في الهجرة إلى  “الفنّ والمقدّس: نحو انتماء جماليّ إلى العالم”

لأمّ الزّين بنشيخة المسكيني

مـــــــــــــــدخل

كيف يمكن تحرير المقدّس من “ثقوبه السّوداء”؟ هل ثمّة حاجة إلى إعادة تخصيبه في رحم تلك الأمّ الّتي اغتسلت في منيّ “الدّخان البشريّ”؟  هل نستطيع “الهجرة إلى الإنسانيّة” ونحن نغلق الحدود معه ونخصّب  بيننا وبينه بيداً دونها البيدُ؟ هل يتوجّب اعتباره مجرّد وشم قديم في ذاكرتنا ومن ثمّ شطبه نهائيا من وجودنا؟ ألا تبدو عمليّة خلاصنا منه ضرورة ملحّة بعد أن فرض علينا الاستحمام في بئر مليئة بالدّم والأمعاء والرّؤوس والعظام البشريّة المفرومة والمفريّة فرياً بعد صحوة بيارق الله ونقاباته؟ ألا نشهد نحن السّكّان في “جنوب الماء” ومشرقه  سقوطا مروّعاً يجعلنا “نتقدّم القهقرى”؟ كيف يمكن التّكلّم غضبيّا ضدّ مقاصل الخصي الّتي وقّعت سكننا على نحو مريع في “هويّة سوداء”؟

ماذا لو أعدنا لهذا المقدّس وجهه الحقيقي؟ وماذا لو أمسكنا مطرقة بكفّ هائجة كي نطيح بقناع الإله التوحيديّ الّذي أخفى عنّا ذلك الوجه؟ أليس مدهشا أن نرى في هذا القناع “ثقبا أسودا/ نقابا” حين نزيحه نكتشف أنّه بالإمكان توجيه المقدّس إلى آفاق جماليّة وروحيّة منها نعقد شكلا جديدا من أشكال السّكن في العالم؟ ماذا لو كان وجه المقدّس الحقيقيّ أكبر من عمليّة تقنينه ومأسسته ضمن حظيرة الأديان ومؤسّساته الّتي لم تحقّق غير فزع بشريّ تسيّره الجريمة؟ ماذا لو كان كوجيتو المقدّس اختراقا جماليا للأزمنة المجرّدة والحقائق الثّابتة؟ ماذا لو كانت علاقتنا بالمقدّس رافضة لكلّ ضروب الوساطة بيننا وبينه؟ كيف نحمي هذا المقدّس خارج نزعة احتكاره وتوظيفه من قبل جيوش الأديان الّتي “أفلست بنوكها”؟ ألا يمكن اعتبار الفنّ – وهو قارّتنا الرّوحيّة وأفقنا الانسانيّ-، صيغة عليا عن جماليّة المقدّس قبل أن يتلوّث؟ وألا يمكن اعتبار الفنّ طفلا عنيدا ولد من رحم هذا المقدّس؟ لماذا بدّل المشترك بينهما نشأت نوائر أودت بالفنانين إلى محرقة الأديان أو مقدّسات السّوق الاستهلاكيّة؟ كيف يمكن لهذا الفنّ إعادة تنشيط المشترك مع المقدّس على نحو تتمّ فيه عمليّة سكن جمالي جديد في صلب العالم؟ هل انتهى الفنّ ودخل في حيّز النّهايات مثلما علت أصوات تبشّر بنهايات المقدّس؟

إنّ المقدّس لا يموت. ما يموت منه هو عناوينه الّتي يجدّدها، إنّه يهدم نفسه باستمرار ويتجدّد بتجدّد شكل إقامتنا في العالم. لو أردنا هنا التّكلّم عن حياته وعمره لرأينا أنّه شبيه جدّا بأفعى جلجامش، آكلة عشبة الخلود، ومثلما تغيّر تلك من جلدها يغيّر بدوره من عناوينه، ومثلما نجد رمزيتها في عصرنا الرّاهن مع العلوم الطبّيّة وحضور شعارها أو صورتها في واجهة الصّيدليات أين تباع الأدوية كعلامة على النّجاة من المرض والهروب من الموت والاستمرار في الحياة، نعثر عليه الآن بيننا: هكذا يمكننا الاحتماء من صقيع موته المفترض ونحن نتدثّر بمعطف عبارة مدهشة نحتها (رايته ريجيس دوبري) تحت عنوان “شباب المقدّس”، وهي عبارة أوردتها (أمّ الزّين بنشيخة المسكيني) في كتابها “الفنّ والمقدّس: نحو انتماء جمالي إلى العالم”، كتاب هو موضوع قراءتنا الآن.

