المحجوب والمسكوت عنه في كتاب “عطب الذّات” (ج1)

المثقفون هم أكثر النّاس قدرة على الخيانة، لأنهم أكثرهم قدرةً على تبريرها“”

(لينين)

-1- إضاءة 

في كتابه (عطب الذّات، وقائع ثورة لم تكتمل 2011-2012) الصّادر عن الشّبكة العربيّة للأبحاث والنّشر- ط2- 2020، يحاول الدّكتور برهان غليون أن يضع يده على الأسباب الحقيقيّة الّتي أفضتْ، في رأيه، إلى المآل الكارثيّ الّذي انتهت إليه ثورة الشّعب السّوريّ، وذلك من موقع  المفكّر والباحث الأكاديميّ من جهة، والسّياسيّ المشارك في وقائع الثّورة من خلال تسلّمه “رئاسة المجلس الوطنيّ” في مرحلة التّأسيس من جهة ثانية، وقد أراد لعنوان كتابه أن يكون تكثيفاً وتعبيراً عن مضمونه، ولذلك ركّز في متنه على العامل الذّاتيّ، وجعله نقطة الخلل المركزيّة في الثّورة، رغم أنّه لم يغفل العوامل الأخرى، وإن كان قد جعلها ثانويّة، أو أنّها أدّت، بتظافرها مع الذّات المعطوبة، إلى النّتائج المأساويّة للثّورة السّوريّة رغم حجم التّضحيات الهائلة الّتي  قدّمها الشّعب السّوري العظيم.

وقد حاول غليون بحرفيّة الباحث ومهارة الأكاديميّ تقديم جرّد كامل وشامل لمختلف المحطّات الّتي مرّت بها الثّورة السّوريّة، مستنداً، في ذلك، إلى موقعه بوصفه مسؤولا ومراقباً ومتابعاً للحدث بشكل عامّ، مع ملاحظتنا أنّ شغله لمنصب (رئيس المجلس الوطنيّ) قد أثّر على حياديته في تقديم المادّة التّأريخيّة وتحليلها، إذ سعى إلى تبرئة نفسه من العديد من المواقف؛ فأفضى به ذلك إلى نوع من التّزييف، ومن ثمّ التّضليل في عرض متنه.

ويمكن أن نلحظ أنّ هذا التّزييف تجلّى في مستويين، أولاهما: تقديم وقائع وتفسيرات غير صحيحة وغير مطابقة للواقع التّاريخيّ، وثانيهما، وهو الأهمّ، يكمن في المحجوب من هذه الوقائع أو المسكوت عنه، وسوف نحاول استعراض كلا المستويين من خلال مراجعتنا للكتاب بما يسمح به حدود هذا المقال.

يقول الكاتب: “لكن مثلما كان من المدهش والمثير للاهتمام بالنّسبة للرّأي العامّ العالميّ الرّسميّ والشّعبيّ أن يقع اختيار الشّعب في بحثه عن قيادة لمسيرته المليئة بالعنف والدّماء على أستاذ للاجتماع السّياسيّ يدرس في واحدة من أعرق الجامعات الغربيّة).ص (17)

وهنا يحقّ لأيّ قارئ أن يتساءل: هل حقّا اختاره الشّعب لقيادة مسيرته؟ وكيف تمّ هذا الاختيار؟ وهل كان الشّعب السّوري حينها في وضعيّة تسمح له باختيار من يقود ثورته؟ لا يقدّم غليون أيّة إجابة عن هذه التّساؤلات، ثمّ إنّ قوله بأنّ الشّعب اختاره يتضمّن القول بأنّ الشّعب اختار أعضاء المجلس الوطنيّ أيضاً، ووافق على الآليّة الّتي تمّ بها اختيارهم، إلّا إذا كان غليون يعتبر تسمية إحدى جمع التّظاهر (المجلس الوطني يمثلني) هو المقصود بهذا الاختيار، وبغضّ النّظر عن الطّريقة الّتي كانت تُفضي إلى تسمية الجمع، فقد تمّت التّسمية المذكورة بعد تشكيل، وبالتّالي لا يمكن الاعتداد بها كمعيار في الاختيار.

