بين داعش والوباء صلة متوارية كلّ منهما يستثمر في البؤس الهوويّ (ج4)

هل تخشون من ارتدادات دينيّة في أوروبا أو عودة لمظاهر التّدين بعد أن قطعت القارّة في شقّها الغربيّ منذ عقود طويلة مع الدّينيّ وانخرطت في العلمانيّة؟

_ لقد صار من الشّائع منذ قرن على الأقلّ –تحت تأثير سرديّة التّنوير- أن نقيم تقابلاً حادّا بين الدّين والعلمانيّة، بحيث أنّ خطّ التّاريخ قد صار يُرسَم بكلّ يسر ومن طرف أيّ كان من “المحدثين” على أنّه ساحة نزاع بين حركة “تقدّم” تنويريّة أو حداثيّة وبين “ارتدادات دينيّة” إلى الوراء. وهو تبسيط فظيع أدّى دوراً طوبيقيّاً أو بيانيّاً مثيراً في بلورة فكرة الحداثة في ثقافتنا المعاصرة. والحال أنّ هذه القراءة ما هي سوى واحدة من بين قراءات كثيرة لـ”واقعة” الأزمنة الجديدة، والأخطر من ذلك هو أنّها لا تعدو أن تكون الخلفيّة “الكولونياليّة” الّتي أقامت عليها الحداثة الأوروبيّة علاقتها بالشّعوب “غير الغربيّة” بعامّة.

وهي مقاربة قد دخلت خطابنا الحديث حول أنفسنا من باب خطاب الدّولة/الأمّة، دولة الاستقلال، حول نفسها. وإذا أخذنا مثلاً ما يقوله هابرماس من أنّ العلمانيّة هي السّمة المميّزة للإنسانيّة الغربيّة، في مقابل المركزيّة “الجماعويّة” للشّعوب الآسيويّة وعلى خلاف “الأصوليات” الإسلاميّة، فإنّ ذلك سوف يدفعنا إلى اعتبار الدّولة/ الحديثة بعد الاستقلال الّتي حصلنا عليها، بمثابة هديّة كولونياليّة إمّا صريحة (حيث تمّ تبنّي نموذج الدّولة/ الأمّة العلمانيّة) أو ضمنيّة (حيث تمّ تنصيب الدّولة/الأمّة “القانونيّة” وقد تمّ إفراغها من محتواها العلماني). ولكن في الحالتين كانت النّتيجة هي إقامة دول حديثة “شكليا”، نعني دون قدرة حقيقيّة على تأصيل المفهوم الحديث للدّولة في داخل تقاليد المجتمع الّذي ننتمي إليه. وهنا نقف على معضلة الدّولة الحديثة: إنّها نتيجة مركّبة وليست شكلا مجتمعيّا. إنّها مجرّد تعبير عن نمط مجتمعي له تاريخ من القيم القانونيّة والدّينيّة والتّجارب الأخلاقيّة والجماليّة، هي نفسها ناجمة عن تغيّر في براديغم المعرفة العلميّة وطريقة تصوّر العلاقة بالطّبيعة ومعنى الكينونة في العالم…إلخ. ومن ثمّ أنّ الدّولة ليست شكلاً في الحكم يمكن استيراده وتنصيبه في قلب مجتمع لم يعرف تجارب المعنى الّتي أفرزت ذلك النّوع من الحكم.

ما أعنيه بهذه الإشارات هو: أنّ ادّعاء الطّابع “العلمانيّ” لمجتمعاتنا الرّاهنة، والخوف من “ارتدادات دينيّة” قد تهدّد تلك السّمة المعياريّة “الحديثة”، هو موقف إنجازي، وليس وصفاً لأيّ واقعة تاريخيّة. نحن مجرّد ادّعاء علماني انحسر في شريحة المثقّفين لفترة محدودة بعد تنصيب دولة الاستقلال، وحتّى هذا الادّعاء المنقوص والهشّ يشهد تراجعاً مرعباً نتيجة فشل دول الاستقلال في تأمين أيّ نوع من التّأصيل الدّاخليّ لتجارب المعنى الّتي تجعل الانتقال إلى ما يقابل “الوضعيّة العلمانيّة” أمرا ممكنا.

وهنا يمكن أن نجازف بالافتراض بأنّ وباء الكورونا ربّما يحمل معه صدمة صغيرة قد توقظنا من سباتنا “العلمانيّ” الّذي بقي وعدا مدنيّا لم ننجح في تأصيله. والتّأصيل يعني بالتّحديد “ترجمة” الوضعيّة العلمانيّة على الطّراز الغربيّ في وضعيّة مدنيّة مشابهة لها في الرّهانات المعياريّة لمجتمعاتنا دون أن تكون مطابقة لها في السّياق التّاريخيّ الّذي لا يتكرّر.