ثمّة في هذا الكتاب حمم هائلة من الأسئلة الفكريّة والفلسفيّة، تلك الّتي قدّت على نحو عابر للاختصاصات: أشبه بلواءات الحمم البركانيّة وهي تمدّ بأذرعها الأخطبوطيّة لتصهر كلّ ما يعترض طريقها ومن ثمّ تذويبه في عنصر واحد هو النّار. لقد أعادت (أم الزّين بنشيخة المسكيني) تشغيل زرّاع الجمال من فلاسفة ومفكّرين وشعراء ورسّامين وروائيين ومسرحيين ووضعهم في مهمّة واحدة، تلك المتعلّقة بمساءلتهم المقدّس على نحو جماليّ ومن ثمّ السّير بهذه القضيّة في طريق مغايرة غير تلك اقترنت بتاريخ الصّراع والدم. وبمعنى أدقّ: إنّ هذا الكتاب ورشة جماليّة تحرّضنا على إعادة توطين العالم -“الّذي لا نملك غيره”-، خارج نزعة تجفيف رحمه الّتي سكنها ملح المقدّس لعهود طويلة، ولأنّ هذا الملح لا يمكن محوه إلّا نحو جماليّ، فإنّ ذلك من مهمّات الفنّ والفنّانين. في المقابل، ثمّة هدف رئيس لا يمكن التّغافل عنه، فهذا الكتاب يمثّل –أيضا-، ضربا من ضروب خرائط النّجاة الموجّهة إلينا: نحن الّذين حدّ الآن تحت وطأة المقدّس الاسلاميّ وهو يسمّم دمنا مثلما فعل قرينه المسيحي في عهود مضت، ونحن الّذين تمّ تبضيعنا على نفس النّحو من تبضيع الانسانيّة جمعاء. كيف لنا فعلا الانتماء جماليّا إلى العالم؟

عناوين المقدّس: كجزر للإقامة وأبعد

         ثمّة استحالة من حيث اختزال المقدّس في عنوان واحد على ما يبدو، وثمّة أيضا استحالة لنهايته على الرّغم من ذلك الإدّعاء القائل بأنّ الحداثة سلخته عن جلدها وفقا للتّعريف الّذي خصّصه لها (ماكس فيبر) بوصفها “نزعا للقداسة عن العالم”.  فهو وإن شهد مولده منذ عهود ضاربة في القدم – تحت راية الآلهة الأمّ/الأنثى، تلك المعبودة في المعابد والكهوف، وتلك الّتي اتخذتها الرسوم كتدليل على نزعة لاهوتيّة رافقت البشر منذ أزمنة غابرة-، فإنّه يشهد توهّجا من حيث حضوره في عالمنا الحديث مغيّرا من مداراته وعناوينه. ها أنّه مع (دوركايم وكارل أوتو ومرسيا ألياد) مقدّسا دينيا، وها أنّه ينفلت عن حدود الدّين مع (ميشال ليريس وألبرت بيات وفيليب وديفيد بروتون)، وها هو أيضا يتنزّل ضمن نوائر العنف وتشغيل القرابين والذّبيحة والضّحيّة مع (رينيه جيرار): إنّه أشبه بحركة الإلكترون، نحدّده في مكان/عنوان فإذا به في مكان/عنوان آخر، زئبقي يصعب الامساك به، فمن اشتغاله ضمن المجموعات البشريّة والمجتمعات الدينيّة سواء كانت توحيديّة أم غير ذلك، إلى اشتغاله خارج ذلك الأفق بعد أن أصبح لكلّ إنسان مقدّساته الخاصّة، ومنهما إلى تنشيطه في حيّز الذبيحة كي يتحوّل العنف والهيجان التّصادمي إلى ضرب من درء الشّرور، ومن ذلك كلّه إلى قراءة (ريجيس دوبري) تلك الّتي منحت المقدّس شبابا جديدا بالتّوازي مع المنعطفات التكنولوجيّة السّريعة: لقد أصبح المقدّس علمانيا لا دينيّا وذلك بعد أن خرجنا من جلد الدّين والأسطورة وبدلا منهما صار الوطن هو المقدّس، والحريّة هي المقدّسة، والقوانين هي الأخرى مقدّسة. وعلينا أن لا ننسى أيضا، إنّ كوجيتو السّوق ساهم أيضا في جعل البضاعة ضربا من ضروب المقدّسات.

