العصاب القهريّ: تعريف (ج1)

ما هو مرض القهر أو الوسواس القهري:

الوسواس هو تدخّل فكرة في الوعي واستقرارها فيه، بحيث لا يستطيع الشّخص، رغم ما يبذله من مجهود، التّخلص منها، مع اعترافه أنّ هذه الفكرة الملازمة له مَرضيّة، لكنّها تفرض نفسها عليه رغم إرادته. فالوسواس اضطراب أو كلام خفيّ، أو همس، يشتمل من بين أعراضه على اختلاط الذّهن، مع أفكار لا نفع فيها، ولا طائل من ورائها، أفكار عنيدة، تتّخذ طابع الإصرار والاستمرار، ودفعات لفعل أمور معيّنة، أو صور عقليّة وتصوّرات يجرّبها الفرد، ويقاسي منها، ويرى أنّها تقتحم فكره وتتدخّل فيه، وأنّها غير ملائمة ولا مناسبة، تسبّب قلقاً ملحوظاً، وألماً واضحاً، وضيقاً شديداً.

وبالتّالي فإنّ الوساوس العصابيّة تأخذ شكل الأفكار الشّاذة الّتي تراود المريض، وتعاوده، وتلازمه دون أن يستطيع طردها من ذهنه، أو التّخلص منها، بالرّغم من شعوره وإدراكه لغرابتها وعدم واقعيتها. والفكرة الوسواسيّة الّتي تشغل بال المريض، فقد تظلّ هي هي نفسها دون تغيير، أو قد تختفي لتحلّ محلّها فكرة أخرى، ثمّ تعود الفكرة الأولى، أو تحلّ فكرة ثالثة. كما قد تجتمع أكثر من فكرة وسواسيّة في نفس الوقت. مثلاً: قد تلحّ على مريض فكرة أنّ كلّ أفراد الجنس الآخر ينظرون إليه نظرات جنسيّة، وتلحّ على آخر فكرة أنّ أفراد الجنس الآخر يفسّرون نظراته على أنّها جنسيّة صرفة، فيبدو مرتبكاً وخجولاً في حضرتهم، وثالث تلحّ عليه فكرة أنّه فاشل… وهكذا، ونلاحظ دوماً فشل طريقة الإقناع المنطقيّ في علاج الحالات الوسواسيّة، طالما أنّ هذه الأفكار، لم تأت نتيجة منطقيتها، بل استجابة لعوامل لاشعوريّة.[i]

ولاضطراب الوسواس القهريّ تاريخ طويل، فقد وصف الفراعنة الوسواس والقهر في أوراق البردى، إذ يُذكر أنّ كاهن الوزير واسمه (حقانخت) بأنّه كان وسواسياً فيما يتّصل بالعدّ. وفي العصر الرّومانيّ، تحدّث جالينوس عن هذا المرض، ثمّ ذكره ابن سينا في كتابه “القانون”، وابن قدامة المقدسي الّذي تحدّث عن وساوس تتّصل بالنّظافة والإسراف في الماء والوضوء والغسل، واعتبرها علامات على سيطرة الشّيطان ووسوسته في قلب المؤمن.[ii]

وفي القرن التّاسع عشر تحدّث (فارلي) عن الوساوس بأنّها مرض الشّك، ووضع (موريل) عام 1861 مصطلح “الوسواس” مؤكّداً على أنّه مرض انفعالي، كما قدم (إينج) سنة 1867 المصطلح إلى الطبّ النّفسي الألماني ملاحظاً أنّ الوساوس تتأثّر بحالات الاكتئاب، ثمّ أضاف (وستفال) مفترضاً أنّ الأفكار الوسواسيّة مستقلّة عن أيّة حالة وجدانيّة في الوعي، أو الشّعور، على الرّغم من إرادة المريض، وضدّ هذه الإرادة، حيث ينظر إليها المريض على أنّها أفكار شاذّة وغريبة.