ولكن إلى أيّ مدى مازال علينا أن نواصل تصديق ما تقوله أوروبا “الحديثة” عن نفسها؟  يمكن أن نستفيد هنا من عمل الفيلسوف الألمانيّ هانس بلومنبورغ (Hans Blumenberg) “شرعيّة الأزمنة الحديثة(Die Legitimität der Neuzeit.)” (1966). وهو سؤال يريد أن يراجع فكرة “الحداثة” من خارج منطقها أو سرديتها. هل الحداثة هي فعلاً، كما نشر ذلك كارل شميت، مجرّد “علمنة” للقيم المسيحيّة، أم أنّ لها “شرعيّة” من نوع آخر؟

علينا أن نرى أنّ حصر الحداثة في ما يسمّيه بلومنبورغ “معادلة العلمنة” (الّتي صاغها كارل شميت) –وهو يعني بالتّحديد علمنة قيم اللاّهوت السّياسيّ المسيحيّ- هو موقف يحكم سلفاً على المجتمعات “غير الغربيّة” بأنّها إمّا “غير علمانيّة” (وهو توصيف صحيح لأنّها “غير مسيحيّة”) وإمّا “غير حديثة” (وهذا ليس بالضّرورة صحيحا). ربّما ثمّة قصد كولونيالي في حصر المجتمعات غير الغربيّة في ركن العلمانيّة وتأويل سياسة الحقيقة الخاصّة بها من هذه الزّاوية الغريبة عنها. وهذا الظّلم التّأويلي والسّياسي لا يهمّنا “نحن” فقط بل هو قد سُلّط بنفس الحدّة على إفريقيا وأمريكا اللّاتينيّة وآسيا. ولكن لأنّ “الدّين” مؤسّسة فظيعة في تاريخ المجتمعات الّتي ننتمي إليها، فإنّ النّقاش حول معادلة العلمنة قد أخذ كلّ هذه الحدّة، وهي حدّة مزيّفة.  نحن لسنا استثناء إلاّ بمعاندة.

وما يعترض عليه بلومنبورغ، ويمكن أن يفيدنا، هو رفع مسار العلمنة إلى رتبة علّة وجود الحداثة بما هي كذلك أو العلّة الوحيدة الّتي تشرعن تاريخها، بحيث تكون الحداثة هي “العصر الوسيط” دون “الإيمان بالتّعالي” حسب تعبير جان غرايش. وفق هذا الاعتراض فإنّ اختزال الحداثة في العلمنة (“مقولة غير عادلة من النّاحية التّاريخيّة” حسب بلومنبورغ) يعني أنّ الحداثة “انحطاط” عن قيم دينيّة أصيلة، وأنّها “تستلف” مقولاتها من معجم سابق، وأنّها “كذبة” تأويليّة حول جدّة مزعومة. ومن ثمّ يحكم بلومنبورغ على العلمنة بأنّها مقولة غير دقيقة وتدين بنفسها إلى “تراث” تقدّمه بطريقة تأويليّة مريبة تشبه لعبة هيدغريّة عن الانكشاف والاحتجاب. إنّ الحداثة ليست مجرّد علمنة لقيم لاهوتيّة معطاة بل هي “إعادة استثمار” (Umbesetzung) لمشاكل العصر الوسيط، حسب تعبير يعود إلى إرنست كاسيرر. توحي العلمنة بنوع من “الدّين” الّذي لا يمكن ردّه؛ في حين أنّ الحداثة هي “إعادة استثمار” للأسئلة والمشاكل الّتي طرحها العصر الوسيط وفشل في حلّها. إنّ فكرة “التّقدّم” ليست علمنة لفكرة “اليوم الآخر” بل هي إعادة استثمار لمشكل طرحه العصر الوسيط حول تاريخ العالم القائم على فكرة “القيامة”. وقد نجح ذلك الاستثمار في خلق معنى جديد للتّاريخ البشريّ. وهو ما يعني أنّ “فلسفة التّاريخ” الّتي تبرّر الأزمنة الحديثة لا يمكن أن تكون مجرّد مشتقّة من اللاّهوت المعلمَن. الحداثة ليس “محتوى” معلمَنًا، بل هي “وظيفة” رمزيّة أُعيد استثمارها.

