المحجوب والمسكوت عنه في كتاب “عطب الذّات” (ج2)

5- في الممارسة السّياسيّة

في معرض حديثه عن مواقف الأطراف الإقليميّة والدّوليّة من الثّورة السّوريّة، يعرّج غليون على الموقف الإيرانيّ فيقول:

“عندما اندلعت الثّورة السّوريّة في آذار /2011/ كانت أطر التّعاون والتّنسيق والعمل المشترك بين الحليفين جاهزة للدّخول في العمل؛ إذ اعتبرت إيران نفسها منذ اللّحظات الأولى طرفاً رئيساً معنياً بالأمر، ورمت بكلّ ثقلها إلى جانب الأسد، وقدّمت له دعماً كلياً ومتكاملا، في الميدان العسكريّ والأمنيّ والاستخباريّ والتّقنيّ والاقتصاديّ والدبلوماسيّ والإعلاميّ من خلال مؤسّساتها الوطنيّة ومؤسّسات حلفائها وأذرعها الموزّعة في المشرق، كحزب الله وأنصار الله في اليمن …واحتلّت بنفسها مقعد القيادة وأدارت بنفسها العمليات الأساسيّة لمواجهة الثّورة وحلفائها”.ص (408).

وبغض النّظر عن موقفنا من التّدخل الإيراني اللاّحق، ومن دعم النّظام بكلّ الأشكال، إلاّ أنّ هذا الكلام فيه الكثير من التّزييف؛ فإيران لم يكن موقفها كذلك منذ اللّحظة الأولى كما يدّعي السّيد غليون، وإذا كان من الصّحيح أنّ إيران حليف تاريخي للنّظام، وأنّ إيران معنيّة بما يجري في المنطقة ككلّ الدّول الإقليميّة والدوليّة الفاعلة، إلاّ أنّ الثّورة السوريّة قد باغتت الجميع، وجعلت الجميع بمن فيهم إيران يتريّثون ويجرون الكثير من الحسابات قبل أن يحدّدوا موقفهم من الثّورة، وبرز في أوساط الحكومة الإيرانيّة اتّجاهان رئيسيان ومختلفان جذرياً: تمثّل الاتّجاه الأوّل بالحرس الثّوريّ، وكان يرى ضرورة دعم النّظام بسبب عدم وضوح خيارات الثّورة في المسائل الإقليميّة، وبالتّالي احتمال أن تخسر إيران حليفها المهمّ في المنطقة، وقد غذّى النّظام هذا الاتّجاه عندما وصف الثّورة بالوهابيّة والسّلفيّة، أمّا الاتّجاه الثّاني، والّذي كان يتزعّمه علي أكبر هاشمي رفسنجاني، والّذي كان يشغل منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النّظام، وهو أعلى منصب في إيران بعد منصب الرّئيس، فكان يرى أنّ الثّورة السّوريّة ثورة شعب مظلوم ضدّ نظام فاسد، وأنّها منتصرة لا محالة، وبالتّالي ليس من مصلحة إيران معاداة الشّعب السّوريّ، وحماية نظام نخره الفساد حتّى نقي العظم، وبقي الأمر معلّقا بين أخذ ورد بين هذين التّيارين حتّى مطلع عام /2012/ حين زار وفد من هيئة التّنسيق الوطنيّة طهران، وحاول إقناع القيادة الإيرانيّة بعدم التّدخل في الصّراع، وأنّ ثورة الشّعب السّوريّ هي ضدّ النّظام الفاسد، ومن أجل الحريّة والكرامة، وليس من أهدافها تغيير موقع سوريّة الجيوسياسي، وأنّ الشّعب السّوري لا يمكن إلّا أن يكون معادياً لإسرائيل ومن يدعمها. ولكن لم يكن لهذا الخطاب الأثر المطلوب؛ لأنّ هيئة التّنسيق لم تكن تمثّل كامل الطّيف المعارض، بل ولم تكن الطّرف المهيمن في المعارضة، وكان يمكن لموقف مماثل من قبل قيادة المجلس “الوطني” أن يرجّح كفّة الاتّجاه الثّاني، ويحيد إيران على الأقلّ، وبالتّالي يحرم النّظام من حليف أساسي، لكن الّذي حصل هو عكس ذلك تماما، فقد صرّح السّيد غليون في مقابلة مع صحيفة وول جورنال ستريت بتاريخ 02/12/2011 :

“بأنّ أيّ حكومة تشكّلها المعارضة بعد سقوط نظام الأسد ستقطع العلاقات العسكريّة مع إيران وتوقف إمدادات السّلاح إلى حزب الله وحماس”. ص 415.