ويعتبر العالم (بول جانييه) أوّل من قام ببحث منهجي حقيقي حول هذا المرض سنة 1903، إذ شمل بحثه الوساوس والمخاوف المرضيّة، فوصف الوسواسيين بأنّهم شكّاكون مرتابون، ويعانون أساساً من مشكلات في قوّة الإرادة، وفي التّحكم في العقل، كما قسّم الوساوس اعتماداً على مخطّطه التّصنيفي إلى خمس فئات (الجريمة – تدنيس المقدّسات – الخزيّ – عدم الكفاءة البدنيّة – توهّم المرض) كما ميّز بين مجموعة مكوّنات تميّز التّفكير الوسواسي، ومنها:

  1. لا تركز الأفعال الوسواسيّة على الموضوعات الخارجيّة، ولكن على سلوك المريض، مثل الخوف من السّكاكين، الّذي هو في الحقيقة الخوف من ارتكاب جريمة قتل.
  2. تتضمّن الأفكار الوسواسيّة أفعال سيئة غير مقبولة لا بدّ من التّكفير عنها، مثلاً شخص تستحوذ عليه فكرة أنّ صلواته يجب أن تكون كاملة في شكلها.
  3. تركّز الوساوس بشكل نمطي على السّلوك السّلبيّ المتطرّف، كتدنيس المقدّسات.

وبين عامي 1894 – 1895 استطاع سيغموند فرويد، أن يصنّف العصاب الوسواسي كمرض مستقلّ بذاته مؤكّداً على فكرة أنّ الوسواس القهري، يقوم على قهر تكرار الأفعال، أو الأفكار، ومشيراً إلى أنّ انتظام الدّوافع الغريزيّة لدى الوسواس القهري، مماثل لانتظامها لدى طفل في المرحلة الشّرجيّة السّاديّة من النّمو، ممّا يشير إلى طبيعة النّكوص لدى الوسواسي، حيث تشكل تلك المرحلة حجر الزّاوية في نكوصهم. ومن المعروف أنّ واحداً من ميكانيزمات الدّفاع الشّائعة لدى هؤلاء، هو التّكوين العكسي، فالنّظافة الزّائدة لديهم مثلاً، هي ردّ فعل على قذارة المرحلة الّتي نكصوا إليها. وهناك ميكانيزم آخر كثيراً ما يظهر في هذا المرض هو العزل الّذي يحدث عندما ينصب الكبت على الرذوابط بين المركّبات النّفسيّة، ويعزل الوجدانات عنها.[iii]

وأوّل من أدخل مصطلح الوسواس إلى الطبّ النّفسي هو عالم النّفس (ج .خالره) وذلك في دراسته للهذيان المزمن المنظّم، حيث أبرز فيه سمة الإلحاح لأفكار تحاصر شعور الفرد، الّذي يعترف أنّها عابثة وغير سويّة، وأشار إلى أنّ الوسواس قد يحدث على حين غرّة، ودون أن يكون للامتثال الّذي فرض نفسه على الفكر، أي علاقة بالوضع، أو بشيء من الأشياء الحاضرة، والعنصر الوسواسي الطّفيلي الّذي لا يقاوم، يمكنه أن يكون فكرة عابثة، شكاًّ، هاجساً (وساوس عقليّة)، أو الرّغبة بإنجاز فعل مضحك، عدواني، أو مدنّس (وساوس اندفاعيّة)، أو الخوف من عمل أو وضع، أو شيء، حاضرين بصورة غير ماديّة (رهاب وسواسي). وغالباً ما يتألّم الفرد بسبب وسواسه الّذي لا يجهل سمته المرضيّة، وينهك نفسه في مكافحته، وعندما يمثّل الوسواس له، يكون خجلاً منه، ويشعر بأنّه آثم، أو مضحك، ويخشى أن يتكلّم عليه، خوفاً من العقوبة، أو الاحتقار، فيعيش دائماً في خوف أن يفعل فعلاً سيئاً، لذلك نلحظ إفراطه بالتّدقيق، والدّقة، والشّك، والمخاوف المثاليّة، وقد يلجأ أخيراً لتسكين توتّره وقلقه، إلى أفعال تعزيميّة، وحيل سخيفة، كطقوس مقبولة نفسياً تبعد عنه الشّرور، طقوس يظلّ أغلبها مجهولاً من محيطه.[iv]