وفي ظنّي أنّ أهميّة الدّور الّذي لعبه غليون تنبع من كونه ساهم في تشكيل المجلس الوطنيّ وقيادته في مرحلة مفصليّة من تاريخ الثّورة السّوريّة ألا وهي مرحلة التّأسيس، كما كان له دور في رسم السّياسات الّتي انتهجها هذا المجلس، وهو إذ يمهّد لتشكيل المجلس بعرض الظّروف الموضوعيّة الّتي قادت إلى تشكيله، وبروز الحاجة الماسّة لوجود قيادة تمثّل الحراك الشّعبي السّوري بعد سبعة أشهر من انطلاقته، وفشل النّخب السّياسيّة السّوريّة في الوصول إلى توافقات تسمح بتشكيل هكذا جسم، وفي هذا الصّدد فإنّه يقوم بتضخيم دور الخلافات الشّخصيّة بين شخصيات وأقطاب المعارضة وخاصّة بين رياض التّرك وحسن عبد العظيم لتصبح هذه الخلافات هي السّبب الجوهريّ في استحالة وحدة المعارضة، وهذا في تقديري لا يرقى إلى مستوى التّحليل الرّصين، فقد كشفت الوقائع أنّ الموضوع ليس خلافات شخصيّة بمقدار ما هي خلافات سياسيّة وبرنامجيّة بين تيّارين رئيسيين في المعارضة السّوريّة، تيّار شعبوي راهن على التّحالف مع التيّارات الدينيّة كما راهن على التّدخل الخارجيّ لإسقاط النّظام وكان غليون نفسه أحد أقطابه، وقد عبّر هذا التيّار عن نفسه من خلال ما سمّي بـ(المجلس الوطنيّ السّوريّ). وتيّار آخر حذّر من أسلمة الثّورة كما حذّر من عسكرتها ومن التّدخل الخارجيّ وهو ما تمّ التّعبير عنه بـ(هيئة التّنسيق الوطنيّ لقوى التّغيير الديموقراطيّ) ولاءاتها الثّلاث المعروفة. وقد تمّ الافتراق بين هذين التيّارين منذ اللّقاء التّشاوريّ في الدّوحة، وبالتّالي منذ تشكّل المجلس الوطنيّ.

2- مجلس إقصائي

يتبيّن ممّا سبق إذن أنّ عمليّة تشكيل المجلس الوطنيّ كانت لحظة افتراق بين التيّارين المذكورين آنفا وإيذانا بانقسام المعارضة، الّتي حاول اللّقاء التّشاوري في الدّوحة جمع شتاتها لكنّه فشل في تحقيق هذا الهدف، وكان هذا الافتراق أوّل هديّة تقدّم لنظام الاستبداد، وقد استثمر بها حتّى النّهاية. وهنا عند هذا المنعطف نتبيّن الدّور الخطير الّذي لعبه غليون، فهو كما يقول كان مكلّفا من قبل اللّقاء التّشاوريّ بمتابعة استكمال إجراءات إعلان الإئتلاف الّذي تمّ التّوقيع على بيانه الأوّل في الدّوحة، وإجراءات تشكيل قيادته الّتي اتّفق على أن تكون مؤلّفة من 25 عضوا، 16 عضوا من الدّاخل، و9 أعضاء من الخارج، والسّؤال الّذي يبرز هنا: ألم يكن حريا به أن يعمل بصبر وأناة ويحول دون فشل لقاء الدّوحة واعتباره لحظة تاريخيّة يجب عدم تفويتها؟، لكنّ غليون بدل أن يفعل ذلك إنحاز إلى التيّار الأوّل وأعلن قيام المجلس الوطنيّ السّوريّ بأغلبيّة الثّلثين للتيّارات الإسلاميّة باعتراف غليون، وليس من باب المصادفة غياب كلمة (الديموقراطيّ) من تسمية المجلس الوطنيّ، الّذي أصرّ العديد من مكوّناته، كما يذكر غليون، على إغلاق الباب أمام أي انضمام جديد للمجلس، ولا يغيّر من هذه النّتيجة حديث غليون المتكرّر خلال الكتاب عن أنّه قام بدعوة (هيئة التّنسيق)، وأنّ مكانها ظلّ شاغراً بانتظار التحاقها في أيّ وقت، بعد أن جرى استبعادها من الاجتماعات التّحضيريّة، وتمّ تخصيص عدد محدّد من المقاعد لها؛ بحيث لن تستطيع التّأثير في أي قرار يتّخذه المجلس ليصبح دورها ديكوريّاً وعديم الفاعليّة كما أصبح دور غليون نفسه، وجورج صبرا من بعده، وهذا ما لم تقبله الهيئة لنفسها وكانت محقّة في ذلك.

