ليسيا أوكراينكا: “الممسوسة” صانعة الأمل / عماد الدين رائف

تستمد الشعوب الحيّة الأمل من كتابها وشعرائها وفنانيها في أوقات الأزمات والمصائب التي تحل بها. تستمده من الكلمة واللحن والرسم، فتتغلب على المصاعب وتتجاوزها أو تصطدم بواقع أقوى منها، إلا أنها لا تفقد الأمل حتى اللحظة الأخيرة أو الرمق الأخير. وهذه هي حال الأمة الأوكرانية، التي كلما واجهت أزمة حقيقية تستلهم الأمل من مبدعيها، كما في هذه الأيام. ولعل أبرز من يجسد رموز الأمل في زمن اللاأمل فتاة نحيلة تعتبر أيقونة الأدب الأوكراني بلا منازع، وهي ليسيا أوكراينكا (اسمها الحقيقي لاريسا بيتروفنا كوساتش – كفيتكا).
استعانت وزارة الصحة الأوكرانية برسم لصورة شهيرة لليسيا، لمحاربة فيروس كورونا، تظهر فيه ليسيا في كمامة وتحتها عبارتها الشهيرة “ابتعدي أيتها الأفكار الحزينة”. وهذه ليست المرة الأولى، فعند كل مشكلة تظهر ليسيا في غرافيتي، أو ملصق، أو حتى مرسومة بحجم عملاق على جدار بناء كامل، تحمل الأمل.

ولدت ليسيا في 25 شباط/ فبراير 1871، في مدينة نوفهراد فولينسكي (الآن منطقة جيتومير)، وتوفيت مطلع آب/ أغسطس 1913 في قرية سورامي في جورجيا. كانت شاعرة وكاتبة، ومترجمة، وناشطة ثقافية. ولدت ليسيا ضعيفة، وكانت مريضة طوال حياتها تقريبًا تعاني من آلام مبرحة، شخّص الأطباء أن لديها مرض سل العظام، وتوفيت وهي في الثانية والأربعين من عمرها. تعتبر رمزًا لأصالة أوكرانيا واستقلالها، على قدم المساواة مع كبار الأدباء والفنانين، مثل تاراس شيفتشينكو، وهريهوري سكوروفودا، وإيفان فرانكو.

“الممسوسة”

حرمها المرض الذي حلّ بها من العزف على آلة البيانو وهي صغيرة، ثم أجريت لها عمليات جراحية في عظام اليد، وكان مصدر قوتها الكبير هو عائلة محبة متعاونة وداعمة. إلا أن للمآسي ذروات، وإحدى تلك الذروات في حياة ليسيا موت حبيبها. يصعب تصوّر الليلة التي قضتها ليسيا إلى جانب حبيبها الشاب سيرغي ميرجينسكي في ليلة احتضاره، سنة 1901، حيث كانت يسراها تحتضن يده، فيما تخط بيمناها قصيدة درامية طويلة حملت عنوان “الممسوسة”، تعتبر من القصائد الخالدة في الشعر الأوكراني. تظهر الشاعرة في بعض الأفلام الوثائقية التي تروي عن تلك الليلة وهي تحمل القلم بيدها وأمامها مجموعة من الأوراق، والدموع تنهمر فتزيح حبر الكلمات عن مواضعه.
في القصيدة لا يمكن إغفال دوافع التراث الديني التي تتوازى مع الاتجاهات الرومنسية. ففي تدرج السرد الدرامي شعرًا، لا تتبع الشاعرة إدراكها العقلي فحسب، بل تستند إلى الإدراك الباطني، حيث لا دور تلعبه التجربة الإنسانية، بل يحل محلها التنوير وتعميق الشعور بروحية الفرد اللامتناهية. وغالبًا ما يكون منطلق هذا الشعور التاريخ المروي والكتاب المقدس والفلكلور بوصفه سردًا. في الجانب الرومنسي من شعر أوكراينكا، نجدها تلفت انتباه القارئ إلى الرجل حينًا والمجتمع حينًا آخر، من دون تقسيم شخصيات الدراما إلى رئيسية وثانوية، فظهور كل شخصية مرتبط بغرض ما في بناء النص الدرامي. وهنا تتجسد الشخصيتان المركزيتان يسوع المسيح ومريم المجدلية، مع إسقاط غير محكيّ على اللحظة الراهنة، حيث المسيح (المسيّا) هو الحبيب المحتضر ومريم المجدلية هي الشاعرة نفسها، فتضعنا في انتظار حدث مرتقب، وهو فعل التضحية لإنقاذ العالم والخلاص عبر المحبة وفناء الحبيبة في المحبوب. ومن دراما “الممسوسة” من ترجمتي:

“… هبة السماء والأرض ماتَ

وكان وحدهُ..

