سعد الله ونوس.. نجم حياتنا المتوهج أبدًا / راسم المدهون

حياة سعد الله ونوس، ورحلته مع المسرح، تتجاوز عشق الكاتب لجنس أدبي/ فني محدَد بذاته، إلى طموح للتفاعل معه، بما هو وعاء الحوار. سعد الله ونوس المسكون بفكرة الحوار مع الآخر، وتحفيز حالة الجدل لأن تكون وقود الارتقاء والتجاوز، خصوصًا أنه عاش عمره وتجربته في حمَى تأمل الواقع والتاريخ معًا.
سعد الله ونوس إبن بلدة “حصين البحر” قرب طرطوس السورية ظل حتى اليوم الأخير من حياته وفيًا للمسرح دون غيره، حتى بعد فورة الدراما التلفزيونية السورية، وتحقيقها نجاحات كبرى في العقود الأربعة الأخيرة، وما وصلته خلالها من عروض للكتابة رأى أنها لا ترتقي لعشقه للمسرح، ولا تحقق فكرته الأهم في أن تكون خشبة المسرح بالذات حلبة حواره مع الجمهور، التي كان يؤمن أنها تحقق له ولفنه تواصلًا مباشرًا وحميمًا قادرًا على ملاحظة نتائجه المباشرة.
ونوس، بهذا المعنى، كاتب اجتماعي كرَس انشغاله كله لقناعاته والتزامه. وأكاد أقول إن حياته الشخصية ذاتها تطابقت تمامًا مع تلك القناعات، فلم نشهد تلك التباينات بين أفكاره وممارسات عيشه اليومية، فيما أظن أنها حالة نادرة في مجتمع الأدب والفن والثقافة عمومًا. هذا “الولع” بفكرة التغيير، وارتباطه بجمال أساليب التعبير، ظلَ حافزه في كتابته، فرأيناه يقفز من لغة الحماسة والغضب في “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” إلى ذروة فنية وجمالية كبرى في “منمنمات تاريخية”، و”طقوس الإشارات والتحولات”، فونوس الذي كتب أعماله الأخيرة في مأزق المرض الذي عصف بحياته، وما لبث أن اختطفه منا، كان في سنواته الأخيرة يسابق الزمن، وغول المرض، محتفلًا بالحياة على طريقته: في كلمته التاريخية في “يوم المسرح العالمي” رأيته يصعد إلى خشبة “مسرح الحمراء” في دمشق واثقًا ومتماسكًا، فيما كنا جميعًا نبكي لأننا كنا نعرف ويعرف هو أيضًا أننا نودعه.
في تلك الليلة، قال لنا سعد الله ونوس أننا “محكومون بالأمل”، وكان الأمل الذي حملته عبارته يحثنا على ملامسة الواقع، ومواصلة الحوار، وقراءة التاريخ، والأهم من ذلك كله عظمة الفكر، وأهمية العقل، في زمن التحولات العالمية الكبرى، وجموح الحضارة نحو آفاق غير مسبوقة. وقد نجح ونجحت احتفالية الفن السوري به في تحويل الليلة ذاتها من حفل تأبين له إلى “عراضة شامية” كانت حاضرة بالمعنيين الرمزي والواقعي الحقيقي.
سعد الله ونوس المولود عام 1941 رأى بحدقة المثقف، ووعيه، علاقة فن المسرح بالوعي اليومي للناس، ومن شاهد أو قرأ مسرحيته “سهرة مع أبي خليل القباني” يلاحظ قراءته المتبصرة لخطر الفكر الرجعي والظلامي على المجتمع ومستقبله وآفاق تطوره. وقد كان في رؤاه الفكرية والفنية تلك يتأمَل دمشق القرن السابق، وهي تسابق الزمن، وترفد الحياة بعدد من المبدعين الطليعيين كان أبرزهم القباني، كما أيضًا الرائد عبد الرحمن الكواكبي.
هو أيضًا إبن النهضة، وأحد أبرز رموزها، فقراءة أعماله المسرحية، وبالذات الأخيرة منها، تكشف علاقة إبداعه المسرحي بمرجعيات متعددة، أولها الواقع الراهن، وارتباطه بجدلية رؤية التاريخ، وأفق التطور العالمي. ولعلنا في هذا السياق نقف على فرادة تجربته في توغلها العميق في قراءة الحياة كقيمة كبرى. سعد الله ونوس أيضًا برع في رسم ملامح شخصياته، وصور وعيهم، إذ أطلق تلك الشخصيات التاريخية، أو الفنية المتخيلة، بديمقراطية عالية تركت لكل شخصية حرية التعبير عن نفسها في نطاق وعيها وشروطها التاريخية والواقعية. مسرحه أجاد الإصغاء لنبض تلك الشخصيات على نحو جعل حضورها على الخشبة بعد ذلك يمنح العرض المسرحي قوَة الحياة وجاذبية الفن معًا.
