد سياسياً. ذلك أنّ الدّولة الّتي تلجأ لهذا الخطاب تُعفي نفسها من وظيفتها “السّياسيّة”. وهي وظيفة تقوم حصراً على التّمييز بين العدوّ والصّديق. وعندئذ علينا أن نسأل: من هو العدوّ ومن هو الصّديق في معركة البشر الحاليين (وليس الدّول) ضدّ تفشي فيروس كورونا؟ إنّ الدّولة لا تحارب الوباء بل تدير المعركة معه. وهي معركة الأحياء وليس المواطنين. إنّ الوباء قد جرّد الدّولة من سيادتها، عندما نقل الرّهان من حفظ الحالة الاستثنائيّة للسّلطة إلى حفظ الحياة. ومن ثمّ قد نجازف بالقول إنّ التّأويل البيو-سياسي (في التّقليد الّذي عمل فيه فوكو وأغمبن) لا يساعدنا هنا إلاّ لمرحلة محدودة فقط. يبدو أنّ “حفظ الحياة” أو “حفظ النّوع” (حسب تعبير القدماء) هو مشكل مختلف بوجه مّا عن “سياسة الحياة” الّتي اخترعتها الدّولة الحديثة وحصرتها في “حفظ الصّحة” لحاجات “بيو-سياسيّة” أو “حكوميّة”. ولأنّ الوباء ليس مرضاً فهو يتطلّب مساءلة مختلفة عن السّياسة “الباثولوجيّة” للمجتمع. إنّ مفردات من قبيل “عدم اليقين” و”الخوف” و”الفوضى”، تشير إلى إشكاليّة مختلفة عن تحليل فوكو للسّلطة حيث يقع التّركيز على كيفيّة تحوّل أشكال المعرفة أو الخطاب إلى تقنيات سلطة تتحوّل بدورها إلى تقنيات تذويت.

إنّ الوباء ليس “محنة” (فتنة بالمعنى الدّينيّ، أي تحميل المؤمن ما لا يُطاق حتّى يكفر أو يرتدّ عن دينه) ولا هو “أزمة” (crisis بمعانيها الثّلاثة: “العلّة”، المرض بالمعنى الطّبيّ، و”القرار” بالمعنى القانونيّ، و”الدّينونة” بالمعنى الدّينيّ المسيحيّ)؛ بل هو “عدوى” لا مرئيّة هي أقرب إلى معجم إميل سيوران عن “التّحلّل” (décompositin) الّذي يصيب الأجسام الحيّة من الدّاخل لأنّه استعداد طبيعي فيها. نحن كائنات مجهّزة سلفا بمشاعر “الخوف” و”عدم اليقين” و”الفوضى” الّتي هي مختلفة عن “المرض” بالمعنى الطّبيّ، والّذي هو بذلك مفهوم ثقافي. لكنّ “إدارة” المعركة مع عدوّ لا مرئيّ تبقى دوماً مشكلاً سياسياً. ولذلك فإنّ مقياس الحكم على الدّولة لم يعد “دستوريّة” الخطاب الّذي تنتجه عن الوباء، بل نجاعة الخيارات الّتي تساعد الأحياء على البقاء. وفي معارك البقاء فإنّ الحيّ ليس مواطناً إلاّ عرضاً.

كيف تنظرون إلى عظة البابا فرنسيس خلال الاحتفاء بعيد الفصح وحيداً دون جمهور المؤمنين لأوّل مرّة في التّاريخ الفاتيكان، لا سيمّا دعوته للتّضامن الأوروبيّ وخفض ديون الدّول الفقيرة؟

_ إنّ مشهد البابا وحيداً، يعظ مؤمنين غائبين، يذكّرني رأساً (وكنت قد عرضت إلى ذلك في كتابي الأخير “الإيمان الحرّ”)  بأحد أحاديث زرادشت نيتشه وهو يأتي على تجربة “البابا الأخير” أو البابا الّذي وجد نفسه فجأة “خارج الخدمة” فإذا هو يقول:

” كنت أبحث عن الإنسان التّقيّ الأخير، عن قديس وناسك لم يسمع بعد في أدغاله بذلك الأمر الّذي يعرفه اليوم كلّ العالم.

