كيف تمثَّل المغاربة الأوبئة خلال العصر الوسيط؟

إذا كان البحث في التّاريخ السّياسيّ للمغرب الوسيط قد نال حظّه من الدّراسات المستفيضة والمعمّقة والّتي أسهمت بحظّ وافر  في الكشف عن العديد من القضايا المهمّة والجوانب التّاريخيّة المظلمة فإنّ البحث في تاريخ الذّهنيات والعقليات ورصد “التّموجات الذّهنيّة” على حدّ تعبير المؤرّخ “فرناند بروديل” وجسّ نبض المعتقدات الشّعبيّة والمشاعر والأحاسيس يعدّ من المناطق المعتمة الّتي لم يسبر غورها إلى الآن بشكل عميق بل لا نبالغ إن قلنا بأنّ الاهتمام بهذه المواضيع لا يزال يخطو خطواته الأولى على الرّغم من تأكيد  عديد  المؤرّخين على ضرورة أن تكون مواضيع العقليات والذّهنيات  والكوارث والأمراض والأوبئة من اهتمامات المؤرّخين المغاربة في وقتنا الحاضر نظرا لعدّة اعتبارات فمن ناحية أولى لا يمكننا  اليوم أن نتغافل عمّا  شهده علم التّاريخ  في العقود الأخيرة من تحوّلات إبستمولوجيّة خاصّة مع مدرسة التّاريخ الجديد الّتي قادها “جاك لوغوف” رفقة باحثين مثل “جورج دوبي” و”بيار  شوني” و”إيمانويل لورا لا دوري” و”أندري بورغيار” حيث صعد معهم نجم التّاريخ الأنتربولوجي – الّذي كان مزيجا من الفكر الأثنولوجي من عادات وسلوكيات وتمثّلات والفكر الفلسفي المهتمّ بالأنساق الفكريّة (دراسات كلود ليفي ستراوس وميشال فوكو) والأفكار ذات الصّلة بالتّاريخ الثّقافيّ الّتي سبق أن بلورها لوسيان فيفر ومن قبله جيل ميشليه – الّذي أسهم في إدخال حقول بحث جديدة تهتمّ بالجوانب النّفسيّة والاجتماعيّة والذّهنيّة للذّات الإنسانيّة.

ومن ناحية أخرى  فإنّ الاهتمام بهذه المباحث في تاريخ مجتمعاتنا  اليوم كفيلة بالكشف عن الآليات الذّهنيّة المعقّدة للإنسان الوسيطيّ والوقوف عند أهميّة الأبعاد غير الماديّة ودورها في تحريك المسار التّاريخيّ  وخاصة الكشف عن منظومة تمثّلاته (أي الإنسان الوسيطي) الّتي تشكّل ما يسمّى بالمخيال والّذي يعدّ من أهمّ المباحث المهمّة  لما يلعبه من دور في تحريك عجلة التّاريخ وفي تشكيل الذّاكرة الجماعيّة. وقد ازدهر هذا المبحث مع مدرسة التّاريخ الجديد حيث ظهرت كتابات شهيرة في هذا الصّدد من أمثال المخيال الوسيطي لمؤرخ العصور الوسطى جاك لوغوف وأساطير وملاحم لجورج دوموزيل والفيوداليّة انطلاقا من المخيال الجماعيّ لجورج دوبي.

وقد شدّد لوغوف على أهميّة المخيال وذهب بعيدا في هذا التّشديد حيث اعتبره محرّكا للتّاريخ فعلى حدّ قوله “التّاريخ دون مخيال يبقى تاريخا مبتورا فالنّاس لم تعش فقط بالطّعام والشّراب فقط بل عاشوا أيضا في الاعتقاد في كرامات وعجائب سمعوا عنها أو توهّموا رؤيتها.”

وهذا ما يحيل على الأهميّة الرّمزيّة للمخيال الّذي يمكّننا من فهم الأعماق الدّفينة للإنسان وخاصّة كيفيّة تشكّل التّمثّلات الجماعيّة فالبحث عن معنى المجتمع كما يقول لوغوف لا يكون إلاّ من خلال البحث في منظومة تمثّلاته ومن خلال المكانة الّتي تحتلّها هذه التّمثلات داخل البنى الاجتماعيّة وفي الواقع .