كان يمكن اعتبار هذه الخطوة عابرة واقتضتها ظروف ضرورة إيجاد هيكل أو جسم لقيادة الثّورة بعد سبعة أشهر من انطلاق الانتفاضة الشّعبيّة كما يبرّر غليون السّرعة الّتي تمّ بها تشكيل المجلس، لو لم تأخذ طابع الدّيمومة، ولو تمّ بذل جهد حقيقي لتوحيد جناحي المعارضة، لكن الّذي حصل هو العكس تماما، إذ ليس أنّ المجلس لم يقم بأي جهد في هذا السّبيل، بل إنّه أعاق أي جهد قام به الآخرون من أجل توحيد المعارضة، رغم الأهميّة القصوى لهذا التّوحيد وما سيترتب عليه من نتائج لصالح قضيّة الشّعب السّوريّ، لنستمع إليه إذ يقول:

“في سبيل الحصول على مقعد سوريّة في الجامعة العربيّة، وكان أحد مطالبنا الرّئيسيّة لتعزيز شرعيّة المجلس ونفوذه، وقطع الطّريق على مناورات الدّول الّتي بقيت قريبة من نظام الأسد، اشترط علينا الأمين العامّ للجامعة العربيّة نبيل العربي أن نعمل على توحيد صفوف المعارضة”ص (143).

ولم يكن مطلب توحيد المعارضة مطروحا من قبل الجامعة العربيّة وحدها، وإنّما كان مطلبا أمريكيا ودوليا أيضا كما يقول غليون:

“كان المبعوثون الأمريكيون لدى المعارضة (المجلس الوطني)، وكذلك السّياسيون، بمن فيهم وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون وبعدها جون كيري، وتيليرسون يكرّرون خطابا واحدا لتمرير الوقت والتّغطية على أيّ انخراط فعلي في المسألة السّوريّة: ضرورة توسيع القاعدة التّمثيليّة للمجلس الوطنيّ ثمّ للائتلاف حتّى يعكس التّنوّع الطّائفي والمذهبي والإثني لجميع فئات الشّعب السّوريّ وإشراك أكبر للمرأة، والإسراع في توحيد المعارضة”.ص( 371).

والسّؤال هنا: أليس من المفترض أن تكون هذه المهمّة من أوّلويات غليون ومجلسه (الوطني) قبل أن يطلب منه أحد ذلك؟ وكيف ستنتصر ثورة إذا لم تعمل على توحيد كافّة الجهود واستثمار كافّة التّناقضات من أجل عزل النّظام الّذي تريد تغييره، وسحب البساط من تحت قدميه، إن على المعارضة الجادّة والأمينة لأهدافها أن تسعى لكسب حتّى من هو محسوب على الموالاة في مرحلة معيّنة، فكيف إذا كان المقصود هو جهات وأشخاصاً يشهد لهم تاريخهم بمقارعة الاستبداد، فضلا عن أنّهم دفعوا أثمانا باهظة لقاء موقفهم من هذا النّظام.