وماذا يعرف اليوم كلُّ العالم؟ سأله زرادشت. أيكون ذلك النّبأ بأنّ الإله القديم لم يعد حيّاً، ذاك الّذي كان العالم كلّه يؤمن به يوما مّا؟

هو ما قلت، أجابه العجوز متحسّراً. وقد خدمت ذلك الإله القديم حتّى ساعته الأخيرة.

والآن ها أنا خارج الخدمة (ausser Dienst)، بلا سيّد، ومع ذلك لست حرّاً، ولم تعد لديّ ولو ساعة أخرى من المرح، إلاّ في الذّكريات.”

إنّ “عظة” البابا فرنسيس دون جمهور المؤمنين تلقي ضوءً جديداً على حديث زرادشت الّذي يسخر من بابا ما زال لم يبلغه خبر “موت الإله“.  في حقيقة الأمر إنّ الصّلاة بلا مؤمنين غير ممكنة. ولذلك لا يبدو أنّ البابا قد ألقى عظة بلا جمهور: إنّه يعرف أنّ “الحاضرين” أمام من يصلّي ليسوا “جمهورًا” بالمعنى الفنّيّ، بل هم “حضرة” أو شكل من الحضور لا يمكن حصره في الوجود الماديّ للأجسام. وبهذا المعنى كان البابا دوما يصلّي وحده حتّى وإن كان يعظ المؤمنين. لا يحتاج البابا إلى حضور المؤمنين حتّى يعظهم. إنّ العظة نفسها نداء يقع خارج منطقة التّخاطب اليوميّ بين المتكلّمين. وهو نداء موجّه بطبيعته إلى الغائب. الغائب هو ما يجعل المؤمن ممكنًا. كلّ إيمان هو اتّصال بكائن غائب. ومن ثمّ هو يعامل “الغياب” المادي بوصفه “غيبا”. إنّ الغياب هو شكل العلاقة بالزّمان الّذي يشتقّ منه الإيمان إمكانيته العميقة في أفق البشر. ولذلك فإنّ رهان العظة الّتي ألقاها البابا ليس كسر الغياب بل إلغاؤه؛ وذلك بمواصلة الخطاب نحو المؤمنين دون أي اعتبار لغيابهم.

ومن يقرأ العظة (التّي ألقاها البابا يوم 27 مارس /آذار 2020)، “لحظة خارقة للصّلاة في زمن الوباء”، تفاجئه الكلمة الأولى منها: ” عندما جاء المساء” والجملة الإنجيليّة الكاملة (مرقس 4، 35) هي:” في ذلك اليوم، عندما جاء المساء قال لهم يسوع: ‘لنعبر إلى الضّفة الأخرى”. ما رمز هذه الإشارة؟  يصف البابا الضّفة الّتي نقف عليها بعد انتشار الوباء بأنّها ساحات سقط عليها “اللّيل”، التّفّ بها “الصّمت”، وخيّم عليها “فراغ” مرعب أصاب كلّ ما يمرّ عليه “بشلل” تامّ. كلّها ملامح للغياب، غياب البشر. ولذلك هو يقرأ هذا المشهد تحت العبارة الانجيليّة:” وكان هو في المؤخّر على وسادة نائماً. فأيقظوه وقالوا له: ‘يا معلّم، أما يهمّك أنّنا نهلك؟” (مرقس 4: 28)، قائلاً:” من السّهل أن نجد أنفسنا في هذه القصّة”. قصّة مغزاها هو: أنّ خلاص البشر موجود وبالتّحديد في ما يشتركون فيه من وضع بشري. أنّ النّاس جميعا، أنّ جميع الغائبين، هم “على نفس السّفينة” (وهي عبارة ردّدها سلافوي جيجيك قبل ذلك بأشهر قليلة)، أي أنّنا إن هلكنا فإنّنا “نهلك” معاً. إنّ خطر الهلاك هو ما يجمع بين النّاس ويجعلهم تحت وطأة قدر واحد. بالطّبع، حيثما تكون الكارثة يمكن أن يجد الدّين تربة خصبة لزرع “الرّجاء”. ولم يفعل البابا غير ذلك. لا يمكن للعظة أن تفعل للبشر سوى وعدهم بنوع آخر من “الاهتمام” بهم: اهتمام أكبر من قدرهم. ولكن هناك شرط مؤلم هنا. أن يكونوا قد آمنوا بأنّهم ليسوا وحدهم. قال البابا:” لماذا أنتم خائفون، ألا يزال لديكم شيء من الإيمان؟”