ولذلك ومن أجل سبر أغوار الزّمن الذّهنيّ والحفر عميقا في أركيولوجيا الوعي الجماعيّ سنحاول البحث في تمثّل المخيال المغاربيّ للأوبئة خلال الفترة الوسيطة محاولين في ذلك رصد الذّهنيات والمعتقدات والعادات والسّلوكات والمشاعر والأحاسيس الّتي شكّلت التّمثلات الجماعيّة وساهمت في تشكّل المخيال كظاهرة اجتماعيّة وجماعيّة وتاريخيّة.

ممّا لاشكّ فيه أنّ الأوبئة كانت من بين الكوارث الّتي فتكت بالإنسان الوسيطيّ فهي تجتاح مجالات جغرافيّة عديدة وتخلّف آثارا ليس فقط في البنى الديمغرافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ولكن كذلك في البنى الذّهنيّة لذلك تأثّرت ثقافة مجتمعات العصور الوسطى وعقلياتها شديد التّأثر بهذا الدّاء العضال ويظهر ذلك  جليا من خلال شبكة  التّمثلات الّتي ينسجها المخيال.

وعموما فإنّ تناول مثل هاته المسائل والإشكاليات لا يخلو من مطبّات منهجيّة وإبستمولوجيّة  نظرا لما تحتاجه من إلمام جيّد بالعلوم الاجتماعيّة والانسانيّة من جهة ولقلّة مّا قد تجود به المصادر التّاريخيّة  في بعض الأحيان من معلومات وإشارات من جهة أخرى ولكنّ ذلك يبقى  مناسبة للاهتمام بالعامل الرمزيّ ودوره في بلورة الوعيّ وتحريك المسار التّاريخيّ بدل  الاهتمام بالعامل الماديّ والاقتصاديّ.

وقد كان الطّاعون الجارف أخطر وباء ضرب المغرب الوسيط خلال القرنين الرّابع عشر والخامس عشر الميلاديين وقد انتشر بواسطة السّفن القادمة من إيطاليا أو من الشّام ومصر وذلك مند عام 1347 وقد كان هذا الطّاعون من العلامات الدّالة على التّحولات العميقة الّتي دفعت بالمغرب الوسيط نحو الرّكود والضّعف حتّى أنّ بعض المؤرّخين تحدّث عن أزمة “بدّلت أحوال العمران” وانتقلت به “من حال إلى حال” لذلك فقد حبّرت فيه الرّسائل وكثرت حوله المصنّفات.

وتكاد تتفق أغلب المصادر الّتي عاصرت الأوبئة على فكرة مركزيّة مفادها أنّ الوباء عقاب سماوي للإنسان على خطاياه وذنوبه فقد ربط أغلب المؤرّخين ظهور الأوبئة بفكرة العقاب الالهيّ للبشر على ما اقترفوه من ذنوب وأخطاء وبالتّالي فأسباب حلول الأوبئة هي أسباب متّصلة بعالم الغيب والميتافيزيقى ولا شكّ أنّ هذه الفكرة قد ترسّخت في الوعي الجماعيّ عبر الأزمنة التّاريخيّة  وفي مختلف الحضارات الانسانيّة حتّى القديمة منها إذ هناك أمثلة عديدة من العالم القديم اليونانيّ والبابليّ لا يتّسع المقام لذكرها الآن وقد تواصلت هذه  الفكرة عبر العصور فقد فسّر  طبيب فرنسي  ظهور “الطّاعون الأسود”  في العصور الوسطى  بأنّه عقاب إلهي ضرب أهل جنوة لمعاملتهم السّيئة للعرب.

