أخلاق الواجب عند كانط ومحدوديتها

مقدمة:

يحتلّ مبحث الأخلاق مكانة مرموقة في حقل الفلسفة ما أدّى بلفيناس إلى القول: “ليست الأخلاق فرعا من فروع الفلسفة، بل إنّها الفلسفة الأولى” ذلك نظرا لاختراقها مختلف مجالات التّفكير الفلسفيّ على مرّ العصر، وبارتباطها بحياة الإنسان العمليّة إذ تعدّ الأخلاق بمثابة تلك النّواة المؤسّسة للجانب العلائقيّ للإنسان، وقد تطوّر هذا المبحث الأخلاقي مع تطوّر الفكر الفلسفيّ حيث ظهرت مجموعة من المذاهب الأخلاقيّة؛ كمذهب اللّذة ومذهب المنفعة ومذهب الواجب ويعدّ هذا الأخير برديغما في مجال فلسفة الأخلاق، إذ جاء به إيمانويل كانط  ليثور المنظومة الأخلاقيّة الأرسطيّة  والدينيّة حيث استطاع أن يحرّر الفعل الأخلاقي من كلّ الغايات الخارجيّة والميول البشريّة، مؤسّسا إيّاه على قانون عقلي يبتغي الفعل في ذاته ووفقا لما تمليه عليه الإرادة.  فكيف يؤسّس كانط لأخلاق الواجب؟ من خلال هذا الإشكال يمكن أن نطرح الأسئلة الفرعيّة التّالية: ماهي علاقة الإرادة الحرّة بالواجب الأخلاقيّ؟ ما هو الواجب الأخلاقي؟ وما سماته؟ ما هو الفرق بين الأوامر القطيعة والأوامر الشّرطيّة؟ ماهي محدوديّة التّصور الكانطيّ؟

للإجابة على هذه التّساؤلات سننطلق من تحديد معنى الإرادة الحرّة وسماتها وثمّ سننتقل إلى الحديث عن مفهوم الواجب وعلاقته بالإرادة الحرّة وكيف يمكن أن يتجسّد الواجب في أفعالنا؟ وما طبيعة الأفعال الّتي يمكن أن نصفها بهذا الوصف؟، وبعدها سنمرّ إلى تحليل الفرق بين الأوامر الشّرطيّة والأوامر القطعيّة لننتهي إلى مناقشة محدوديّة أخلاق الواجب عن كانط.

١- الإرادة الحرّة: 

يفتتح كانط كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاق بفكرة مهمّة مفادها أنّ “من بين الأمور الّتي يمكن تصوّرها في هذا العالم، أو خارجه هي أنّه لا يوجد ما يمكن عدّه خيرا على وجه الإطلاق ودون قيد، اللّهم شيء واحد هو: الإرادة الخيرة”[1]بمعنى أنّ الإرادة الخيرة هي المبدأ الأخلاقي الوحيد الّذي يعدّ الدّعامة الأساسيّة لكلّ فعل أخلاقي، باعتبارها الأمر الوحيد الّذي يمكن أن نعتبره خيرا على الإطلاق دون قيد أو شرط، لذلك فإنّ مواهب العقل كالذّكاء وخصائص المزاج كالشّجاعة وقوّة الإرادة ، وعطايا الحظّ كالمال والجاه والشّرف والسّلطة وما إلى ذلك، تعدّ بمنزلة خيرات متعدّدة نرغب في الحصول عليها والتّمتع بها، لكنّ هذه المواهب والعطايا لا يمكن أن تكون بمثابة خيرات في ذاتها: لأنّها قد تستخدم لفعل الخير أو لفعل الشّر، فهي جميعا لا تصبح خيرة إلّا بالنّسبة إلى ذلك المقصد الّذي ترجوه إرادتنا من وراء استخدامها.