ذاك دومًا كان عهده.

والآن أجلس ها هنا وحدي،

والدمع منهمر على خدي،

دمعي يجافيه الرجاءُ

وألعنُ الأشياء،

تلك التي أحبَّها

مع كلّ لعنٍ يختفي أملٌ بأنْ أجد الخلاص!”.

صانعة الأمل

إلا أن ليسيا، وبعد كل مصيبة تمر بها كانت تنهض من جديد، وبعزم أقوى. وقد تعرف القارئ العربي إلى ليسيا عبر كتاب يضم مجموعة من مختارات أشعارها ورسائلها، قدم له وترجم محتواه أولينا خوميتسكا وسمير مُندي (القاهرة: دار العين، 2017. 180 ص.). ولصدور هذا الكتاب في مصر أهمية خاصة، إذ إن ليسيا زارت مصر ثلاث مرات في العقد الأخير من حياتها لأسباب علاجية، فحلت في أحد مصحات بلدة حلوان، ونظمت هناك مجموعة قصائد “الربيع في مصر”. فإلى جانب هذه المجموعة ترجمت خوميتسكا ومُندي قصيدة يعرفها الشعب الأوكراني عن ظهر قلب، كثرٌ يستمدون منها الأمل، تحمل عنوانًا لاتينيًا: Contra spem spero (أي “سآمل ولو فُقد الأمل”)، مما تقوله فيها:

“في الليلة الطويلة الظلماء الدامسة

لن أغمض عينيّ ولو للحظة

بل سأبحث عن النجمة الهادية،

الملكة الزاهية لليالي الحالكة.

معم! سأضحك وسط الدموع،

ووسط البلاء سأغني الأغاني

مهما يكن، ولو بلا أمل، سآمل

سوف أعيش!

ابتعدي أيتها الأفكار الحزينة!”.

فليس غريبًا أن ترد الشعوب الحيّة بعض الجميل إلى رواد الآداب والفنون والثقافة فيها وأن تعترف بفضلهم عليها. وهذه هي حال الأمة الأوكرانية مع ليسيا أوكراينكا، التي أقيمت لها نصب تذكارية في مدن مختلفة، داخل أوكرانيا وخارجها، على رأس تلك المدن العاصمة كييف، وكذلك في العاصمة الروسية موسكو، وتورينتو (كندا)، وتيلافي (جورجيا)، وباكو (أذربيجان)، بالإضافة إلى الأماكن التي أقامت فيها منها بلافكا (القرم). كما أطلق اسم ليسيا أوكرينكا على العديد من الشوارع في كييف، وموسكو، ولوتسك، وتبليسي، ومينسك، ولفيف، وأوديسا، وريفني، وخاركيف، وباتومي، وبرست، وبولتافا، ويالطا، وسيمفيروبول، ويفباتوريا، وسيفاستوبول، وإيركوتسك، وسوتشي، وجيتومير، وتشيرنيفتسي سومي، وفينيتسا، وكوفيل، وتشيركاسي، وهورليفكا، وكريمنتشوك، وهادياش، وميليتوبول، وكوبيسك، وبريبيات. وتكريمًا للكاتبة الكبيرة يحمل اسمها عدد من المؤسسات الثقافية والتعليمية، ومنها: المكتبة الرقم 268 في موسكو، جامعة أوروبا الشرقية في لوتسك، المسرح الأكاديمي الوطني للدراما الروسية في كييف، مسرح الموسيقى والدراما في دنيبرودزيرجينسك. كما خصصت متاحف لها في كييف، نوفهراد فولينسك، يالطا، وجورجيا. وتكريمًا لها صدرت قطعة نقد فضية تذكارية، وطوابع بريدية مختلفة، بالإضافة إلى أن ورقة النقد الأوكرانية المتداولة من فئة مئتي هريفنا التي تحمل رسمًا تطبيقيًا لها. كما تحمل واحدة من أرقى الجوائز الأدبية في أوكرانيا اسم ليسيا أوكرينكا.

عن المدن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This