هل كان هايدغر عرقيًا؟ / إدريس الخضراوي

لا شك أن الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يظلّ، من بين فلاسفة القرن العشرين، المفكّر الذي يتمتّع بحضور هائل في المشهد الفلسفي المعاصر، ويُمارسُ تأثيرا كبيرا على العديد من المفكرين من أوروبا، ومن بلدان وقارّات أخرى، بما في ذلك البلدان التي يُسهمُ مفكّروها في مناقشة بعض أفكار فلسفته وقضاياها. تَدلّ على ذلك الفورة التي تعرفها ترجمة أعماله، رغم أنها من النّصوص الفلسفية مستحيلة الترجمة[2]، أو التي تَفقدُ الكثير من قوتها في الترجمة، ومحاضراته في عدد كبير من اللغات، والمؤلفات الكثيرة التي صدرت في السّنوات الأخيرة عن حياته وعلاقتها بفلسفته، وكذلك التلقي الواسع الذي ما فتئت تحظى به، والمنافذ التي ما انفك عمله يفتحها إلى مسارات جديدة في قراءة هذا الفَيلسوفِ المُتعدّدِ، وتأويل فكره الرّحب “غير المكتمل”، رغم ما ينطوي عليه من ضُروبِ التعقيد والغموضِ بحكم افتتانه بالإيماءات الكبرى، ومديحه متعدد المعاني للبداية. ويُضافُ إلى هذا كلّه كون حياة هذا الفيلسوف، بخلاف مفكّرين عديدين ممن تميزت سيرهم الذاتية باتخاذها طابعا أكاديميا كاملا، لم تعد شأنا خاصا به بحكم دخولها في المجال العمومي، وبالتالي فهي حياة تدعو للسّرد والتأمّل.
في هذا السياق إذًا، يأتي كتاب “معلم ألماني، هايدغر وعصره” للفيلسوف والمؤرّخ روديغر سافرانسكي Rüdiger Safranski، الذي ظهر باللغة الألمانية سنة 1994، وبات اليوم متاحا للقارئ العربي في ترجمة عصام سليمان الصادرة عن سلسلة “ترجمان” في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في (656 صفحة) من القطع الكبير.
إن إتاحة هذا النّص عن هايدغر، الذي يوصف فكره بأنّه ذو وعورة رهيبة، في فضائنا الثقافي، يكتسب بالضّرورة مرمى تتساوق فيه أهداف فكرية وثقافية شديدة الأهمية. فلا شكّ أن “ثمة فائدة كبيرة للفكر العربي الحالي في أن ينعم النظر في الإسهام الإيجابي لمشروع هايدغر، بغضّ النّظر عن توترات هذا الفكر الداخلية العديدة”[3]. أما مؤلّف الكتاب الفيلسوف سافرانسكي (1945) فقد درس منذ 1960 في جامعة فرانكفورت، ثم برلين حيث أعدّ أطروحة في الأدب الألماني. كاتب ومؤرّخ يشتهر بأسلوبه الأنيق، السهل الممتنع، ما يشكلّ نهجا نادرا في السياق الألماني[4]. كما أنه معروف في الوسط الأكاديمي بكونه خبيرا بأدوات التاريخ الثقافي والفكري، كما تدلّ على ذلك أعماله الفلسفية والتاريخية المترجمة إلى أكثر من 30 لغة، ومنها (شلر أو اختراع المثالية الألمانية)، (شوبنهاور وسنوات الفلسفة الجامحة)، (فريديريك نيتشه: سيرة فلسفية).