على النّحو من انفلات المقدّس عن تحديد نهائي لمفهومه، وعلى هذا النّحو من تموّجه في محيطات الحقب التّاريخيّة بسكنه في أكثر من عنوان، يصبح ضربا من اللّغو ازاحته عن وجودنا، ولكن أليس مهمّا وضروريّا أن نبحث عن شكل المقدّس الّذي يناسبنا؟ ربّ سؤال يمكن ترجمته على نحو أوضح وذلك من خلال استدعاء ما طرحته (أمّ الزّين بنشيخة المسكيني) في هذا الكتاب: “هل نحن حطب التّاريخ أم نحن جيل العبور الكبير إلى سرديّة مغايرة للمستقبل؟ أي شكل من المقدّس بوسعه اختراع حياة روحيّة مناسبة لنا نحن أبناء الجنوب العالم؟”.  نعم، إنّ سؤالا على هذا النّحو لا يأتي من عدم ومحض بفعل كن فكان، إنّما هو نتيجة لشكل سكننا الآن في العالم حيث لا ثمّة غير الدّماء الّتي لطّخت الهويّة ولا ثمّة في حياتنا إلّا تسريد عنيف للمقدّس الدينيّ في ثوبه الاسلاميّ، ذلك الّذي جرّدنا من الخاصّيّة الانسانيّة، وذلك الّذي أوقعنا في “ثقوب” بلا شموس، ولا ثمّة غير أهازيج الموت والعدميات. نعيد تشغيل السّؤال كي يتحوّل وقعه إلى مطرقة تصمّ آذاننا: ما هو شكل المقدّس الّذي يجب أن يخصّنا اليوم والحال أنّ الدينيّ يحوّل كرومنا إلى صحراء مغمّسة في أنواء الدّم؟

إنّنا نقف في مواجهة مقدّس تقوده أوموفاجيّة المؤسّسات الدينيّة ومصانعها وشيوخها معيّة قطعان بشريّة تزدرد اللّحم نيّئا ومولعة بإضرام الحرائق، مقدّس له طاقة بركانيّة هائجة على تشغيل الجحيم، ولذا صار يستحيل علينا إمكانيّة “اختراع جماليّ إلى العالم”. قد يبدو الأمر ضربا من القدر المسلّط علينا، أن نعيش دائما في “ثقب أسود”، وأن تخيّم علينا سحب اليأس. أمام هذه الغيوم الجنائزيّة تلفت انتباهنا (أم الزّين بنشيخة المسكيني) إلى قوس من الغمام يبرق داخل تلك المساحات السّوداء: إنّ مصدر هذا الضّوء الّذي يمكن أن يكون في شكل منيّ يعيد تخصيب حياتنا الرّوحيّة خارج ساديّة الديني هو ذلك السّؤال القائل بكيفيّة الارتحال بالمقدّس من خارج أفقه السّلطوي إلى حديقة العالم، وهنا تحيلنا إلى مسألة “الايمان الحرّ”، تلك الّتي وقّعها الفيلسوف النّابتة (فتحي المسكيني) في كتابه “الايمان الحرّ أو ما بعد الملّة: مباحث في فلسفة الدين”. قال: “إنّ الايمان الحرّ لا يتخلّى عن مصادر أنفسنا لكنّه يغيّر العلاقة معها: فالمؤمن الحرّ متمرّد لكنّه لا يعوّل على أيّ كراهيّة من أجل إثبات حريّته. ولا يحتاج الإيمان الحرّ إلى إجماع جاهز، وهو ليس سلوكا هوويّا إلّا عرضا”. ثمّة إذن إمكانيّة ارتحال عظيم إلى العالم، وثمّة إذن خطّ مغاير في مقدّسنا منه تسري الحرّيّة إلى أنفسنا ونستعد كأفراد للمشاركة في سبر أغوار العالم.

