أسئلة صعبة في الحرية والاختيار / وائل السوّاح

أيام كنت طفلا، قبل عقود، كنت أستلم جعالتي اليومية فأنزل إلى بقّال الحارة، اشتري بها حلوى أو لعبة صغيرة.  ولم أكن أحتار كثيرا، ففي تلك الأيام كانت أصناف حلوى الأطفال معدودة على أصابع اليد الواحدة، وكذلك كانت الألعاب، فهي إما كرة من مطاط أو مسدس بلاستيكي. اليوم، هنالك محلات عملاقة تبيع ألعاب الأطفال بعلب ملونة ملفوفة بأوراق السيلوفان، أما محلات السوبرماركت الكبيرة فتعرض علينا أصنافا لا تحصى من حلوى الأطفال، بأحجام مختلفة والوان متباينة. وتقدّم التقنيات الحديثة عالما من الألعاب الإلكترونية ما إن يفتح الصغير بابه حتى يضيع فيه.  فهل الأطفال اليوم أكثر سعادة من أطفال الأمس؟

ولم يكن الأمر محصورا في حلوى الأطفال وألعابهم. كان لدينا نوع واحد من السكر ونوع واحد من الرز ونوع واحد من المناديل الورقية ونوع واحد من مسحوق الغسيل ونوعان أو ثلاثة ربما من معجون الأسنان. اليوم تزدحم الماركات فوق الرفوف، وتتنافس الشركات في تسويق بضائعها، فتراها تنفق الملايين على الدعاية التي غالبا ما تكون كاذبة، أما نحن، المستهلكين، فنقع ضحية الكثرة، وضحية خياراتنا المتعدّدة.  وتختار زوجتي اليوم في كلّ مرّة صنفا جديدا من مساحيق الغسيل، فقط لتكتشف أن المسحوق السابق ربما كان أفضل.

في طفولتي أيضا كان علينا أن نرتدي ملابسنا ونذهب إلى صالات عرض السينما لكي نشاهد فيلما لسعاد حسني أو كلوديا كاردينالي، وكان ذلك الطقس يشبه عيدا صغيرا، فكنا نرتدي أفضل ما لدينا ونتهيأ لذلك قبل أيام وأحيانا أسابيع من موعد الفيلم المنتظر، ولا بدّ أن نشتري – مع الفيلم – الشوكولاتة لنتذوّقها ونحن نتابع الفيلم.  وحين دخل التلفزيون على بيوتنا، كنا في الفترة الأولى نطفئ ضوء الغرفة، لنخلق جوا شبيها بجو السينما، ونمضي ساعات قليلة محدودة نشاهد برامج قناة واحدة.  ثم جاء الفيديو فصرنا نختار الفيلم الذي نريد أن نشاهد، دون أن تختار دور العرض الأفلام نيابة عنا، ودون أن تفرض علينا إدارة التلفزيون فيلم السهرة. اليوم، نجلس في ثياب البيت ونستلقي في أسرتنا ونحرك بأصابعنا صفحات نتفليكس على شاشات الآيباد لنختار بين آلاف العروض الممكنة ما نشاهده.  فهل نحن أهنأ بالا وأسعد حالا مما كنا عليه قبل سنوات؟

وحتى قبل عقدين من الزمان، كان منظر ساعي البريد وهو يحضر لنا رسالة يثير البهجة، بينما يثير منظره – إذا كان يحمل برقيةً – الخوف والقلق. وكنا ننتظر لكي نكلّم صديقا أو قريبا في بلد بعيد ساعات أحيانا لنحصل على المكالمة. اليوم تنهال علينا الرسائل الإلكترونية كسوط العقاب، ويستطيع ربّ عملنا أن يضع يده علينا في أي وقت وأي مكان، وبينما ناضلت البشرية عقودا من أجل يوم عمل من ثماني ساعات، صار يوم العمل الآن، بفضل الإيميل والواتس آب، أربعا وعشرين ساعة. ثمّ بعد ذلك تنهمر عليك رسائل الأصدقاء النصية والفكاهات والصور وأشرطة الفيديو كالمطر، فهل صرنا أكثر فهما بعضنا لبعض، وهل صرنا أكثر كمالا؟

خطرت ببالي هذه الأسئلة، وقد فرض علينا وباء كوفيد-19 البقاء في بيوتنا والحجر مع خيارات قليلة جدا. فينما كنا نذهب إلى السوبرماركت فنختار ما نريد من ماركات المناديل الورقية وأوراق التواليت المتعدّدة والمعلّبات والفاكهة، صرنا نفرح إذا وجدنا على الرفوف أي ماركة فنسحبها بسرعة ونعود إلى البيت، وفي أحيان أخرى نخطفها من يد غيرنا.

ولئن كان للوباء من حسنة فهي أننا بدأنا ندرك أن حياة الاستهلاك التي كنا نعيشها قبل الوباء لم تكن ضرورية كلّها، والخيارات التي تعرضها علينا الشركات الكبرى ليست بالضرورة دليلا على الحرية. ففي كثير من الأحيان، تشوّش تفكيرنا أكثر مما تساعدنا على اتخاذ خيار حرّ وقرار سليم.