ثمّ أعقبه بتصريح آخر على إحدى المحطّات الفضائيّة في نفس الفترة يقول فيه:

“سوف لن يكون لإيران أي دور في إعادة إعمار سوريا”.

والغريب في الأمر أنّه يتحدّث عن إعادة الإعمار في وقت مازال الصّراع مفتوحا، ولا أحد يستطيع التّكهن بنتائجه، في حين أنّه عندما طلب وسيط إسرائيلي من غليون التّفاوض بشأن  إمكانيّة عقد سلام مع إسرائيل بعد انتصار الثّورة أجاب بأنّ “هذا الأمر ستقرّره حكومة منتخبة من قبل الشّعب السّوريّ”. بعد هذه التّصريحات وتصريحات غيرها من أعضاء آخرين في المجلس حسمت إيران خياراتها، ونزلت بقوّة لمساندة النّظام ومعاداة الثّورة، ممّا جعل العديد من الأسئلة تطرح نفسها بقوّة حيال هذه الممارسة السّياسيّة وأوّلها: هل كان من مصلحة الشّعب السّوري استعداء إيران ودفعها للوقوف في صف النّظام؟

ثمّ هل كان السّيد غليون في موقع يسمح له بتقرير سياسة سوريّة بعد سقوط النّظام الّذي لم يسقط بعد؟

أليس من واجب قيادة الثّورة أن تطمئن كلّ الأطراف على مصالحها ولو بشكل براغماتي بغيّة عزل النّظام وحرمانه من الحلفاء والدّاعمين؟

أما كان حرياً بغليون أن يتجنّب الإجابة عن السّؤال المطروح، محيلا إيّاه إلى حكومة منتخبة بعد سقوط النّظام، كما فعل حين سئل عن موضوعة السّلام مع إسرائيل؟

والحقيقة أنّنا يجب أن نتساءل عن الدّوافع الّتي حدت بغليون إلى طرح تصريحات كهذه في مرحلة شديدة الحساسيّة من عمر الثّورة، وفي توقيت مشبوه بكلّ ما للكلمة من معنى؟

إذ كان واضحا لأبسط المحلّلين أنّ أمريكا وإسرائيل تريدان استدراج إيران إلى المستنقع السّوريّ لتحقيق عدّة أهداف، أوّلها: تصفيّة انتفاضة الشّعب السّوريّ ومطالبه المشروعة في الحريّة والكرامة، وثانيها: استنزاف إيران وحلفائها في حرب طويلة الأجل لمنعها من تشكيل أي خطر على إسرائيل في المدى المنظور، وثالثها وأهمّها: تسعير الفتنة السّنيّة الشّيعيّة، وما يترتّب عليها من تفتيت النّسيج الاجتماعيّ لشعوب المنطقة، وعلى رأسها الشّعب السّوري، وثمّة أهداف أخرى منها: إشعال فتيل نزاع إيراني تركي، وجعل سوريا ثقبا أسود تفنى فيه كلّ القوى الإقليميّة!!

فهل غابت هذه الأجندة عن تفكير البروفيسور غليون الّذي يقوم بالتّدريس في أرقى جامعات أوروبا؟

لقد جاءت تصريحات غليون في توقيتها لحسم التّردد الإيرانيّ والدّفع باتّجاه دعم النّظام بشكل كامل، ليجعل من الشّعب السّوري وثورته (مكسر عصا) لإيران وحلفائها بهدف القضاء على الثّورة وما تعنيه بالنّسبة للشّعب السّوريّ.