مع ذلك ورغم أنّ المبادرة قد جاءت من الجامعة العربيّة، إلّا أنّ المجلس قام بإفشالها، فبعد أن

اجتمع ممثلون عن (المجلس الوطنّي) و(هيئة التّنسيق الوطنيّة لقوى التّغيير الديموقراطيّ) في القاهرة على مدى يومين، واتّفقوا على توقيع رسالة مشتركة ليتمّ رفعها إلى الأمين العامّ، وكان الموقّعون من المجلس عدّة أعضاء وليس غليون منفرداً (يمكن الإطلاع على الحضور والموقّعين في متن الكتاب)، وكانت الجامعة العربيّة ستقوم بتنظيم مؤتمر لتوحيد المعارضة في القاهرة على ضوء هذه الرّسالة، وعلى الرّغم من الأهميّة القصوى لهذه الخطوة، وما سيترتّب عليها من نتائج خطيرة على مستقبل الصّراع، إلاّ أنّ الموقّعين من المجلس سحبوا توقيعهم في اليوم التّالي قبل أن يجفّ حبر الرّسالة إيّاها، وتمّ إفشال خطّة الجامعة العربيّة لتوحيد المعارضة السّوريّة، والسّؤال هنا هو: هل كان أعضاء المجلس يعملون لصالح الثّورة والشّعب السّوريّ أم لصالح النّظام؟ وألا يكشف موقفهم هذا عدم أهليتهم لقيادة ثورة فضلا عن ارتباطاتهم المشبوهة بجهات معيّنة؛ بحيث عندما لم يعجب سلوكهم هذه الجهات سارعوا إلى تغييره من خلال سحب توقيعهم، وكانت هذه ثاني هديّة يقدّمها المجلس الغليوني للنّظام، وتأكيدا جديدا على النّهج الانشقاقيّ الّذي كرّسوه في إعلان المجلس، ضاربين عرض الحائط بالتّضحيات العظيمة الّتي قدّمها الشّعب السّوري من أجل نيل حرّيته.

3- في التّحالفات

عبّر غليون عن فهمه الدّقيق لموضوع التّحالف أو الائتلاف إذ يقول:

أنّ قيمة التّحالفات تنبع من أنّها تضمّ قوى مختلفة الرّؤية والعقيدة والمصالح والأجندات، بمعنى آخر من نجاحها في التّوفيق بين قوى مختلفة والتّأليف بينها، ممّا يترجم بولادة قوّة أكبر قادرة على تحقيق أهداف لايستطيع كلّ طرف تحقيقها منفردا، وما كانت هناك حاجة لمثل هذا التّحالف لو لم يكن هدفه إسقاط النّظام ووضع نظام آخر مكانه يحتاج إلى تفاهم أكثر من قوّة وتيّار سياسيّ واجتماعيّ وتعاونهم… فالائتلاف بالتّعريف مرحليّ، ولأهداف محدّدة في الزّمان والمكان، ولا يمكن إقامته مع فرض طرف واحد رؤيته وأجندته”.ص (157)

إلاّ أنّ غليون في تعريفه وفهمه المذكور أعلاه لموضوعة التّحالف يتناسى مبدأ أساسيّاً في التّحالف وهو ضرورة هيمنة القوى الّتي تحمل في بنيتها وعقيدتها وفكرها إمكانيّة تحقيق الهدف المنشود ولها المصلحة الحقيقيّة في تحقيق هذا الهدف، وهو الشّرط اللاّزم لتحقيقه،  إذ لا يمكن أن نحقّق هدف التّغيير الديموقراطيّ من خلال تحالف تهيمن عليه قوى تتكىء على مرجعيّة دينيّة متعالية، أو لا تؤمن بالديمقراطيّة أساساً، وهو بالضّبط ما حصل في حالتنا؛ حيث كانت تركيبة (المجلس الوطنيّ) بأغلبيّة الثّلثين للإسلاميين باعتراف غليون نفسه، وهذا يعني ببساطة هيمنة قوى غير ديموقراطيّة على المجلس، إلاّ إذا كان هدفنا شيئا آخر غير الديموقراطيّة، وهو ما يشي به المقطع السّابق على كلّ حال؛ إذ يشير إلى أنّ الهدف هو إسقاط النّظام وإحلال نظام آخر بديلا عنه، دون أن يشير إلى طبيعة النّظام البديل، ولا يعني بالضّرورة كون النّظام الحالي استبداديا أن يكون البديل نظاما ديموقراطيا بداهة، إذ قد يتمّ استبدال نظام ديكتاتوري بنظام فاشي أو نظام يتكئ على مرجعيّة دينيّة لا غير.