مصير متفرّد
يَتكونُ الكتابُ من خمسة وعشرين فصلا يَرسمُ فيها الكاتبُ، بِشكلٍ متقن قادر على شدّ انتباه القارئ، المصير المتفرّد لهذا الفيلسوف الآسر الذي آمنَ بأن “الفلسفة يجب عليها أن تقوى على زمانها، وعندما حاول أن يفي بهذا المطلب، انتزع أنطولوجياه الأساسية من حواملها” (الكتاب، ص361)، منذ ولادته في 26 أيلول/سبتمبر 1889 إلى وفاته في 26 أيار/مايو 1976، من منظور لا يَنشغلُ بهاجس إضفاء القداسة أو إطلاق الاتهام، وإنما يتقصّد، بالأساس، ربط المفكّر بالتاريخ الثقافي والسياسي لعصره. وعليه، ففي هذا الكتاب الذي اعتبره بعض النقاد الغربيين أول سيرة موسّعة لهايدغر، يَلمسُ القارئ براعة سافرانسكي في تقديم شرحٍ ضافٍ لفكر هذا الفيلسوف سواء في علاقته بأسلافه أو معاصريه، وقدرته الكبيرة على ربط تحولاته وتقلباته بالحياة الفكرية والسياسية الألمانية في النصف الأول من القرن العشرين. ورغم أن الفلاسفة “منذ محاكمة سقراط، أصبح من الواضح أن ثمة علاقة مشحونة تجمعهم بالواقع كما هو خصوصا مع المجتمع الذي يعيشون فيه”[5]، فإن من المسلّم في تاريخ الفلسفة، سواء أكان ذلك مع هيجل الذي يعرّف الفلسفة بأنها بنت زمانها أو ماركس الذي يعتبر أن “الفلاسفة لا يخرجون من الأرض كالفطر، بل إنهم ثمرة عصرهم وبيئتهم إذ في الأفكار الفلسفية تتجلى أدقّ طاقات الشعوب وأثمنها وأخفاها”، أنها (أي الفلسفة) ترتبط ارتباطا عميقا بزمنها، ومن ثم فهي ليست خارج العالم، وإنما هي متجذّرة فيه، ومرتبطة أشدّ ما يكون الارتباط بأسئلته وقضاياه.

“إن تلمّس قيمة كتاب “هايدغر وعصره”، وهو نصّ ساحر، ثري جدّا، يَتطلبُ الإنصات لما اقتضاه المسعى الفلسفي والتاريخي لسافرانسكي، وهو مقتضى مغاير للكتابات السائدة”
ومن هذه الزّاوية، فإن فكر هايدغر لا يَخرجُ عن هذه القاعدة، ويتبيّن، بالتالي، أنّه فِكرٌ مُتأصّلٌ في البيئة الألمانية، ومرتبط بالتحولات الكبرى التي شهدتها أوربا خلال الحربين العالميتين؛ وهي الفترة التي ازداد فيها الشُّعورُ بالكارثة والخَوفُ من تبدّد القوى الإبداعية لدى الإنسان. يُعزّزُ هذا المنظورَ ما ذهب إليه مترجما “طرق هيدغر” من أنّ صاحب “الكينونة والزّمان”، “ليس بعيدا عن البيئة الدينية التي ترعرع فيها، وليس بعيدا عن الإحساس بالكارثة التي ألمّت بالعقل الإنساني، لا سيما في ألمانيا في العقود الأولى من القرن العشرين، وليس بعيدا عن استكناه التشوش الفكري الذي بلغته الفلسفة الأكاديمية ممثلة بالكانطية المحدثة، وليس بعيدا عن المغامرة الفكرية التي استهلّها الإغريق، وليس بعيدا، بل هو في قرارة، ما يسميه قدر الوجود؛ وفي تضاعيف ذلك كلّه شخص هايدغر”.[6]

إن تلمّس قيمة كتاب “هايدغر وعصره”، وهو نصّ ساحر، ثري جدّا، يَتطلبُ الإنصات لما اقتضاه المسعى الفلسفي والتاريخي لسافرانسكي، وهو مقتضى مغاير للكتابات السائدة حول هايدغر، سواء أتعلّق الأمر بالكتابات التي أسبغت على فكره المديح المسرف في المغالاة، أو تلك التي كالت له الاتهام بالغفلة عن التعذيب الذي تعرّض له أصدقاؤه وزملاؤه اليهود، ورأت في علاقته بالنازيين لبعض الوقت “حالة” أو جرحا في تاريخ الفلسفة. إن ما يرمي إليه سافرانسكي في هذا العمل الذي يروي سيرة هايدغر الفكرية، ربّما أفضل من أي سيرة ذاتية سابقة، هو توضيح ذلك المدى الذي يرتبط فيه فكر هذا الفيلسوف الفذّ الذي لا يُمكنُ قراءة معظم الفلاسفة الكبار في هذا العصر دون أخذ فكره بالاعتبار، بالظروف التاريخية والثقافية التي تشكّل فيها، وبالتيارات التي هيمنت على الحياة الثقافية الألمانية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