كما ترّسخت كذلك  في الذّهنيّة الجماعيّة  فكرة أنّ الطّاعون هو عقاب سلّطه الله  على بني إسرائيل بسبب معصيتهم وفسادهم فهو عذاب للكفّار ورحمة للمسلمين وذلك استنادا إلى بعض الأحاديث النّبويّة وقد أشارت أغلب المصادر الّتي اطّلعنا عليها إلى هذه الفكرة خاصّة ابن حجر العسقلاني في كتابه “بذل الماعون في فوائد الطّاعون” الّذي اعتبر الأوبئة عقابا إلهيا يفتك بالنّاس لسقوطهم في المحرّمات والمحظور ولتفسّخ أخلاقهم وتبدّل سلوكاتهم وهذا ليس بالأمر الغريب نظرا لسيطرة الدّين والمقدّس على الذّهنيات طوال العصور الوسطى سواء بالعالم الإسلاميّ أو بالغرب المسيحيّ فالأنظمة الدينيّة تلعب دورا هامّا كما يرى “دوران” في الحفاظ على الأنظمة الرمزيّة والمناحي الأسطوريّة للكائن الانسانيّ في علاقته بالأشياء وبالماورائيات لذلك سيطرت على المغاربة هذه الذهنيّة الدينيّة الّتي أثّرت في تمثّلاتهم الجماعيّة للكوارث والجوائح فالإنسان الوسيطي قبل كلّ شيء هو إنسان ديني يسيطر عليه المقدّس ويوجّه حياته.

ومن أهمّ الأوبئة الّتي حظيت باهتمام كبير من لدن المصادر الوسيطة نذكر الطّاعون الأسود المذكور سلفا  كما سمّي آنذاك في أوروبا أو الطّاعون الجارف  كما أسمّاه ابن خلدون فقد ترك هذا الأخير آثارا هامّة  في المخيال المغاربيّ الوسيط لأنّه تقريبا الحدث الهامّ الّذي هزّ عالم العصور الوسطى بأكمله وقد عاصر الشّاب ابن خلدون هذا الوباء حيث تأثّر بهذا الحدث الجلل  قائلا: “هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف المائة الثّامنة من الطّاعون الجارف الّذي تحيف الأمم وذهب أهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدّول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلّص من ظلالها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التّلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقض العمران بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السّبل والمعالم وخلت الدّيار والمنازل وضعفت الدّول والقبائل وتبدّل السّاكن وكأنّي بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنّما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها”.

إذن فيظهر جليا من خلال ما ذكره ابن خلدون مدى وعيه بخطورة هذا الحدث وبما خلّفه من آثار في البنى الماديّة والذّهنيّة فقد رسم هذا الأخير  صورة قاتمة عن المغرب الإسلاميّ عقب الطّاعون الجارف الّذي كانت نتائجه وخيمة خاصّة على المنظومة الديمغرافيّة الأمر الّذي حدا ببعض المؤرّخين إلى القول بأنّ منطقة المغرب الإسلاميّ تحوّلت إلى منطقة ضغط ديمغرافي منخفض طيلة العصور الوسطى فقد كانت  الأوبئة تحصد  أرواح الآلاف من البشر في منطقة ذات نمو ديمغرافي ساكن  وّقد تفطن كذلك ابن خلدون إلى العلاقة بين هذه  الكارثة والتّحولات الحضاريّة الكبرى الّتي شهدتها بلاد المغرب فقد أشار إلى تدهور التّمدين والعمران وتراجع اقتصاد المغرب الإسلاميّ وما رافق ذلك من تخلّف وانحطاط وتراجع  وقد انتبه كذلك العقل الخلدوني إلى العلاقة بين الديموغرافيا والعمل والإنتاج  فتراجع  حركة العمران والتّمدين يعود بالأساس إلى تراجع الإنتاج نتيجة  النّقص الدّيمغرافيّ الفادح حيث ذهب الطّاعون بأهل الجيل على حدّ قوله وهذا كلّه يجعلنا ننتبه إلى وعي ابن خلدون بأزمة المجتمعات المغاربيّة الوسيطة خلال القرن الرّابع عشر فقد كان كلّ شيء يشير إلى أنّ الحضارة العربيّة الإسلاميّة آخذة في الأفول فمن النّاحية السّياسيّة كانت أغلب الدّول والمخازن المغاربيّة قد شارفت على الانتهاء والتّفكك نتيجة ضربات البدوّ وتعدّد عمليات  الضّغط المسيحيّ  أمّا من النّواحي الاجتماعيّة والاقتصاديّة فقد كان الضّعف والانحطاط قد أخذا ينخران جسد الدّول المتهالكة وقد جاء الطّاعون الجارف ليزيد في أزمة دول المغرب الوسيط ويعمّق  حدتها لذلك ربط ابن خلدون بين ضعف الدّول ووصولها إلى مرحلة الانهيار بكثرة الكوارث الّتي تعصف بها في نهاية عمرها.

