الطّرب عند العرب: لعبة الغواية والإرضاء (ج2)

الطّرب: وهم التّكامل، الأسلوب والاستجابة

الطّرب هو استنطاق للطّاقة الكامنة وغير المُفصِحة داخل فكرة لحنيّةٍ مُحكمة. نقطةُ البدء إذًا، هي المادّة اللّحنيّة/ الكلاميّة في الغالب، (نقول في الغالب، لأنّنا نتحدّث عن موسيقى العرب بوصفها موسيقى غنائيّة بالدّرجة الأولى)، قبل أن تصل هذه المادّة إلى مرحلة الأداء فالتّلقي. ولكن، متى تكبر هذه الطّاقة ومتّى تنقص؟ ما هي العوامل الّتي تخضع لها، وكيف يحدث هذا الاستنطاق ضمن مثلّث تقوم أضلاعه على التّأليف الشّعري واللّحني اللّذين يقدّمان لنا وهمًا بالوحدة والتّكامل أوّلًا، وعلى الأسلوب الأدائيّ الّذي يُشكّل زخمًا تأويليًّا، بل خلقًا وإعادة خلق يتعدّد بتعدّد الأداء، ثانيًا، ثمّ على استجابة المتلقّي، الّتي لا يكتمل وهم الوحدة والتّكامل إلاّ بها، فتكون الاستجابة “بحماسٍ، أو نسيانٍ، أو ذكرياتٍ أخرى، أو شرودٍ أو ملل” (Bové, 2000, p. 103) الاستعداد في البُعد الأوّل إذن، هناك اللّحن (الميلودي)، وهو المُركّب الأساسيّ في “التّفكير الموسيقيّ”، الّذي لا يُمكن فهم “الغناء العربيّ” دون فهمه، وهو “أكثر المُصنّفات الموسيقيّة الأساسيّة مراوغةً”. (Bové, 2000, p. 104) فبالإضافة إلى أنّه، من النّاحية التّاريخيّة، لم يفصل العرب بينه وبين الأغنية، فكان الفارابيّ، مثلًا، يُطلق هذا الاسم على الأغنية، بينما يُسمّي اللّحن (الّذي نقصد به اليوم الجملة النّغميّة: الميلودي) بالنّغم: “وأمّا مبادئ الألحانِ، فإنّها تكون بأشياء كثيرة، منها، بالتّرنُّم، أو بنغمٍ آخرَ يتقدّم اللّحن فقط…” (الفارابي، صفحة 1160)، بالإضافة إلى “المراوغة” الّتي تعترضنا من النّاحية الفيلولوجيّة للمصطلح، فثمّة مراوغة موسيقيّة صرفة في “المعنى” الموسيقيّ لمُكوِّن اللّحن، فهو لا يعبّر عن مجرّد اجتماع للنّغمات، بل يعبّر عن نظام ونسق شديد التّعقيد في تاريخ الموسيقى، وفي تاريخ الغناء العربيّ كذلك. فرغم أنّ “اللحّن” العربي ظلّ عبر تاريخه وفيًّا للسّرديات الخطيّة، ولم يتّسع للتّعدُّديّة الصّوتيّة المُستترة في تركيباتٍ داخليّة ضمن مكوّناته “الخطيّة” المتتابعة (كما هو الحال في موسيقى باخ أحاديّة الصّوت، تمثيلًا لا حصرًا)، لكنّه تعقّد وبرع في مكوّناتٍ أخرى، نذكر منها: المُراوغة النّغميّة الّتي تتمثّل في التّنوعات المقاميّة أو في التّلوينات المُناورة حول الخطّ اللّحنيّ الهيكليّ على مستوى المكوّن النّغميّ، أمّا على مستوى المكوِّن الإيقاعيّ الزّمنيّ، فقد ظلّ مقرونًا بالأقاويل، بحسب تعبير الفارابي، أي بالشّعر والنّص الكلاميّ وإملاءاته، فـ “تُصحّحُ أمكنة تثقيل إيقاع اللّحن وتخفيفه، وبها تُصحَّح في كلّ لحنٍ أمكنةُ الحثِّ والخبَبِ، والإدراج والتّخفيف” (الفارابي، صفحة 1177)، أو في التّنويعات على ألوان الصّوت “الّتي بها تصير الألحان [الأغاني] ألذَّ وآنقَ مسموعًا، فمنها أن تكون نغمًا صافيةً، […] وأن تُجعل النّغم الطّويلةُ منها مهزوزةً مُكسَّرةً، وأن تُجعلَ ذواتِ غُنَّةٍ، القصيرة منها والطّويلة، وأن يُخبّب بعضُ النّغم الّتي في الأوساط أو في الأواخر، وأن تُجعلَ بعضُها مُرجَّحةً بتوسيع مجرى الهواء، وأن تُفَخَّمَ أحيانًا بالصّدرِ…” (الفارابي، صفحة 1172)، لكن خصوصيّة اللّحن (أو الأغنية)، بكلّ مكوّناته الّتي استعرضناها، لا تكتمل خارج التجربة الاجتماعيّة بضلعيْها الآخريْن: الأداء والمستمعين: “ويُعرِّف [أي إدوارد سعيد] الميلودي على أنّها “اسمٌ لكلٍّ من اللّحن (أنساق الأنغام) الواقعيّ، وأيضًا اسم لكلّ عنصر موسيقي يعمل في سطور عملٍ موسيقيٍّ مّا أو أسفل السّطور، كي يربط attach – وهذه كلمة أساسيّة – تلك الموسيقى بخصوصيّة تجربة المُستمع والعازف أو المؤلّف”. (Bové, 2000, p. 104)