يضرب كانط مثلا لذلك بفضيلة السّيطرة على النّفس أو رباطة الجأش فيقول إنّ هذه الفضيلة ليست خيرا في ذاتها؛ لأنّه لو توافرت لدى المجرم لجعلت منه مجرما خطيرا ولأظهرته في عيوننا بصورة المخلوق الكريه ننفر منه ونقسو في الحكم عليه. أمّا الإرادة الخيرة فهي الشّيء الوحيد الّذي يمكن أن يعدّ ” خيرا في ذاته” لأنّها لا تستمدّ” خيراتها من المقاصد الّتي تحقّقها، أو الغايات الّتي تعمل من أجلها، إلاّ من باطن ذاتها باعتبارها الشّرط الضّروري الكافي لكلّ عمل أخلاقي.[2] في حين إذا انعدمت الإرادة الخيرة من أي عمل خلقي فإنّه يصبح عندئذ عديم الصّبغة الأخلاقيّة، بحيث نجد أنّ ما يكون جوهر “الإرادة الخيرة” ليس هو بما تحقّقه وما تحرزه من نجاح وآثار لأنّها تستمدّ خيراتها من صميم نيتها. كون النّيّة هي العنصر الجوهري في الأعمال الأخلاقيّة بأسرها مادامت الإرادة الطيّبة خيرة بذاتها لا بعواقبها لتظلّ خيرة حتّى ولو عجزت عن تحقيق مقاصدها.

يرى الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون رولز بأنّ الإرادة الخيّرة عند كانط تتميّز بسمتين خاصتين: السّمة الأولى أنّها الشّيء الخير دائما في حدّ ذاته من دون مسوغات، والسّمة الثّانية أنّ قيمتها تفوق بلا مقارنة قيمة جميع الأشياء الأخرى الخيرة في حدّ ذاتها هي أيضا. هاتان السّمتان تبرزان المكانة الخاصّة للإرادة الخيّرة التّي يشير إليها كانط في حديثه عن القيمة المطلقة لإرادة خالصة. كما أنّ السّمة الثّانية تعني أنّ قيمة الإرادة الصّالحة تفوق كلّ ما عداها من قيم، مهما كان قدر عظمة تلك القيم بمعاييرها الخاصّة. فالادّعاءات الأسمى للإرادة الخيرة تتجاوز ادّعاءات القيم لأخرى حال تصارع بعضها مع بعض.[3]

بناء على ما سبق فإنّ الإرادة الحرّة هي وحدها الّتي يمكن أن تعدّ خيرا في طبيعتها بحيث لا تستمدّ خيراتها ممّا تصنعه أو تحقّقه بل هي مترفّعة وعاليّة على جميع آثارها لأنّها تستمدّ خيرتها من صميم نيّتها، على اعتبار أنّ النّيّة هي العنصر الجوهري في كلّ عمل أخلاقي ما دامت الإرادة خيّرة بذاتها لا بعواقبها، فالإرادة الخيّرة غاية في حدّ ذاتها لا مجرّد وسيلة أو واسطة لذلك فهي جديرة بالتّقدير يقول كانط: “من أجل أن نتناول تصوّر الإرادة الخيّرة الجديرة في حدّ ذاتها بأسمى درجة من التّقدير، والخيرة بغضّ النّظر عن أي هدف أو غاية تناولا وافيا، على نحو ما نجده كامنا في الفهم الطّبيعيّ السّليم، لا يحتاج إلى أن يعلم بل إلى أن يبصر به تبصيرا هينا، هذا التّصور الّذي يحتلّ في تقديرنا للقيمة الكاملة لأفعالنا أرفع مكان دائما، والّذي يكون الشّرط الّذي لا غنى عنه لكلّ ما عداه، أقول أنّنا قبل أن نتناوله سنفحص تصوّر الواجب [4]، ومعنى هذا أنّ الحديث عن الإرادة الخيرة يقودنا بالضّرورة إلى الحديث عن الواجب لكن ما هو الواجب؟ كيف يمكن أن يتجسّد في أفعالنا؟ وأي أفعال يمكن أن تُنعت بهذا الوصف؟

٢- الواجب الأخلاقي عند كانط:

يعرف كانط الواجب بأنّه “ضرورة أداء الفعل احتراما للقانون العقلي في ذاته ” لهذا فالقيمة الأخلاقيّة للواجب لا تتوقّف على النّتائج الّتي يحقّقها أو الغايات، إنّما تتوقّف هذه القيمة على القاعدة الّتي يستوجبها الفاعل في أدائه لهذا الواجب. فالقيمة الخلقيّة لأي فعل تكمن أوّلا وقبل كلّ شيء في مبدأ الإرادة بغضّ النّظر عن الغايات الّتي يمكن أن يحقّقها مثل هذا الفعل. فإنّ كانط يرى أنّ الواجب يتحدّد وفقا للمبدأ الأوليّ الصّوري للإرادة دون أدنى اعتبار للرّغبات أو الأهواء أو الميول أو الغايات فالّذي يحدّد الإرادة ليس هو أي مضمون تجريبي بل هو الصّورة الخالصة للقانون.

هذا ما يحاول الفيلسوف المعاصر مايكل ساندل أن يوضّحه من خلال قراءته لكانط حيث يرى بأنّه إذا تصرفنا بدافع الواجب، كالمصلحة الذّاتيّة مثلا، فإنّ عملنا يفقد القيمة الأخلاقيّة. ويرجع ساندل إلى كانط كي يؤكّد أنّ هذا القول ينطبع، ليس على المصلحة الذّاتيّة وحدها، بل أيضا على أيّة محاولة وعلى المحاولات كلّها الهادفة إلى إشباع حاجاتنا ورغباتنا وخيراتنا وشهوتنا، وعلى نهج كانط يفرق ساندل بين دوافع الأهواء ودوافع الواجب ويؤكّد جازما أنّ الأفعال الوحيدة الّتي تكون بدافع الواجب لها قيمة أخلاقيّة.[5]

يتّسم الواجب بثلاثة مميّزات أساسيّة وهي؛ أوّلا: إنّ الواجب صوري ومحض بمعنى أنّه تشريع كليّ أو قاعدة شاملة لا صلة لها بتغيرات التّجربة، فقيمة الواجب كامنة في صميم الواجب نفسه بغضّ النّظر عن أيّة منفعة أو فائدة. إنّه يحاول أن يبيّن لنا في أحد المواضيع، كيف أن في استطاعة طفل صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره، حينما يكون إزاء إشكال أخلاقي، أن يميّز الحلّ الأخلاقي الصّحيح لهذا الإشكال، بحيث يتسامى بنفسه فوق سائر اعتبارات اللّذة والمنفعة والمصالح الفرديّة، لكي يتطابق سلوكه مع المثل الأعلى للنّزاهة الخالصة أو الأمانة المطلقة[6].  وبهذا المعنى يمكن القول بأنّ قيمة الواجب كامنة في صميم الواجب نفسه، بغضّ النّظر عن أيّة منفعة أو فائدة أو كسب مادي، فالإنسان هو الوحيد الّذي يعمل الواجب عالما في الوقت نفسه أنّ قيمة الفضيلة إنّما تزيد كلّما كلفتنا الكثير، دون أن تعود علينا بأي كسب.

يتّسم الواجب ثانيا: بأنّه منزّه عن غرض؛ بمعنى أنّه لا يُطلب من أجل تحقيق منفعة، أو بلوغ السّعادة، بل هو يُطلب لذاته. فليست الأخلاق هي المذهب الّذي يعلمنا كيف نكون سعداء، بل هي المذهب الّذي يعلمنا كيف نكون جديرين بالسّعادة. ومعنى هذا أنّ علينا أوّلا أن نؤدّي واجبنا، فإذا ما اضطلعنا بأدائه كان علينا بعد ذلك، أن نبحث فيما إذا كان الفعل الّذي هو جدير به. ولئن يكن الواجب في نظر كانط يفترض الحريّة ويكتمل بالسّعادة، إلاّ أنّه لابدّ لنا أوّلا وقبل كلّ شيء من إطاعة الواجب بصفه واجبا وليس غير.