أمّا  بخصوص أسباب انتشار الطّاعون فقد اختلفت حوله المصادر التّاريخيّة إذ هناك من اتّخذ موقفا سلبيا بناء على تصوّرات دينيّة وفي بعض الأحيان سحريّة وهناك من بنى تصوّرا عقلانيا استنادا إلى معطيات الواقع فابن خلدون مثلا يبدو أنّ موقفه كان عقلانيا إلى حدّ مّا فهو  قد  انطلق من معطيات تجريبيّة لتفسير اجتياح الطّاعون للمغرب الوسيط حيث قرن انتشار الوباء بفساد الهواء وبكثرة العمران”لما يخالطّه من  العفن والرّطوبات الفاسدة” فنتبيّن من خلال ذلك أنّ  ابن خلدون  اعتمد منهجا تجريبيا يقوم على  تفسير الواقع المحسوس وردّ الظّاهرة إلى أسبابها الطّبيعيّة والماديّة دون الالتجاء إلى التّفسيرات الغيبيّة البعيدة عن الواقع الماديّ.

أمّا  ابن حجر العسقلانيّ الّذي ألّف كتاب “بذل الماعون في فوائد الطّاعون” فيبدو أنّه يميل إلى التّفسير الغيبيّ وغير العقلانيّ فيما يخصّ أسباب انتشار الأوبئة فقد أورد هذا الأخير ثلاثة  أسباب أسهمت في انتشار الطّاعون فقد تحدّث في البداية عن  أسباب فلكيّة منها كثرة الشّهب  في آخر الصّيف وأسباب سماويّة تعود إلى سهام ترميها الجنّ وقد  أورد ابن حجر  في كتابه سلسلة من أحاديث الرّسول الّتي تطرّقت إلى هذا الموضوع  ويبدو أنّ هذا التّفسير السّحري الغيبيّ يرجع إلى الأساطير العربيّة الّتي كانت رائجة  قبل  ظهور  الإسلام فهذه التّصورات والتّمثّلات هي تواصل لبنى ذهنيّة قديمة فقد كان العرب يعتقدون في الجنّ ويعتبرونها قوى تهاجم الإنسان وتنازعه الأرض وهنا يمكننا أن نفهم الدّور الّذي تلعبه التّركيبات الأسطوريّة والميثيّة في تكوين الذّات التّاريخيّة للجماعة البشريّة.

رأى كذلك ابن حجر العسقلانيّ أنّ للطّاعون أسبابا أخلاقيّة تتمثّل أساسا في ابتعاد النّاس عن الحقّ وارتكابهم للذّنوب وهذا الاعتقاد هو تواصل لذهنيات قديمة حيث رأى الإنسان في الطّاعون وفي غيره من الكوارث الطّبيعيّة انتقاما وعقابا من القوى الغيبيّة للإنسان وهذا ما جسّدته الأساطير القديمة الرّافديّة أو الإغريقيّة .