في الغناء العربيّ مركزيّةٌ للمؤدّي (عادة المغني/ة)، حيث تتجلّى اللّذةُ (بتعبير الفارابي) أو الطّرب، بلغة مقالتنا، في مسألتين أساسيّتين: براعة التّحكّم الأدائيّ باللّحن الهيكليّ، إتقانه، وبناء الألفة بينه وبين المُستمعين من جهة، وكيفيّة خروج الأداء عن اللّحن الهيكليّ، انتهاكه، تلوينه، التّلاعب معه في أبعاده النّغميّة والزّمنيّة الإيقاعيّة واللّونيّة الصّوتيّة، وبكلماتٍ أخرى، فإنّ الطّربَ هو، على نحوٍ مّا، تلك المراوحة بين “التّحكم وإضافة التّفاصيل أو التّلوين…” (Bové, 2000, p. 114). ثمّة مقاربة اجتماعيّة في هذا الانتهاك الّذي يتجاوبُ ويُصغي، لا يُشاكس ويُنفّر: “إنّ العنصر الانتهاكيّ في الموسيقى يتمثّل في مقدرتها التَّرحاليّة، فهي تُلحق نفسَها بأيّة تكويناتٍ اجتماعيّة وتُصبح جزءًا منها”. (Bové, 2000, p. 108)، وفي معرض حديث إدوارد سعيد عن أهميّة “الانتباه إلى التّفاعل [الاجتماعيّ]” داخل المُكوّن الموسيقيّ بدلًا، نعم بدلًا، من الموضوع، فإنّه بذلك “يُثير إمكانيّة (توجّهاتٍ) فِتِشيّة Fetishism جديدةٍ وأعمق”. (Bové, 2000, p. 105) وهذا تحديدًا ما يُساهم في تعميق المُكوّن النّفسيّ للطّرب المرتبط عضويًّا بتلك الصّورة الفتشيّة (الصنميّة/ الخارقة) الّتي تتشكّل داخلنا تجاه “المُطرب”، ولا يمكن فصل المُكوّن الطّربيّ عن هذه الهالة.