والغريب أنّ إيران، حتّى بعد هذه التّصريحات، كانت مستعدّة للحوار مع غليون بصفته رئيسا للمجلس الوطنيّ السّوريّ، لا بل كانت متحمّسة له كما يقول غليون:

“بعد أشهر قليلة اتّصلت بي صديقة صحافيّة فرنسيّة كانت قد عملت معنا في إطار الدّفاع عن القضيّة الفلسطينيّة، وذكرت لي أنّها تعرف صديقا فرنسيا مقرّبا من الأوساط الحاكمة في إيران، وأنّه متحمّس للقيام بأيّ دور يمكن أن يوفّر المعاناة على الشّعب السّوريّ، ويساهم في فتح طريق التّسوية بين المعارضة السّوريّة وطهران والحيلولة دون الخوض في مزيد من الدّماء” ثمّ يتابع في  الصّفحة نفسها: ” بعد عودته من طهران ذكر لي الوسيط الفرنسي أنّ الإيرانيين مستعدون للالتقاء بي أينما شئت، وعلى أي مستوى أريد، وأن صادق خرازي، وهو مستشار المرشد الأعلى والّذي يعرفني، مستعد على الرّغم من مرضه الشّديد أن يلتقي بي في أوروبا أو في باريس. قلت: حسنا، قبل أن ألتقي بهم أودّ أن تسألهم من طرفي: ماهي حدود تطلّعاتهم في سوريا، وماذا ينتظرون من السّوريين، بالضّبط، وما الّذي يتوقّعونه من المعارضة؟”. ص (412).

ويحقّ للمرء أن يتساءل هنا: ألم يكن توفير المعاناة على الشّعب السّوريّ، والحيلولة دون الخوض في سفك المزيد من الدّماء، الّذي جعل الوسيط الفرنسي يتحمّس للقيام بأي دور، ألم يكن ذلك كافيا للسعي للقاء الإيرانيين؟ أم أن هذا الأمر لايعني السّيد غليون على مايبدو، ليمتنع عن اللقاء ويضع الشّروط والعراقيل لمنع حدوث هكذا لقاء، خصوصا بعد أن صار واضحا كون الإيرانيين لاعباً رئيسيّاً في الحدث السّوريّ؟

6- اللاّءات الثّلاث

منذ انطلاقتها في حزيران /2011/ حدّدت هيئة التّنسيق الوطنيّ لقوى التّغيير الديموقراطيّ برنامجها تجاه الثّورة بما عرف فيما بعد باللاّءات الثّلاث، أو لاءات هيئة التّنسيق وهي: لا للتدّخل الخارجيّ، لا للعسكرة والتّسلح، لا للتّحريض الطّائفيّ والمذهبيّ، وقد تمّ تحديد هذه اللاّءات بعد تشخيص الأخطار المحدقة بالثّورة، ومسعى النّظام منذ انطلاقة المظاهرات السّلميّة لاتّهام الانتفاضة بأنّها مؤامرة خارجيّة، وأنّها فتنة مذهبيّة سلفيّة وهابيّة، كما اتّهمها بالعنف والإرهاب، إضافة إلى أنّ عسكرة الثّورة ستكون بابا للتّدخلات الخارجيّة.

فالسّلاح يحتاج إلى تمويل والممول سيكون له أجندة خاصّة به والّتي قد تتعارض مع أجندة الثّورة وأهدافها،  لذلك جاءت الشّعارات الثّلاثة الآنفة الذّكر لمنع انجراف الانتفاضة إلى أي من المحاذير المذكورة، والتّأكيد على مبدأ سلميّة الحراك ووطنيته واستقلاله عن أي تدخّل أو دعم خارجي، وشكّلت هذه اللاّءات العمود الفقري لخطّ الهيئة السّياسيّ، ولاقت من أجلها الكثير من التّهم والتّشكيك بمعارضتها الّذي وصل حدّ التّخوين واتّهامها بالعمالة للنّظام من قبل أعضاء المجلس الوطني ومناصريهم في وسائل الإعلام ووسائل التّواصل الإجتماعي، بل وصل الأمر ببعض المتحمسين للمجلس أن قاموا بالاعتداء على أعضاء وفد الهيئة في القاهرة فيما عرف لاحقا بمعركة البيض، الّتي تشكّل في نظري وصمة عار في جبين أدعياء الديموقراطيّة ومحاربة الاستبداد.

والغريب أنّ غليون لا يعترف للهيئة بهذا الحقّ، فنراه يعوم الموضوع ليقول بأنّ معظم النّخب السّوريّة كانت قد وصلت إلى هذه النّتيجة، وأحيانا ينسب هذه الشّعارات للمجلس نفسه فنراه يقول : “أسقط تقلدي منصب المسؤوليّة في يد السّلطات الإستبداديّة الّتي قرّرت أنّه لا يمكن للثّورة أن تكون إلّا إسلاميّة وهابيّة طائفيّة”.ص(18).