على هذا النّحو من المقدّس الّذي يغيّر عناوينه، صار يمكننا التدرّب روحيّا وجماليّا على الإقامة في العالم الّذي “لا نملك سواه”، وعلى هذا النّحو أيضا يصبح جائزا القول إنّ الفنّ هو ما يخصّب التّسامح بين الأديان ويعيد ترميم المشترك الانساني. إنّ التّسامح هنا  وإن ولد غربيا منذ تلك الحروب الدينيّة المهولة الّتي قبرت أعدادا هائلة من النّاس، فهو اليوم يدعونا إلى الانتماء إلى آفاق الانسانيّة والكونيّة، وحين يسقط العالم في مستنقع الكراهيّة يتحوّل الفنّ إلى حديقة تعترف بالتنوّع الثّقافي، وطريقة في “الصّفح عن خبث العالم وفوضاه” كما ردّد (كالاكاوسكي)، ووحده كما ردّدت (بنشيخة المسكيني): “بوسعه أن يرسم انتماء كهذا إلى العالم دون أن يحتاج في ذلك إلى المقدّس في المعنى التّقليدي القائم على المعابد والقرابين وتملّق تجّار الدّين”، ويصبح أيضا “تجربة تواصليّة” تهدم الحدود بين البشر، هكذا كانت إقامة (بنشيخة) مع (بول ريكور وريتشارد وهابرماس)، إنّها تمارس فعل الترحال مع زرّاع الجمال، وتؤرّخ بلغة الضّاد “لما حدث من تحوّلات فلسفيّة وتشكيليّة وإبداعيّة في البرادايم الاستيطيقي الكبير”.

يجب الاعتراف الآن بأنّ المقدّس ليس ضربا من الجنون الإلهيّ فحسب، وليس المقدّس ذبيحة تشغّلها مصانع العنف الاجتماعيّ، وليس المقدس قتالا دينيّا وصخبا لاهوتيا قاتلا، وليس المقدّس تقوقّعا في دائرة منغلقة بحدّ ذاتها تحت جهاز الملّة، وليس المقدّس ضربا من خصيّ البعد الانسانيّ في مقبرة الاستهلاك: المقدّس يمكن أن يكون أبعد بكثير من هذه العوالم برمّتها، إنّه ورشة عملاقة عن التّدرّب الرّوحي، طاقة جماليّة مبهرة منها يكون الفنّ شريكا في هندسة المستقبل مثلما كان مؤرّخا لأحداث العنف باسم ذلك المقدّس في أشكاله اللاّإنسانيّة. لذا صار يجب أن نحسم بصرامة نهائيّة في علاقة الفنّ بالمقدّس وذلك من خلال كنس المؤسّسة الدينيّة كوسيط.

الحداثة والعلم: منزلة الفنّ/ دوره ضدّ الإرهاب/ لماذا الأمل

نحن الآن إزاء رحلة أخرى. إنّ مؤلّفة الكتاب تمارس ضربا من الغوايّة الجماليّة، وهذا ما يجعلها مثابة ربّان سفينة يأخذنا في كلّ مرّة إلى اكتشاف حديقة مقدّسة نجهلها، حديقة لم تتلوّث بعد، ها نحن نطلق على لسانها سيلا من الأسئلة الجديدة، إذ كيف نقاوم “الكسل الجمالي الفظيع” في عصر الحداثة ونحن أمام عصف يقوده (بودلير) ضدّ النّقد الأكاديميّ؟ وهل يتوجّب تجريم العلم بتعلّة قذفه بالإنسان على نحو استهلاكي؟ كيف لنا التّسلّح بالأمل مجدّدا خارج نزعة اليتم الإنساني الّتي نعيشها اليوم؟ أيّ تسريد يمكن أن يحدثه الفنّ في أزمنة الإرهاب؟ كيف ننتقل من التّسامح الدينيّ إلى التّسامح الجماليّ؟

إذا كان مفهوم الحداثة قد اقترن من جهة نحته بجملة من العلماء والمفكّرين، أولئك الّذين حقّقوا إذلالات علميّة وجراحات فكريّة طالت مركزيّة الإنسان مثل (نيوتن وغاليلي وكوبرنيك)، وبجملة من الفلاسفة على رأسهم (ديكارت وهابرماس وكانط)، فإنّ ذلك لا يمكن أن يخفي أو يحجب ذلك التّوقيع المريع الّذي أرّخ لهذا المفهوم فنيا وجماليا. من هنا تضرب لنا (أم الزّين بنشيخة المسكيني) نموذجا فذّا أحدثه أهمّ شعراء العالم (بودلير)، ذلك الّذي عصف بالنّقد الأكاديمي من خلال انزياحه إلى قراءة تجربة الرسّام (كوستنتين غويس)، رسام – أخبرت عنه المؤلّفة على لسان (بودلير)-، ينتمي للجموع ويشكّل لوحاته كونيّا، ينزاح عن التّقليد ويحلّ في عصره روحيّا، يتحرّر من فكرة الصّنم ويرتحل إلى الطّفل الكامن فيه، يرسم على نحو يكتشف فيه الموجودات للمرّة الأولى، ويستنطق ما لم يتشوّه بعد: إنّ الحداثة هنا سكن في الطفولة ونفي للكسل الجماليّ من خلال توقيع الحاضر خارج نظام الأزياء الملكيّة القديمة. على هذا النّحو رأت المؤلّفة في “كتابات للفنّ” لـ(بودلير) ضربا من ضروب اختراع الحداثة وقطعا نهائيا وصارما مع التّصوّرات الفنيّة السّائدة والسّابقة: ثمّة إذن مسار يرتحل منه المقدّس بشكل جديد، ذلك الّذي يخترق قرينه القديم حيث لا ثمّة غير الكاتدرائيات القديمة، وحيث لا وجود الآن غير أفق للإنسانيّة.