الطّرب: من التّعبئة الانفعاليّة إلى التّفريغ التّفاعليّ

في سبيل التّوضيح، والمضي قدمًا في معنى الطّرب، سنأخذ مثالًا نموذجيًّا حيًّا على ذلك، ونحاول من خلاله الإضاءة على بعض المفترقات الهامّة. لنأخذ أغنية “أهل الهوى يا ليل” (أهل الهوى يا ليل، 1958): حيث مُباشرةً، وبعد الاستعراض الأوّل للحن (أهل الهوى يا ليل فاتوا مضاجعهم واتجمعوا يا ليل صحبه وأنا معهم” تفاعل الجمهور على نحوٍ حماسيّ. فكيف نفسّر ذلك، ونحن لا نزال في البداية، حيث لا إظهار للبراعة بعد، ولا ارتجال ولا تنويع أو زخرفة أو تلاعب في طبيعة الصّوت وغير ذلك؟ إنّنا لا نزال في طور (الاستعراض Exposition) والتّعرف على اللّحن. ثمّة إذن، سبب خارج عن الموسيقى هنا؛ سبب نفسيّ، محض نفسيّ، حيث الذّاكرة الّتي يأتي بها المستمعون معهم إلى الحفل الغنائيّ؛ الذّاكرة الموسيقيّة المرتبطة بتجاربهم السّابقة مع أغاني المغني/ة، والّتي تولّد لديهم استعدادًا مُسبّقًا للشّعور بالطّرب بما سوف يأتي، والانتشاء بتجربة الاستماع إلى هذا الصّوت/ الآداء في حدّ ذاته، بغضّ النّظر عما سيخرج عن الصّوت من غناء وأداء. ومن هنا، فإنّ “فنّ الطّرب” يُفرز جمهوره الخاصّ، فرزًا مورفولوجيًّا، من بين مُجمل ما يُصطلَح على تسميته “الجمهور” بصفته العامّة الفضفاضة، حيث يشترط “فنّ الطّرب” إلى نوع من الاستعداد والتّهيئة المعرفيّة والجماليّة لتحقيق هذا الشّرط الاجتماعي التّفاعلي الهامّ: “يُتيح اعتماد عامل الأصل الاجتماعيّ إيضاحَ تأثير هذا الأصل، في حين أنّ “حبّ الفنّ” كان تقليديًّا ويجهل ذلك التّأثير أو تجاهله، يُنسبُ إلى الاستعدادات الشّخصيّة. وجه [بييار] بورديو نقدًا صارمًا إلى الاعتقاد بفطريّة “الميول الثّقافيّة” وأوضح الدّور الأساسي للتّلقين العائليّ، وهو ما يسمّيه بورديو بـ “الهابيتوس” أو التّنشئة الاجتماعيّة للفرد، حيث أنّ “وهم الميل المحضّ والمجرّد” لا يعود إلاّ إلى ذاتيّة هدفها الوحيد البهجة، فإنّ ما يفضحه ويكشف عنه القناع هي علاقة ارتباط الممارسات والعادات الجماليّة بالانتماء الاجتماعيّ و”الاستخدامات الاجتماعيّة للذّوق” و”التميُّز” بامتلاك “المهارات الرمزيّة” (التّعليم، الكفاءة اللّغويّة أو الجماليّة)”. (إينيك، 2011، الصفحات 93-94). وكم هذا ينسجم مع قول الفنّان مارسيل دوشان “المشاهدون هم الّذين يصنعون اللّوحات الفنيّة”.

قد يستدعي الجانب المتعلّق بثقافة التّلقي وأثرها على إنتاج الفنّ وأدائه إلى دراساتٍ خاصّة للعادات الاجتماعيّة الثّقافيّة، ودراسات سوسيولوجيّة للذّائقة، وهذا ليس مجالنا هنا.

ولكن، استطرادًا، كيف يحدث ردّ الفعل الطّربيّ عند المتلقّي؟ وهل يتحقّق هذا التّفاعل بمجانيّةٍ مُطلقة وبمجرّد توفّر هذا الاستعداد النّفسيّ وحده؟ ألا ينبغي أن تتوفّر شروط، في حدّها الأدنى، داخل مركّب اللّحن/ الكلمة لكي يتولّد هذا الأثر/ الشّعور الّذي نسمّيه الطّرب؟

كي نقرّب الموضوع للقارئ، فسوف نتناول أغنية الشّيخ زكريا أحمد/ بيرم التونسيّ “أهل الهوى يا ليل” مثالًا نموذجيًّا، وحيث اللّحن والكلمة يعملان ويؤثّران جنبًا إلى جنب، كي ننظر إلى المُكوّن الموضوعيّ: الموسيقيّ والشّعريّ، ونستخلص ما الّذي يحدث في هذا المثال، وعلى ضوء ما تقدّم سابقًا.