بهذه الاعتبارات فإنّ أوروبا لا يُخشى عليها من أيّ ارتدادات دينيّة ليس لأنّها نجحت في العلمنة نهائيّا، بل لأنّ الحداثة تمتلك “فهما ذاتيا” لنفسها بوصفها “عصراً” ما فتئ يخترع ويعيد اختراع معياريته الخاصّة. وهذه حسب هابرماس سمة لا يمكن فقدانها، لأنّها خاصيّة ذاتيّة وليست إجراء شكليّا يمكن التّخلي عنه تحت طارئ مّا.

إنّ الوباء مثلاً قد كشف بطريقة حادّة عن حدود النّزعة “الفردانيّة” وهشاشة مقولة “الفرد”، بحيث أنّ كلّ دعوات الفلاسفة قد ظلّت مركّزة بشكل لافت على قيم “التّضامن” و”الوحدة” و”المشترك”.. إلخ، الّتي هي قيم غير حداثيّة أو “غير غربيّة” بل هي من نوع “جماعوي“. ولا يمكن أن نحسب ذلك في باب عودة “مظاهر التّديّن” لأنّها مظاهر قد وقع حصرها في دائرة “الحياة الخاصّة” منذ قرون، وهي لا تعود إلى الفضاء العموميّ (المتعلّق بشرعنة السّلطة بجميع أشكالها) إلاّ عرضاً.

يراهن البعض على عودة أقوى للنّزعات القوميّة والفاشيّة واليمين المتطرّف في أوروبا بسبب النّتائج الّتي يمكن أن تترتّب على هذا الوباء. كيف تنظرون إلى هكذا قراءات وهل ثمّة مبالغة في التّقدير؟

 

_ يبدو أنّ الوباء لم يطرح فقط مشاكل الحجر الصّحي أو غلق الحدود أو الشّهوة الأمنيّة للدّولة أو فشل السّياسات الصّحيّة، بل قد طرح بشكل موازٍ وبالحدّة نفسها مشاكل تتعلّق بالآخر، خاصّة بالتّمييز العنصريّ أو العرقيّ، وقد تركّز هذه المرّة على معاداة الصّينيين بخاصّة والآسيويين بعامّة. وقد نُعت فيروس كورونا بأنّه “فيروس الصّين”. بين الفيروس والعرق ثمّة إذن صلة وبائيّة علينا الوقوف عندها. إنّ الوباء لا يدمّر أجسام النّاس فقط بل يزرع العداوة بين أجناسهم.

تقول جوديت بتلر في مقالة أعطتها عنواناً “الرّأسماليّة لها حدودها” (30 مارس /آذار 2020) :”الفيروس، وحده، لا يمارس التّمييز، أمّا نحن، البشر، فنمارسه بكلّ تأكيد، نحن الّذين شكّلتنا وغمرتنا القوى المتضافرة للنّزعات القوميّة والعنصريّة وكراهيّة الأجانب والرّأسماليّة. ويبدو أنّه من المحتمل أن نعيش في العامّ المقبل سيناريو مؤلماً حيث ستقوم بعض المخلوقات الإنسانيّة مطالبةً بحقّها في أن تحيا على حساب حقّ المخلوقات الأخرى في الحياة، وذلك بأن تعيد تسجيل التّمييز الخاطئ بين الحيوات المقدّسة والحيوات الّتي يمكن التّضحيّة بها، نعني بين الحيوات الّتي يجب أن تتمّ حمايتها ضدّ الموت بكلّ ثمن وتلك الّتي يُنظَر إلى حياتها بوصفها لا تستحقّ الحماية ضدّ المرض والموت”.

لا تعني بتلر أنّ الفيروس “بريء” أو هو ينتمي إلى براءة تتجاوزنا؛ بل أنّ الفيروس يصيب جميع البشر وذلك يعني جميع الأجناس. يتعلّق الأمر إذن بنوع من المساواة المقلوبة: المساواة أمام الوباء. هو لا يصيب هذا العرق أو ذاك بل كلّ الأعراق، وذلك أنّ العدوى تتسرّب إلى الجسم البشري بما هو مساحة عضويّة، وليس إلى صورته الثّقافيّة كما يتمثّلها هذا الشّعب أو ذاك. إنّ الفيروس يُسقط الحدود الثّقافيّة بين الأجناس كما يُسقط الحدود بين الدّول. وحسب بتلر فإنّ الفيروس حين يعبر الحدود هو يكسّر فكرة “الإقليم القومي”. ولم تجد الدّولة ما تنصح به المواطنين سوى الاحتماء بالمربّع الأخير: “العائلة” أو “المسكن الفردي”. وهنا تعترض بتلر متسائلة:” ولكن ليس كلّ النّاس يمتلكون مسكنا أو ‘عائلة’ وإنّ عددا متزايدا من السّكّان في الولايات المتحدة هو بلا منزل أو عابر فقط”.

