الجزائريات هن الجميلات في عيني بيكاسو / فائزة مصطفى

في ظرف إحدى عشرة دقيقة فقط، بيعت لوحة “نساء الجزائر” في مزاد علني شديد التنافس بنيويورك الأميركية، قبل خمسة أعوام، بمبلغ 179.4 مليون دولار، لتغدو رائعة الفنان الإسباني الشهير، التي رسمها في عام 1955، أغلى لوحة في التاريخ. ويرى النقاد أن هذه التحفة الفنية التي فككت لوحة الفنان الفرنسي، أوجين دولاكروا، هي تحرير رائد المدرسة التكعيبية للجزائريات من نظرة الاستشراق، وجعلهن رمزًا للمقاومة، كما انتصر صاحب “غيرنيكا” لمناضلة أخرى بعد الحكم عليها بالإعدام من طرف الاستعمار الفرنسي، وأطلق اسمها على لوحته التي أنجزها في ديسمبر/ كانون الأول عام 1961، لكن أين توجد رائعة “جميلة بوباشا” المقدر ثمنها اليوم بما لا يقل عن 400 مليون دولار؟

الحكاية الكاملة لثلاث نساء في مخدعهن
لا يختلف اثنان على كون الفنان الإسباني بابلو بيكاسو (1881 – 1973) من أكثر المثقفين الملتزمين بالقضايا السياسية، لا سيما الثورة الجزائرية (1954 – 1962) التي نالت اهتمامه الشديد من خلال متابعة لما يكتب عن أحداثها في الصحف آنذاك، كما انضم إلى المبادرات الدولية المطالبة باستقلال هذا البلد، وجمعته صداقة مع الفيلسوف الفرنسي الكبير، جان بول سارتر، الذي أسس مجلة “الأزمنة المعاصرة”، وخصص فيها جانبًا كبيرًا لفضح الآلة الاستعمارية الفرنسية الهمجية، وممارسات التعذيب الوحشي في حق الشعب الجزائري المقاوم من أجل حريته. وقد دأب بيكاسو على الاشتغال على لوحة الفنان الفرنسي المستشرق، أوجين دولاكروا، وهو يستمع إلى أخبار الجزائر المنتفضة عبر راديو صغير في ورشته، وكان مشروعه الإبداعي ذاك للتنديد بالمعاناة التي تعرضت لها النساء الجزائريات طيلة الفترة الاستعمارية منذ 1830. كما استضاف الرسام الإسباني في بيته المناضلة، لويزات إغيل أحريز، في بيته بباريس، بعد فرارها من سجن “بو” جنوب شرق فرنسا، وبقيت في حماية عائلته إلى غاية عام 1962. وقد أصدرت هذه الأخيرة مذكرات “جزائرية” عام 2000، وثقت فيه شهادتها حول ما تعرضت له من تنكيل وتعذيب واغتصاب على يد العسكريين الفرنسيين.
وتعدُّ لوحة “نساء جزائريات في مخدعهن” من أجمل ما رسم أوجين دولاكروا (1798 – 1863)، حيث أنجزها عام 1833 خلال إقامته في أحد القصور العثمانية في حي القصبة بمدينة الجزائر، ثم أعاد رسمها في فرنسا في 1849، بزاوية منفرجة، وبديكور أكثر عتمة.
لوحة “نساء جزائريات في مخدعهن” للفرنسي أوجين دولاكروا