في مثالنا، تبدأ الفرقة الموسيقيّة بعزف لحن بسيط [00:14-02:20] زوجيّ التّركيب، متماثل البناء ورشيق المزاج، يجتذب المتلقّين ويحشد تركيزهم وإصغاءهم ببساطته وسهولة تلقّفه، مُشكّلًا في سُرعته الرّشيقة حالةً زمنيّةً/ نفسيّةً، ورُغم أنّها تُقاطع بالتّصفيق والحماس، إلاّ أنّها تستأنف حضورها، وتمهِّدُ على نحو مُخاتلٍ لدخول الغناء [02:21] الّذي، وبدخوله، يتراجع الإيقاع على نحوٍ مُفاجئ من الرّشاقةِ والخِفّةِ إلى التأنّي والوَقار، في نقلةٍ كأنّها تستوقفُ الزّمن، مُحدثةً أثرًا جليلًا في النّفس، ينقلها من الخِفّةِ المرحة الّتي تُخاطبُ “إيقاع الجسد” إلى ثِقلٍ رصينٍ وَجلٍ، متأمّلٍ ومترقّبٍ. (أهل الهوى يا ليل، 1958).

يمكن القول على نحوٍ حذرٍ إنّ في هذا التّحوّل “صدمةٌ” أو “استدارةٌ”؛ إنّه اللاّمُتوقَّع على شكل إعلانِ قُوّةٍ وتثبيتِ حضورٍ، حيث يُسيطر “الغناء” على زمن الموسيقى وينقله من مرتبةٍ إلى أخرى؛ وكأنّ للأداء (أم كلثوم في هذه الحالة)، كُلّيّ الحضورِ، زمنٌ آخر غير زمن المُلحّن/ الشّاعر الغائبيْن عن الأنظار، ممّا يخلقُ زخَمًا بالغ الأثر في النّفوس. ولو أنّ الغناء تعجّل ما يلي من كلام ولحن، لفقد هذا الزّخم (المومنتوم)[1] قيمته وأثره على السّامعين. لكن، ما حصل هو تكرار الجملة اللّحنيّة/ الكلاميّة على الإيقاع الرّصين الجديد على نحوٍ يجعل من اللّحن الابتدائيّ مُقيمًا في الزّمن، واثقًا غير مُتعجّلٍ، ممّا يعزّز الاستقرار النّفسيّ والمكوث المُستأنس داخل الزّمن الموسيقيّ المُنتشر في اللّحظة الرّاهنة وحدها؛ إنّه نوعٌ من استئصال “الحاضر” ونزعه عن ماضيه ومستقبله: إنّه الهُنا الآن فقط، مُعاشًا حتى النُّخاع، ما يُساهم في تكوين حالةٍ من الطّمأنينة والاستكانة والألفة مع اللّحن البدئيّ (الجديد) دون إسراع، وبرويّةٍ تُحقّق شرطًا هامًّا، وهو إصغاء اللّحن إلى المُستمع، ضمن علاقةٍ تبادليّةٍ من الإصغاء الضّروريّ لإنتاج اللّذة والألفة الّتي لا فكاك منها في سيرورة التّمهيد إلى اللّحظة الّتي سينفجر فيها شعور الطّرب المتراكم، وهو تفاعليّ بالعادة؛ ظاهريٌّ، لا باطنيّ فقط، وجماعيّ، لا فردانيّ فقط، وتشارُكيّ صارخٌ مُتبرّج ومُنفلت، لا شخصيّ خاصّ، صامت ومحتشم بالضّرورة.

وما زلنا في مثالنا، حيث هناك مكوّن آخر قاد هذه البداية إلى مسارٍ تطوّر فيه اللّحن أوّلًا، من درجة الارتكاز الأولى المطمئنّة والرّخيمة في مقام النهاوند (وهو مقام شَجن بطبيعة تكوينه) إلى درجاتٍ سُلّميّةٍ تصاعديّة ولّدت حالةً من التّشويق وانتظارٍ مطلوبٍ لقفلةٍ موسيقيّة تُعيد الرّاحة إلى النّفس فتُفرّغ فيها ما تراكم من شحناتِ التّوتر والتّشوّق من قبل. وثانيًا ثمّة معنى في الكلام الشّعريّ، يُجاري اللّحن، لم يكتمل بعد (أهل الهوى يا ليل)… ثمّ (فاتوا مضاجعهم)… ثمّ (واتجمعوا… يا ليل…)، وهنا ذروة التّشوق والغواية، في الكلام واللّحن معًا، وصولًا إلى الجملة الشّعريّة الأخيرة الّتي يكتمل معها المعنى الشّعري والموسيقي في قفلة مُحكمةٍ بالغةِ الإرضاء [03:09-03:14] (صُحْبَة وأنا معهم). (أهل الهوى يا ليل، 1958).