الوسواس إذاً هو فكرة صعبة الاحتمال إلى حدّ بعيد، تبدو للفكر بطريقة متكرّرة، عنيدة، مؤلمة، تسبّب ضروباً شديدة من الحصر، يحدّ كثيراً من أفعال الفرد، ويظهر غالباً على شكل نوبات، إذ تكفي كلمة، أو فكرة، أو واقعة، لكي تثيره.[v]

وما يميّز العرض الوسواسي، ليس في أنّه يقتحم الفكر، ولكنّ الطّبيعة غير المرغوبة للفكر، فالوساوس هي أفكار غير مرحّب بها، تتّصف بأنّها تافهة غير ذات معنى، ومع ذلك فإنّ الفرد عاجز عن تجاهلها، أو طردها. فقد نجد شخصا مثلاً: يقضي ثلاث ساعات يومياً في الحمام، يستحمّ ليظهر ما عسى لأن يوجد به من جراثيم، يمكن أن تسبّب له الوفاة، أو توقف شخص عن استخدام الأجهزة الكهربائيّة، لخوفه أن تسبّب حريقاً، أو امرأة تشعر بدفعة قويّة تحثّها على قتل طفلها، أو فتاة مراهقة قبّلها رجل، فأصبحت لعدّة أيّام غير قادرة على طرد فكرة أنّها أصبحت حاملاً نتيجة تلك القبلة.[vi] وحتّى عندما يكون المريض على وعي تامّ بحالته، حتّى عندما يكون فريسة وساوسه، فإنّه لا يستطيع أن يمنع عنه أفكاره الوسواسيّة، وعندها قد يحاول إخفاء حالته بعناية، وقد ينجح في ذلك غالباً. فيحاول أن يطمئن بأيّ وسيلة كانت، فيستخدم طقوسه التّعزيميّة الّتي لا تنتهي، فقد يقوم بحركات باليد، إمّا ظاهرياً، وإمّا خفيّة في جيوبه، حركات تدلّ على البتر، أو حركات أصابع تدلّ على ضربة مقصّ … وكأنّ هذه الحركات ترمز إلى ما يلي “إنّني أبتر وسواسي”، أو قد يلفظ يعضهم بعض الكلمات بغضب متوجّهين إلى الوسواس مثل “ارحل أيّها الحيوان القذر – لقد تمّ الأمر – لن تنتصري عليّ أيّتها الفكرة القذرة …” لذلك ليس من الصّعوبة أن يتصوّر المرء عذاب وغيظ الموسوس، فهو يصارع بكلّ ما لديه من ذكاء وإرادة، لكنّ مقاومته لا تلبث أن تتحطم، لتعود الأفكار من جديد بوصفها قوّة لا تقهر.[vii]

أعراض العصاب الوسواسي وأسبابه:

غالباً ما يبدأ العصاب الوسواسي في سنّ البلوغ، وبعض الأشكال السّريريّة تتّصف بأعراض دوريّة. والتّطور التّدريجي لهذا العصاب، هو الأكثر شيوعاً، حيث يكون مترافقاً بانتكاسات وسواسيّة، وأحياناً بمضاعفات من نمط اكتئابي. وعلى المدى البعيد، يتّصف التّطور، بتكرار رتيب متزايد للأفكار الملازمة، والطّقوس المختلفة، وعندما تترافق عند المراهق، أو الشّاب البالغ، الأعراض الوسواسيّة بالابتعاد عن الواقع، والعزلة الاجتماعيّة، والتّصرفات المتكرّرة الرّتيبة، واضطرابات أخرى في مجرى التّفكير، عندئذ قد تظهر مشكلة تشخيصيّة تتعلّق بعصاب خطير، يتّجه نحو ذهان فُصامي، أو فُصام من النّمط العصابي الكاذب. [viii]

ومتوسط العمر الّذي يبدأ به العصاب الوسواسي عادة يكون في أواخر العقد الثّاني، وأوائل العشرينات من العمر، وتظهر الأعراض على الذّكور قبل الإناث بسنوات عديدة، في حين أنّ بداية هذا الاضطراب بعد عمر الأربعين، يعدّ أمراً غير شائع.[ix] وقد أكّدت الدّراسات، على أنّ مرضى الاضطراب الوسواسي، يكشفون عن عصابيّة مرتفعة، وانبساط منخفض، وعن حاجة مرتفعة للإنجاز، واستقلاليّة، وحاجة منخفضة إلى كلّ من الاجتماع والسّيطرة والتّغير، وميل نحو أعراض القلق الدّائم، والهمّ، والذّنب، والخوف المرضي، والعزلة، والتّحفظ، ويقظة الضّمير، فيكونون أكثر عرضة للاكتئاب.