يمكننا كذلك أن نرصد من خلال ما وجدناه من معلومات متناثرة في المصادر المعتقدات و السّلوكيات الّتي تكشف الطّرق الّتي واجه بها المغاربة الأوبئة فبتأملنا لما ورد في رسالة ابن خاتمة الأندلسيّ أو ما أورده ابن الخطيب أو ابن حجر أو ابن خلدون نجد موقفين رئيسين الأوّل يعتمد رؤية دينيّة حيث يعتبر أنّ الفرار من الوباء أمر غير مجد لأنّه أمر مقدّر وهو عقاب إلهي ومناسبة للمؤمنين للظّفر بالشّهادة واتّجاه آخر عقلاني يؤكّد على ضرورة الاحتراز من العدوى وضرورة مقاومة الوباء.

غير أنّ الموقف السّائد تقريبا كان الاستسلام للطّاعون على أساس أنّه قضاء لا مفرّ منه وقد ازدادت هذه الفكرة ترسّخا عند العامّة لما قام به الفقهاء من دعاية لضرورة الاستسلام له والصّبر عليه وانتظار الشّهادة يقول ابن حجر العسقلاني: “وهذا الطّاعون أعيا الأطباء دواؤه حتّى سلم حذاقهم أن لا دواء ولا راجع له إلّا خلقه وقدره “.

وقد اختلف الفقهاء في مسألة الفرار من أرض الطّاعون على اعتبار أنّ الّذي يصبر عليه ولا يفرّ يكون أجره أجر شهيد والفارّ منه كالفارّ منه كالفارّ من الزّحف وذلك استشهادا بقول الرّسول الّذي روته عائشة “الفارّ من الطّاعون كالفارّ من الزّحف”، وفي  حديث آخر “الصّابر فيه له مثل أجر شهيد” إذن نلاحظ سيطرة العقليّة الاستسلاميّة الّتي تعبّر عن عجز الإنسان الوسيطيّ في بلاد المغرب عن مواجهة الأوبئة كما تكشف كذلك  عن دور الخطاب الدينيّ في تشكيل التّمثلات الجماعيّة فالمخيال كما أكّد على ذلك أركون يستقي عناصره ومكوّناته من الأحداث والرّموز التّاريخيّة الّتي يعمل الوعي الجماعي على نمذجتها وأسطرتها بشكل تصبح معه تلك الوقائع مرسّخة في الأعماق السّحيقة للفرد.

من بين الحلول الغيبيّة الأخرى الّتي أوردتها لنا المصادر نجد الدّعاء والتّعبّد والتّصوف الّتي تندرج كلّها ضمن الممارسات الروحيّة الّتي كانت منتشرة أيّما انتشار لدى المغاربة في العصر الوسيط عند حلول الأوبئة والجوائح هذا فضلا عن بعض الممارسات الأخرى الّتي تكشف سيطرة الدينيّ على الاجتماعيّ في العصر الوسيط  فمثلا لجأ البعض في مدينة تونس خلال العهد الحفصيّ إلى الاعتقاد بأنّ قراءة صحيح البخاريّ وختمه أمر نافع حتّى أنّ السّلطان الحفصي آنذاك ذهب إلى تحبيس كتاب البخاري على جامع الزّيتونة.

تنوّعت كذلك الممارسات الرّوحيّة فلئن لجأ البعض إلى التّصوف فإنّ البعض الآخر وجد ضالّته في الدّعاء والتّضرع والقيام بأصناف من التّسابيح الّتي تبدو غريبة في بعض الأحيان وتحتوي ألفاظا أعجميّة غير مفهومة وقد كان  يشجّع عليها الفقهاء والنّخب العالمة في نفس الوقت فقد ذكر ابن حجر العسقلاني بعض الأدعيّة الّتي قال أنّها تحرس قائلها من الجنّ ومن عدوى الطّاعون، أمّا الشّافعي فقد أوصى بالتّسبيح لأنّ التّسبيح يرفع العقوبة والهلاك وعموما فقد كانت الإجراءات الدينيّة هي الأكثر انتشارا لأنّها في متناول الجميع ولأنّ كذلك البنيات الذّهنيّة آنذاك هي بنيات دينيّة بالأساس تقبل على كلّ ما هو روحاني وغيبي. أوردت المصادر كذلك أنواعا أخرى من السّلوكيات كالاعتماد على الرّقية الشّرعيّة الّتي كانت أسلوبا أساسيا لعلاج الكثير من الأوبئة وكان الرّاقي يتمتّع بشخصيّة كاريزماتيّة  في المجتمع المغاربيّ الوسيط وهذا دليل على كثرة إقبال النّاس على العلاج الرّوحيّ والصّوفيّ وذلك لعجز الطّبّ عن إيجاد دواء لهذا الوباء.