إنّ تحقيق “مسار الغواية”؛ هذا المسار التّفاعليّ/الانفعاليّ على نحوٍ مثاليّ في تصميمه اللّحنيّ والزّمنيّ جنبًا إلى جنب مع الكلام، يؤدّي بالضّرورة، بجانب العامل النّفسيّ الأوّل، إلى نهاية مومنتوم الطّرب؛ إلى مبتغى السّامعين وفوزهم بالإرضاء، حيث تكون “ذروة التّفاعل” في “تفريغ الانفعال”.

إنّ ما يتبع ذلك من ارتجالاتٍ وتنويعاتٍ استطراديّة واسترساليّةٍ على المادّة الكلاميّة أو اللّحنيّة الّتي قد تعرّفت إليها الأسماع وألفتها، والّتي تتفاعل بدورها وتستلهم من هذا التّفاعل، التّفريغ والمُقاطعات الحماسيّة، فيُشترط فيها، إلى جانب تحقيق هذه العناصر الّتي تولّدُ التّرقّب والتّصعيد المُصغي الّذي يُحيك سرديات التّشويق بعناية، أن تفي بشروط الأداء الموسيقيّ الّذي يُتقنُ التّحويم حول اللّحن ويتلاعب مع مكوّناته النّغميّة والزّمنيّة وحتّى الكلاميّة عبر التّنويع في ألوان الصّوت ومخارجه. ما يحدث هنا هو نوعٌ من الاسْتسقاء اللّحنيّ الّذي يستنفذ بعض أو كلّ ما في اللّحن من طاقةٍ كامنةٍ ممكنة لم يُفصح عنها احتشام اللّحن في صيغته الهيكليّة الأولى، ممّا يؤدّي إلى تضخيم أو تطويل المادّة اللّحنيّة (والأغنية عمومًا) ويُحدث فيها اختلاجاتٍ واختلالاتٍ تستحيل معها الفكرةُ الموسيقيّة والشّعريّة مجرّد أداةٍ بيد المغنّي: الحاضرُ المُتحكّمُ الأبرز في براعة هذا المشهد الصّوتيّ.

إذن، يدور هذا كلّه في فلك الأداء والأسلوب الغنائيّ وتَمَرْكُز المؤدّي أمام المادّة اللّحنيّة الكلاميّة الّتي تُصبح إطارًا وأداةً للمُطرب والإطراب، لا موضوعَه. “عندما [يُغنّي] المُطربُ وحده، يُمكن لحالة النّشوة أن تُستحثُّ ذاتيًّا، وسيرورة التّفاعل [الفعل ورد الفعل] تُستبطنُ في ذات المُطرب بوصفه الفاعل المُبادئ للطّرب والسّمّيع في آنٍ معًا”[2] (Racy, 1998, p. 110) ، لكنّ الشّرط الاجتماعي، إن توفّر، فيُمكنه، كما أسلفنا، أن يُحرّك المشهدَ بأكمله، بدءًا من طاقة الإصغاء الصّامتة المُلهمة، وصولًا إلى المُقاطعات الحماسيّة الصّارخة.

باكتمال هذه العناصر وانغلاق أضلاع المثلّث بالتّلاقي والتّقاطع والتّماهي، تتشكّل لعبةٌ حذِقَةٌ ومُعقّدةٌ من الغواية والإرضاء، غواية المُستمع تارةً ثمّ إرضاؤه تارةً أخرى؛ لعبةٌ بأضلاعها الثّلاثة: الأغنية (اللّحن الهيكلي/ الكلام، وحيث الملحّن والشّاعر غائبان عن الحدث المُعاش)، الآداء/ الأسلوب (المتمثّل بالمغنّي/ة)، المتلقّي (المتمثّل بالجماعة السّامعة). وقد تجتمع هذه الأضلاع الثّلاثةِ في أقلّ من ثلاثة أشخاصٍ، حيث يمكن للمؤلّف، مثلًا، أن يكون كذلك مؤدّيًا وسامعًا في آنٍ معًا.