ويرى جانييه: أنّ ضعف الأنا هو ما يفسّر نشاطات الوسواسي الابتدائيّة، فالوسواسي غير قادر على بلوغ سويّة أعلى. أمّا فرويد فيرى: أنّ الوسواس يتكوّن من نكوص وتثبيت على المرحلة السّاديّة الشّرجيّة، للنّضال ضدّ الميول اللّيبيديّة في عقدة أوديب، فالأنا تتّقي الأنا الأعلى، وقد غدت فظّة وصارمة، بآليات دفاعيّة كالعزل، والإلغاء، والتّشكيل الارتكاسيّ، وبالتّالي فإنّ فكر وأفعال الوسواسي تستهدف وقايته من الحصر وعدوانيّة عواطفه.[x]

ورغم أنّ تحكّم الأنا في جميع الأعصبة النّفسيّة، يغدو غير كاف نسبياً، أي أنّ قدرتها تتعطّل بشكل أو بآخر، فتتحدّث أفعالاً لم تقصد إليها الأنا، فإنّه في العصاب القهريّ الوسواسيّ، نجد تحكّم الأنا في الحركة لم يتغيّر، ولكنّ الأنا لا تشعر بأنّها حرّة في استخدام قوّة التّحكم هذه، إذ عليها أن تستخدم انصياعاً لأمر غريب صادر عن عميل أكثر قوّة يناقض حكم الأنا. فالأنا مُكرهة على أن تفعل، أو تحذف أشياء بعينها، وإلاّ فإنّها تستشعر تهديدات بأشياء مروعة. إنّ بعض الأفكار المخاوفيّة تكتسب طابعاً حُصارياً بسبب شدّتها ليس غير، من قبيل فكرة الشّخص أنّه دميم، أو أنّ له رائحة كريهة. ومثل هذه الأفكار هي حصاريّة ما دام المريض يشعر أنّه مكره، على أن يشعر كما لو أنّ هذا أو ذاك هو الوضع. وهي هذيانات إذا اقتنع المريض بواقعيتها. [xi]

إنّ الأنا عند العصابيين القهريين، لا بدّ أن تكون من القوّة بحيث تفرض احتجاجاتها ضدّ الغرائز في وقت باكر جدّاً، ومع ذلك، فلا بدّ أن تكون من الضّعف، بحيث تعجز عن خوض هذا الصّراع بطرائق أنضج.[xii]

وبالإطار العامّ، يمكننا تقسيم الوساوس إلى الأنواع التّالية:

  1. الوساوس الفكريّة: يُقصد بها اجترارات تساؤليّة – مجرّدة غالباً – يختلف محتواها الفكري من حالة لأخرى، وأكثرها مصادفة، هي التّساؤلات الّتي لا تنتهي عن الطّابع التّجريديّ الفلسفيّ، الأخلاقيّ، الدينيّ، والأفكار الملازمة تطال الشّخص نفسه، حيث تستقرّ عنده شكوك وارتيابات بخصوص أفعاله السّابقة، الرّاهنة، والمستقبليّة.
  2. الوساوس الرّهابيّة: على عكس الرّهابات البسيطة، فإنّ هذه الأفكار الملازمة يمكن أن تظهر في غياب الموضوع المُفزع، ومن أكثر أشكالها، رهاب المرض (خوف ملازم أن يكون الشّخص ضحيّة السّرطان، أو الاحتشاء القلبي، أو الورم الدّماغي، أو مرض السّفلس) والخوف من الميكروبات المترافق بتجنب التماس بالآخرين، كذلك الخوف من مواجهة مواقف خاصّة (الرّهاب الاجتماعي).
  3. الوساوس الاندفاعيّة أو الرّهابات القسريّة: تكمن في خوف ملازم للشّخص، من أن يكون مجبر على ارتكاب أمر غير معقول، إجرامي، هزلي، غير أخلاقي، أو الخوف من أن يلقي نفسه من النّافذة، أو يدفع شخص عزيز من مكان عالٍ، أو يؤذي نفسه أو غيره بأدوات حادّة، أو ينطق بشتائم بذيئة، لا سيّما بأماكن العبادة. هذا الصّراع بين الإقدام والإحجام يكون دائماً، ومُضنياً، رغم أنّ الإقدام على الفعل يُعتبر أمراً استثنائياً ونادراً.
  4. الطّقوس التّوسليّة: وهي مناورات مستخدمة للصّراع ضدّ الوساوس، تأخذ شكلا طقسيا توسّليا سحريّ الطّابع، وغالباً ما تكون أفعال غير معقولة، تدعو للسّخرية، يتمّ إنجازها بطريقة تكراريّة، وفق إطار تقليدي محدّد، وفي الأشكال الخطيرة، تصبح حياة الوسواسي برمّتها مشلولة بسلسلة من طقوس غريبة ترافق حتّى أبسط الحركات في الحياة اليوميّة، مثل طقوس التّحقق في الوساوس الفكريّة، الّتي تكمن في تحقيقات متكرّرة من الأبواب وصنابير المياه، أو وضع أشياء أخرى في أماكنها. أمّا طقوس الغسل، فإنّها تتّصل بطقوس الوساوس الرّهابيّة حول الميكروبات والقذارة، وكذلك رهاب اللّمس بالشّكوك المفرطة بلمس الأشياء (ملابس – أغذيّة – مقابض أبواب…)، كذلك تظهر في الوساوس القلقيّة، بالخوف من أن يكون الشّخص قد ارتكب عيباً في سياق الطّقوس المعتادة، بحيث يؤدّي ذلك، إلى إعادة الطّقوس من جديد مراراً وتكراراً. [xiii]

والجدير بالملاحظة، هو الارتباط ذو الدّلالة الّذي نجده بين وساوس معيّنة، والسّياق الاجتماعي، أو التّاريخي، أو الثّقافي، الّذي يعيشه الشّخص، حيث نجد أنّ محتوى الوساوس قد تغيّر عبر الزّمن. ففي العالم الغربيّ في القرن الماضي، كانت الوساوس عادة ذات مضمون ديني وجنسي، أمّا اليوم، فأصبحت الوساوس المتّصلة بالدّين والجنس أكثر ندرة (هذا ينطبق بالطّبع على المجتمعات الغربيّة وليس بالضّرورة على مجتمعاتنا الّتي لا تزال تخضع لضوابط اجتماعيّة قويّة ورادعة لا سيّما للسّلوكيات ذات الطّبيعة الجنسيّة)، وشاعت أكثر الوساوس المتعلّقة بالقذارة والتّلوث والعنف والتّرتيب، ولنا أن نفترض أنّ الوساوس المرتبطة بالمرض، يمكن أن تختلف اعتماداً على نوع المرض الخطير والشّائع في عصر مّا، فالتّدرن الرّئوي، الّذي كان مرضاً وبائياً في منتصف القرن العشرين، كان غالباً في موضوع الوساوس المرضيّة في تلك الفترة، كما كان قبله مرض الزّهري، والآن مرض الإيدز أو الأورام وأمراض القلب.[xiv]

ومن الأعراض المميّزة للعصاب الوسواسي، الاجترار الذّهني، والنّكوص من الفعل، إلى الفكر، وعزو علاقات سببيّة إلى العالم الخارجي، لا وجود لها إلاّ في ذهن المريض، لذلك تكثر حالات التّطيّر لدى العصابي الوسواسي، وإيمانه بالخرافة، واعتقاده أنّ أفكاره، الّتي تدور حول الحبّ والكره بآن واحد، لها – كالسّحر – قدرة مطلقة.[xv] لذلك يشترك العصابيون الوسواسيون بالميل إلى المبالغة في التّقييم الذّاتي، من خلال إيمانهم بما فوق الطّبيعي، والثّقة في تطابق أفكارهم مع الوقائع بشكل مسبق، وقدراتهم الكليّة، وبأفكار تعود بمعظمها إلى هذاء عظمة طفلي، رغم عقلانيتهم الظّاهرة، ورفضهم لكلّ أشكال الدّجل والسّحر.