وأمّا السّمة الثّالثة والأخيرة الّتي يتّصف بها الواجب، فهي، أنّه قاعدة لا مشروطة للفعل: بمعنى أنّه لا سبيل إلى تأسيس الواجب على شيء آخر أو إرجاعه إلى شيء آخر، ما دام الواجب هو الدّعامة الّتي يستند إليها كلّ تقدير عملي وكلّ حكم أخلاقي.[7] وبعبارة أخرى يقرّر كانط أنّ الواجب قانون سابق على تصوّر تجريبي أو هو على الأصحّ حكم أولي تأليفي يمثّل الواقعة الوحيدة للعقل العملي المحض. وقصارى القول إنّ الواجب عند كانط يجمع بين الطّبع الأوّلي من جهة، والطّابع الصّوري من جهة أخرى، وإلّا لما كان كليّا، ضروريا، غير مشروط..

لو كان الإنسان حسب كانط كائنا عاقلا محضا لاتجه بطبيعته نحو الخير، لكنّ الإنسان كائن عاقل وله إرادته لهذا فهو مزيج من الحسّ والعقل، فرغم أنّه يتصوّر الخير، إلاّ أنّه يُقدِم على ارتكاب الشّر، ومعنى ذلك أنّ الإرادة البشريّة خاضعة لدوافع حسيّة مع العقل، لهذا يمنعنا من أن نستمد القانون الأخلاقي من التّجربة لأنّه يستحيل علينا أن نعثر في الواقع العمليّ التّجريبي على فعل أخلاقي صادق، فالأفعال الّتي يقوم بها الإنسان لا يمكن لنا أبدا أن نكشف عن دوافعها، إنّ كلّ ما نعرفه عنها  هو مظاهرها الخارجيّة، والأفعال الّتي نقوم نحن بها  من الصّعب علينا  أيضا أن نعي دوافعها المستترة وننفذ إلى أعماقها، لهذا لا يمكن أن نتّخذ من التّجربة شواهد على مبادئ الأخلاق.

بناء عليه فإنّ التّصورات الأخلاقيّة لا تستمدّ إذنا من التّجربة، وإلاّ لتشوّهت خصائصها الأصيلة الجوهريّة، ولا تتوقّف في أصولها ولا في معناها، على الظّروف الزّمنيّة والمكانيّة. ولهذا فإنّ ميتافيزيقا الأخلاق تضع قوانين الكائنات العاقلة، لا قوانين الطّبيعة الإنسانيّة[8] ما دام الأمر كذلك، فعلينا أن نتساءل عمّا إذا لم يكن في وسع العقل أن يضع قوانين للأخلاق غير مستمدّة من التّجربة أو من أمثلة النّماذج الماضيّة، بل تستمدّ من العقل نفسه وفقا لمنهج تحليلي يتصاعد شيئا فشيئا حتّى المبادئ الأولى للسّلوك وحتّى فكرة الواجب بعامّة حتّى لو لم تقدّم لنا التّجربة في الماضي والحاضر أمثلة الالتزام بالواجب بما هو واجب، وبالجملة الوصول إلى المبادئ الأوليّة القبليّة الّتي تحدّد الإرادة.

وينبغي أن يكون القانون الأخلاقي صادقا ليس فقط بالنّسبة للنّاس، بل أيضا بالنّسبة إلى الكائنات العاقلة بالعامّة وليس فقط بحسب شروط عرضيّة ومع استثناءات، بل وفقا لضرورة مطلقة،” فالقانون الأخلاقي فكرة عقليّة. وهو يحدّد مبدأً يسري على جميع الكائنات العاقلة سواء أكانت كائنات محدودة باحتياجات مثلنا، أم غير ذلك وهو ما ينطبق على الله والملائكة والكائنات العاقلة في أماكن أخرى من أكون (إذا فرضنا وجودها) وعلينا نحن كذلك”[9] ، الشّيء الّذي يعني أن الأخلاق يجب أن تستمدّ مبادئ العقل القبليّة غير الممزوجة بأيّة اعتبارات تجريبيّة مستمدّة من أحوال الطّبيعة الإنسانيّة وميولها ونوازعها. ومن أجل بلوغ هذه المبادئ الأخلاقيّة المحضة، عليه أن يوضّح قوّة العقل العمليّة.