وتجسد اللوحة مشهد ثلاث نساء جالسات في غرفة، تشد إحداهن خصلات شعرها بوردة، وتمسك بالنرجيلة، بينما خادمة تبدو منشغلة وتلتفت إليهن مغادرة. يتميز هذا العمل الإبداعي الموجود في متحف اللوفر بباريس بنوع من الشاعرية، ويعبر عن الفنتازيا التي كان يستجديها المستشرقون في عوالم الحريم في المجتمعات العربية والإسلامية، لكن في الجهة الأخرى، يشكل وجهًا آخر لسياسة القمع الذي مارسها المستعمر الفرنسي بتوغله داخل النسيج الاجتماعي، والعمل على إغراء المستوطنين الأوروبيين على احتلال الشرق.
أما بيكاسو فلجأ إلى مساءلة هؤلاء الفنانين المستشرقين بعد مرور أكثر من قرن وعشرين سنة على ميلاد لوحة دولاكروا، ففكك رائد المدرسة التكعيبية عمل الرسام الفرنسي بأكثر من طريقة محدثًا قطيعة مع مدرسة الاستشراق، وأنجز خمس عشرة لوحة، وتخطيطين اثنين، بين العامين 1954 و1955، أي تزامنًا مع اندلاع الثورة الجزائرية، وحمل مشروعه دلالات سياسية وإنسانية تنتصر فيها الفنون لحرية الشعوب، فقد كان يدرك صاحب “غيرنيكا”، التي وثقت الحرب الأهلية الإسبانية، أن تحرير حريم الفنان المستشرق من تلك الصورة النمطية هو بمثابة تحرير الشعب الجزائري من هيمنة الاستعمار. ويجتمع في هذا التفسير عدد من النقاد والمفكرين على غرار الكاتبة الجزائرية، آسيا جبار، التي أصدرت مجموعة قصصية بنفس العنوان عام 1980، وكذلك مواطنها الروائي، رشيد بوجدرة، في كتابه “رسم الشرق” الصادر عام 1996.

لوحة “جميلة” التي هزت العالم من اليابان إلى واشنطن
تحويل جميلات دولاكروا إلى أيقونات للحرية والشجاعة كان مجرد استشراف من الرسام الإسباني بظهور فدائيات كن يغامرن بوضع قفف المتفجرات في الأحياء الفرنسية خلال معركة الجزائر التي دامت من يناير/ كانون الثاني إلى أكتوبر/ تشرين الأول في عام 1957، وكان من بينهن ما يعرف بجميلات الثورة: جميلة بوعزة، جميلة بوحيرد، وجميلة بوباشا، وتعرضت الثلاث لأبشع أنواع التعذيب على يد المظليين، بعد إلقاء القبض عليهن، ثم حكم عليهن بالإعدام من طرف المحكمة الاستعمارية. لكن الجميلة الأخيرة هي من اختارها بيكاسو كنموذج عن جميع المقاومات من أجل الدفاع عن القضية العادلة، فصورها بالقلم الفحمي بوجه مقهور وعينين حادتين بابتسامة خجولة. كان الرسام قد شاهد صورتها في إحدى الصحف.
لوحة “جميلة بوباشا” بريشة بيكاسو (يمين) إلى جانب كتاب جميلة بوباشا للمؤلفتين سيمون دوبوفوار وجيزيل حليمي

وليس من المبالغة اعتبار لوحة “جميلة” ضربة قاضية وجهها الفنان الإسباني إلى فرنسا، إذ ساهم العمل الفني في تأليب الرأي العام ضد السلطات الفرنسية، وفي فضح جرائمها ضد الإنسانية. وتشكلت حينها لجنة الدفاع عن هذه المناضلة في العاصمة باريس تقودها محاميتها الفرنسية من أصول تونسية، جيزيل حليمي، بمشاركة أهم الفلاسفة والمفكرين والكتاب والحقوقيين مثل: سيمون دو بوفوار، وفرنسواس ساغان، وسارتر، وجونيفياف ديغول، ولويس أراغون، وغابريال مارسيل، وسيمون فاي، وغيرهم.
وقد ذهل العالم بما تعرضت له هذه المناضلة السمراء ذات الـ 22 عامًا، بعد إلقاء القبض عليها ليلة 10 فبراير/ شباط 1960، وتعذيبها طيلة 33 يومًا من قبل الجنود المظليين الفرنسيين، رغم أن القنبلة التي اعترفت بوضعها في 1959 في مطعم الجامعة وسط الجزائر العاصمة لم تنفجر. رُحلت هذه المناضلة إلى سجون عديدة في فرنسا، لتحظى بمحاكمة مدنية سعيًا لإنقاذها من حكم الإعدام، وجرت محاكمتها من 26 إلى 28 يونيو/ حزيران 1961 في محكمة كون بمنطقة النورمندي، حيث فضحت هوية جلاديها. ألفت عنها محاميتها، رفقة الفيلسوفة، سيمون دوبوفوار، كتابًا صدر في يناير/ كانون الثاني عام 1962 عن منشورات غاليمار الفرنسية، حمل غلاف الكتاب لوحة الفنان التشكيلي الإسباني. قبل ذلك، تصدرت اللوحة واجهة جريدة “الرسائل الفرنسية” في 8 شباط/ فبراير من العام نفسه. وفي خضم هذه التعبئة، انطلقت مظاهرات مساندة لقضية المناضلة الشابة في مختلف عواصم العالم، من اليابان إلى واشنطن، مرورًا بجنيف وباريس. ليطلق سراحها نهائيًا بعد وقف إطلاق النار في 21 أبريل/ نيسان 1962.