لكلّ ضلعٍ من الأضلاع الثّلاثة مساهمته الفعّالة (أو المُعيقة) في توليد زخم (مومنتوم) الطّرب. ففي المضلّع الأوّل، ثمّة شروط في التّكوين الكلاميّ واللّحنيّ ينبغي أن تتوفّر كي تُساعد على بناء زخم الطّرب وزيادة أثره في النّفس، من حيث هو مُركَّب سيكو-موسيقيّ بامتياز. وبما أنّ الطّرب لا يتحقّق بوجود هذا المضلّع وحده، وهو “الزّمكان الأوّل” الّذي تولد فيه الأغنية قبل حدوثها في الزّمكان الاجتماعيّ (الحفل الغنائي أو أي طقس غنائي آخر)، فثمّة شروط ينبغي أن تتوفّر في بقيّة الأضلاع كي يتكامل المُثلث وينغلق على مُبتغاه.

وكي لا نُسهب في البديهيّات، فنختصر ونذكر بعضًا من الشّروط الّتي ينبغي أن تتوفّر في كلّ ضلع من الأضلاع الثّلاثة بحيث تُغذّي بعضها بعضًا وتُلهم. ففي الجزئيّة المتعلّقة بالكلام، يحتاج اللّحن والمؤدّي إلى بساطةٍ في تلقّي المعاني وإلى استمراء وسائغيّةٍ الملافظ وطائعيّةٍ الحروف وتضييق وقور للبؤر اللّحنيّة (magisterial narrowing of melodic focus، وأكثر من ذلك، الإبقاء على “نُقصانٍ” مّا، و”لا اكتمالٍ” ما في اللّحن، ما يُسهّل على الملحّن عدم الابتذال من جهة،  والاعتدال في الجملة اللّحنيّة، نغمًا وزمنًا، دون طُغيانٍ أو ترهّل وشطحٍ زائدٍ، تاركًا فيها طاقةً لحنيّةٍ فيها من الاتّساق والحِياد العاطفي ما لا يطغى على حريّة التّنويع وتقليص احتمالاته من جهة، وتاركًا، من جهةٍ ثانية، مُتّسعًا من حريّة التّنويع والتّلاعب والمناورة والاتّساق المتراخي (consistency) الجميل في الاسترسال في التّفاصيل والتّلوين، ما يُسهّل بالتّالي على المؤدّي في أدائه، حيث “تقشُّر التّنويعات” (Exfoliating variation) هي السِّمة الأكثر تجلّيًا، وحيث متعة الموسيقى تكمن في الأسلوب الأدائيّ، لا الّذي يُثري اللّحن وحسب، بل يملأ فجواته كذلك. وأخيرًا، يُسهّل على المستمع في استئناسه وألفته من جهة، وفي اندهاشه وترقّبه من جهةٍ ثانية، وبالتّالي في تفاعله المُلهم. ففي الحدث الغنائيّ الطّربيّ عند العرب، ومنذ اللّحظة الأولى السّابقة للغناء، يشعر المؤدّي، فتكون براعة أدائه، وسِعة عطائه على مقدار الطّاقة الّتي يستشعرها في الجهوزيّة الموسيقيّة لجمهوره، وفي مدى استعداده وتشوقّه للإصغاء والتّفاعل والانسجام.

******

الإحالات:

[1] استعرنا هذه التّسمية في مجازنا من علم الفيزياء، والمقصود بالمومنتوم (Momentum) هو “الزّخم الحركيّ”.

[2]  Racy, Ali Jihad. 1998. “Improvisation, Ecstasy, and Performance dynamics in Arabic Music”. In M. R. edited by Bruno Nettl, Melinda Russell, In the course of performance: Studies in the World of Musical Improvisation. (110). Chicago and London: The university of Chicago press

******

المراجع:

  1. Bové, P. A. (2000). In Responses Begins Responsibility: Music and Emotion. In Paul A. Bové, Edward Said and the Work of the Critic: Speaking Truth to Power. Duke University Press.