كما يؤكّد في الصّفحة (233) على أنّ النّظام كان منذ البدء يعتبر استمرار الطّابع السّلمي للثّورة الخطر الأكبر عليه، لهذا لم يترك وسيلة خلال الأشهر السّبعة الّتي سبقت تأسيس المجلس إلّا واستخدمها لنقل الثّورة من السّاحات العامّة إلى جبهات القتال الّتي يملك فيها النّظام مزايا استراتيجيّة”.

ولكن لو سلمنا جدلا بأنّ غليون كان متنبّها لهذه الأخطار وأنّ اللاّءات الثّلاث من إبداعه هو شخصيا ينتصب السّؤال لدى أيّ متابع: ما الّذي فعله غليون ومجلسه لدرء هذه الأخطار وهل كانت ممارسته تتّسق مع هذه المعرفة وهذا التّشخيص؟

استجابة لخطر أسلمة الثّورة وسلفيتها قام غليون بتشكيل الهيئة الّتي ستقود الثّورة بأغلبيّة الثّلثين للتيّارات الإسلاميّة، أي أنّه فعل عكس المطلوب تماما، وكأنّه كان يخدم النّظام لا الثّورة في فعله هذا، قد يعترض أحدهم بالقول أنّ نسبة مشاركة القوى الإسلاميّة في الحراك الشّعبيّ هي الّتي فرضت هذه التّشكيلة، وهذا الكلام مردود عليه إذ أنّ نسبة حضور القوى الإسلاميّة لم تكن تتجاوز العشرة بالمئة عندما كانت الانتفاضة سلميّة، ولم يظهر أي من الشّعارات الإسلاميّة والأعلام السّوداء إلّا بعد أن تحوّلت إلى العسكرة، وقد تغيّرت هذه النّسبة طبعا عندما تحوّلت إلى العسكرة، كما أنّ الشّخصيات الّتي اختارها في المجلس أغلبها كان في الخارج منذ ثمانينات القرن الماضي وبعضها ولد في الخارج من جيل الأبناء خاصّة ما يتعلّق بمجموعة العمل الوطنيّ الأمر الّذي يعني ضعف ارتباطها بالشّارع المنتفض. أمّا على صعيد العسكرة فلم يفعل شيئا لمنعها، ويحقّ للمراقب أن يسأل: كم بيانا أو كم نداء وجّه غليون ومجلسه للشّعب السّوريّ من أجل التّمسك بسلميّة الثّورة والتّحذير من الفخّ الّذي ينصبه النّظام لجرّ الحراك إلى جبهات القتال؟

لقد كان واضحا أنّ المجلس يتوقّع وينتظر تدخلا أمريكيا كما حدث في العراق ليأتي أعضاء المجلس حكاما على ظهر الدبّابات الأمريكيّة، وهذا ما يؤكده غليون إذ يقول:

” لم يكن استخدام اسم (المجلس الإنتقالي) بريئا بالتّأكيد، وكنت أنا نفسي قد تردّدت كثيرا في قبول اسم المجلس الوطنيّ أو المجلس الانتقاليّ على ما كنا نسعى إلى تشكيله من جبهة وطنيّة واسعة أو ائتلاف يضمّ جميع قوى الثّورة والمعارضة، لأنّه كانت لدي شكوك، لم تكن من دون أساس في أنّ تشبث مجموعة العمل الوطنيّ بهذا الأسم ورفضها فكرة الائتلاف كان نابعا من اعتقاد قادتها بأنّ من شروط التّدخل الدوليّ أو التّشجيع عليه تشكيل هيئة تنفيذيّة بديلة تكون جاهزة لاستلام الحكم على منوال المجلس الانتقاليّ الليبيّ”. ص (206)

ألا يتناقض هذا الكلام مع ادّعاء أنّ المجلس كان ضدّ التّدخل الأجنبيّ؟

يشرح غليون في كتابه كيف أنّ النّظام مارس كلّ أنواع العنف والاستفزاز من أجل دفع الثّوار إلى حمل السّلاح، وهذا أمر لا شكّ فيه؛ ذلك أنّ النّظام كان حريصاً على تنفيذ خطّته وهو اللّاعب الأساسي، كما أنّنا لسنا متأكّدين من نجاح المجلس في منع العسكرة لو بذل ما يستطيع من جهد في سبيل ذلك، ولكن نسأل فقط: ماذا فعل؟ فالمهم في النّهاية أن يقوم المرء بواجبه ويعمل لخدمة هدفه سواء تحقّق هذا الهدف أم لم يتحقّق، أمّا أن يعمل بعكس ما هو مطلوب منه فتلك الطامّة الكبرى.

