من ترجمة التّلاقي إلى ترجمة التّنائي

 ومن آثار الفيروس البادية أنّه أخذ يحدث تغييرات جذريّة في صناعة التّرجمة، وخاصّة الفوريّة منها لأنّها مرتبطة بالمؤتمرات والسّفر. ففي ظلّ الحضر وأحكامه، وجد منظّمو المؤتمرات في العالم الافتراضيّ ملاذا آمنا من الفيروس وعدواه. وبذلك عجّلت الجائحة في الرّحلة إلى هذا العالم ليحطّ النّاس رحالهم فيه ويموج بعضهم في بعض.

بدأت المؤسّسات والمنظّمات الّتي تعقد اجتماعات دوليّة تستخدم فيها لغات شتّى تولّي وجهها شطر منابر العالم الرّقميّ. فنحن جميعا نستخدم أداوت للتّواصل المرئيّ من قبيل السكايب Skype أو الواتس أب Whatsapp، إلّا أنّ لهذه المنابر حدودا وعيوبا، ذلك أنّها لا توفّر إلاّ عددا محدودا من المشاركين ولا تمكّن من إجراء عمليّة التّرجمة الفوريّة الآنيّة Simultaneous Interpreting . ثمّ جاءت تقنيات ومنابر جديدة من قبيل منبر زوم Zoom لتحدث ثورة في عالم التّرجمة.

ولهذه المنابر مزايا وعيوب أيضا سأذكر بعضا منها، وهي الّتي استقيتها من تجربتي الخاصّة خلال بعض المؤتمرات الّتي ترجمتها لفائدة بعض المنظمات الأوروبيّة والأمميّة على منبر زوم، الّذي انتقيته نموذجا في هذا المقال. أوّلا، الفائدة البديهيّة أنّها تمكّن المحاضرين والوفود والتّراجمة من عقد اجتماعاتهم عندما يتعسّر السّفر أو يستحيل، كما هو الحال في أيّام الحضر الصّحيّ. ثانيا، منبر زوم لا يحتاج إلى بنية تحتيّة متطوّرة ولا إلى أجهزة معقّدة، كلّ ما يحتاجه هو جهاز حاسوب أو هاتف مرتبط بالأنترنت. ثمّ إنّه لا يفرض رسوما تُدفع أو برمجية تُشترى. فالتّطبيقة  Application بسيطة وتُحمّل مجانا وتمنح المستخدم رابطا هو كلّ ما يحتاج إليه للدّخول إلى الاجتماع أو إدارته. ثالثا، يتّسع المنبر لمائة مشارك في نسخته المجانيّة. رابعا، يسمح بتبادل عروض الباوربونت PowerPoint وبالأحاديث الجانبيّةside chats . خامسا، يمكن من تنظيم اجتماعات سريعة، حتّى وإن كان الإشعار قبل سويعات قليلة من موعد بداية الاجتماع، عكس الاجتماعات الحضوريّة المباشرة الّتي تتطلّب أشهرا من التّحضيرات.

ولكن لاحظنا عيوبًا كثيرة في المنبر. أوّلا، هو لا يوفّر ضمانات كافية بحماية المعطيات الشّخصيّة وحفظ الأسرار، فالمجالس بالأمانات، ويبدو أنّ لهذا المنبر آذانًا من خلف جدرانها، أو هكذا عبّر الكثير من المشاركين في هذه الاجتماعات. فالاجتماعات السّياسيّة أو الدبلوماسيّة عادة ما تنطوي على حساسيّة مفرطة. فالإنترنت عموما، وهذه المنابر خصوصا، تُثير خشية المشاركين، خاصّة إذا كانوا يخوضون في ملفات حسّاسة من قبيل المصالحة أو وقف القتال في ليبيا أو العدالة الانتقاليّة في السّودان وقرار تسليم عمر البشير إلى محكمة الجنايات الدوليّة وغيرها من الموضوعات السريّة. ثانيا، لا توجد إلاّ لغات محدودة مبرمجة في التّطبيقة، فعلى سبيل المثال لا توجد اللّغة العربيّة، واضطررنا في أغلب الاجتماعات إلى ضبط اللّغة الانجليزيّة مع اللّغة اليابانيّة لتعوّض اللّغة العربيّة، ومع ذلك وقع إرباك شديد لدى المشاركين العرب وضاع بعض الوقت في البحث عن القناة العربيّة، ثمّ إنّ خدمة التّرجمة الفوريّة غير متوفّرة في النّسخة المجانيّة. ثالثا، تصبح التّرجمة شاقّة، بل ومستحيلة أحيانا، إذا ما تدهورت تغطية الأنترنت، وأصبح الاتّصال بها ضعيفا، لأنّها تؤثّر أيّما تأثير في جودة الصّورة والصّوت، فيتعسّر الانصات وتستحيل التّرجمة. وهناك معضلة أخرى تواجه بعض المشاركين، وخاصّة في ليبيا، تتمثّل في انقطاع التيّار الكهربائي عند بعض المشاركين أثناء الاجتماعات، فاضطرّوا إمّا إلى المغادرة أو الدّخول إلى الاجتماع باعتماد هواتفهم الذّكيّة. رابعا، في بعض الأحيان، لا يكون فضاء البيت مؤاتيا للدّخول في اجتماع رسميّ، فيتداخل الفضاءان الخاصّ والعامّ تداخلا مُعيبا، فترى في بعض الاجتماعات ابنة إحدى المشاركات تدخل عليها في خلوتها وهي تتحدّث إلى المؤتمرين، لتُشوّش بذلك على الاجتماع والمجتمعين. وأذكر أنّ أحد الاجتماعات تعطلّ لمدّة 15 دقيقة لأنّنا كنّا نستمع إلى دوي القصف على أحد أحياء مدينة طرابلس اللّيبيّة نقله إلينا مصدح أحد المشاركين، فخشي المنظّمون والمشاركون على حياته، وتغيّر بعدها مجرى الاجتماع وموضوعه.

 

يحدو النّاس أمل كبير في أنّ الأطباء والخبراء سيجدون عقاقير تعالج الفيروس ولقاحات تمنعه، وأنّ عجلة الاقتصاد ستجد طريقها إلى الانتعاش بعد النّكسة، لكنّ الزَوْبَعَة الّتي أَثَارَها الفيروس في حياة النّاس ولغتهم ومصطلحاتهم وفي مهنة التّراجمة وعالمهم كانت شديدة كلّ الشدّة، وستخلف أثارا عميقة قد تعود بعض ملامحها إلى سالف عهدها، ولكنّ معظمها سيتغيّر حتما إلى غير رجعة، فمع الفيروس تحقّقت بداية الانتقال من التّداني اللّغويّ إلى التّنائي اللّغوي بين البشر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This