إذا كانت كلّ الكائنات تعمل وفقا للقانون، فالإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يتمتع بملكة القدرة على التّصرف وفقا لتصوّره للقوانين وتعقّله لها، لا يفرض القانون الأخلاقي نفسه على الإرادة بل هو يتّخذ طابع الالزام ـ لا الضّغط ـ ويتجلّى في شكل نظام أخلاقي لا ضرورة أخلاقيّة؛ يقول كانط في ذلك” كلّ شيء في الطّبيعة يخضع لقوانين، الكائن العاقل وحده هو الّذي يملك المقدرة على السّلوك بحسب تصوّر القوانين، أي بحسب مبادئ، أو بعبارة أخرى هو كائن الّذي يملك الإرادة لذلك”[10] ذلك لأنّ الإرادة هي ملكة العقل وفقا لقواعد، وهذه القواعد هي إمّا ذاتيّة حين يرى الفاعل أنّها لا تصدق إلاّ بالنّسبة إلى نفسه، وإمّا موضوعيّة حينما تكون قوانين حقيقيّة يرى الفاعل أنّها صادقة بالنّسبة لإرادة كلّ كائن عاقل بوجه عام.

٣ – الأوامر الشّرطيّة والأوامر القطعيّة

إذا كانت الأوامر المشروطة تفترض قاعدة أن من يريد الغايات يرد الوسائل، بهذا تكون الغاية مشروطة بالوسيلة والوسائل بدورها تتوقّف على الغايات “فالتّعليمات الّتي ينبغي على الطّبيب أن يتبعها لكي يشفي مريضه شفاء تامّا، والتّعليمات الّتي يجب أن يلتزم بها مازج السّموم لكي يميته ميتة مؤكّدة كلتاهما من هذه النّاحية متساويتان في القيمة، طالما كانت تعاليم كلّ منهما تؤدّي إلى تحقيق هدفه على الوجه التّام”[11]، فإنّ الأمر المطلق فعل يختلف عن النّوع السّابق لأنّه لا يرتبط بأيّة وسيلة، ولا بأيّة غايّة، وإنّما يربط بين الإرادة وبين القانون الكلّي مباشرة، لا بأفعال جزئيّة تؤدّيها الإرادة، وإنّما بالقاعدة الصّالحة لأن تكون مبدأ للفعل، لهذا فإنّ الجوهريّة المحدّدة للأمر المطلق هي أنّه كلّي، تلك الكليّة يجب على القاعدة أن تتطابق معها، وهذا التّطابق وحده هو الّذي يصور لنا الأمر أنّه الضّروري حقّا.

أوّلا:” افعل كما لو كان على مسلمة فعلك أن ترتفع عن طريق إرادتك إلى قانون طبيعي عام”[12] وهذه القاعدة الأساسيّة الّتي اعتبرها كانط مبدأ لسائر القواعد الأخرى، تعني أنّ المحكّ الأوحد للسّلوك الأخلاقيّ هو إمكانيّة تعميمه من غير تناقض، فإذا كان في وسعي أن أجعل من القاعدة الّتي استندت إليها في فعلي قانونا عامّا لا يتعارض مع الواقع الخارجيّ كان فعلي مطابقا للواجب. وأمّا إذا أدّى تعميمي لقاعدة هذا الفعل إلى ضرب من التّناقض، كان الفعل نفسه متعارضا مع القانون الأخلاقي، ويضرب لنا كانط أمثلة عديدة لبيان صحّة هذه القاعدة، إذ يشير إلى فعل الخيانة، وفعل الانصراف إلى حياة اللّذة، وفعل الامتناع عن مساعدة الغير، فكانط يذهب كذلك الى أن يذكرنا بأنّنا حينما نخالف واجبا من الواجبات فإنّ كثيرا ما نرفض في قرارة نفوسنا فكرة اعتبار مبدأ سلوكنا قاعدة أخلاقيّة عامة لأنّنا نشعر بأنّنا هنا بإزاء حالة خاصّة تجعل من سلوكنا مجرّد استثناء للقانون الأخلاقيّ العامّ.