  2. Bruno , N., & Russell, M. (Eds.). (1998 ). In the Course of Performance: Studies in the World of Musical Improvisation. Chicago : University of Chicago Press.
  3. Fargion, J. T. (1993). The Role of Women in taarab in Zanzibar: an Historical Examination of a Process of. The World of Music, THE POLITICS AND AESTHETICS OF “WORLD MUSIC”(Vol. 35, No. 2), pp. 109-125
  4. Harold North Fowler Plato. (2005). Apology. Crito. Phaedo. Phaedrus. . Loeb Classical Library
  5. Racy, A. J. (1998). Improvisation, Ecstasy, and Performance dynamics in Arabic Music. In M. R. edited by Bruno Nettl, In the course of performance: Studies in the World of Musical Improvisation. Chicago and London: The university of Chicago press
  6. Racy, A. J. (Sep., 1982). Musical Aesthetics in Present-Day Cairo. Ethnomusicology(Vol. 26, No. 3 ), pp. 391-406
  7. Touma, H. H. (1996). The Music of the Arab.S.A.: Amadeus Press
  8. Waters, L. ( Summer, 1998). In Responses Begins Responsibility: Music and Emotion. boundary 2, Vol. 25, No. 2, Edward W. Said, pp. 95-115
  9. Zuhur, S. (2001 ). Colors of Enchantment: Theater, Dance, Music, and the Visual Arts of the Middle East. American Univ in Cairo Press.
  10. أبو الفرج الأصبهاني. (1970). الأغاني. بيروت: صلاح يوسف خليل، دار الفكر للجميع.

  11. أبو عبدالله ابن بطوطة. (2014). رحلة ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. بيروت: دار إحياء العلوم.
  12. أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي. (بلا تاريخ). كتاب الموسيقى الكبير. (تحقيق وشرح: غطاس عبد الملك خشبة، مراجعة وتصدير: دكتور محمود أحمد الحفني، المحرر) القاهرة: دار الكاتب العربي للطّباعة والنشر.
  13. أبي المواهب جعفر بن إدريس الكتاني الحسني. (2013). مواهب الأرب المبرئة من الجرب في السماع وآلات الطرب. (هشام بن محمد حيجر، المحرر) جار الكتب العلميّة.
  14. الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسيّ. (1971). شرح ديوان رئيس الشّعراء أبي الحارث الشهير بامرؤ القيس بن حجر الكنديّ. (محمد السيد عثمان، المحرر) بيروت: دار الكتب العلمية.
  15. أمنون شيلواح. (2001). الموسيقى في عالم الإسلام. القدس: مركز دراسات المجتمع العربي في إسرائيل، مركز الارشاد للمكتبات في إسرائيل.
  16. أهل الهوى يا ليل. (1958). القاهرة، الأزبكية. تمّ الاسترداد من https://www.youtube.com/watch?v=bEibje7gpxk
  17. شهاب الدين ابن فضل الله العمري. (2010). مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (الإصدار 1، المجلد 10). (تحقيق: كامل سلمان الجبوري – مهدي النجم، المحرر)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلميّة.
  18. علي أبو الفضل جمال الدين الأنصاري الروي ابن منظور. (2010)، لسان العرب، بيروت.
  19. غطاس عبد الملك خشبة (المحرر). (2004). شرح الموسيقى من كتابيّ (الشِّفاء والنّجاة) لأبي الحسين علي بن عبدالله بن سينا. المجلس الأعلى للثقافة.
  20. لحن: زكريا أحمد، كلمات: بيرم التونسي. (حزيران, 1958). أهل الهوى يا ليل. (أم كلثوم، المؤدي) الأزبكية، القاهرة.
  21. نتالي إينيك. (2011). سوسيولوجيا الفن (الإصدار الطبعة الأولى). (حسين جواد قبيسي، (ترجمة)، فواز الحسامي، و(مراجعة)، (المحرّرون)، بيروت، لبنان: المنظمة العربيّة للترجمة.
  22. يوسف شوقي. (1996). رسالة الكنديّ في خُبر صناعة التّأليف. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصريّة، بالتّعاون مع المجلس الأعلى للثّقافة.

******

رابط الجزء الأول من المقال:

الطّرب عند العرب: لعبة الغواية والإرضاء (ج1)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This