وإذا أخذنا بالحسبان تركيبة المجتمع السّوريّ الإثنيّة والطّائفيّة والثّقافيّة تبيّن لنا بشكل لا مجال للشّك فيه أنّه لا يمكن إسقاط النّظام القائم إلاّ من خلال برنامج  ديموقراطي يكون نقيضا للنّظام الحاليّ، ويلبّي طموحات مختلف شرائح المجتمع السّوريّ، ويتيح للجميع المشاركة الفعّالة في الحياة السّياسيّة من دون إقصاء أو تمييز، وهذه كانت مطالب وشعارات الحراك الثّوريّ أساسا، وهذا ما يسمح بجذب قطاعات واسعة إلى معسكر الثّورة، ويؤدّي إلى عزل النّظام وتجريده من الحلفاء، وهو الضّمان الوحيد لنجاح الثّورة، وحين تخلّى غليون ومجلسه (الوطني) عن هذا البرنامج، وعن الممارسة المتّسقة معه حكم على الثّورة بالفشل، وقدّم خدمة لا تقدّر بثمن للنّظام الّذي يدّعي العمل على إسقاطه، بل نستطيع القول بأنّه ساهم مع عوامل عديدة أخرى في إنقاذ النّظام من السّقوط المحتّم.

4- عن الذّات المعطوبة

يعنون غليون الفصل الثّاني من كتابه بعنوان (الثّورة والمعارضة: فساد النّخبة السّياسيّة)، ثمّ يفصّل ذلك بثلاثة عناوين فرعيّة هي: إعلان دمشق، جماعة الإخوان المسلمين، مجموعة العمل الوطني، وهي القوى الثّلاثة المؤسّسة للمجلس (الوطنيّ) وهذا يعني دون لبس عدم اعتبار (هيئة التّنسيق الوطنيّة) وكلّ الشّخصيات المستقلّة الأخرى من النّخب السّياسيّة أصلا، وبغضّ النّظر عن رأينا في مواقف هيئة التّنسيق في مراحل مختلفة من مسار الثّورة، إلاّ أنّها كانت تحوذ على نسبة تمثيل للحراك الثّوري أكبر من نسبة تمثيل الإسلاميين له، طبعا نتحدّث هنا عن الحراك السّلميّ قبل أن يتحوّل إلى العسكرة، وحين يعرّج على ذكرها في الفصل الثّالث يسمّيها معارضة المعارضة باعتبار أنّ المجلس الوطنيّ يحتكر تمثيل المعارضة!، وهنا نستطيع الاستنتاج أنّ القوى المذكورة أعلاه هي المقصودة بـ(الذّات المعطوبة)، حيث يعبّر غليون عن خيبة أمله ومرارته من الأداء السيّء لهذه القوى، وعدم ارتقائها إلى مستوى المسؤوليّة الملقاة على عاتقها، وبما أنّه هو لا ينتمي إلى أيّ من هذه القوى، وبما أنّه هو الكاتب والنّاقد لأداء هذه القوى تصبح هذه الذّات متخارجة عنه، فهو ليس معنيّاً بهذا العطب، وليس مسؤولا عمّا آلت إليه الأحداث.