“لم يكن الوضع الذي كانت عليه الفلسفة في هذه الحقبة التي سميت بحقبة معاداة الميتافيزيقا ملائما، فقد وجدت نفسها في موقف شديد الحرج في ظلّ السّطوة التي كانت تتمتّع بها النزعات الوضعية والتجريبية والحسية”
وبدلًا من التركيز على عملِ هايدغر، يسلك المؤرخ دربا مختلفا إذ يقيم علاقات بين هذا الفكر وأعمال أخرى من الماضي، وهذا هو خط القوة الأول، الذي يمكن وصفه بأنه عمودي ومؤثر، وبين هذا العمل وأنواع أخرى من الأعمال تنتمي إلى مجالات مختلفة، وهذا كذلك هو خط القوة الثاني، الأفقي، التزامني، الذي يساعد سافرانسكي على الاقتراب من العمل الفلسفي في ضوء ما يتم في مجالات أخرى في نفس الوقت. من هنا نعتقد أن اعتماد الكاتب الطّرح السيري، مسلّحا بالحاجة المزدوجة إلى التفكير في كلّ من فرادة الهوية السّردية، والطبيعة الاجتماعية للعمل الفلسفي، يعدّ ههنا اختيارا ذكيا لأن منهج السيرة يَتقاطعُ مع علم الاجتماع “بما أنها عملية إنصات للواقع في حيويته ومباشرته من خلال معيش الفاعل الاجتماعي”، كما يَتقاطعُ مع التاريخ من حيث أن “قراءة المجتمع من خلال السيرة تدلّ على أن الطابع التّركيبي لقصص الحياة يَتضمّنُ منظورا للزمان يتولّد من خطاب السارد”[7].
يستهلّ سافرانسكي هذه السّيرة الفكرية ذات السّرد التعاقبي من عالم مسكرش، البلدة الصغيرة التي كانت تقع على الحدود بين ألمانيا وشفابيا، حيث أبصر هايدغر النور وعاش طفولته، ومن الأسرة التي يَنحدرُ منها والتربية التي تلقاها، وعلاقته بالكنيسة، والوقت القصير الذي قضاه كمبتدئ يسوعي، ليتناول بدايته كفيلسوف كاثوليكي “تحرّك فكره في دائرة السؤال عن الإله بوصفه الصخرة النهائية، وضمانة معرفتنا الذات والعالم” (الكتاب، ص207)، ثم شهرته الفلسفية حيث أتمّ التغيير الحاسم في منظوره، فزواجه مرّتين، حيث تعرّف في خريف عام 1915 على زوجته اللاحقة إلفريدة بتري (Elfride Petri) وهي طالبة تدرس الاقتصاد في جامعة فرايبورغ، وقد انقضى نصف عام على فسخ خطوبته لفتاة من شتراسبورغ، وكذلك صداقاته الفكرية والشخصية، خاصة علاقة الحب بماربورغ (1924-1925) التي جمعته بطالبته اليهودية حنا آرندت التي كان الطلاب يطلقون عليها “الخضراء” بسبب ثوبها الأخضر الأنيق الذي ترتديه كثيرا، وهي التي ستغدو في ما بعد أشهر فيلسوفة ألمانية، ومآل هذه العلاقة المعقدة في ما بعد، ووصولا إلى موقفه المؤيد للثورة الاشتراكية الألمانية ودعمه الحماسي للنازيين، والكيفية التي استطاع بها أن يُحرّرَ نفسه من المشهد السياسي في عصره، وأن يتركَ مسافة من الحركة الاشتراكية القومية خلال الثلاثينيات، فضلا عن الجهد الذي بذله هايدغر أثناء التحقيق معه بعد أن مُنعَ نشر أعماله ومنع من التدريس، من أجل ردّ الاعتبار لشخصه وفلسفته إلى أن سُمِحَ له بالتدريس واستمرّ في تقديم المحاضرات حتى وفاته في 26 أيار/مايو 1976 حيث دفن في مسكرش حسب رغبته التي نقلها لمواطنه برنهارد فيلته، أستاذ اللاهوت في فرايبورغ، المؤرخة في كانون الثاني/ يناير 1976.