كيف لنا نحن الآن السّير في هذه الدّروب الحداثيّة كي نخطّ تسريدا جماليا على ذلك النّحو من السّكن في لحم العالم؟ ألا ندرك أن الفكر الغربي يسكن الآن أحراش المابعد؟ أسئلة لا يمكن إلّا أن تحرّضنا على تشغيل معاولنا الفلسفيّة والفكريّة والفنيّة ضدّ ثقافة الثّابت في أرضنا اليباب

ثمّة تسريد آخر مخيف لم ير في العلم إلاّ وجهه الشّيطاني تحت قناع Gorgo المنتسب للشرّ. نعم، إنّ ما يجري الآن هو ذلك الفزع المريع وهو يدقّ بنواقيس الخطر في قلوب البشريّة أمام المنعطفات التكنولوجيّة والرقميّة حيث بزغ انسان جديد هو الإنسان الاستهلاكي لا غير. تأتي صرخة الفزع هنا ضدّ سرديّة النّهايات وهذا ما يتطلّب إبرام صلح مع التّقدم العلميّ بتحوّله إلى ظاهرة جماليّة، وهنا ارتحلت المؤلّفة من مناخ (باشلار) ودور العلم كمحمل للثّقافة حيث المخيلة ضربا من التّسريد الشّعري إلى مناخ (ميشال سار) الّذي نظر إلى العلم بوصفه حكيا وسرديّة جماليّة متاحة للجميع وصولا إلى (آلان باديو) الّذي رأى العلوم الرياضيّة كما الحبّ والشّعر جزءا من الحقيقة. لا مناص إذن من ردم مقولة شيطنة العلم، ولا مناص لنا إلاّ بقذفه نحو آفاق جماليّة تراهن على الذّكاء البشريّ.

على هذا النّحو من الهجرات المتتاليّة، تحطّ المؤلّفة رحالها مع الفيلسوف (كانط) لتعيد تشغيل السّؤال عن مفهوم الأمل. إنّ العودة إلى السّؤال الكانطي “ماذا يحقّ لي أن آمل؟” في ضوء تلك الخصومة بين الدّين بوصفه طاقة مرعبة تسعى إلى تشغيل الآخرة/القيامة و”تقنيّة رجاء وخلاص” والفنّ بوصفه نظرة مغايرة تحاول ابتكار شكل جديد للمستقبل، هو نفسه السّؤال عن كيفيّة التّأسيس لآفاق روحيّة خارج النّزعة الأوموفاجيّة للدّين، وهنا تستحضر الشّعراء “حماة للمقدّس” وتضعنا أمام حقيقة مفزعة تقول بأنّنا لا ننتمي إلى مجتمعات الأمل: طبعا، فنحن حدّ الآن ننتمي غصبا إلى رذاذ الدّم ينزل من غيوم بيارق الله ونقاباته دون بروق ورعود حتّى.

إنّ الأمل ضرورة قصوى، لم تبشّر بها بشكل جادّ الدّيانات الوثنيّة اليونانيّة، وهو -قديما-، لم يعتمل إلاّ في رحم الأنثى بوصفها طاقة انبعاث وخصب قبل أن يصيبها العقم بمولد الإله التوحيديّ وهو حدّ الآن يسمّم كرومنا، وهو الآن سؤال البشريّة الحيويّ عن كيفيّة التقدّم الإنسانيّ: إنّه تلك الإقامة بين النّبيّ والشّاعر حيث يتحوّل الفنّ إلى ضرب من ضروب الدّيانة، ذات الإلهام السّماويّ المشرق. أمّا المقدّس الجمالي/ الفنّي على هذا النّحو فضرب من اختراق المقدّس واختراع لسعادة الإنسان.