ثانيا: “افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانيّة في شخصك وفي شخص كلّ إنسان سواك بوصفها دائما وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرّد وسيلة” [13]هذه القاعدة الثّانية تدلّنا على أنّ الأخلاق الكانطيّة ليست مجرّد أخلاق صوريّة بحتة لا تنطوي على مضمون، ولا تشتمل على أيّة مادّة، بل هي قد أرادت أن تجعل للواجب مضمونا أو مادّة، فجعلت من ” الشّخص الانسانيّ” غاية في ذاته، وذهبت إلى أنّه الموضوع الأوحد للواجب. ولكن لمّا كان من المستحيل في نظر كانط أن تكون للواجب مادّة تجريبيّة أو مضمون تجريبي، فقد حصر فيلسوفنا موضوع الواجب في الجانب العقليّ من الشّخص الإنسانيّ، وذهب إلى أنّ الطّبيعة العاقلة وحدها هي الّتي تعدّ “غاية في ذاتها”، إذا كان في استطاعتنا أن نتّخذ من الأشياء “وسائل، نستخدمها لتحقيق أغراضنا، فإنّنا ملزمون بأن ننظر إلى الكائنات العاقلة على أنّها” غايات” موضوعيّة” بالتّالي فإنّه ليس من حقنا أن نعامل الأشخاص باعتبارهم مجرّد وسائل لتحقيق أغراضنا.

ثالثا: “إعمال بحيث تكون إرادتك هي الإرادة المشرعة الكليّة”[14]، هذه القاعدة هي بمثابة مركّب يجمع بين القاعدتين السّالفتين لأنّها تنصّ على ضرورة خضوع الإنسان للقانون، باعتباره المشرع الوحيد له. وما دامت إرادة الكائن النّاطق هي بطبيعتها خاضعة للقانون، فإنّه لا بدّ لهذه الإرادة أن تكون هي مصدر هذا القانون، بحيث يكون خضوعها له بمثابة خضوع لنفسها. وحينما يقول كانط إنّ الإرادة هي المشرعة العامّة للقانون فهو يعني بذلك أنّ لديها من الأتونوميا ما يجعل منها إرادة حرّة لا تصدر في أفعالها إلاّ عن طبيعتها العاقلة، ومن هنا يقرّ كانط أن مصدر الالزام الخلقي هو سلطة باطنيّة تجعل من الإرادة مصدر التّشريع الخلقي كلّه، وليس في وسع الإرادة أن تكون مصدرا للالزام، اللّهم إذا كان في مقدورها أن تتحرّر من القانون الطّبيعيّ الّذي يفترض أنّ لكلّ ظاهرة علة خارجة عنها. فلابدّ إذن من أن ننسب إلى الإرادة ضربا من الحريّة أو الاستقلال الذّاتي، حتّى تكون هي المشرع الوحيد لأفعالها، وهي المسؤولة الوحيدة عن تصرّفاتها، وكانط يرى أنّ استقلال الإرادة هو مبدأ كرامة الطّبيعة البشريّة وكلّ طبيعة عاقلة، لأنّه لولا هذا المبدأ لما كانت الإرادة هي مصدر التّشريع الخلقي، وحيث إنّ القانون الأخلاقي الصّادر عن العقل واحد لدى جميع الكائنات النّاطقة فإنّ كانط يرى أنّ ثمّة “مملكة الغايات”[15]تتألّف من اجتماع سائر الموجودات العاقلة الّتي تجمع بينها تلك القوانين المشتركة. وليس في هذه المملكة رئيس ومرؤوس، بل كلّ أفرادها أعضاء في ذلك العالم المعقول الّذي يسوّده تشريع عقلي واحد.

ينهي كانط حديثه عن الأوامر المطلقة بالرجوع إلى فكرة الإرادة لخيرة الّتي اتّخذ منها نقطة انطلاقه، فيقول إنّ الإرادة تكون خيرة خيرا مطلقا حينما يكون في الإمكان تحويل قاعدة سلوكها إلى قانون عامّ، دون أن يكون في ذلك أي تناقض ذاتي ومعنى هذا أنّ الخيريّة الأخلاقيّة تنحصر في إخضاع إرادتنا للقواعد، بحيث يتحقّق ضرب من الانسجام بين شتّى أفعالنا الإراديّة وتبعا لذلك فإنّ الإرادة الخيرة لا يمكن أن تتعارض مع نفسها فضلا على أنّه لا يمكن أن تكون بأيّ حال من الأحول سيّئة. لهذا نجد كانط يرد الجانب الأكبر من الأخطاء الّتي وقع فيها أصحاب المدارس الأخلاقيّة المختلفة إلى قولهم بوجود سلطة خارجيّة هي مصدر الالزام الخلقي.