ولعلّ الاعتراف الوحيد والخجول بالمسؤوليّة هو التّالي:

“هذا يعني أنّه لا يمكن الفصل بين الشّكل الّذي اتّخذته التّدخلات الأجنبيّة ونتائجها وفشلنا في الميدان السّياسيّ وفي السّياسة، وربّما كان بإمكان قيادة وطنيّة تحظى بالصّدقيّة الشّعبيّة والعالميّة، وقادرة على المناورة السّياسيّة وتجميع القوى الشّعبيّة والدوليّة وتعبئتها، أن تغيّر مجرى الصّراع، أو ربّما تقطع الطّريق على تطورين شكّلا قاعدة الهجوم المضادّ على الثّورة:

أسلمة القيادة السّياسيّة والخطّ العامّ للثورة.

وقوّة الانخراط مع النّظام من قبل حلفائه الرّئيسيين. “ص (496)

وهما الخطران اللّذان ناقشنا تفاصيلهما في مقالنا ونرى أنّ غليون يتحمّل المسؤوليّة الأساسيّة فيهما.

7- صكوك البراءة 

لم يكتف غليون بالدّور الّذي قام به في حرف ثورة السّوريين عن مسارها، كما لم يكتف بتبرئة نفسه وغسل يديه من دماء السّوريين، بل إنّه حاول تبرئة كلّ من ساهم في إجهاض ثورة الشّعب السّوريّ من أصدقائه (أصدقاء الشّعب السّوريّ) فنراه يبرئ الأمريكيين والعرب بشكل عامّ حين يقول:

“ليس صحيحا أنّ الأمريكيين شجّعوا على اغتيال ثورتنا،….. وليس صحيحا أنّ العرب كانوا يسعون إلى تقويض ثورتنا”.ص (448)

مع العلم أنّه يورد هذه العبارات بعد حديثه عن دور الممولين الخليجيين في منع توحّد الفصائل المسلّحة ومنع المجلس من الإشراف على الكتائب المسلّحة وتوجيهها، إذ يقول:

“وأجهضت جميع المحاولات الّتي قمنا بها في إطار المجلس الوطنيّ لانتزاع دور ولو جزئي في الإشراف على هذه العمليّة أو التّأثير فيها (يقصد عمليّة ضبط الكتائب المسلّحة) والّتي كنت أعتبرها المهمّة الأكثر إلحاحا وخطورة خلال رئاستي للمجلس، ولا يعرف إن كان هذا الإجهاض تمّ بسبب خلافات خليجيّة أم بسبب ضغوط أمريكيّة وضيق هامش الدّول الخليجيّة في اتّخاذ مثل هذه المبادرات”. ص (428)

ولعلّها المرّة الوحيدة الّتي يشير فيها إلى وجود تنسيق بين أمريكا وحلفائها في المنطقة بخصوص الثّورة السّوريّة، فالحديث عن ضيق هامش الدّول الخليجيّة، يفهم منه أنّ هناك تنسيقاً وضبطا، ولا يكون التّنسيق دون وجود خطّة معيّنة وأهداف محدّدة، الأمر الّذي يتجنّب غليون قوله لكيلا يقع في نظريّة المؤامرة كما يقول!!!

وهو يؤكّد: ” سيكون من المحزن أن نخرج من هذه التّجربة القاسية بخلاصات خاطئة تقوّض علاقاتنا مع دول الخليج بتحميلها المسؤوليّة عن خساراتنا”.

إذن المهمّ في رأيه ليس قول الحقيقة للنّاس من أجل أن يفهموا ما جرى لثورتهم، لكنّ المهمّ هو تبويس اللّحى والمحافظة على علاقته مع الدّول حتّى ولو كانت هذه الدّول هي الّتي نحرت ثورة الشّعب السّوري بدم بارد.