ولكن، ماذا يستطيع الفنّ أن يقدّم في ضوء المقدّس الدينيّ الثّابت؟ ما الّذي يمكن تسريده في أزمنة رقش الرّؤوس والمذابح والإرهاب وجنون الإله التّوحيدي؟ كيف لنا الإقامة جماليا في العالم ونحن تحت وطأة مصانع تعلّب العظام البشريّة؟

ليس الإرهاب ممثّلا في الله الإسلاميّ وحده، هكذا تأتي أطروحة المؤلّفة، إنّه “سؤال عالق بركح الدّمار العالمي الّذي نشهده منذ قرن من الزّمن” وفق ما أوردت في كتابها السّابق “الفنّ في زمن الإرهاب”. ولتنزيل هذا الاستشكال على نحو فنّي، ذهبت (أم الزّين بنشيخة المسكيني) إلى عقد جملة من الأمثلة عن كره الإرهابيين للفنّ كالحرب الّتي خاضها داعش على متحف الموصل. في الحقيقة، إنّ أمرا كهذا حدث أيضا عالميا خارج جلدتنا نحن المسلمين، وهنا تجري المؤلّفة أمثلة أخرى مثل حرق النّازيين للوحات (فان غوغ) أو تجريم الموسيقى في أفغانستان. إنّ الإرهاب على هذا النّحو سرديّة مريضة ومنغلقة ومتطرّفة ترفض كلّ وجه من وجوه الجمال وذلك من خلال تدميرها الحاضر والماضي في الآن نفسه، وربّما المتاجرة بهما كضرب من ضروب الدّفع بالتّوحّش إلى أقصاه.

يكمن دور الفنّ هنا في إدانة بشاعة ذلك الوجود الفظيع، إنّه وحده من “ينقذ العالم من الفراغ”، وهو أيضا وفقا لهجرة المؤلّفة وترحالها بين (أدورنو ولوكاتش وسارتر وصولا إلى ليوتار ..إلخ) يعدّ طاقة عظمى لابتكار زعماء جدد للإنسانيّة على غير زعماء الموت.

ثمّة إذن حروب مسيحيّة ضدّ الفنّ تكرّر نفسها اليوم في ثوب إسلاميّ. وبلا ريب، يبدو أنّ مهمّة الفنّ الآن هو أن يؤسّس لآفاق كونيّة تحت ضوء تلك العبارة الطّريفة “التّسامح الجمالي”، لقد اشتركت فعلا جلّ الأديان في ردم الفنّ ونفيه ونبذه ولكن يجب أن ننتبه إلى هذه الشّذرة الّتي نقرأها: “إنّ الحسم في مسألة التّسامح يقتضي ضربا من المصالحة العميقة مع المقدّس غير أن هذه المصالحة لن تكون ممكنة عبر المؤسّسة الدينيّة”. ستبدو الآن الإجابة على ذلك السّؤال القائل بكيفيّة الانتماء جماليا إلى العالم واضحة وضوح الدماء الّتي شغّلها المقدّس الديني!

 زرّاع الجمال: أنبياء على الأرض

إنّهم هؤلاء جميعا، الرّوائيون والشّعراء والرسّامون والنّحاتون والمسرحيون. هؤلاء الذّين بذروا القمح في الحقول اليباب وجلبوا رذاذ الغيم، وهؤلاء الّذين خصّبوا بطن الأرض بمنيّ السّيّد إيروس فانتفخ رغم العقم. ومن غيرهم رفيقا ونبيّا إلا الفلاسفة الّذين أذنوا لهم بالحلم ورافقوا المستقبل مثل المحاربين؟