بمن تأثر؟
يبدو تأثر هايدغر، في مرحلة الشباب، بمعلمه كارل بريغ كبيرا جدا، حيث الانعطافة نحو الله، والطمأنينة ماثلة في الإيمان الكاثوليكي والقيمة الماورائية للحياة. لكن هذا الاطمئنان ما فتئ يواجه الهاوية بعيدا عن الموطن الكاثوليكي حيث لا يزال الإيمان جزءا من نظام الحياة. ويرى سافرانسكي أنه “عندما يحيط هايدغر الحقيقة بهالة الصعب والقاسي والمعاند، فإن ذلك كان انعكاسا للصّدّ الذي يحسّ في الخارج بين “الدنيويين” ويريد أن يتغلّب عليه” (الكتاب، ص47) من هنا سيكون تعرّف هايدغر على أطروحة الفيلسوف الإيطالي فرانتس برناطو عن المعنى المتعدد للموجود بحسب أرسطو، بعد أن أهداها له أستاذه كونراد كروبر عام 1907، حاسما باتجاه الفينومينولوجيا والوصول إلى إدموند هوسرل الذي سيغدو كتابه “مباحث منطقية” كتاب الثقافة الشخصي بالنسبة لهايدغر. إن تأثير برناطو في هايدغر قوي جدا بحسب مؤلف هذه السيرة. وهذا أيضا ما ألمح إليه جون غريش (Jean Greisch) سنة 1994 في مقدمة كتابه “الأنطولوجيا والزمانية” عندما قال إن “من الممكن جدا أن يكون هايدغر اهتدى إلى الكينونة من خلال اطلاعه على عمل برناطو الذي انشغل بالمعاني المختلفة للكينونة عند أرسطو، وأنها تكمن في التفاصيل[8].

“رغم أن سافرانسكي يؤرّخ لفيلسوف هو بلا شك الأكثر إثارة للجدل في القرن العشرين، فإن كتابه ينطوي على أهمية كبيرة ليس فقط بالنسبة لمؤرخي الفلسفة، وإنما أيضا بالنسبة للمؤرخين بصورة عامّة، ولجيل كامل من القراء”
لم يكن الوضع الذي كانت عليه الفلسفة في هذه الحقبة التي سميت بحقبة معاداة الميتافيزيقا ملائما، فقد وجدت نفسها في موقف شديد الحرج في ظلّ السّطوة التي كانت تتمتّع بها النزعات الوضعية والتجريبية والحسية، واليقين المتزايد بمعرفة الطبيعة بدقة والسيطرة التقنية عليها، والاشمئزاز من كلّ ما هو غريب وخيالي. كانت “مباحث منطقية” لهوسرل التي تَجعلُ تحرير المنطق من النّزعة الطبيعية غايتها ومعاييرها، كما كانت تَجعلُ تحرير العلم من الانعطافة التي أدت به “إلى الإعراض في لا مبالاة عن الأسئلة الحاسمة بالنسبة لكلّ بشرية حقا”[9] همّها الأساس، المؤلف الذي بقي هايدغر معنيا به لمدة عامين في غرفته. إذًا، في هذه المرحلة، وتحديدا سنة 1912 ستظهر مقالاته الأولى “مسألة الواقع في الفلسفة الحديثة” و”أبحاث جديدة حول المنطق”، وهي مرحلة مضطربة ومتأزمة من حياته كما تدلّل على ذلك قصيدته “ساعات جبل الزيتون” التي نشرت في صحيفة ألغمايني رونشاو. لقد كان على هذا الطالب ابن العائلة المتواضعة أن يختار بين “البقاء تحت رعاية الكنيسة ومِنَحِها الدراسية، أو يجب عليه أن يكافح بطريقة أخرى” (الكتاب، ص70). ورغم تعدد البدائل التي كان هايدغر يفكّر فيها كما تظهر ذلك رسالته إلى صديقه إرنست لاسلوفسكي، فقد قرر قطع دراسة اللاهوت وتسجّل في كلية العلوم الطبيعية في فرايبورغ في اختصاص الرياضيات والفيزياء والكيمياء، لكنه استمرّ في دراسة الفلسفة بدأب واجتهاد. في سنة 1913 سيتحصّل هايدغر على الدكتوراه في الفلسفة عن أطروحة عنوانها “نظرية الحكم في النّزعة النفسانية”. وفي هذا العمل قدم نفسه بوصفه التلميذ المجدّ والألمعي لهوسرل الذي تركت أبحاثه المنطقية أثرها فيه، وخاض إلى جانبه معارك جدلية ضدّ ممثّلي النزعة النفسانية (الكتاب، ص73).