لا يكون المؤمن “وحيداً” إلاّ عندما يتكلّم في صيغة المفرد. لذلك فإنّ البابا نقل الخطاب سريعاً إلى صيغة “نحن”. وما إن يظهر ضمير “نحن” حتّى يكفّ المشهد عن “الغياب” (عن الصّمت والفراغ) ويصبح المؤمنون الغائبون جزءًا من “الحضرة” الّتي ينصبها المتكلّم. إنّ عظة البابا دون جمهور (مثل مقابلة كرة قدم دون جمهور) لا تعني فقط أنّ الفضاء الافتراضي قادر على تعويض الفضاء الواقعيّ، بل أيضا أنّ المؤمنين في زمن الوباء يحتاجون إلى خلاص من نوع غير “كنسي”: لم يعد هناك “جماعة” واقعيّة؛ وعليهم أن يعوّلوا هذه المرّة على جماعة بلا أجسام، أو على لقاء بلا أعضاء، لقاء لا يمكن للفيروس أن يتسرّب إليه من أجل سرقته، لأنّه لا يعمل إلاّ داخل تاريخ الجسم، أمّا تاريخ الرّوح فلا يعنيه.

بيد أنّ شخصيّة البابا هي من الخطورة السّياسيّة بحيث أنّ عظته الخالية من الجمهور تجاه مؤمنين بلا أجسام أو بلا أعضاء يمكن أن تحيلنا فلسفيّاً على إشكال أكثر طرافة. إذ يمكن أن نقرأ تلك العظة في ضوء كتاب مثير نشره أرنست كانتوروفتش(Ernst Kantorowicz)- المؤرّخ الأمريكي من أصل ألماني، المختصّ في تاريخ الأفكار السّياسيّة والدّينيّة في العصور الوسطى،- وذلك سنة 1957 تحت عنوان: “جسمَا الملك. دراسة في اللاّهوت السّياسيّ الوسيط”(The King’s Two Bodies. A Study in Medieval Political Theology). إنّ للملك جسمين اثنين: جسم “سرّي أو مغيّب / mystic” (هو صورة روحيّة عن المسيح) وجسم “طبيعي” أو ظاهر (زماني ومائت). كانت الكنسيّة تعبّر عن الجسم الأوّل وكانت الدّولة هي التّعبير عن الجسم الثّاني (الّذي أطلق عليه هوبس اسم “الإله الفاني”).

لكنّ واقعة الوباء يمكن أن يغيّر مفردات الإشكال بطريقة مفزعة، كي يكون الأمر متعلّقا هذه المرّة بالعلاقة بين “البابا” و”الجمهور المؤمن” الّذي يخاطبه. إنّ سخرية الوباء تكمن في كونه قد غيّر العلاقة مع المكان المقدّس: إنّ الجمهور الغائب قد صار يؤدّي دور الجسم “السّري” الّذي لا يظهر في المشهد، ولم يترك للبابا سوى دور الجسم العلنيّ. لقد فقدت الكنيسة (وكلّ دور العبادة الدّينيّة في العالم معها) دورها المقدّس (دور الجسم السّرّي) ووجدت نفسها مجبرة على تأديّة دور لا يليق بها: دور الجسم العلنيّ أو العموميّ، ولكن بعد أن صار فارغاً من محتواه المعتاد. فإنّ مشهد البابا وحيداً، يقيم قدّاساً بلا مؤمنين في كاتدرائيّة القديس بطرس، مثل مشهد الحرم المكّي فارغاً من المصلّين والمعتمرين، هو حدث ميتافيزيقي غير مسبوق: إنّه يقلب العلاقة بين الزّمنيّ والرّوحيّ بشكل مثير. إنّ فراغ المعبد يجعل الغائب روحياً وذلك مهما كان بشرياً، في حين أنّ الحضور داخله هو يعود إلى كثافته الفارغة من البشر، ويرتدّ إلى جسمه الماديّ الّذي لطاما كان مختفياً وراء هالة المقدّس. إنّ الوباء أعاد للأجسام البشريّة قداستها: أنّها كيان نادر وأنّها أشكال من الحياة لا يمكن أن تُعوّض حتّى في حضرة المقدّس. ولا أحد سوف يتساءل عندئذ ولو شعرا: “لماذا تركت البابا وحيدا؟”، “لماذا تركت الإله وحيدا؟”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This