إنّ الدّولة الّتي تأمر السّكّان بالاحتماء بالعائلة تقوم على نحو غير مباشر بإعادتهم إلى جذورهم الدّمويّة، وتقنعهم في المرّة نفسها بفشل الفضاء العموميّ في حمايتهم. لكنّ تنشيط براديغم العائلة بوصفه مساحة الحماية المناسبة من الوباء من شأنه أن يعيد إلى الخدمة مجموعة مماثلة من المقولات الّتي تمّ تعطيلها سابقاً، نعني مفاهيم “الجماعة” و”العرق” و”الانتماء” القبلي، إلخ. ويوحي بضرب من الاستقالة الأخلاقيّة للدّولة فيما يخصّ مسائل الحياة والموت.

وإنّه في هذا السّياق الّذي يرتدّ فيه النّاس من نطاق الدّولة إلى حضن العائلة إنّما تترعرع الهواجس “الهوويّة” سواء لدى الفرد (في شكل ذاتيّة حيوانيّة أنانيّة وانعزاليّة) أو لدى المجموعة (الّتي تستعيد شكل “الجماعة” الرّوحيّة مهما كان محتواها المعياري عرقيّا أو دينيّا أو ثقافيا أو جغرافيّا…). كلّ عودة للنّزعات العنصريّة أو المتطرّفة هي علامة على أنّ الدّولة الحديثة قد فشلت، وأعادت الأمانة الأخلاقيّة على الحياة والموت إلى دائرة “الهويّة” (حيث يمكن أن تنمو بسرعة هواجس الطّائفة والعرق والجهة،..).

قال هابرماس ذات مرّة بصدد حديثه عن داعش:” يجب على المجتمع المدني ّأن يحترس من أن يضحّي على مذبح الأمن بكلّ الفضائل الدّيمقراطيّة لمجتمع مفتوح من قبيل حريّة الفرد والتّسامح إزاء تنوّع أشكال الحياة والاستعداد الجيّد للأخذ بمنظور الغير”.

بين داعش والوباء هناك بالطّبع صلة متوارية: كلّ منهما يساعد على الاستثمار في البؤس الهوويّ.

ولذلك علّق جورجيو أغمبن على استعادة الدّولة لنزعتها الأمنيّة في فرض “الحجر” بوصفه جزءًا من وظيفتها “البيو-سياسيّة”، قائلاً أنّه يشبه تعويض “الإرهاب” بصناعة “الفيروسات”.

لا يبدو أنّ النّزعات الفاشيّة هي أكثر من استثمار وبائي في الهويّة. نعني: استغلال أمر الدّولة المستقيلة للسكّان بالانزواء في “المنزل العائليّ” على أنّه توجّه نحو الجذور العرقيّة للنّاس، ولكن مع إضافة مكوّن جماعويّ متطرّف هو كراهيّة الأجنبيّ بوصفه كما كان دوما في كلّ السّرديات الهوويّة، ناقل الخطيئة بامتياز.

ومع ذلك يمكن أن يكون الوباء فرصة كلبيّة للتّهكّم على كلّ نزعة عنصريّة: إنّه يفرض على جميع الأجناس أن يتضامنوا وأن يتعاونوا بوصفهم “نوعًا” واحدا من الأحياء واقعًا تحت نوع واحد من التّهديد. قال سلافوي جيجيك :” يبدو لي أنّ الوجه الآخر للعولمة هو بناء جدران لا مرئيّة جديدة“. ولكن ماذا لو كان الوباء علامة على مهمّة أخرى: على ضرورة بناء “جسور” لا مرئيّة جديدة بين البشر. هذا النّوع الجديد من “اللاّمرئيّ” لن يكون موضوعه أخرويّا أو غيبيّا على الرّغم من أنّه يتعلّق بالخلاص: إنّ موضوعه هو “التّضامن” بين أحياء من فصيلة واحدة منعتهم الجدران الثّقافيّة غير المرئيّة الّتي بنوها حول أنفسهم بشكل هووي من أن يروا بعضهم البعض، حتّى وهم تحت تهديد الوباء. قالت جوديت بتلر:”نحن لا نحتاج لأن يحبّ بعضنا البعض حتّى ننخرط في عمليّة تضامن حقيقي”. ربّما كان وقت المحبّة بين النّاس قد فات بسبب تصوّر هووي معيّن عن أنفسهم؛ لكنّ لحظة التّضامن الّذي ينقذهم جميعاً من الوباء الّذي يهدّد شكل المشترك الوراثي الجامع بينهم هي بالتّأكيد لم تفت بعد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This