لقاء تاريخي بين بيكاسو وإحدى شخصيات لوحاته
عرضت لوحة “جميلة بوباشا” في معارض دولية عدية، مثل معرض بعنوان “بيكاسو والحرب”، الذي احتضنه متحف الجيش في باريس من 5 أبريل/ نيسان إلى 28 يوليو/ تموز 2019. ولعل أهم حدث فني صنعته هذه اللوحة كان في متحف الفنون الحديثة والمعاصرة في الجزائر العاصمة، حيث أقيم معرض استثنائي بعنوان: “الفنانون العالميون والثورة الجزائرية” في الفترة 29 أبريل/ نيسان إلى غاية 31 مايو/ أيار 2008، وقد جُلبت رائعة بيكاسو الشهيرة تحت حراسة مشددة من مارسيليا الفرنسية، وحضرت جميلة بوباشا ليلة الافتتاح رفقة أولادها وأحفادها، صانعة لحظة تاريخية منفردة. وتتمسك في كل مناسبة يأتي فيها الحديث عن هذه التحفة بقولها: “لقد رسم بيكاسو المرأة الجزائرية”.
رسمها أيضًا الفنان التشيلي روبرتو ماتا (1911 – 2002) في عام 1961، وألف عنها الموسيقار الإيطالي لويجي نونو (1924 – 1990) مقطوعة موسيقية عشية استقلال الجزائر 1962 بعنوان: “أغاني الحياة والحب”، كما حولت قصتها إلى فيلم “من أجل جميلة” أخرجته الفرنسية كارولين هيوبار عام 2011، وجسدت دورها الممثلة والمخرجة الفرنكوتونسية حفصية حرزي. وقد طالبت جميلة بوباشا حينها بوقف تصويره بسبب عدم استشارتها حول العمل السينمائي. ألف عنها الباحث خالفة معمري بيوغرافيا ضمن سلسلة موجة للطلاب عام 2013. رفضت المناضلة كل المناصب التي عرضت عليها بعد الاستقلال. أضربت عن الطعام في سنة 1988 لمناهضة الفساد. تفرغت طيلة حياتها لوظيفتها في وزارة العمل قبل تقاعدها، وهي تبلغ اليوم 82 سنة من عمرها.
لكن ما يدعو إلى التساؤل هو مكان وجود رائعة بيكاسو، وعن أسباب غيابها عن متحف كبير يحمل اسمه في باريس، أو عن متاحف عالمية أخرى تتوزع فيها أعماله الإبداعية التي لا تقدر بثمن، مما قد يرجح امتلاك هذه اللوحة من قبل أحد الخواص، أو ورثة الفنان، فيما ترتفع أصوات ثقافية جزائرية بين الحين والآخر منتقدة عدم مشاركة الجزائر، كحكومة، أو رجال أعمال، في المزادات العلنية التي تباع فيها تحف وكنوز أثرية تتعلق بتاريخ البلد، كما حدث مع لوحة “نساء الجزائر” التي بيعت في 11 مايو/ أيار 2015.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This