تعطينا الحضارة خيارات لا نحتاجها في الحقيقة ولسنا بحاجة إليها، وهي بالتأكيد غير مرتبطة بالسعادة. والحقيقة أننا كلّما لبينا رغبة من رغائبنا تولّدت لدينا رغبة جديدة تريدنا أن نلبّيها.  في كتاب يوفال نوح هراري، الإنسان العاقل، يقول هراري إن تطور البشر أوقعنا في “فخ الرفاهية”. وهو يعتبر أن الإنسان العاقل ظلّ يعيش حياة التجوال والصيد لعشرات الآلاف من السنين من بعد الثورة الذهنية واستخدام ملكة العقل والتجريد. ولكن حدثا تاريخا آخر وقع وغيّر مجرى السيرورة الإنسانية. إنه الثورة الزراعية التي اكتشفت قدرة الإنسان الفريدة على التعاون وأسست القرية وغيّرت نمط حياة الإنسان العاقل، الذي ظنّ أنه باكتشاف الزراعة والتصاقه بالأرض وتدجينه الحيوان سيغدو أغنى وأكثر سعادة. ولكن هذه الثورة أدّت إلى جوانب أخرى لم تكن بالحسبان، فمع الثورة الزراعية ارتفعت أعداد المواليد وزادت الحاجة إلى مزيد من الطعام، وأنهك العمل الزراعي الإنسان، الذي كان أكثر صحّة وقوّة إبان الصيد وجني الثمار. وأوجدت الثورة الزراعية للبشر واقعا اجتماعيا مختلفا تماما، فاتحة الباب لأنظمة سياسية ولأساطير جديدة يتعاون البشر من أجل تحقيقها، وهم يعتقدون أن كلّ واحدة منها تسهم في بناء لبنة أخرى في سعادة الإنسان، ولكنها كانت تزيد حقيقة في شقائه. لقد كان على الإنسان أن يدفع ضريبة رفاهيته.

ومع ذلك، لقد تورطت البشرية ولم يعد ثمّة أمكانية للتراجع.  ويبقى خيار الحرية هو الأصحّ للبشرية وللفرد. لقد عانينا نحن السوريين من فقدان القدرة على الخيار. ولطالما كان لدينا حزب واحد وقائد واحد ومنهج تعليمي واحد وإذاعة واحدة، وعلى مدى خمسة عقود لم يكن للملايين من المواطنين السوريين سوى ثلاث صحف (أضيفت لها لاحقا جريدة رابعة) تنشر جميعها الخبر نفسه باللغة ذاتها والصياغة عينها والصورة السقيمة إياها. وفي الانتخابات هنالك قائمة الجبهة الوطنية التقدمية التي لا بدّ لها أن تفوز. وفي الاستفتاء ثمة مرشح واحد يتعين علينا أن نصوّت له، وبالدم أحيانا. ولعلّ الأسوأ من ذلك أنه كان لدينا رواية واحدة للتاريخ وتفسير واحد للأحداث. ذلك، كان أول أهداف ثورة السوريين حين انطلقت حرية الاختيار وكسر الأحادية السياسية والإيديولوجية والثقافية. ولست بصدد المآل الذي آلت إليه هذه الثورة وابتعادها عن هذه الغاية، ولكنني بصدد التأكيد على أن الحرية هي الأساس وحقّ البشر في الاختيار هو المقدّس الوحيد، ولكن علينا أن نحسن هذا الخيار.

عن بروكار برس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمـد عزيـز الحسيـن

    من الطبيعي أن يغدو الأمر كذلك؛ فما نتحسر عليه أمسى في الماضي، ولم يعد ممكناً إعادته، وفي كل دول الشرق الأوسط جرى اغتيال الصوت الآخر المغاير لصوت السلطة، وحرصت كل سلطة عربية على تغييب أصوات مواطنيها، ولجم عقولهم، وتشكيل الفضاء الذي يغيِّبُ الصوت الآخر، ويعلي من صوت السلطة، ويجعله مهيمناً، وحتى في الأدب نلحظ أن الأصوات التي تميزت عن غيرها في تصوير الواقع، وشكلت لها نبرة خاصة تميزها من غيرها كانت ضئيلة الحضور؛ هكذا أفلحت السلطة العربية في تشكيل فضاء عربي قامع يصهر مواطنيها في بوتقة واحدة، ويشكل منها عجينةً طيِّعةً لكي يتاح للسلطة نفسها الاستمرار. ونجحت السلطة في ذلك، وحين رفض مواطنوها الاستمرار والانصياع للمطلوب تمت عملية سحقهم. وتدخلت القوى الخارجية ( التي كانت ذات يوم تطرح شعارات الحرية والعدل والمساواة ) ووقفت إلى جانب السلطة العربية لكي يبقى الوضع على ما هو عليه .
    إنه نفق مظلم أجبرنا على الدخول إليه، ولا فرجة مفتوحة تُؤذن بأن الضوء قادم، أو أن الليل المدلهم سينجلي!!

أضف تعليق

Share This