فترة إنتاجية
يتبيّن من هذه السّيرة أنّ إحدى إسهامات هايدغر العظيمة قد تبلورت خلال سنوات العشرينيات. ففي خريف عام 1923 جاء إلى ماربورغ التي كان قد عيّن فيها أستاذا مشاركا بوظيفة أستاذ كرسي أصيل وحقوقه، وفي أواخر صيف عام 1928 غادرها من جديد ليبدأ في فرايبورغ، وقد غدت محاضراته محطّ جذب، خلافة أستاذه إدموند هوسرل. تميزت هذه المرحلة الممتدة بين 1923 و1928 بالنسبة لهايدغر بأنها فترة إنتاجية لا مثيل لها. ففيها سيظهر كتابه الضّخم الكينونة والزمان الذي “اشتغل فيه على الإثبات الفلسفي بأنّ الدازاين الإنساني لا سند له إلا هذا الـ “هناك” الذي عليه أن يكون” (الكتاب، ص209). إن غموض الكتاب عند الجمهور العام، كما يقول سافرانسكي، هو جزء من الهالة التي تحيط به. فحتى يجعل هايدغر مفهوما ما لمّح إليه في المقدمة من أن تأويل الزّمان من حيث هو الأفق الممكن لكلّ فهم للكينونة، كان يحتاج ليس إلى هذا الكتاب بأكمله فحسب، بل إلى باقي حياته أيضا. في هذه المرحلة إذًا، لم يكن هايدغر يعدّ فيلسوفا بنّاء، بل كان يعدّ مفسّرا بارعا للتقليد الفلسفي كما فعل مع أرسطو وأفلاطون. ورغم أنّ هايدغر كان يعتبر عمله هذا بأنه غير منته بعد أو انتقالي كما كتب لصديقه كارل ياسبرز، فإن صدور الكينونة والزّمان لم يغطّ على الاعتقاد عند هايدغر بأنه وصل. وفي عام 1927 عندما توفيت والدته وضع في وداعها على سرير موتها نسخة مكتوبة باليد من المؤلّف الذي ظهر لتوه (الكتاب، ص203).

“ينهي سافرانسكي كتابه بالجملة التي استهلّ بها هايدغر إحدى محاضراته في ماربورغ عند وفاة ماكس شيلر في عام 1928 حيث يقول: مرة أخرى تؤوب الفلسفة إلى الظّلمة”
بينما أبان هايدغر في هذه المرحلة التي ظهر فيها الكتاب العمدة الكينونة والزمان عن إنتاجية كبيرة، كان الوضع على مستوى الحياة الألمانية يتسم بالقلق من الحضارة، والإحساس بالضيق من عالم متدهور ومقلوب ومغترب، إذ تفشّت نزعة العداء للسامية المتعصبة، والفكر العنصري. وفي آذار/مارس 1930 اختير هايدغر لشغل منصب أستاذ كرسي الفلسفة الأكثر أهمية في ألمانيا، لكنّه بعد مفاوضات جدّية رفض قبول منصب أستاذ في برلين معللا ذلك بأنه غير مسلح كفاية، وأنه لم يصل بعد إلى الفلسفة الحقيقية التي تقوى على عصرها أي تتنبأ له وتحدد وجهته. ويرى سافرانسكي أنه بهذا المطلب وضع الفلسفة كما وضع نفسه أمام مهمة عظيمة. وهنا أي بين عامي 1931-1932 يبدأ منعطف جديد يتمثل في انحياز هايدغر للحزب النّازي واعتباره وصول الاشتراكيين القوميين إلى السّلطة، ثورة و”أبعد بكثير من كونه مسألة سياسية: إنه فصل جديد في الكينونة، وبداية حقبة جديدة” (الكتاب، ص313). وبعد أن انضم للحزب النازي، وهو الحدث الذي سيجعل هوسرل يحسّ بالخيبة ويعتبره نهاية الصّداقة الروحية المزعومة بين الفلاسفة، عيّن هايدغر رئيسا للجامعة، وفي 27 أيار/مايو 1933 ألقى خطاب التنصيب الشهير الذي كانت ردّات الفعل المباشرة في ألمانيا أكثر حماسة، بينما أثار بين المعلّقين النقديين الأجانب إحساسا بالامتعاض والدهشة التي لا تصدّق. مكث هايدغر على رأس الجامعة لمدة سنة، وفي سنة 1934 قدّم استقالته، بعدما لم يجد في الواقع الجديد ما يتيح موقع الاستعمال الصحيح للفلسفة، وتقديم العون إليها كي تقول كلمتها، كما سيقول فيما بعد مدافعا عن خياره. هكذا تراخت علاقته بالسياسة ولم ينقطع الإيمان بهتلر وضرورة الثورة. ولتجاوز السّجال مع المنبت الأصلي والإخفاق في رئاسة الجامعة، سيساعده بطل آخر هو هولدرلين، شاعر الشعر الذي يستبطن الحنين إلى كلية جديدة، ومعه يمكن، كما يقول هايدغر، الوصول إلى لغة لما ينقصنا. لكن لِمَ كان هايدغر في حاجة إلى هولدرلين في هذه الحقبة؟ يجيب كريستيان دوميه بأن الشاعر كان يمدّ الفيلسوف بصور وباستعارات وبمجازات كان يتوجّب على الفكر أن يحوّلها باستمرار إلى لغة المنطق، ومن خلال هذا التحويل كانت اللغة تَكسِبُ في الوقت نفسه احتكاكا بنفسها يجدّد نشاطها ويجعلها تنشط في حيّز كان باستطاعتها أن تتغرّب فيه[10].