إنّ القيمة الزّائدة عند العصابي القهري، تجعله يطوّر عقله بدرجة عاليّة جدّاً، ومع ذلك، فهذا الذّكاء العالي، يكشف عن ملامح تعج بالسّحر والخرافة، فالأنا عنده تكشف عن انقسام، جزء منها منطقي، والآخر سحري، وآليّة العزل، تجعل من الممكن الإبقاء على مثل هذا الانقسام.[xvi] لذلك ينقسم عالم العصابي القهري، فهو عالم منطقي، لكنّه بالمقابل مليء بالخرافات والسّحر، من قبيل التّنبؤات القهريّة والقرابين، فنجدهم يستثيرون التّنبؤات، ويراهنون، ويخافون التّأثير السّحري لكلمات الآخرين، ويتصرفون كأنّهم يؤمنون بالأشباح والشّياطين، رغم أنّهم على وعي تامّ بسخف أفكارهم. بذلك يكون التّوازن النّفسي عند العصابي القهري مركزاً لصراعات خطيرة من تناقض العاطفة، فلا تكاد توجد حالة واحدة من العصاب القهري، تخلو من ملامح دينيّة، من قبيل صراعات حصاريّة بين الإيمان، وحفزات سبّ الإله ممّا قد يحدث عند الملحدين الرّاسخين، وعند المؤمنين الواعين على السّواء. على سبيل المثال: مريض تذكر أنّه كان من عادته أن يقوم بطقس نبوئي، يقرّر ما إن كان يستسلم، أو لا يستسلم لغواية الاستمناء، بمعنى إن كان من المسموح له أن يستمني مرّة أخرى أم لا، فإن واتاه الحظّ، أرخى العنان للحفزة، أملاً في أن يزيح بذلك الإثم على الآلهة، وإن جانبه الحظّ، ابتكر عذراً، كيما يعيد من جديد العمليّة، حتّى يحصل على التّصريح المرغوب لإزالة الإثم، وهذه العمليّة لم تكن بالطّبع ناجحة، إذ لم يكن يفلت من وخزات ضميره، فكان يشعر بسخف اعتقاده، من أنّ الآلهة نفسها الّذين حرموا الاستمناء في البداية، يبيحونه في هذه المناسبة.[xvii] تلك الحفزات القهريّة الّتي لا يمكن مقاومتها الّتي تُلاحظ لدى العصابي الوسواسي، ليست في النّهاية إلاّ مكوّنا لأعراض تعبّر عن واقع وجداني شديد التّناقض، فالحفرة القهريّة للمريض، لا يمكن أن تعني شيئاً آخر سوى، استجابة – ندم – تكفير، لنازع معاكس، عدائي، كان موجّهاً ضدّ مصدر سلطة نفسيّة شديدة التّأثير.

ومن الأعراض السّائدة في العصاب الوسواسي، وجود حفزات عديدة لا معنى لها (كالعدّ) باعتبارها إجراء دفاعيا، ضدّ هواجس خطر الموت، وهذا يدلّ على احتدام الصّراع الدّائم لدى الوسواسي، بين الحبّ والكراهيّة، صراع بين نزعتين متعاكستين متساويتين في الشّدة تقريباً، وهذا يتيح تكوين نمط جديد من الأعراض، فبدلاً من الوصول – كما في الهستيريا – إلى تسوية يمكن معها للضّدين كليهما، أن يعبّرا عن نفسيهما، يُتاح للنّزعتين المتعاكستين، أن تترجما عن نفسيهما الواحدة تلو الأخرى منفردة، دون أن يعني ذلك الامتناع عن كلّ محاولة، لإقامة رابطة منطقيّة بين الاثنتين، وهي رابطة تكون في الواقع، مجافيّة لكلّ منطق .[xviii]

