لبنان: حرية التعبير في قبضة مخابرات الجيش / ميريام سويدان

استسهال استدعاء مدنيين للمثول أمام الأجهزة العسكرية، ليس إلا بوادر لتغيير شكل النظام.

“تلقيت اتصالاً من مكتب مخابرات الجيش في راشيا، طُلب مني خلاله الحضور إلى المركز. حين سألت عن السبب، جاء جواب العنصر: والله ما بعرف، بس بتجي منحكي معك…”.

هذا ما كتبه الصحافي اللبناني أيمن شروف على صفحته على “فايسبوك”، بعدما استدعته السلطات الأمنية اللبنانية إلى مكتب مخابرات الجيش اللبناني في راشيا (محافظة البقاع) من دون إعطائه أي توضيح.

يتصاعد تكريس الأجهزة الأمنية لقمع حرية التعبير في لبنان بوتيرة لافتة منذ انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى فرض خطة التعبئة العامة لاحتواء فايروس “كورونا”، والتي استغلتها السلطات لحزم قبضة الرقابة والقمع. وما قصة شرّوف، إلا واحدة من سلسلة استدعاءات متكررة بحقّ صحافيين وناشطين بسبب منشورات أو تعليقات عبّروا فيها عن آرائهم.

يؤكد شرّوف لـ”درج” أنه يرفض المثول أمام الجهة الداعية بسبب عدم وجود بلاغ قضائي ولا سند قانوني للدعوة، ولا حتى إشارة واضحة. كما تفيد محاميته ديالا شحادة، بأنه لا يجوز التحقيق مع أي مواطن إلا بتكليف من النيابة العامة المختصة، وحتى لو فُرض وجود تكليف من النيابة العامة العسكرية، فإن مخابرات الجيش لا تعتبر ضابطة عدلية عسكرية، أي أن هذا الجهاز لا يحق له استدعاء مدنيين للتحقيق معهم. وتضيف، “إذا افترضنا أن القاضي بيتر جرمانوس هو من طلب ذلك، نطالب بأن يجري جرمانوس التحقيق بنفسه، وفقاً للمادة 49 من قانون أصول المحاكمات الجزائية… أما إذا لم يُكلّف جرمانوس بالأمر، فإن هذا الفعل هو تجاوز للسلطة واغتصاب للقانون”.

بوادر لنظام جديد؟

بمراجعة الأشهر القليلة الماضية، يُلاحظ تطوّر لافت ومقلق، في سياق الاستدعاءات والاعتقالات، وهو تفعيل دور القضاء العسكري في قضايا الرأي.

الأجهزة الأمنية استدعت 29 شخصاً على الأقل للتحقيق معهم بسبب تهم متعلقة بحرية التعبير، بما في ذلك القدح والذم، بين 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 و6 آذار/ مارس 2020، وفق تقرير نشرته منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي اعتبرت بدورها أن “لبنان الذي كان ملاذاً للمدافعين عن حقوق الإنسان في العالم العربي، لم يعد موجوداً”.

هذا إضافة إلى 20 شخصاً على الأقل، بينهم 18 قاصراً، احتُجزوا لوقت قصير واستجوِبوا في حادثتين مختلفتين، بسبب تمزيق لافتات لسياسيين ولرئيس الجمهورية.

هذا عدا عن نمط الاستدعاء والتوقيف ذات “الطابع التأديبي”، الذي يبقي صحافيين وناشطين تحت خطر الاستجواب والتحقيق، أو قيد المحاكمة المؤجلة أو التعهّد بعدم التعرّض للشخصيات العامة، بهدف تحفيز الرقابة الذاتية وتوسيع دائرة القمع وتكميم الأفواه.

والدولة، بممارساتها هذه، تستغلّ ثغرات في الدستور اللبناني الذي يكفل حرية التعبير في المادة 13 منه، إذ ورد فيه “حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات”، ولكن “ضمن دائرة القانون”. تلك هي الثغرة الدستورية التي أتاحت سنّ قوانين تحاصر حرية التعبير تعسّفاً، فدائرة القانون هذه واسعة ومطّاطة ومتعددة التفسيرات والتأويلات.

وهذه الممارسات لا تعارض أو تتحايل على قوانين محلية فحسب، بل تخرق التزام لبنان بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيّة الذي انضمّ إليه عام 1972. والذي يلزم الدولة اللبنانية باحترام حرية التعبير (المادة 19)، كما بعدم محاكمة المدنيين في القضاء العسكري (وفق المادتين 2 و14).

الأجهزة الأمنية استدعت 29 شخصاً على الأقل للتحقيق معهم بسبب تهم متعلقة بحرية التعبير.

وفي هذا السياق، تقول المحامية ليال صقر لـ”درج” إن توّسع صلاحيات السلطات العسكرية، وتحديداً مخابرات الجيش، في الآونة الأخيرة، كما استسهال استدعاء مدنيين للمثول أمام الجهة المذكورة، ليس إلا بوادر لتغيير شكل النظام”.

تضييق هامش النقد

“تستغل السلطة اللبنانية القوانين الفضفاضة لتمرّر ما يحلو لها، بخاصة أن الإعلام الرقمي لا يرعاه أي قانون. فأخيراً، شهدنا توقيف ناشطين وصحافيين بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتمّ التعامل مع قضاياهم وفق القوانين الجزائية. هذا عدا عن مثولهم أمام سلطات عسكرية، في مخالفة واضحة للقانون”. هذا ما قالته ليال بهنام، مديرة البرامج في مؤسسة مهارات لـ”درج”، مؤكدةً أن المشكلة الأساسية تعود إلى عدم ضمان قانون الإعلام حرية التعبير بشكل واضح، ما أدى إلى تدهور حرية الصحافة. فقد احتل لبنان المركز 102 من أصل 180 دولة لحرية الصحافة لسنة 2020، وفقاً لمنظمة مراسلون بلا حدود.

من جهة أخرى، رصدت مؤسسة “مهارات” ارتفاعاً في سقف حرية التعبير وكسر للمقدسات الدينية والسياسية خلال انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، إلا إن ذلك سرعان ما تراجع تدريجياً بعد عودة الهدوء إلى الشارع. ما يرجّح استغلال السلطات اللبنانية وباء “كورونا” لتعزيز الممارسات القمعية.

كما سجّلت المؤسسة تزايداً في حدة العنف المستخدم من القوى الأمنية لقمع متظاهرين ومنع إعلاميين من القيام بمهماتهم، إضافة إلى الاعتداء على إعلاميين ومصورين وطواقم تقنية في محاولة لمنعهم من توثيق التعديات التي كانت تحدث بحق المتظاهرين أو نقلها إلى الرأي العام.

هذا إضافة إلى استعادة مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية نشاطه في كانون الثاني/ يناير، إذ كثف استدعاءاته لناشطين وصحافيين على خلفية تعبيرهم عن رأيهم أو في معرض قيامهم بعملهم.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This