إضاءة جوانب مختلفة
يعدّ اعتماد سافرانسكي على أعمال هايدغر، وما كتب حولها من دراسات حديثة، بالإضافة إلى تركة آرندت ومذكرات السيدة إلفريدة التي بقي هايدغر ممتنا لها طوال حياته، والرسائل المتبادلة بين هايدغر وحنا آرندت من جهة، وهايدغر وكل من كارل ياسبرز وإليزابيت بلوخمان، من أهمّ الدّعامات التي تقوم عليها هذه السيرة الفكرية بما يسمح بإضاءة جوانب مختلفة من حياة هايدغر ومزاجه المعقّد، بما في ذلك محاضراته المعدّة تماما والمخيفة باتساعها المعرفي، وحبه لحنا الذي لم لكن يسمح له بالظهور ولا شهود عليه. فقد كتبت سنة 1924 تقول “يعذبّها الشعور أنها ليست حاضرة حقا في هذه العلاقة” (الكتاب، ص197) وسمّت حبها “الاستلام المعاند لواحد”، كما تتيح الرّسائل الاقتراب من الوضع القلق الذي عاشه هايدغر بعد ابتعاده المهين والمذلّ عن الجامعة ومثوله أمام لجنة اجتثاث النازية، وانجذاب حنا إلى فيلسوفها ثانية، وإخفاق مشروع اللقاء مع سارتر، ولقائه باول تسيلان. ويضاف إلى هذا كله القدرة المدهشة للكاتب على التعليق على هذه المحطات من حياة هايدغر، بالإشارة إلى أهم الصداقات الفلسفية والشخصية، وكذلك الأفكار والمؤلفين والفلاسفة اللاهوتيين الذين يمثلون السياق الثقافي الألماني، والأوروبي الأوسع.

ينهي سافرانسكي كتابه بالجملة التي استهلّ بها هايدغر إحدى محاضراته في ماربورغ عند وفاة ماكس شيلر في عام 1928 حيث يقول: مرة أخرى تؤوب الفلسفة إلى الظّلمة (الكتاب، ص581).