وبعكس الهستيريا، يفتقد العصاب الوسواسي إلى ذلك الامتداد الغامض من النّفسيّ إلى الجسميّ، فالمرضى تشغل بالهمّ أفكار، هي لا تهمهم في الواقع، وتعتمل في نفوسهم محرّضات تبدو لهم غريبة شاذّة، ويجدون أنفسهم مدفوعين إلى أعمال  لا يعود عليهم الإتيان بها بأيّ متعة، لكنّهم لا يستطيعون منها فكاكاً، وقد تكون تلك الأفكار عارية من المعنى بحدّ ذاتها، أو عديمة الأهميّة بالنّسبة للشّخص المعني، وغالباً ما تكون سخيفة وعبثيّة، ومع ذلك، فإنّها تستثير نشاطاً عقلياً مكثفاً يرهق المريض، وهو مضطرّ، رغماً عنه، إلى التّفحص، والتّقصي، وإعمال الفكر، كما لو أنّ القضيّة من أهمّ قضاياه وأكثرها حيويّة. كما أنّ المحرّضات الّتي تعتمل في نفس المريض، قد تبدو هي الأخرى صبيانيّة وعابثة، فيشعر وكأنّه مدفوع لاقتراف جرائم خطيرة. والجدير بالذّكر أنّ هذه الجرائم لا تشقّ طريقها أبداً إلى التّنفيذ، فالهرب والتّعقل يظهران عليها دوماً في نهاية المطاف. أمّا الأفعال الّتي ينفذها المريض فعلاً، والّتي تسمّى بالأفعال التّسلطيّة، فلا تعدو أن تكون أفعالاً بريئة غير ضارّة، وهي مجرّد تكرار وتنميق احتفالي، للأعمال العاديّة في الحياة الجاريّة، فتكون النّتيجة أن الأعمال اليوميّة، كالنّوم والاغتسال وارتداء الثّياب والخروج للتّنزه، تغدو مشكلة شاقّة وعويصة على الحلّ. [xix]

إنّ ظاهرة السّلوك القهري هي، في واقع الأمر، تكييف للقوى الغريزيّة، والقوى المضادّة للغريزة، كليهما معاً، واللّوحة الإكلّينيكيّة الظّاهرة نكشف بدرجة أكبر الوجه الأوّل في بعض الحالات، والوجه الثّاني في حالات أخرى، يتجلّى الوجه الأوّل في الأفكار الحصاريّة عن المحارم، أو القتل، ومع ذلك، فالأكثر شيوعاً هو أن تُعتبر الأعراض بوضوح، أوامر محرفة للأنا الأعلى. فالدّلالة الاندفاعيّة، أو التّفكيريّة، هي الأكثر بروزاً ممّا هي عليه في أعراض الهيستريا، ذلك أنّ الخطر الّذي يحاول المريض أن يحمي نفسه منه، ليس بتهديد خارجي، بفقدان الحبّ أو الخصاء، بقدر ما هو تهديد من الدّاخل. فما يخافه الفرد بصورة أساسيّة، هو نوع من فقدان احترام الذّات، أو حتّى الشّعور بالانمحاق. إنّ مشاعر الإثم تلعب دوراً أكثر أهميّة، كباعث للدّفاع المولّد للمرض، وهذا يساير كون الأعصبة القهريّة، تظهر عند الأطفال في وقت لاحق من ظهور الهيستريا، إذ عادة ما تظهر في فترة الكمون. [xx]