وبما أنّ الاعتقاد بأنّ الأمراض والأوبئة هي ابتلاء من الله أو عقاب سلّطه الله على الكافر فإنّ المغاربة  كانوا يتقرّبون كثيرا من الأولياء والمتصوّفة عند المرض لعلّهم يشفعون لهم عند الله ليرفع عنهم البلاء ولذلك ازدادت مكانة المتصوّفة والأولياء حيث كانوا بمثابة العلاج الرّوحيّ والوسيلة النّاجعة للتّخلص من الأمراض والأوبئة الّتي يعانون منها.

كما ورد كذلك في كتاب ابن حجر العسقلانيّ أنّ كثرة الصّلاة على النّبيّ تدفع الطّاعون لذلك كان النّاس قد أقبلوا على العبادة والتّضرع إلى الله والتّوبة من ذنوبهم والإكثار من الصّدقات والذّبائح  وقد شجّع على ذلك الفقهاء الدّين يمثّلون سلطة دينيّة توجّه المجتمع وتصنع مصيره ذلك أنّ المجتمع المغاربي الوسيط هو مجتمع يغمره المقدّس ويوجه تفكيره.

يمكننا أن نستخلص بعد ما استعرضناه من آراء وأفكار أنّ التّمثلات الجماعيّة للمغاربة حول الأوبئة  لم تخرج عن البنيات الذّهنيّة الدينيّة الوسيطة إذ كان الديني يسيطر على الاجتماعيّ والثّقافيّ ويؤطّره ويغذيه فهو بمثابة الإيديولوجيا الّتي تحرّك المتخيّل الجمعي وتشكّل الذّاكرة الجماعيّة وهذا ليس بالأمر الغريب على مجتمعات العصور الوسطى الّتي احتلّ فيها  المقدّس والديني مكانة هامّة.

******

البيبلوغرافيا:

– ابن خلدون ( أبو زيد عبد الرحمان بن محمد): المقدّمة، دار الكتاب اللّبناني، بيروت، 1967.

– ابن حجر ( شهاب الدين أحمد بن حجر): بذل الماعون في فوائد الطّاعون، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، 1979.

– البياض ( بد الهادي): الكوارث الطّبيعيّة وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس القرن 6-8 هـ /12-14 م، دار الطّليعة بيروت،2008.

– درغوث ( نبيل): حوار مع محمد العادل لطيف حول كتاب الخوف ببلاد المغرب في العصر الوسيط، حوارت مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث، 05 أوت 2017.

– حسن ( محمد): المدينة والبادية بإفريقيّة في العهد الحفصيّ، جزءان، كليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة، تونس، 1999.

– لوغوف ( جاك): التّاريخ الجديد، ترجمة محمد الطّاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنيّة، نشر المنظمة العربيّة للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 2007.

– السعداوي (أحمد): “المغرب الإسلامي في مواجهة الطّاعون: الطّاعون الأعظم والطّواعين الّتي تلته القرن 8-9 هـ/14-15 م”، مجلّة إبلا العدد 175.

– الفرقان (الحسين): “مفهوم الوباء عند الإخباريين المغاربة في القرن التّاسع عشر” الأياّم الوطنيّة العاشرة المجاعات والأوبئة في تاريخ المغرب، الجمعيّة المغربيّة للبحث التّاريخيّ، الجديدة 2002.

– مزدور(سميّة): المجاعات والأوبئة في المغرب الأوسط (588هـ-927هـ/ 1192-1520)، مذكّرة لنيل شهادة الماجستير في التّاريخ الوسيط، قسم التّاريخ جامعة منتوري قسنطينة، السّنة الجامعيّة 2008-2009.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This