يمكننا إطلاق صرخة كهذه ونحن نرتحل مجدّدا مع مؤلّفة الكتاب إلى قارّات جديدة، ها هنا ثمّة فلاسفة غيروا “أجهزة مداراتهم” باتّجاه محيطات الرّواية، إنّنا نقف الآن مع (بلزاك وكافكا وبروست وفاليري ودوستويفسكي)، هؤلاء الّذين كتبوا بالزورنيخ وملح الكارثة فوهبوا الإنسانيّة تسريدا يقول بإمكانيّة السّكن في العالم مجدّدا. نقف أيضا مع أدب الالتزام في سرديات (لوكاتس وسارتر) وصولا إلى المنعطف الهرمنوطيقي مع (هيدجر وغادامير) ومنهما إلى الأدب كفضاء ديمقراطي مع (بلانشو ودريدا وجيل دولوز). لقد قدّ (بلانشو) فضاء ثالثا هو “كتابة الكارثة” حيث المركزيّة الغربيّة وحروبها ومحارقها، أمّا (ريكور) فقد ارتحل من الفضاء إلى الزّمن ومن الكبنونة إلى التّجربة التّاريخيّة، في حين أنّ (دولوز) قفز من الكينونة إلى الصّيرورة ومن هنا يولد الشّعب من “رحم الصّيرورة المبدعة”. ثمّة في هذه المناخات الفلسفيّة والأدبيّة ضرب من ضرورة استعادة المصالحة بين الشّعر والفلسفة والمقدّس، لقد أصرّ (غادامير) على نقض التّصوّر القائل بشطب القداسة عن العالم، وعلى هذا النّحو يجب أن لا نفهم عودة المقدّس ضربا من إعادة تنشيط الوجه المرعب للدّين، بل نحن إزاء مقدّس لا اعتناق فيه إلّا للجمال: هكذا كان (رينيه جيرار) يوقّع قراءته للأدب “المقدّس” واضعا تحت التّشريح (سرفانتس وبروست وغيرهما). إنّ الأدب إقامة فيما هو مقدّس واعتناق للأسطوري فيه وإبحار إلى شواطئه، إنّه تنشيط للقديم على نحو يعترض ضدّ تصحّرنا عالمنا الحالي بغاية روحنته من جديد، والأدب أيضا شكل من اللّعب على أعتاب المقدّس و”ضرب من القربان الرّمزي للتّطهّر من مشاعر العنف”.

على هذا النّحو من تشغيل الكروم الفلسفيّة، ترتحل المؤلّفة إلى نماذج روائيّة بعينها، الأولى رواية “بلزاك والخيّاطة الصّغيرة” للصّيني (دي سيجي)، أمّا الثّانية فرواية “عذراء سنجار” للروائيّ العراقيّ (وارد بدر السّلام). تدين الأولى الزّعيم “ماو” وتضعه موضع إدانة إذ في عهده جرّمت الكتب وحرّمت واستهجنت كلّ الأعمال الموسيقيّة باستثناء كتابه الأحمر، وهنا تحضر الباروديا والتّهكم: يا لثورته الثّقافيّة!. إنّ البطل “لو” الّذي يقرأ رواية بلزاك للخيّاطة الصّغيرة يكون بذلك قد منح الأدب فاعليّة تغيير الأرواح، هكذا تنتقل الخياطة من فتاة قرويّة إلى أخرى مثقّفة: الأدب هنا هدم للأصنام والمقدّسات المنغلقة وباحة للتّحرّر. أمّا في رواية “عذراء سنجار” فثمّة تسريد لجرائم داعش وفظاعته، رواية تتحدّث عن معاناة الأزيديين حيث السّبي والاغتصاب والذّبح والاختطاف والجنون، ويبدو أنّه ليس ثمّة صرخة تطلقها هذه الرّواية غير تلك الّتي نحتها لغويا (بلانشو) بالقول: “أترك الكارثة تتكلّم فيك”، فهناك البطل “سالار” يخفي أطفاله في بئر عميقة حتّى لا يتمّ قتلهم أو تجنيدهم ومع ذلك هم يغنون: إنّ الأدب هنا ضرب من الغناء على شفاه الدّمار، صعود طالع من أعماق التّوحّش يحنّ إلى قرى الحياة.