محدوديّة التّصوّر الكانطيّ:

أستطيع أن أقول أنّ الأفكار كيفما كانت ومهما كانت صحّتها يصعب علينا الحكم على سدادها، إذا لم تتحوّل إلى قوّة ماديّة من خلال الممارسة العمليّة، خصوصا حينما يتعلّق الأمر بالأفكار الأخلاقيّة، وهذا لا يعني إنكار القيمة الفلسفيّة الّتي تتميّز به أخلاق الواجب عند كانط، لكنّ هذه القيمة لها حدودها. لأنّ الواجب الكانطي هو واجب يخفق في نظرنا في مستويين: الأوّل أنّه واجب نظري يصعب تجسيده واقعيا، وهذا ما نتّفق فيه مع  هيجل حينما يرى أنّ الأطروحة الكانطيّة مجرّد نزعة صوريّة تفتقر إلى التّجلي والتّجسيد في الواقع، لأنّ الواجب عند هيجل ذو طابع مؤسّساتي وغايته هو إقامة الدّولة القويّة، لأنّ الدّولة عند هيجل هي “التّحقيق الفعلي للفكرة الأخلاقيّة، إنّه العقل الأخلاقي بوصفه إرادة جوهريّة تظهر وتتجلّى أمام ذاتها وتعرف نفسها وتعقل ذاتها”[16].  ومن هنا فإنّ الإرادة الحرّة هي الإرادة الّتي تريد نفسها كإرادة حرّة”، بمعنى أنّها ليست مستقلّة عن العالم، بل هي مندمجة في المؤسّسات السّياسيّة والاجتماعيّة للدّولة الحديثة، فالفرد الحرّ المستقلّ الّذي طالما حدثّنا عنه كانط ينصهر عند هيجل في الكلّ إذ يجب عليه أن يؤدّي واجبه وأن يحقّق مصلحته الشّخصيّة أو إشباعه وأن يتحوّل عنده الشّأن العام إلى شأن خاصّ بفعل وضعيته داخل الدّولة.

أمّا المستوى الثّاني الّذي يخفق فيه كانط فهو اعتقاده أنّ الانسان كائن عقلي محض لذلك تعدّ نظريّة الواجب في نظرنا نظريّة موغلة في التزمت والتّشدد باستبعادها الوجدان والميول وبإهمالها للتّجربة الإنسانيّة، وهذا ما نتّفق فيه مع جون ماري غيو الّذي يعتبر أنّ الواجب لا يجب أن يقوم على أساس الإكراه وإنّما على القدرة الطّبيعيّة الّتي تدفع الإنسان نحو خدمة الحياة، باعتبارها غاية في ذاتها، يقول:” إنّ الواجب مستمدّ من الحساسيّة ولا من العقل وهو أي الواجب امتزاج  العواطف امتزاجا آخذا بالتّزايد، وكون اللّذات السّامية أدنى إلى الرّوح الاجتماعي “[17].  من هنا فإنّ الحياة هي أسمى ما يختلج جون ماري غيو وخدمتها هي سبب القيام بالواجب بعيدا عن أي الزام.

خلاصة:

خلاصة القول إنّ الإرادة الحرّة عند كانط هي وحدها الّتي يمكن أن تعدّ خيرا في طبيعتها بحيث لا تستمدّ خيريتها ممّا تصنعه أو تحقّقه بل هي مترفعة وعالية على جميع آثارها لأنّها تستمدّ خيريتها من صميم نيّتها كما أنّ القيمة الأخلاقيّة للواجب لا تتوقّف على النّتائج الّتي يحقّقها أو الغايات، إنّما تتوقّف هذه القيمة على القاعدة الّتي يستوجبها الفاعل في أدائه لهذا الواجب. فالقيمة الخلقيّة لأيّ فعل تكمن أوّلا وقبل كلّ شيء في مبدأ الإرادة بغضّ النّظر عن الغايات الّتي يمكن أن يحقّقها مثل هذا الفعل ويعُدّ الإكراه فعلا من أفعال الإرادة، فهو يظهر بصفة الأمر القطعيّ والخالي من كلّ غاية وميول فهو بذلك إكراه حرّ وهو يختلف عن الأمر الأخلاقيّ الشّرطيّ الّذي لا يعتبره كانط بالفعل الأخلاقيّ لما فيه من مساومة، لكن يبقى التّصور الأخلاقيّ الكانطيّ صوريا يفتقر إلى التّجسيد الواقعيّ بالإضافة إلى أنّه لا يعير الاهتمام لجانب اللّذة والرّغبة والوجدان باعتبارها عناصر ضروريّة للحياة.