وإذا كانت القاعدة في الهستيريا، أن تًنسى العلل الظّرفيّة الحديثة للمرض، مثلها مثل الخبرات الطفليّة، الّتي بمعونتها تقلب الخبرات الحديثة طاقتها الوجدانيّة إلى أمراض، بحيث يطوي النّسيان الرّضات الحديثة “من خلال الكبت”، أو يجردها على الأقلّ من أهمّ عناصرها المكوّنة -من هنا الكبت الشّديد الّذي يشلّ ذاكرة الهستيري – فإنّ الأمر في الوسواس القهريّ مختلف، فالمصادر الطّفليّة للعصاب، قد يكون طالها النّسيان، وإن يكن بصورة غير كاملة، لكن بالمقابل، فإنّ العلل الظّرفيّة الحديثة للعصاب، تبقى محفوظة في الذّاكرة، إذ يلجأ الكبت لآليّة مختلفة، فبدلاً من أن يدفع بالرضّة إلى ساحة النّسيان، فإنّه يجرّدها من شحنتها الوجدانيّة، بحيث لا يبقى في الذّاكرة الشّعوريّة، سوى مضمون فكري حيادي، عديم الأهميّة ظاهراً. فالكبت هنا، لا يلغي الحادثة من الذّاكرة، بل يحيدها انفعالياً، وهنا يستوي أن نقول بأنّ المريض يعرف رضّاته، أو لا يعرفها، فهو يعرفها، بمعنى أنّه لم ينساها، ولكنّه لا يعرفها، أي لا يدرك (نتيجة التّحويل والتّحييد الوجداني نفسي المنشأ) أهميّتها ودلالاتها.[xxi] وهنا بالضّبط، تكمن صعوبة علاج الحالات الوسواسيّة مقارنة بالهستيريا. فالكبت في الحالات الوسواسيّة، لا يتمّ عن طريق النّسيان، بل عن طريق تقطيع علاقات السّببيّة، وهذا التّقطيع نفسه هو نتيجة لسحب الوجدان، وتحتفظ هذه العلاقات المكبوتة بنوع من القوّة القادرة على إخطار الفرد، بحيث أنّ المريض، يقحم العلاقات المكبوتة في الواقع الخارجيّ عن طريق الإسقاط، فتنتصب هناك شاهداً على ما جرى استبعاده من الحياة النّفسيّة.[xxii]

*******

[i] د. فرج عبد القادر طه وآخرون: موسوعة علم النّفس والتّحليل النّفسي، القاهرة، ط3، 2005، ص 889.

[ii] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري “التّشخيص والعلاج”، لجنة التّأليف والتّعريب في جامعة الكويت، 2002، ص 23.

[iii] د. فرج عبد القادر طه وآخرون: موسوعة علم النّفس والتّحليل النّفسي، مرجع سابق، ص 889.

[iv] نوبير سيلامي وآخرون: المعجم الموسوعي في علم النّفس (ج6)، ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 2001، ص 2746.

[v] بيير داكو: الانتصارات المذهلة لعلم النّفس الحديث، ترجمة: وجيه أسعد، منشورات مؤسّسة الرّسالة، دمشق، بلا تاريخ، ص 402.

[vi] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري ” التّشخيص والعلاج “، مرجع سابق، ص 38.

[vii] بيير داكو: الانتصارات المذهلة لعلم النّفس الحديث، مرجع سابق، ص 406.

[viii] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النّفسية المعاصرة، دار النّفائس، بيروت، ط1، 2001، ص 289.

[ix] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري “التّشخيص والعلاج”،  مرجع سابق، ص 19.

[x] ميشيل غودفريد: الأمراض الذهنيّة عند الراشد، ترجمة: محدمد حسن ابراهيم، وزارة الثّقافة، دمشق، 2000، ص 36.

[xi] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب (ج2) ترجمة: صلاح مخيمر، عبده ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلومصريّة، القاهرة 2006، ص 213.

[xii] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب (ج2)، مرجع سابق، ص 258.

[xiii] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النّفسية المعاصرة،مرجع سابق، ص 287.

[xiv] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري ” التّشخيص والعلاج “، مرجع سابق، ص 55، 56.

[xv] سيجموند فرويد: التّحليل النّفسي للعصاب الوسواسي (رجل الجرذان): ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطّليعة، بيروت، ط1، 1987، ص 5.

[xvi] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب (ج2)، مرجع سابق، ص 251.

[xvii] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب (ج2)، المرجع نفسه، ص 253، 254.

[xviii] سيجموند فرويد: التّحليل النّفسي للعصاب الوسواسي (رجل الجرذان): مرجع سابق، ص 45.

[xix] سيجموند فرويد: النّظرية العامّة للأمراض العصابيّة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطّليعة، بيروت، ط2، 1985، ص 25.

[xx] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب (ج2)، مرجع سابق، ص 215.

[xxi] سيجموند فرويد: التّحليل النّفسي للعصاب الوسواسي (رجل الجرذان): مرجع سابق، ص 49.

[xxii] سيجموند فرويد: التّحليل النّفسي للعصاب الوسواسي (رجل الجرذان): المرجع نفسه، ص 84.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This