تهاجر المؤلّفة مرّة أخرى، إنّها تحطّ برحالها الآن على بوابة الشّعراء، تشبّههم بـ”النّوابت يحافظون على الطّابع البرّي لوجودهم”. إنّ الشّعر صدى الإنسانيّة ضدّ توحّش العالم ومقاصل السّوق، والله نفسه يحتاج إلى الشّعر كي يتحرّر من الصّحراء الّتي أحرق هجيرها صورته، والشّعر أفق روحي بالكلمات. ولكن ما منزلة الشّعر في عصر العولمة؟ ربّ سؤال سيجعلنا نتذكّر رواية “هيّا نشتر شاعرا” للبرتغالي (أفونسو كروش): ما الحاجة الّتي دفعت أفراد عائلة إلى شراء شاعر من إحدى المحلاّت العموميّة؟ تخيّلوا معنا: لقد خرج الأب معيّة ابنته إلى الأسواق بغاية شراء شاعر، شعراء يعرضهم للباعة للبيع! – “تحيّة وازدهار”. تلك هي تحيّة الصّباح بين أفراد العائلة في رواية “هيا نشتر شاعرا”، وما نكتشفه من قضاياها ككلّ أنّها تدور ضمن محور واحد، ألا وهو موت الحميميّ والرّوحيّ والإنسانيّ أمام توحّش رأس المال، حيث تتفكّك العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة وتطغى الفردانيّة ويصبح كلّ شيء معلّبًا في دائرة الحسابات، وكلّ حركة خاضعة لموازين قدّت أثقالها سلفًا. ما الّذي سيغيّر من نمط حياة تلك العائلة في حالة كهذه؟ سنصاب بنوبة من الضّحك أمام مشهد الإبنة وهي تطلب من أبيها الخروج إلى المحلاّت العموميّة كي يشتري لها شاعرًا، وهذا ما حدث فيما بعد. شاعر يعيش مع عائلة يتحدّث أفرادها بمعاجم رياضيّة وحسابيّة أكثر من شيء آخر، بينما يحتكّم في المقابل إلى المجاز والاستعارات إلى أن يستطيع في نهاية المطاف التّأثير على سلوك العائلة بشكل غير متوقّع. تأتي الحاجة إلى الشعر مع أفونسو كروش بدافع تخليص العالم من التّشيئة وإدانة التّوحّش الليّبراليّ الّذي لا يصيب المجتمعات والأفراد فقط، بل ينكّل بكلّ ما هو إنساني وروحي، ولكنّ في ذلك ضرب من الإيحاء بمكانة الشّعر والشّعراء في عصرنا الحاليّ، إذ بدت مهمّشة وتبعث على الإزدراء والضّحك بشكل كوميدي ساخر، حيث نراهم اصطفّوا في طابور طويل مثل العبيد في انتظار بيعهم؟

هل ثمّة شعراء سكنوا العالم على نحو رمّموا فيه خرابه أو أخبروا عن آلامه؟ نعم، ثمّة شاعر الغجر (غارسيا لوركا) هذا الّذي وسمته المؤلّفة بـ”أعراس الدّم”، ذلك القتيل برصاص حارس الموت الجنرال (فرانكو)، وذلك الّذي احتدّ وجوده في الكلمات الّتي يعتزّ بها البسطاء من النّاس، وذلك الّذي تحوّل موته إلى عرس شعريّ أبكى الشعراء والإنسانيّة. إنّ الشّعر هو صيحة الإنسان محتفلا بتوهّجه الرّوحي المقدّس.

تتواصل الهجرة مع مؤلّفة كتاب “الفنّ والمقدّس: نحو انتماء جمالي إلى العالم”، وقد تبدو عمليّة مرافقتها متعبة على نحو عظيم، رحلة أشبه بمعاناة طيور (فريد الدين العطّار) وهي تبحث عن (السّيمورغ)، إنّها تحطّ بنا الآن أمام بوابة الرسّامين: ممتلكي ريشة الطّاووس وهي تخطّ ألوانها على اللّوحات، وهنا كانت إقامتها مع (كاندنسكي) حيث الألوان ضرب من الصّلاة، ومع (مالفيتش) حيث اختصار الوجود في مربعات، ومع (بول كلي) حيث تجسيد الملائكة كنفي للوساطة بين الإله والإنسان، و(ألان كابرو وجون كاج) حيث يهبنا كوجيتو السّلع إقامة مرعبة عند حدود العماء وازدهار الجوع، ومنهم جميعا إلى تجربة (منى حاطوم) وأسماء أخرى فلسطينيّة مثل (إسماعيل شمّوط وسليمان منصور ونبيل عناني وجمانة الحسيني) لتقفز معهم القدس إلى لوحتها وتدين فظاعة المنفى وتترك للأرض تسطّر ذاكرتها نحو الأبديّة. ثمّة أيضا أكثر من ذلك في هذا الكتاب، فالفنّ يخترق العلم ويحلّ في ضفافه وأنهاره، وهنا تضيء المؤلّفة أكثر من مقاربة حول الفنّ الحيويّ، وحول “موسيقا ذاتيّة علينا اختراعها”، فهو وحده من يقذف بنا إلى شواطئ الإنسانيّة والسّعادة، إنّ الفنّ هو وقود الحياة دونه لا يمكنها تصيير المعنى حدثا إنسانيا، وهو أيضا ذاكرة المقدّس.

خاتمة قصيرة جدّا

نعم، صار ضروريا وعاجلا أن نصرخ ونحن نكسر أغلال الجحيم: لقد آن أوان الانتماء الجماليّ إلى العالم!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This