هو أيضًا الكاتب الذي حافظ على شخصية المثقف العضوي بالمعنى الحيوي للكلمة، وبالمفهوم الذي يشير إلى دور يومي كان المبدع الراحل خلاله شخصية عامة مرموقة الحضور بتفاعلها مع الحياة الثقافية والفنية في سورية والبلدان العربية، سواء بما قدمه من دراسات وترجمات، أو حتى عمله في الصحافة الثقافية اليومية، كعمله في “الملحق الثقافي” لصحيفة السفير اللبنانية مطلع الثمانينيات، وما نشره من مقالات في مجلة “الآداب” اللبنانية، وكذلك إشرافه على تحرير مجلَة “الحياة المسرحية” منذ تأسيسها. في تلك النشاطات كلها، حقق سعد الله ونوس بعض ما آمن به من أفكار، لكنه ظلَ حاضرًا بوهج أسطع في أعماله المسرحية: هنا نلاحظ إبداعه في شكلين مختلفين تمامًا هما المسرحيات القصيرة، والمسرحيات الطويلة، أو الكبرى، بتعبير أدق.
في مسرحياته القصيرة، نقف على براعة التكثيف، وقوَة المشهد المسرحي المكتمل، من دون إطالات، أو زوائد، فيما رأيناه في أعماله المسرحية الكبرى يحسن توظيف فصوله ومشاهده لرسم أقنومي المكان والزمان بصدقية تقارب الواقع، ولكن من دون “فوتوغرافية”، فونوس يقدم لنا “إطلالة” على تلك العوالم لا تنسينا أننا نعيش حاضرًا مختلفًا. هنا بالذات نرى كيف استفاد من تجربة الألماني برتولد بريخت، ولكن بأسلوبه هو، وأصالته هو، فالمسرح عنده خشبة حوار عن الحياة، لكنه دعوة للحياة، وليس بديلًا منها، ولا يرغب أن يكون.
في الحديث عن مسرح سعد الله ونوس، لا بد من التوقف عند واحدة من غاياته الكبرى والأهم، وأعني الفرجة: أتحدث هنا عن جماليات مسرحه التي حققت الجاذبية والمتعة للمشاهدين من رواد المسرح، وهي المتعة ذاتها التي تحققت لقراء مسرحياته التي نجحت في تحقيق الإمتاع من خلال سلاستها وقابليتها للاستعادة في مخيلة القارىء على نحو فريد بين مجايليه من كتاب المسرح العرب، خصوصًا بما حملته واقعية ساطعة أساسها دقَة انتباهاته لتفاصيل حياتنا العربية، وحضورها في رؤية عميقة ومتدفقة التفاصيل.
هو أحد أبرز أبناء جيله من السوريين والعرب، عاش في قلب الحياة الثقافية والفكرية في زمن عاصف كانت أبرز أحداثه هزيمة الخامس من حزيران 1967، التي أعتقد أنها كانت بالنسبة له زلزالًا عميقًا ساهم في تكوينه اللاحق، خصوصًا لأنه كان وقت وقوعها في العاصمة الفرنسية باريس، ورآها عن بعد. الحدث ذاته عبَر عنه الراحل من خلال مسرحيته الأشهر “حفلة سمر من أجل 5 حزيران”، ولكن أيضًا من خلال وعيه العميق بالواقع، ونظرته التي جعلته مبدعًا متأملًا يمتلك بصيرة نافذة جاهد بها لتحقيق دعوته إلى تحقيق التغيير الواعي الذي يتجاوز نبل القضايا الكبرى في ذاتها إلى أهمية تقديم تلك القضية بفنية عالية تجعلها حاضرة بقوة في نفوس مشاهدي أعماله.
عصف المرض بسعد الله ونوس، لكنه لم يستطع هزيمته، فالفتى الذي جاء من “حصين البحر” مفعمًا بالرجولة والأمل هو ذاته الذي سطع نجمه في حياتنا وأهدانا بعض أجمل ما فيها من حبات عقد لآلئه التي ستظل خالدة على مدى الزمن والتطورات.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This