“لعلّ السؤال الذي يظلّ طرحه ملحّا هو: هل كان بمستطاع السيرة الاجتماعية الفكرية أن تلج إلى لبّ العمل الفلسفي، وأن تُساعدَ على التعرّف على مفكّر عظيم من طراز هايدغر”
لا ريب أن هذه العبارة من المفاتيح التي يَجبُ الانتباه إليها لفهم الحساسية الكبيرة التي كتبت بها هذه السيرة الفكرية التي يُظهرُ مؤلفها، رغم التركيز الواضح على علاقة الفيلسوف بالاشتراكية القومية، وإصراره على إدخال فكرة القائد إلى الجامعة، أن هايدغر “لم يكن عرقيا في أي وقت” (الكتاب، ص564) وبالتالي “هل ينبغي أن يشارك في تحمّل المسؤولية عن جرائم الاشتراكية القومية الرهيبة التي ليس له يد فيها فعليا، والتي لا تجمعه معها اشتراطات فكرية مشتركة أيضا؟” (الكتاب، ص564). ورغم أن سافرانسكي يؤرّخ لفيلسوف هو بلا شك الأكثر إثارة للجدل في القرن العشرين، فإن كتابه ينطوي على أهمية كبيرة ليس فقط بالنسبة لمؤرخي الفلسفة، وإنما أيضا بالنسبة للمؤرخين بصورة عامّة، ولجيل كامل من القراء غير المتأكدين تماما مما إذا كانوا يواجهون نازيا عاديا أم واحدا من أعظم فلاسفة القرن العشرين. ولعلّ السؤال الذي يظلّ طرحه ملحّا هو: هل كان بمستطاع السيرة الاجتماعية الفكرية أن تلج إلى لبّ العمل الفلسفي، وأن تُساعدَ على التعرّف على مفكّر عظيم من طراز هايدغر الذي يتسم فكره بالصعوبة ويُوصفُ بأنّه غريب؟ لا شك أن كل فكر يتأصّل في البيئة الاجتماعية والثقافية التي تشكّل فيها، لكن ألا يخشى أن يؤدّي سلوك هذا الدّرب إلى إساءة التأويل؟ كيف نفهم الاقتبال الذي حققه هذا الفكر، والإشعاع الذي ما فتئ يمارسه في جغرافيات كثيرة رغم ما اعتراه أو لحقه، بسبب القراءة السّريعة، من “ثغرات” أو “أخطاء”؟
لعلّها الأسئلة التي يشعر قارئ هذه السيرة أنها لم تكن غائبة عن ذهن أكاديمي من طراز سافرانسكي وهو يروي قصّة مفكر قادته فلسفته إلى أن يصبح نازيا في نظر بعض منتقديه، كما سمحت له بالتخلّص من حركة الاشتراكية القومية التي كان عليها، بحسب هايدغر، أن تكافحَ ضدّ التقنية التي تقتلع الإنسان من الأرض أكثر فأكثر، وتجتثه من جذوره، لكنها غدت هي نفسها محرّكها.

*كاتب من المغرب.
مراجع:

[1] – روديغر سافرانسكي، معلّم ألماني، هايدغر وعصره، ترجمة عصام سليمان (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2018).

[2] – فتحي المسكيني، ماذا نترجم؟ أو أي كتاب هو “الكينونة والزمان”؟، في، مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل المصدق (بيروت: در الكتاب الجديد المتحدة 2012)، ص14.

[3] – مشير عون، هايدغر والفكر العربي، ترجمة إيلي أنيس نجم (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2015)، ص15.

[4] – Daniel Schulz, À la recherche du « romantique » allemand, https://laviedesidees.fr/A-la-recherche-du-romantique.html.

[5] – ماكس هوركايمر، الوظيفة الاجتماعية للفلسفة، تبيّن، العدد 31، شتاء 2020، ص102.

[6] – هانز جورج غادامير، طرق هيدغر، ترجمة حسن ناظم- علي حاكم صالح (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة 2007)، ص10.

[7] – محمد فاوبار، السيرة والسيرة الذاتية كمنهج.. من الأدب إلى علم الاجتماع، عالم الفكر، العدد 1، المجلد 44، سبتمبر 2015، ص201.

[8] – Jean Greisch, Ontologie et temporalité, Esquisse d’une interprétation intégrale de Zein und Zeit, Presses Universitaires de France, Paris1994, p.2.

[9] – إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدق (بيروت: المنظمة العربية للترجمة 2008)، ص44.

[10] – كريستيان دوميه، جنون الفلاسفة الشعري، ترجمة ريتا خاطر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة 2013)، ص306.

“O hâlde bilim düşünmez, yani o sahip olduğu yöntemlerle düşünmeye muktedir değildir.”

Martin Heidegger pic.twitter.com/5mxBWTAbqO

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This