لكنّ عبارته تظلّ صحيحة إذا ما أخذناها بإطلاق وهي أنّه سيكون من المحزن حقّا أن نخرج من هذه التّجربة القاسيّة بخلاصات خاطئة كما فعل غليون في معظم كتابه.

8- خاتمة

حاولت في هذه المراجعة لكتاب “عطب الذّات” أن أسلّط الضّوء على ما قام به الكاتب من تزييف لبعض الحقائق ومن تفسير يتّسم بالسّذاجة السّياسيّة، والّتي لا أظنّها سذاجة بمقدار ماهي استغباء واحتقار لعقل القارئ، وإخفاء أو السّكوت عن بعضها الآخر، لكنّني لا أدّعي الإحاطة بمجمل ماورد في الكتاب فهذا يحتاج لجهد جماعي ولوقت ومساحة لا يتّسع لها حدود هذا المقال.

ولا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أنّ ما كتبته يمثّل وجهة نظر سوف تغتني بالملاحظات والانتقادات والإضافات والنّقاشات، وقد يتّفق معها البعض كما قد يختلف معها بعض آخر، وكون الكتاب يتحدّث عن أحداث طازجة عايشناها جميعا، فلم يكن بالإمكان مناقشة الكتاب بمعزل عن مناقشة الممارسة السّياسيّة خلال الحدث نظرا لترابط الأمرين وتداخلهما وتشابكهما.

سيكون من الإجحاف إعطاء الدكتور برهان غليون دورا في المآل الّذي وصلت إليه الثّورة السّوريّة أكبر من حجمه، بل هناك شبكة من العوامل الدّاخليّة والإقليميّة والدّوليّة تظافرت وتكاملت للوصول إلى هذه النّتيجة، لكنّ دوره لم يكن بسيطا؛ إذ تنبع أهميّته من كونه دورا تأسيسيا، وهو إذ يحاول تبرئة حلفائه وأصدقائه الإقليميين والدّوليين ملقيا كامل المسؤوليّة على النّظام وحلفائه وهم يتحمّلون مسؤوليّة كبيرة بلا شكّ، فإنّما هو يذرّ الرّماد في العيون؛  إذ لم يكن بإمكان النّظام وحلفائه تحقيق الخطّة الّتي رسموها  منذ البداية لولا تواطؤ ما سمي بـ (أصدقاء الشّعب السّوري) معه، ولو لا الأداء السّيء لهذه المعارضة الّتي ما كان النّظام يحلم بأفضل منها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    اشكر جهدك سيد احمد محمد في هذا الجزء الثاني الضروري من مقالتك التي اكنملت – هكذا – بتوضيح الدور التخريبي للعسكرة والدور التزييفي للاسلمة ولا شك ان ان خطيئة المعارضين- وليس غليون وحده – كانت باغماض اعينهم عن هذين الدورين لانهم لمسوا بان داعميهم في نشاطهم السياسي هم انفسهم الداعمون للنشاط العسكري والاسلاموي فعبروا عن ولائهم لداعميهم بان تعاملو مع القوى العسكرية على الارض كما لو انها الذراع العسكري للمعارضة السياسية اي انهم حققوا توقعات الدول الضمنية منهم وحافظوا على خط الرجعة بانهم سيقولون – كما يفعلون الان – بان الثورة فشلت ولا ذنب لهم بالعسكرة والاسلمة لانهم لم يكونوا اسلاميين ولا مسلحين لكنهم هم الذين اعطوا السوريين البسطاء انطباعا مزيفا بان مئات الفصائل المسلحة تنسق مع المجلس الوطني ثم مع الائتلاف وهي لم تكن كذلك ابدا – واستغرب من قلة عدد المعارضين السوريين الذين يعترفون الان بالفشل والهزيمة لكنهم لا يقولون ماهي الاسباب ابدا – واهم ما يمكن ان يقوم به المثقفون السوريون اليوم هو قول الحقيقة لا اكثر ولا اقل كما كان يقول المفكر السوري ياسين الحافظ // الثوري لا يكذب وحين يكذب لا يكون ثوريا //- لك تحياتي واحترامي

أضف تعليق

Share This