******

[1] كانط.إمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي(كولونياـ ألمانيا: منشورات الجمل ٢٠٠٢) ص ٣٧.

[2] مصطفى. عبده، فلسفة الأخلاق، (القاهرة: مكتبة مديولي١٩٩٧)، ص٦٢.

[3] رولز. جون، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، تحرير باربرا هرمان، ترجمة ربيع وهبة. ( بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،٢٠١٩)ص ٢٤٦ـ١٤٧.

[4] كانط. إمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي(كولونياـ ألمانيا: منشورات الجمل ٢٠٠٢)، ص ٤٤.

[5] مايكل جـ. ساندل، العدالة: ما الصواب الواجب فعله؟ ترجمة وليد شحادة و حسام الدين خضور،(دمشق: دار الفرقد، ٢٠١٦)، ص ١٤٨.

[6] إبراهيم. زكرياء، المشكلة الخلقيّة، (مصر: مكتبة مصر، ١٩٧٩)، ص ١٧٠.

[7] نفس المرجع، ص ١٧١.

[8] بدوي. عبد الرحمان، الأخلاق عند كانط،( الكويت: وكالات المطبوعات،١٩٧٩)، ص٦٣.

[9]  رولز.جون، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، تحرير باربرا هرمان، ترجمة ربيع وهبة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،٢٠١٩)، ص ٢٦١.

[10] كانط. إمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي.(كولونياـ ألمانيا: منشورات الجمل ٢٠٠٢)، ص٧٧.

[11] نفس المصدر، ص ٨٢.

[12] نفس المصدر، ص ٩٣.

[13] نفس المصدر، ص ١٠٩.

[14] نفس المصدر، ص ٩٤.

[15] نفس المصدر، ص ١١٨.

[16] هيجل،فرديك. أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام.(القاهرة:مكتبة المبولي ١٩٩٦)، ص ٧٨.

[17]   غيو. جون ماري، الاخلاق بلا الزّام ولا جزاء، ترجمة سامي الدروبي.( القاهرة: دار الفكر العربي ، بدون تاريخ)، ص ٢٣١-٢٣٢.

******

المراجع المعتمدة

  • كانط. إمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة: عبد الغفار مكاوي، (كولونياـ ألمانيا: منشورات الجمل، ٢٠٠٢).
  • عبده. مصطفى، فلسفة الأخلاق، (القاهرة: مكتبة مديولي،١٩٩٧).
  • رولز. جون، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، تحرير باربرا هرمان، ترجمة: ربيع وهبة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٩).
  • مايكل جـ. ساندل، العدالة: ما الصواب الواجب فعله؟ ترجمة: وليد شحادة وحسام الدين خضور، (دمشق: دار الفرقد، ٢٠١٦).
  • إبراهيم. زكرياء، المشكلة الخلقيّة، (مصر: مكتبة مصر، ١٩٧٩) .
  • بدوي. عبد الرّحمان، الأخلاق عند كانط، (الكويت: وكالات المطبوعات، ١٩٧٩).
  • غيو. جون ماري، الأخلاق بلا الزام ولا جزاء، ترجمة: سامي الدروبي.( القاهرة: دار الفكر العربي، دون تاريخ).
  • هيجل. فرديك. أصول فلسفة الحقّ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام.(القاهرة:مكتبة المبولي، ١٩٩٦).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. عبد الله توفيق

    جميل، أفكار رائعة.

أضف تعليق

Share This