إنّ المرارة الّتي يتحدّث بها عن أداء مكوّنات المجلس في الواقع تعكس إفلاس رهانه التّاريخيّ على البديل الإسلاميّ الّذي طالما نظّر له في كتاباته السّابقة، وحين حان موعد الاختبار سقط هذا الرّهان في أوّل محطّة له، ومع ذلك لم يغيِّر رهانه، واعتبر الأداء السّيء للنّخب الإسلاميّة مجرّد أخطاء ينبغي مراجعتها وعدم ارتكابها مرّة أخرى، يقول:

” نقد الإسلاميين ومراجعتهم لتجربتهم ضروريان لتجاوز الأزمة والفشل المشترك تماماً كما هي الحال بالنّسبة لمن يطلقون على أنفسهم اسم العلمانيين، لكن محاولة رمي كامل المسؤوليّة عليهم على طريقة البحث عن كبش محرقة لا يختلف في جوهره عن سعي الإسلاميين تكبيل العلمانيين بكلّ الصّفات السّيئة من أجل التّغطيّة على أخطائهم” ص (323).”

من الواضح أنّ غليون يريد أن يوزّع المسؤوليّة بالتّساوي على كلّ من التيّار الإسلاميّ والتيّار العلمانيّ في المعارضة، وفي ذلك ما فيه من تضليل وذرّ للرّماد في العيون، إذ كيف يتساوى في المسؤوليّة من حذّر من تتطييف الثّورة مع من عمل على تطييفها، وكيف يتساوى في المسؤوليّة من رفض التّدخل الأجنبي وحذّر منه مع من روّج له وحاول استقدامه بشتّى الوسائل.

واللاّفت في خطاب غليون هو استهتاره بالدّم السّوريّ، وعدم تمييزه بين الأخطاء والجرائم الّتي ارتكبت بحقّ السّوريين، وكأنّ الشّعب السّوري حقل تجارب له ولغيره من القوى بما فيها الإسلام السّياسيّ،  وفي رأيه أنّه يمكن لهذه القوى أن تتعلّم من أخطائها، ثمّ تعيد الكرّة إلى ما شاء الله، طالما أنّ الشّعب السّوري جاهز لدفع الثّمن من دمائه وأرزاقه ومستقبل أبنائه!!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    المقال جيد وموضوعي تماما ومن المرات القليلة التي يكتب فيها عن الثورة السورية بدون تبرير وتعويم لمقولات جامدة – مايذكره غليون في كتابه مابعد عام 2018 عما حدث منذ اعوام 2011 و2012 كان يقول عكسه خلال اعوزام 2013 ومابعدها وكان يمتدح الثورة والمعارضة والشعب في مرحلة هي نفسها التي يصف فشلها في كتابه بينما كان نرى باعيننا فشل المعارضة وخطورة خطابها التضليلي منذ 2012 وقد دخلت الى صفحة غليون على النيت منذ 2014 وقلت له نفس الكلام الذي يقوله في كتابه حين كان يرفض الاعتراف به وهذا دليل على النفاق واخطر كذبة شاركت فيها المعارضة ومن ضمنهم غليون انهم يغسلون ايديهم اليوم من الجماعات المسلحة المشبوهة بينما كانوا يتكلمون باسمها ويمتدحون القتال رغم انهم – في الحقيقة – لم يكونوا يعرفون من هم الجماعات المسلحة ومن ورائهم ولكنهم كانوا شهود زور وقد اعطوا غطاء للمسلحين لخديعة الناس الذين يستمعون لغليون وامثاله ثم نفضوا ايديهم منهم بعد ان اصبحت الصورة الكارثية واضحة – الثورة السورية درس بليغ في فشل الثورات وفي التضليل وفي نفاق النخبة السياسية

    1. أحمد علي محمد

      جزيل الشكر صديقي المحترم على تعليقك المثري والمفيد، من المؤسف أن معظم النخب السورية تتجنب مواجهة هذا التضليل وفضحه وهي بسلوكها هذا تضيف خداعا جديدا لشعبها، لم يكتف غليون وأمثاله بحرف الثورة السورية عن مسارها وزرع الأوهام لدى الشعب السوري وقيادته من فشل إلى آخر، بل يكملون ذر الرماد في العيون لمنع الشعب من استخلاص الدروس المفيدة من تجربته التي عمدها بنهر من دماء أبنائه.

أضف تعليق

Share This